أرجوك أعطني هذا الدواء

أزمة الدواء في تونس تكشف هشاشة المنظومة الصحية وعجز الدولة عن ضمان الحقّ في العلاج أمام الأزمات المالية.

  • أرجوك أعطني هذا الدواء
    أرجوك أعطني هذا الدواء

لم يكن يتوقّع الكاتب المصري إحسان عبد القدوس أنّ عنوان قصته الشهيرة "أرجوك أعطني هذا الدواء"، التي أنتجت فيلماً سينمائياً في ثمانينيات القرن الماضي، قد يصلح للاستعارة للتعبير عن حال التونسيين في هاته الأيام، لعلّ سياق البناء الدرامي الذي وظّف فيه هذا العنوان يختلف كلّياً عن الواقع التونسي اليوم، غير أنّ الاستعارة في تقديري فرضت نفسها صيغة وصياغة، لتعبّر عن لسان حال آلاف التونسيين من الذين واجهوا مؤخّراً أزمة شحّ في العديد من الأدوية، من جرّاء أزمة السيولة التي عرفتها الصيدلية المركزية للبلاد التونسية، بما حال دون قدرتها على سداد مستحقّات مختبرات الأدوية الأجنبية، وبالتالي عجزها عن توفير الأدوية المطلوبة في الأسواق.

البحث عن الدواء وصل إلى حدّ طلب المساعدة من الخارج

شحّ الأدوية من الصيدليات، أو انعدام البعض منها كلياً، دفع بالمرضى وأسرهم إلى الدخول في رحلات بحث طويلة ومعقّدة عن الأدوية المفقودة والحياتية ما اضطر عدداً كبيراً منهم إلى تشكيل مجموعات تضامن على مواقع التواصل للمساعدة في البحث عن الدواء وتوفيره لمستحقّيه، ومنهم من لجأ إلى طلب المساعدة من التونسيين العائدين من الخارج لجلب عدد من علب الأدوية المفقودة قدر الإمكان خلال عطلهم، بما قد يخفّف من أعباء الأزمة ولو إلى حين.

لكن رغم إشعار السلطة بخطورة الأزمة، وتداعياتها الصحية الخطيرة، لم تعرف معاناة المواطنين في البحث عن الدواء الذي يظهر في الصيدليات حيناً، ويختفي أحياناً، انفراجاً يذكر، بقدر ما تفاقمت خطورة الوضع حينما تحوّلت الأزمة من أزمة شحّ في الدواء، إلى تضاعف مهول في أسعار الأدوية المستوردة.

التهاب أسعار الأدوية من جرّاء الأزمة العالمية

فتحت عنوان ارتفاع أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وانعكاس ذلك على تكلفة الأدوية المستوردة، يتمّ الإعلان عن الترفيع في أسعار أكثر من ثلاثمئة صنف من الأدوية المستوردة (306 أدوية) بزيادة تراوحت بين 180 بالمئة إلى 500 بالمئة، ليصبح البحث عن الدواء محكوماً بقاعدة من استطاع اليه سبيلاً.

ضغط كبير على المقدرة الشرائية للمرضى وأسرهم، ما أثار استياء شعبياً واسعاً، ولا سيما أنّ الأمر يتعلّق بأمراض مزمنة، أو بأدوية حياتية لا يمكن الاستغناء عنها، حينما يتعلّق الأمر بمرضى السكري والقلب والسرطان وتخثر الدم والغدة الدرقية والهرمونات، أو المضادّات الحيوية التي تستخدم لمعالجة بعض التعفّنات الجرثومية، أو أدوية أمراض المعدة والقولون وغيرها من الأمراض التي يصعب أن تتوفّر لمعظمها أدوية جنيسة (مصنّعة محلياً) بالجدوى والفاعلية نفسها.

نحن هنا نتحدّث عن أدوية قد تنقذ في بعض الحالات حياة المرضى لكونها تقي من الجلطات، أو تضبط دقّات القلب، أدوية يصبح النفاذ إليها حكراً على فئة اجتماعية دون غيرها ممن تتوفّر لديهم الإمكانيات المادية، في دولة تعلن أنها لن تتخلّى عن دورها الاجتماعي، ويقرّ دستورها بأنّ الحقّ في الصحة حقّ دستوري للجميع (ينصّ الفصل 43 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 على أنّ الصحة حقّ لكلّ إنسان، حيث تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكلّ مواطن، وتوفير الإمكانيات الضرورية للسلامة وجودة الخدمات، فضلاً عن العلاج المجاني لفاقدي السند وذوي الدخل المحدود).

وضع دفع بالأمين العامّ للاتحاد العامّ التونسي للشغل صلاح الدين السالمي إلى المطالبة بالتراجع في أسعار الأدوية معتبراً أنّ الزيادات تأتي في إطار تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي.

وأضاف السالمي أنّ التونسيين مواطنون وليسوا رعايا، وأنّ اتحاد الشغل لن يظلّ صامتاً وسيتحرّك، مؤكّداً "الصمت تفريط في الوطن ودور الاتحاد الدفاع عن البلاد وليس الشأن الاجتماعي فحسب".

تأكيد اتحاد الشغل الدور الاجتماعي للدولة الذي يقرّه دستور البلاد أعاد إلى الأذهان أيضاً التمشّي الجديد الذي بات يتبعه صندوق التأمين على المرض، والذي ما انفكّ يرفض التغطية الصحية للعديد من العلاجات المناعية لمرضى السرطان نظراً لتكلفتها العالية، ما دفع بمئات المرضى إلى رفع قضايا استعجالية أمام المحاكم التونسية من أجل استصدار أحكام تلزم الصندوق بتوفير الدواء لإنقاذ حياتهم، ما يعني أنّ الحقّ في الحياة لم يعد مضموناً بنصّ الدستور بل ينتزع بالمغالبة.

منظومة صحية في حاجة إلى تدخّل جراحيّ

قد نجد "المبرّرات" لسياسة الصيدلية المركزية فيما يتعلّق بالترفيع في أسعار الأدوية، لكونها تواجه مصاعب مالية متأتية من عدم سداد الصناديق الاجتماعية والمستشفيات العمومية للمستحقّات المتوجّبة عليها، بدورها تواجه الصناديق الاجتماعية عجزاً مالياً متفاقماً في مجتمع يزحف نحو التهرّم، كما أنّ ميزانيات المستشفيات دون القدرة على تغطية النفقات حتى لا نتحدّث عن تحسين جودة الخدمات في مستشفيات أصبحت تؤجّل مواعيد العمليات الجراحية بالسنة أو السنتين أحياناً، وعلى المريض أن ينتظر دوره إن كان له في العمر بقيّة.

وضع المنظومة الصحية اليوم في تونس يفرض على السلطة البحث عن حلول جذرية للأزمة، بما ينقذ الصناديق الاجتماعية من الإفلاس، ويعمّم الخدمات الصحية بالجودة المطلوبة في أنحاء البلاد كافة من دون تمييز، ويحدّ من هجرة الكفاءات الطبية إلى الخارج،  فالسياسات تتجاوز المبادئ المعلنة إلى مقاربات واقعية على الأرض تحوّل المعلن إلى إنجاز، وتقطع مع الخطاب المنبت عن الواقع.