أزمة الهجرة غير النظامية في المغرب
اتفاقيات أبراهام تحت المحك: هل غيّرت معادلة أمن الحدود الشمالية للمغرب؟
-
أزمة الهجرة غير النظامية في المغرب
عندما وُقّع الاتفاق الثلاثي بين الرباط وواشنطن و"تل أبيب" في ديسمبر/كانون الأول 2020، قُدّم رسميًا باعتباره تحوّلًا استراتيجيًا مهمًا، إذ جمع بين استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب و"إسرائيل"، والإعلان الأميركي عن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، بما عزز رهانات الرباط على توسيع شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية.
غير أن التطورات المتلاحقة على الحدود الشمالية للمغرب، ولا سيما أزمات الهجرة غير النظامية المرتبطة بمعبر سبتة والحدود المحيطة به، والتوترات الدورية مع إسبانيا، أعادت طرح سؤال أساسي حول مدى قدرة مسار التطبيع على تحقيق المكاسب الاستراتيجية التي رُوّج لها عند التوقيع، هل أسهمت اتفاقيات أبراهام في تعزيز موقع المغرب في مواجهة تحديات الجوار الأوروبي؟
الجغرافيا لا تُدار بالتفاهمات السياسية وحدها
تُظهر التطورات الميدانية عند معبر سبتة أن الجغرافيا السياسية تظل عاملًا حاسمًا في إدارة العلاقات بين الدول، وأن التحالفات الجديدة لا تلغي ثقل المصالح المباشرة والحسابات الأمنية.
فإسبانيا، ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، تواصل التعامل مع ملفي الحدود والهجرة من منظور يرتبط بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وبالتوازن بين الاعتبارات الأمنية والإنسانية، بعيدًا عن طبيعة العلاقات التي أقامها المغرب مع شركاء دوليين آخرين.
وفي ظل تشديد الاتحاد الأوروبي سياساته المتعلقة بالهجرة واللجوء، وتزايد الضغوط على دول جنوب أوروبا للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، وجدت إسبانيا نفسها في موقع محوري باعتبارها إحدى البوابات الرئيسية للحدود الجنوبية الأوروبية.
وتشير هذه التطورات إلى أن اتفاقيات أبراهام لم تتحوّل، حتى الآن، إلى عامل مباشر في إدارة الملفات الخلافية بين الرباط ومدريد، خصوصًا تلك المرتبطة بالحدود والسيادة والهجرة، وهي ملفات ما تزال تخضع أساسًا لحسابات ثنائية وأوروبية.
حدود المظلة الاستراتيجية
استند جزء من الخطاب الرسمي المؤيد للتطبيع إلى فكرة أن الانخراط في شبكة المصالح الأميركية-الإسرائيلية سيمنح المغرب دعمًا سياسيًا أوسع، ويوفر له هامشًا إضافيًا في إدارة الملفات الإقليمية.
لكن التحول الإسباني في مارس/آذار 2022 نحو دعم مقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب لحل قضية الصحراء الغربية جاء في سياق دبلوماسي معقد، ربطه عدد من المراقبين بإدارة العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، وبالملفات المشتركة، وفي مقدمتها التعاون الأمني والهجرة والمصالح الاقتصادية، بعد الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عام 2021 إثر استقبال إسبانيا إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، للعلاج.
ويشير ذلك إلى أن أدوات التأثير الأساسية في العلاقة المغربية- الإسبانية بقيت مرتبطة بالخصوصية الثنائية بين البلدين، فيما لم يظهر حتى الآن تأثير مباشر لمسار التطبيع في الملفات التي تحكم علاقة الرباط بالاتحاد الأوروبي
كما تؤكد التطورات المتعلقة بسبتة ومليلية أن مدريد تواصل مقاربة هذه الملفات من منطلقات سيادية وأمنية مرتبطة بموقعها داخل الاتحاد الأوروبي.
الفجوة بين الاتفاقيات والواقع الاجتماعي
لا تقتصر تداعيات ملفات الحدود على بعدها الجيوسياسي، بل تكشف أيضًا عن تحديات اجتماعية واقتصادية داخلية.
فالشباب الذين يخاطرون بمحاولات العبور نحو سبتة لا تبدو دوافعهم مرتبطة بالاتفاقات السياسية الكبرى، بقدر ما تعكس صعوبات اقتصادية واجتماعية، وتطلعات إلى فرص عمل وحياة أفضل.
وهنا، يبرز الجدل الداخلي حول مسار التطبيع، إذ يرى منتقدوه أن المكاسب التي رافقت الإعلان عن اتفاقات أبراهام لم تنعكس بشكل واضح على الواقع الاقتصادي والاجتماعي، في وقت تتواصل الضغوط المرتبطة بالحدود والهجرة.
كما يتزامن ذلك مع استمرار الاحتجاجات الشعبية في المغرب ضد العدوان الإسرائيلي على غزة والمطالبة بمراجعة العلاقات مع "إسرائيل"، ما يعكس استمرار الجدل المجتمعي حول هذا المسار.
الحقيقة الجيوسياسية المجردة
تكشف أزمة الحدود في سبتة حقيقة أساسية في العلاقات الدولية، أن الأمن والاستقرار لا يرتبطان بالتحالفات الخارجية وحدها، بل يتوقفان أيضًا على موازين القوى، وفعالية إدارة العلاقات الثنائية، ومتانة الاقتصاد والجبهة الداخلية.
وتشير التجربة خلال السنوات الأخيرة إلى أن اتفاقيات أبراهام ، رغم أهميتها السياسية، لم تُحدث تحوّلًا واضحًا في طبيعة تعامل إسبانيا والاتحاد الأوروبي مع الملفات المرتبطة بالحدود والسيادة والهجرة.
في المقابل، بقيت أوراق القوة المغربية في العلاقة مع مدريد مرتبطة أساسًا بالموقع الجغرافي، والتعاون الأمني، والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وبذلك، فإن الرهان على التطبيع باعتباره مظلة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل معادلات الجوار الأوروبي يبقى محل نقاش، في ظل استمرار الأزمات الحدودية التي تؤكد أن الجغرافيا والمصالح المباشرة تظل من أبرز العوامل المحددة لمسار العلاقات الدولية.