ترامب ونتنياهو: الإمبراطور والفرخ

ترامب ونتنياهو تجسيدٌ لأزمات الإمبريالية والصهيونية وتصاعدٍ للهيمنة والحروب في المنطقة والعالم.

  • ترامب ونتنياهو: الإمبراطور والفرخ
    ترامب ونتنياهو: الإمبراطور والفرخ

لطالما حاولت الإمبراطوريات دفع التاريخ إلى الخلف مُستعينةً بالأساطير، لأجل تغطية فشلها بمعالجة أزماتها القديمة والحديثة، إذ لا يتورَّع قادة الإمبراطوريات عادةً عن إضرام نيران الحروب خارج حدود الإمبراطورية، وفي داخلها أحياناً، وفي كلتا الحالتين تدفعُ شعوب العالم الثمن، ولا يستثنى منه مواطنو الإمبريالية ذاتها.

ترامب ونتنياهو لا يشُذّان عن هذا السياق. من "جعل أميركا عظيمةً مُجدداً" إلى "إسرائيل الكبرى"، الإمبراطور الأميركي وفرخ الإمبريالية نتنياهو مُقتنعان بقدرتهما على استعادة ماض لم يكن موجوداً قط. والتشابه بينهما ليس سيكولوجياً فقط، بل هو تطابق نشوء "بلديهما" من مستوطنين أوغلوا في إبادة سُكّان الأرض الأصليين، وشرَّعوا على أساسها "حقوقاً" هنا، وهناك. 

ينخرط الإمبراطور والفرخ بما يعدانه مُهمَّتهما إبطاء حركة التاريخ، وإحلال الغطرسة بديلاً من كل شيء من السياسة إلى الأخلاق، والأهمُّ قتل الحقيقة، إن كانت طفلاً، أو شعباً. الإمبراطور يريد إبادة حضارة إيران التي يزيد عمرها على كل حضارات الغرب بآلاف السنوات، والفرخ يريد إبادة الفلسطينيين أولاً، ويطمح لإبادة كل من ليس من "الشعب المختار" لكن، بالتسلسل.

لم يُؤسّس ترامب الولايات المتحدة، ولا نتنياهو أنشأ "إسرائيل"، جرائمهما على فظاعتها لا تنقطع عن أفعال أسلافهما. مثلاً، يمكن النظر إلى جرائم باراك أوباما (النقيض السياسي لترامب)، بأنَّها ليست أقلَّ في المستويات كلها من جرائم جورج بوش الأب والابن، أو جو بايدن أو ترامب حالياً وغيرهم.

وحسب ما هو معروف أنَّ الولايات المتحدة نشرت عشرات الحروب ومئات التدخُّلات العسكرية في كل أنحاء الأرض، وبالكاد نعمت بسنوات سلام قليلة جداً خلال 250 عاماً الماضية. فمنذ أن تأسَّست على أنقاض أفول القوى الاستعمارية الأوروبية، ورِثت مَهامّها الإمبريالية بحكم النسب، وملأت فراغاً بحاملات الطائرات والمدافع تستضعفُ شعوب العالم، تارةً باسم "الديمقراطية"، وتارة أخرى باسم "العدالة"، وتخفي ما بينهما من تجارة ونفط وهيمنة.

إذا كانت دولة ترامب لم تنعم بالسلام في تاريخها، فـ"دولة" نتنياهو أنشأتها ميليشيات صهيونية إرهابية على العدوان من دون دستورٍ يُصرح عن حدودها ومساحتها على غرار الجمهوريات الطبيعية، لأنَّ ذلك يتعارض مع لُبِّ فكرة "إسرائيل" نفسها، "الدولة" التي تتوسع على نحو دائم، وترى في سوريا ولبنان ومصر والأردن دولاً مُؤقّتةً، إلى حين استكمال التجهيزات للانقضاض عليها في الطريق إلى "إسرائيل الكبرى"، وهو ما يحصل فعليّاً بمستويات ونسب متفاوتة منذ ثمانية عقود.

على هذا، لم تكن "إسرائيل" جمهورية أو مجتمعاً أكثر مما هي ثكنة عسكرية وظيفتها الطبيعية الحرب. وهذا قبل نتنياهو، وسيستمرُّ بعده من دون ريب، مع أنَّ نتنياهو تميَّز بين أقرانه بإصراره على أن تكون جرائم "دولته" مُمتنعةً عن النسيان، لكنه ليس فريداً كما يحب أن يظهر نفسه، وليس أكثر صهيونية من موشي ديان وبيغن وشارون، ولا حتى من شيمون بيريز صاحب مجزرة قانا و"عناقيد الغضب" وغيرها من المذابح، والذي توّجته (القيم الديمقراطية الناصعة) بجائزة نوبل لـ"السلام"، أراد أن تهيمن "إسرائيل" على المنطقة (الشرق الأوسط الجديد)، لكن عبر التطبيع، وتزاوج "قوة وذكاء دولته" مع أموال و"غباء" الدول العربية.

ينحدر ترامب من عائلة ألمانية، ونتنياهو بولندي، لكنَّهما لا يتطرَّقان إلى هذا الموضوع أبداً، فهنا تتوقَّف عملية العودة إلى الماضي عند المذكورين، ترامب يرى نفسه أميركياً منذ قبل أن "يكتشف" كولومبوس أميركا، بينما يدَّعي نتنياهو أنَّه إسرائيلي منذ نحو 3000 عام على الأقلّ. فهذا يُسهّل ظهورهما كمُؤسّسين أو مُجدَّدين لا لدولتيهما فقط، بل لمعاني الإمبريالية والصهيونية، ويزعمان أنَّهما مُكلَّفان من السماء، ترامب يُحوّل "الحلم الأميركي" إلى كابوس حقيقي للعالم والأميركيين على حد سواء، ونتنياهو يُنشّط أكاذيب وأضاليل تتزايد عن أنَّ "إسرائيل" هي الضحية لا المجرمة.

العلاقة بين الإمبريالية والصهيونية عضوية غير غامضة. لكن "إسرائيل" كانت وما تزال أداة، لا شريكة بالنسبة إلى دول الاستعمار الغربي المباشر قديماً، والاستعمار الأميركي الحديث غير المباشر. و"إسرائيل" لا تحكم أميركا كما يحلو للبعض أن يُعمّم. بالطبع اللُوبيات الصهيونية مُؤثّرة بالتوجُّهات بما يخصُّ منطقتنا تحديداً، لكنَّها غير ذي شأن بالاستراتيجيات الأميركية الكبرى، إلّا إذا كانت حروب أميركا واحتلالها لبلدان عبر المحيطات قرارات صادرة من "تل أبيب".

بهذا المعنى لا يقود الفرخ الإمبراطور، ولا يمكنه ذلك. انسجامهما زمالة بين رجلي عصابات. نتنياهو "عقائدي" وفاسد، وترامب تاجر فاسد. وهما لم يهبطا من الفضاء على كرسي السلطة. فلقد اُنتخبا. دونالد ترامب اختاره الأميركيون من وسط اليمين إلى أقصاه من جماعات البيض المتطرفة، ونتنياهو اعتمد على الصهاينة "المستعجلين" لا المتشددين فحسب، لتهويد الأرض الفلسطينية وجنوبي سوريا ولبنان بسرعة.

مع ذلك، كان وصول ترامب ونتنياهو إلى سُدَّة الحكم طبيعياً، ومُعبّراً عن أزمات مختلفة ومتراكمة في الدولتين، وعلى الأرجح كانت ناخبهم الأكبر. فالأميركيون بعد إمعان النيوليبرالية والعولمة في إفقارهم وزيادة ثروات طبقة الأوليغارشية، انتخبوا ترامب مع أنَّه نكرةٌ في عالم السياسة، وليس من الدولة العميقة، ولأنَّه مقاول "ناجح" ومصارع وتلفزيوني، وعدهم أولاً بإيقاف "الحروب الأبدية" والاستفادة من أموال تكاليفها في الداخل، وأنَّه سيقف معهم ضد المسؤولين المستغلّين في الطبقة الحاكمة. 

خان ترامب وعوده للأميركيين، ويتابع نتنياهو فشله في ترجمة ثلاث سنوات من حربه المستمرة إلى نتائج حاسمة. مع ذلك، وضع ترامب الولايات المتحدة والمنظومة الغربية أمام السؤال الصعب ماذا بعده. فإذا كانت "إسرائيل" قد عَرضت المصداقية الغربية للتآكل طوال عقود بسبب الصمت والمساهمة في جرائمها، ترامب أطاح بما تبقَّى منها. وما يزيد الطين بلَّة أنَّه ليس لدى معارضي ترامب في الولايات المتحدة وخارجها رؤية واضحة لما بعده. فالنظام الذي أتى به ترسَّخ في عهده لدرجة قد تفرض الإتيان بترامبي جديد. بينما لا يُتوقَّع إن سقط نتنياهو أن لا يأتي نتنياهو آخر قد يكون أسوأ من الحالي مع أنَّه من الصعب على أحد مضاهاته.

لقد عاش العالم منذ خمسينيات القرن الماضي في النظام الرأسمالي، الذي أنتج مُعضلات وصفر حلول من دون اعتراض يُذكر. استغلال ونهب وهيمنة وإرهاب دولة، كانت تمارس في الخفاء جعلها ترامب ونتنياهو علنية. وهُما الوقت كله يُصرّحان أنَّهما يُمثّلان التاريخ بدليل تمتُّعهما بأخلاق بدائية.

مواجهة الإمبراطور والفرخ تتطلَّب الاستفادة من سلوكهما المتوحّش المهدد بانفجار حرب كونية غير تقليدية، لإطلاق وعي عالمي ونضال مُنظَّم، لا أن تبقى المقاومة في فلسطين ولبنان وإيران واليمن شبه وحيدة، فالحرب ليست ضدَّ هؤلاء بقدر ما هي ضدّ العالم ومستقبله، مُقابل الرجعية التي يُمثلها ترامب ونتنياهو بلا أي لبس.