30 أيلول في العراق: انتهاء التحالف أم بداية اختبار السيادة؟
انتهاء مهمة التحالف الأميركي في العراق لا يعني انتهاء النفوذ الأجنبي، والسيادة العراقية بعد 30 أيلول لن تُقاس بخروج القوات الأجنبية فقط، وإنما بقدرة الدولة على إدارة الأمن، ومنع العراق من التحوّل إلى ساحة ضغط أميركية على إيران.
-
هل يصبح العراق ساحة الضغط التالية؟
في 30 أيلول/سبتمبر المقبل، ينتهي فصل عسكري وسياسي بدأ في العراق قبل 12 عاماً، حين تشكل "التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش". لكن التاريخ الذي يبدو، في ظاهره، موعداً لإغلاق مهمة عسكرية، أو استعادة السيادة الكاملة، يحمل في داخله أسئلة أكبر بكثير؛ كيف ستتعاطى الدولة العراقية مع ملف الأمن بعد انسحاب القوات الأجنبية؟ وكيف ستعيد تعريف علاقتها بواشنطن، وخصوصاً في ظل الحرب المستمرة على إيران؟ وكيف ستدير مهمة حصر السلاح من دون تداعيات داخلية خطيرة؟
المهم أولاً هو تحديد ما سيحدث فعلياً. فـ 30 أيلول ليس إعلاناً عن نهاية كل أشكال العلاقة بين العراق والولايات المتحدة، بل نهاية المهمة العسكرية للتحالف، وانتهاء وجود قواته وفق الجدول الذي اتفقت عليه بغداد وواشنطن عام 2024.
وقد دخلت عملية الانسحاب مرحلتها الأخيرة بعد تسلم القوات العراقية قواعد سابقة للتحالف، فيما تتواصل ترتيبات مغادرة ما تبقى من القوات. وتؤكد بغداد أن الانسحاب يجري وفق جدول متفق عليه.
المعنى السياسي لهذا التطور أهم من صور جنود التحالف وهم يفككون مقارّهم، والآليات وهي تغادر القواعد. فالاتفاق الأصلي لم يكن قائماً على قطيعة مع واشنطن، بل على انتقال من مهمة التحالف العسكرية والأمنية إلى علاقات أمنية ثنائية.
وهذا ما تريده الولايات المتحدة أيضاً: إنهاء مهمة ما تسمّيه "العزم الصلب" في العراق، مع الاحتفاظ بعلاقة أمنية وسياسية واقتصادية أوسع مع بغداد. وقد أكدت واشنطن في اتفاقات 2024 أن الانسحاب لا يعني اختفاء الشراكة، وإنما تحويلها إلى "تعاون ثنائي أكثر استدامة".
تحدي إدارة الأمن الوطني
راكمت القوات العراقية، وخصوصاً الحشد الشعبي وقوات مكافحة الإرهاب، منذ معارك تحرير المدن من "داعش"، خبرة كبيرة في العمليات البرية والاستخبارات ومكافحة الإرهاب. كما باتت المؤسسات الأمنية أكثر قدرة على إدارة العمليات من مرحلة 2014.
والحديث الرسمي العراقي اليوم يقوم على أن المؤسسة العسكرية والأمنية باتت قادرة على إدارة الأمن الوطني من دون الحاجة إلى قوة أجنبية تعمل على الأرض.
لكن القدرة على إدارة الأمن لا تعني امتلاك كل عناصر القوة التي كان يوفرها التحالف. فالقوة العسكرية الحديثة ليست عدد الجنود والدبابات فقط؛ إنها منظومة تشمل الاستطلاع الجوي، وجمع المعلومات، والمراقبة، والاتصالات، وتبادل المعلومات الاستخبارية. وهذه المجالات ستظل جزءاً من التعاون العراقي مع دول التحالف حتى بعد 30 أيلول، وهي بالتحديد ستشكل نقطة ضعف في انتقال العراق نحو السيادة الكاملة.
من هنا أيضاً تأتي أهمية الحشد الشعبي في المعادلة. فالحشد مؤسسة رسمية عراقية أُنشئت في سياق الحرب على "داعش"، وتضم تشكيلات قاتلت التنظيم وقدمت تضحيات كبيرة، بل كانت رأس الحربة في القضاء على التنظيم، وراكمت خبرات كبيرة أمنية وعسكرية، فضلاً عن انتشارها الواسع على امتداد الجغرافيا العراقية.
لكن المشكلة التي تواجه الحكومة اليوم ليست في وجود مؤسسة أمنية رسمية بهذا الاسم، وإنما في ازدواجية بعض التشكيلات بين موقعها داخل الدولة وامتلاكها قراراً وسلاحاً لا يخضعان بصورة كاملة للقرار الأمني المركزي، بحسب ما تعلن أوساط الحكومة.
ولذلك، فإن إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل ليست مسألة إدارية، بل هي جزء من إعادة بناء مفهوم الدولة نفسه، وإقناع هذه الفصائل بأن الدولة باتت قوية وممسكة بقرارها السيادي، وهو ما يضع الحكومة أمام مهمة بناء صيغة وطنية تقود إلى تنظيم السلاح وإخضاع قرار استخدام القوة للدولة، من دون تحويل الملف إلى مواجهة داخلية.
وهذا يفسر لماذا يتقاطع موعد الانسحاب مع ملف حصر السلاح، بل وتكون مناقشة الملف الثاني تابعة لإنجاز الأول، وبينما يمضي الانسحاب وفق الموعد المحدد، لا يبدو ملف حصر السلاح مساراً يمكن إنجازه بقرار سريع؛ فهو يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والعسكرية التي تشكلت في سنوات الحرب على "داعش"، على الرغم من أن الحكومة بدأت بالفعل مساراً لتسليم الأسلحة وفك الارتباط، فيما لا تزال فصائل أخرى ترفض التخلي عن سلاحها.
شكلٌ جديد للتدخل الخارجي
بحسب المحسوبين على الحكومة، فإن خروج القوات الأجنبية يفترض أن يقوّي منطق حصر السلاح بيد الدولة. ويرون في المقابل، أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من السيادة لا يمكن أن يكتمل إذا بقي قرار الحرب والسلم موزّعاً بين مؤسسات الدولة وقوى مسلحة أخرى.
لكن الفصائل لا تؤيد هذا الطرح، وترى أن انتهاء مهمة التحالف العسكرية لا يعني انعتاق العراق من نير التدخلات الخارجية، وخصوصاً الأميركية والخليجية، بل يعني ربما انتقالاً إلى مرحلة أخرى من التدخل، قد تكون أكثر تعقيداً وأبلغ تأثيراً، وقد بدأنا نرى بوادر هذه المرحلة، من خلال الضغط الاقتصادي وتأخر الرواتب وتحريك الشارع العراقي في مظاهرات مطلبية، وأحداث أمنية متفلتة، نسمع أخبارها كل يوم.
وهذا يضاف إلى محاولة إعادة الخطاب الطائفي المقيت أو استعادة فترة حكم صدام حسين والتمجيد بها، وخصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يفتح الباب أمام محاولات استثمار الأزمات الداخلية والاحتقان الاجتماعي في الضغط على القرار العراقي وضرب السيادة المستعادة في مقتل.
هل يصبح العراق ساحة الضغط التالية؟
وإذا وسعنا الدائرة قليلاً فإننا يجب ألا ننفي هذه السردية، خصوصاً في ظل الاستعصاء الأميركي في مضيق هرمز، وعدم القدرة على تحقيق نصرٍ على إيران، ما يجعل واشنطن تلجأ إلى أوراق أخرى للضغط على طهران، وقد تكون الورقة العراقية إحدى أهم الأوراق بيد ترامب، وأكثرها هشاشة للتدخل والتأثير.
لكن، هذا هو الموضع الذي ستتحدد فيه أيضاً طبيعة العلاقة مع إيران. فليس من الدقيق اختزال المسألة بالقول إن خروج الأميركيين يعني تلقائياً انتصاراً إيرانياً في العراق، أو التصور الساذج بأن الفراغ الناتج عن الانسحاب الأميركي ستملأه إيران حتماً. طهران تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً عميقاً في العراق.. هذا مؤكدٌ ولا شك فيه، وهذا النفوذ لا يرتبط بوجود القوات الأميركية أو انسحابها. لكن انتهاء الوجود العسكري للتحالف يزيل إحدى أهم ساحات التنافس المباشر بين واشنطن وطهران داخل العراق، وينقل التنافس إلى ساحات أخرى.
بالنسبة إلى إيران، الأفضل هو عراق مستقر، قريب سياسياً وأمنياً، ولا يشكل منصة لتهديدها. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن إنهاء المهمة العسكرية لا يعني خسارتها العراق، بل الحفاظ على النفوذ من خلال "شراكة" من نوع آخر، اقتصادية وتسليحية واستخبارية، وربما منصة للضغط والتأثير المستمر في المنطقة.
أما مصلحة بغداد فتفترض ألّا يتحوّل البلد إلى منطقة نفوذ حصرية لأي طرف، وأن تتحوّل علاقاته الخارجية من سياسة المحاور إلى سياسة المصالح. وهذا ربما يكون أبرز تحدٍ أمام حكومة علي الزيدي.
ربما لا يتمثل الخطر الأكبر بعد 30 أيلول بعودة "داعش" إلى المدن العراقية كما حدث في 2014؛ فالمشهد الأمني مختلف اليوم. بل الخطر هو أن يؤدي ضعف التوافق الداخلي والضغوط الخارجية الجديدة إلى إنتاج فراغ سياسي وأمني تستغله أطراف متعددة. وإذا تحوّلت عملية حصر السلاح إلى مواجهة داخلية، فإن الدولة ستجد نفسها أمام معادلة خطيرة؛ حكومةٌ مطالبةٌ بإثبات سيادتها أمام شعبها وأمام الفواعل الخارجيين، وفصائل تمتلك قدرات عسكرية وسياسية واجتماعية، ووضع إقليمي شديد التوتر.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي في 30 أيلول سيتمثل بقدرة العراقيين على إدارة اليوم التالي. نجاح الانسحاب يعني أن بغداد تستطيع أن تحوّل نهاية المهمة الأجنبية إلى بداية مرحلة من السيادة الفعلية، لا مجرد تغيير في شكل الوجود الأجنبي.
وهذه المرحلة تحتاج إلى ثلاثة شروط واضحة:
- قرارٌ سياسيٌ وأمنيٌ واحدٌ وقويٌ ينطلق من الثوابت الوطنية.
- حلٌ لقضية السلاح بتوافق وطني ومن دون تداعيات داخلية.
- علاقاتٌ خارجيةٌ، مع أميركا وغيرها، تقوم على المصلحة العراقية لا على الاصطفاف.
وهذه الشروط الثلاثة ليست ملفات منفصلة؛ بعضها يقود إلى بعض. كلما قويت الدولة في الداخل، ازدادت قدرتها على موازنة علاقاتها في الخارج، وكلما امتلكت قرارها الأمني والاقتصادي، ضاقت قدرة الآخرين على استخدامها للضغط على الجيران.
عندها فقط يمكن أن يصبح 30 أيلول تاريخاً لانتقال العراق إلى السيادة الوطنية الحقيقية. أما إذا بقيت الدولة مثقلة بالضغوط الأميركية والإقليمية وعاجزة أمامها، وغير قادرة على اجتراح حلول وطنية لملفات السلاح وغيره، فإن انتهاء مهمة التحالف لن ينهي المشكلة؛ بل سينقلها إلى الداخل.