"حرب التوقيت" وشلّ الإرادة الأميركية... هل تتحقّق "معادلة نوفمبر" المحتملة؟
التصعيد حول مضيق هرمز وتحول ازمة الطاقة الى ورقة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، مع استفادة ايران والصين من هشاشة البدائل الغربية وتعدد نقاط الضعف السياسية والاقتصادية، بما قد يعيد تشكيل موازين القوى الدولية.
-
"حرب التوقيت" وشلّ الإرادة الأميركية... هل تتحقّق "معادلة نوفمبر" المحتملة؟
نشر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، عبر حسابه الرسمي على منصة "X":
"إذا استمرت الحرب الاقتصادية، فلن يتم تصدير قطرة نفط واحدة، سواء عبر مضيق هرمز أو أي مكان في الخليج الفارسي. وستعتبر إيران مشاركة أي دولة أو دعمها للحرب الاقتصادية الأميركية ضد الشعب الإيراني عملاً حربياً أو عدائياً...".
جاء هذا التهديد في لحظةٍ تتصاعد فيها الضغوط الاقتصادية والعسكرية على طهران، فيما أصبحت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شديدة الاضطراب. وقد نقلت وكالة "رويترز" عن رضائي تهديده بوقف صادرات النفط عبر مضيق هرمز والخليج، في وقت أدّت فيه الهجمات والتهديدات إلى شلّ حركة الناقلات والملاحة عموماً عبر المضيق ورفع أسعار النفط والمخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية.
هذا التهديد نقل الصراع من مرحلة استنزاف الإرادات إلى استراتيجية يمكن وصفها بـ"حافة الهاوية الطاقوية"، أي استخدام الموقع الجغرافي الإيراني لرفع تكلفة الحرب الاقتصادية إلى مستوى تصبح معه تداعياتها عبئاً مباشراً على خصوم إيران وحلفائهم.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممرّ بحري ضيق، بل هو إحدى أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية. ووفق منظمة الطاقة الدولية "International Energy Agency (IEA) "، مرّ عبره في عام 2025 متوسّط يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً.
ومن هنا، فإن أي إغلاق طويل الأمد للمضيق لا يمثل مشكلةً إيرانية أو خليجية فحسب، بل يمكن أن يتحوّل إلى صدمةٍ عالمية في الطاقة والنقل والتأمين والتضخم.
مع اقتراب توقيت نوفمبر الحرج: ضغط سياسي في واشنطن وشتاء مكلف في أوروبا
إذا امتد التصعيد إلى نوفمبر، فلن يكون التوقيت محايداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة بسبب استحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر 2026، أو ما يُسمّى بمرحلة "البطة العرجاء" بالمعنى التقليدي الذي يلي الانتخابات الرئاسية.
خلال هذه الفترة، تتمّ إعادة انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضواً، وإعادة انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ تقريباً (حوالي 33 إلى 34 مقعداً من أصل 100)، وإجراء انتخابات لاختيار حكام جدد في عدد كبير من الولايات.
هذه الاستحقاقات الثلاث ستلقي بثقلها على أسعار الوقود والتضخم وكلفة الحرب وعوامل سياسية أميركية حساسة أخرى.
لكنّ نقطة الضعف الأكبر ستصيب الحلفاء الأوروبيين والآسيويين. فقد أظهرت الأزمة الحالية مدى حساسية الأسواق أمام اضطراب الملاحة في هرمز. هذا ما أشارت إليه منظمة الطاقة الدولية في أحدث تقريرٍ لها بشأن تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر المضيق، التي شهدت تراجعاً حاداً، في ظلّ القدرة المحدودة للسفن على تجاوز الممرّ.
ومع اقتراب فصل الشتاء، ستزداد أزمة أوروبا بعدما قلّص الاتحاد الأوروبي اعتماده على الغاز الروسي وأصبح أكثر ارتباطاً بالأسواق العالمية للغاز الطبيعي المسال.
وبذلك، فإن صدمة هرمز لا تعني فقط ارتفاع سعر برميل النفط، بل يمكن أن تمتدّ إلى أسعار الغاز والكهرباء والنقل والسلع الأساسية، وهو ما يجعل الحكومات الأوروبية أكثر حذراً تجاه الدخول في مواجهةٍ طويلةٍ ومفتوحة.
"الانفصال الأميركي الطاقوي" وانكشاف الحلفاء
في سياق ما يُسمّى بـ"المرحلة الانتقالية"، لجأت الولايات المتحدة مؤقتاً إلى تأمين مخزونها النفطي، بانتظار "حسم ملف هرمز"، إذ تمتلك واشنطن هامشاً أوسع نسبياً من معظم حلفائها لتحمّل الصدمة النفطية المباشرة. فقد بلغ إجمالي صادرات الطاقة الأميركية مستوى قياسياً في 2025، متجاوزاً الواردات بفارقٍ كبير، إذ تزعم إدارة معلومات الطاقة الأميركية في بياناتها المستحدثة أنّ الولايات المتحدة قد حققت في 2025 صافي صادرات طاقة بلغ 11 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية "BTU"، وهو مستوى قياسي، كما أُدرجت واشنطن على لائحة منتجي النفط الخام في العالم، بمتوسط إنتاج قياسي بلغ 13.6 مليون برميل يومياً في 2025، وفق المصدر ذاته>
من ناحيةٍ أخرى، لم يكن الهجوم الفاضح على فنزويلا خطوةً عبثيّة؛ فامتلاك موقعٍ قريب من السوق الأميركية ومصدر نفطي ضخم خارج منطقة الخليج يمنح واشنطن هامشاً إضافياً لتنويع مصادر الإمداد في حال طال اضطراب الشرق الأوسط. فنزويلا كانت بمثابة "الورقة الرابحة المستترة" بالنسبة إلى الولايات المتحدة، والتي تمّ الكشف عنها لاحقاً مع التأجّج التدريجي للأزمة.
لكن يجدر في هذا السياق التمييز بين امتلاك احتياطيات نفطية ضخمة وبين القدرة على تحويلها فوراً إلى إنتاج قابل للتصدير. فالإنتاج والبنية التحتية والمصافي وخطوط النقل تحتاج إلى استثمارات ووقت، ولذلك لا يمكن لفنزويلا أن تحلّ محل تدفقات هرمز بصورةٍ فورية.
وانطلاقاً من هذه المسلّمة، تصبح فنزويلا ورقة استراتيجية طويلة الأمد في معادلة الطاقة أكثر من كونها حلاً فورياً لصدمة هرمز.
هذه "الحماية" النسبية لا تعني أنّ واشنطن محصّنة. فالولايات المتحدة تعمل داخل سوق نفط عالمية؛ وأي ارتفاعٍ حادٍّ في السعر العالمي سينعكس على المستهلك الأميركي حتى لو لم يكن النفط المستهلك محلياً قادماً من الخليج.
الانكشاف الأكبر يبقى منصبّاً على الحلفاء، لا سيما الدول الأوروبية والآسيوية التي تعتمد بدرجةٍ أكبر على تدفقات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
وهنا تكمن المفارقة: هل ستقوم الولايات المتحدة بحماية حلفائها من التداعيات التي لا تستطيع اقتصاداتهم امتصاصها بسهولة؟ أم أنها ستنفُذُ بريشها ومن بعدها الطوفان؟
حدود البدائل اللوجستية الغربية: عجز عن التعويض الكامل
في حال إغلاق مضيق هرمز، لن تكون المشكلة الغربية في كيفية "إيجاد بديل نظري" فحسب، بل في قدرة هذه البدائل على استيعاب كمياتٍ ضخمة من الخام والغاز بالسرعة نفسها ومن دون إحداث صدمة في الأسواق.
من جهتها، تؤكد وكالة الطاقة الدولية أنّ خيارات تجاوز المضيق محدودة، وأنّ السعودية والإمارات تمتلكان بعض مسارات التصدير البديلة، لكنّ هذه المسارات لا تعادل حجم التدفقات التي تمرّ عبر هرمز.
طريق رأس الرجاء الصالح: بديلٌ مكلف وبطيء
يمكن تحويل جزء من الناقلات إلى طرق بحرية أطول، لكن ذلك يعني زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود وأجور الناقلات وأقساط التأمين. ومع ارتفاع الطلب على السفن، تتحوّل تكلفة الالتفاف إلى عنصرٍ إضافي في ارتفاع أسعار النفط والمنتجات النفطية.
ستنعكس هذه التداعيات على أسعار الشحن. فقد أوردت "رويترز" أنّ أسعار الشحن من عُمان إلى الصين ارتفعت إلى نحو 140 ألف دولار يومياً للناقلة، أي أربعة أضعاف مستويات ما قبل الأزمة.
خطوط الأنابيب: قدرةٌ محدودة لا تعوّض البحر
تمثل خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية أهم البدائل الفورية، لكنها لا تستطيع استيعاب كامل التدفقات التي تمرّ عبر هرمز.
ولهذا، تستطيع هذه الشبكات تخفيف الصدمة لا إلغاءها، فحتّى عندما تتوافر قدرةٌ إضافيةٌ عبر الأنابيب، يبقى جزءٌ كبيرٌ من التدفقات بحاجةٍ إلى النقل البحري عبر مساراتٍ أطول.
النفط الأميركي والكندي: زيادة الإنتاج ليست حلاً فورياً
يمكن للولايات المتحدة وكندا زيادة بعض الإمدادات وإعادة توجيه صادراتٍ من مناطق أخرى، لكن ذلك لا يمثّل حلاً فورياً.
فالزيادة المستدامة في الإنتاج تحتاج إلى استثمارات وبنية تحتية ووقت، فيما تتسارع وتتواتر صدمة هرمز إلى الأسواق خلال أيام. وحتى إعادة توزيع الإمدادات القائمة ستؤدي إلى منافسة شرسة بين المستوردين على الشحنات المتاحة، وهو ما يرفع الأسعار.
المخزونات الاستراتيجية: وسادةٌ مؤقتة
يمكن للمخزونات النفطية الاستراتيجية أن تخفّف الصدمة الأولية، لكنها لا تستطيع أن تحلّ مكان تدفقاتٍ ضخمة ومستمرة لفترةٍ طويلة.
وقد اضطرت دول وكالة الطاقة الدولية بالفعل إلى اللجوء إلى آلية جماعية للسحب من المخزونات الاستراتيجية. وقد أوضحت الوكالة " أنّ الدول الأعضاء تمتلك أكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات الطارئة، إضافةً إلى نحو 600 مليون برميل من مخزونات الصناعة الخاضعة للالتزامات الحكومية. لكنّ ضخّ هذه الكميات يعالج النقص المؤقت ولا يلغي المشكلة إذا استمر إغلاق هرمز.
إعادة توزيع التجارة العالمية: نقل الأزمة بدلاً من حلّها
يمكن للأسواق الغربية محاولة الحصول على النفط من منتجين آخرين في أفريقيا والأميركتين وشمال أوروبا، لكن ذلك لا يؤمّن بالضرورة نفطاً إضافياً؛ بل يعيد توزيع الكميات المتاحة.
وهذا يعني أنّ أوروبا وآسيا ستدخلان في منافسة مباشرة على الشحنات البديلة، ما يرفع الأسعار ويزيد تكاليف النقل والتأمين ويضاعف الضغوط التضخمية.
وعليه، فإن المعضلة الغربية الأساسية ليست غياب البدائل تماماً، بل عدم امتلاك أي بديلٍ قادرٍ بمفرده على استيعاب صدمة هرمز بالحجم والسرعة نفسيهما.
فخطوط الأنابيب محدودة، والمسارات البحرية البديلة أطول وأكثر كلفة، وزيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت، والمخزونات الاستراتيجية مؤقتة، بينما تؤدي إعادة توزيع الإمدادات العالمية إلى رفع الأسعار بدلاً من تعويض النقص.
إيران: إيران على نهج "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة"
أما بالنسبة إلى إيران، فالصورة مختلفة: طهران لا تعتمد على مسارٍ واحد لتصدير نفطها. لقد بَنَت خلال سنوات العقوبات شبكة من الناقلات والوسطاء وشركات التجارة وإعادة الشحن التي تسمح لها بالوصول إلى المستهلك، وفي مقدمتهم الصين.
وتشير "رويترز" في هذا الإطار إلى أنّ الصين بقيت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وأنّ جزءاً من هذه التجارة يجري عبر شبكات تجارية معقّدة وبعملات غير الدولار، فيما يتمّ أحياناً تغيير منشأ الشحنات أو استخدام هياكل ملكية ووسطاء للالتفاف على العقوبات، مضيفةً بأنّ إيران استخدمت أيضاً التخزين العائم، مع وجود كميات كبيرة من النفط الإيراني المخزّنة في ناقلات خارج مناطق الحصار.
جدلاً، إذا افترضنا أنّ "أسطول الظل" ليس بديلاً سحرياً لإيران وفق المزاعم الغربية، لكنه يمنحها هامشاً من المرونة اللوجستية يسمح لها بتخزين النفط وإعادة توجيه بعض الشحنات والاستمرار في التعامل مع المشترين الآسيويين حتى تحت ضغط العقوبات.
طبيعة التحركات الشرقية المتزامنة: سيناريو لا حقيقة مثبتة
إذا تحوّلت أزمة هرمز إلى مواجهة عسكرية واسعة، حينها لن يتعلّق السؤال بإيران وحدها، بل بقدرة الولايات المتحدة على توزيع مواردها بين عدة مسارح استراتيجية.
الدب الروسي بالمرصاد
يمكن لموسكو أن تستفيد من أي فترة انشغال أو انقسام سياسي في واشنطن لتكثيف حربها الهجينة ضد أوروبا، ليس عبر فتح جبهة عسكرية مباشرة مع "الناتو"، بل من خلال توسيع عمليات التخريب والهجمات السيبرانية والتضليل والتدخل السياسي واستهداف البنية التحتية الحيوية. وقد حذّر حلف "الناتو" في يوليو/تموز 2026 من استمرار الهجمات السيبرانية الروسية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والمؤسسات الحكومية في دول الحلف. من جهته، أكّد جهاز العمل الخارجي الأوروبي مؤخراً أنّ أوروبا شهدت تصاعداً في الهجمات السيبرانية، والتخريب، والتدخل المعلوماتي، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية البحرية، وغيرها من الأنشطة الهجينة المرتبطة بصورةٍ متزايدة بالسلوك الروسي.
والأهم أنّ هذا السيناريو ليس افتراضاً بلا أساس. فقد خلص تحليل حديثٌ لمؤسسة "كارنيغي أوروبا" إلى أن انشغال الغرب بأزماتٍ أخرى، لا سيما الشرق الأوسط، قد يمنح الكرملين فرصةً لتكثيف الضغط الهجين على أوروبا، بهدف اختبار حدود استعداد "الناتو" العسكري، وإضعاف التماسك الأوروبي، وتقويض الوحدة عبر الأطلسي، وتقليص الدعم الغربي لأوكرانيا.
ويشير المعهد البحري الأميركي إلى تصاعد عمليات التخريب والتدخل السياسي والهجمات السيبرانية وانتهاكات المجال الجوي المنسوبة إلى روسيا في أوروبا.
وبالتالي، فإن الورقة الروسية الأكثر واقعية في فترة الانشغال السياسي الأميركي تقوم على استغلال مرحلة تشتّت انتباه الولايات المتحدة لتوسيع الضغط على أوروبا، وزيادة الشكوك في الضمانة الأمنية الأميركية، ودفع الحلفاء الأوروبيين إلى تحمّل عبءٍ دفاعي وسياسي أكبر. وهذا يتوافق أيضاً مع تقييم "الناتو"، الذي يتّهم روسيا باستخدام حملةٍ واسعة من الأعمال الهجينة مثل التدخل السياسي، والتضليل، والإكراه الاقتصادي.
استحقاق نوفمبر، نافذة هشاشة: كيف يمكن للصين تحويل أزمة هرمز إلى ضغط على الولايات المتحدة؟
الفرصة الذهبية أمام بكين تكمن في إجبار الولايات المتحدة على توزيع قدراتها بين الشرق الأوسط والمحيطين الهندي والهادئ، في لحظةٍ تصبح فيها الإدارة الأميركية أكثر حساسية للضغط الاقتصادي والسياسي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وقد سبق وحذّرت تايوان من أنّ انشغال الولايات المتحدة بالحرب في الشرق الأوسط يمكن أن يخلق لبكين فرصة لزيادة الضغط عليها، فيما نقلت "رويترز" أنّ تايبيه تخشى استغلال الصين للتشتّت الأميركي الناتج عن الحرب.
ولا يعني ذلك أن بكين ستتجه بالضرورة إلى غزو تايوان أو إلى مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية. السيناريو الأكثر واقعية هو أن تستخدم الصين استراتيجية الضغط المتدرج: تكثيف الدوريات الجوية والبحرية حول تايوان، توسيع المناورات، زيادة نشاط خفر السواحل، اختبار ردود فعل واشنطن، وربما خلق أزمات محدودة ومتزامنة في بحر الصين الجنوبي أو حول تايوان. فكل خطوة من هذا النوع ستفرض على البنتاغون إبقاء المزيد من القوات والقدرات في المحيط الهادئ، في وقتٍ تحتاج فيه واشنطن إلى موارد ضخمة لحماية قواعدها ومصالحها وخطوط الملاحة في الشرق الأوسط.
وتكشف التطورات الأخيرة أنّ هذا السيناريو ليس افتراضاً نظرياً بالكامل. ففي أغسطس/آب، أفادت "Reuters" بأنّ طائرة استطلاع تابعة للبحرية الأميركية عبرت مضيق تايوان، بينما راقبتها القوات الصينية؛ وجاء هذا الحدث قبل قمّةٍ مرتقبة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ، وفي ظل استمرار التوتر حول تايوان والتكنولوجيا والتجارة.
وفي المقابل، سبق أن نقلت رويترز أن تايوان تعتبر الضغط العسكري الصيني المستمر أحد أهم مصادر خطر اندلاع أزمة في المنطقة.
من جهتها، لا تستطيع الولايات المتحدة التعامل مع الشرق الأوسط والمحيط الهادئ باعتبارهما مسرحاً واحداً. فالمسافة الجغرافية بين الخليج وتايوان تعني أنّ أي تعزيز أميركي في إحدى المنطقتين يأتي على حساب المرونة العملياتية في الأخرى. ولذلك، فإن إطالة أزمة هرمز بحد ذاتها قد تخدم الصين إذا أدّت إلى إبقاء حاملات الطائرات والطائرات المقاتلة والدفاعات الجوية والقوات البحرية الأميركية في الشرق الأوسط لفترة أطول لتجنّب فراغ إضافي في الشرق الأوسط، ما يترتّب على واشنطن رفع كلفة حماية المصالح الأميركية هناك، وهذا ما تصبو إليه الصين تحديداً.
هذه الحرب كشفت بالفعل حدود القوة الأميركية وقدرتها على تحقيق أهداف سياسية من خلال "التفوق العسكري" فقط. واستناداً إلى تحليل "Carnegie Endowment for International Peace"، جرى التأكيد على أنّ حرب إيران أعادت تشكيل سلاسل الإمداد واختبرت التحالفات، وكشفت حدود التفوق العسكري الأميركي في التأثير في النتائج السياسية.
وهكذا يصبح كل من هرمز وتايوان جزءاً من معادلة استراتيجية واحدة: كلما طال أمد الأزمة في إحدى المنطقتين، ارتفعت قيمة الضغط في المنطقة الأخرى.
النفط: نقطة الضعف الأميركية التي تستطيع الصين التعامل معها بصورة مختلفة
أما الورقة الصينية الاقتصادية فمختلفة. فقد كشفت أزمة هرمز أن الطاقة أصبحت إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها. وفي أبريل/نيسان، وصفت "Reuters" الاقتصاد بأنه نقطة الضغط التي كشفتها حرب إيران بالنسبة إلى إدارة ترامب، مشيرة إلى أن أزمة هرمز والارتفاعات النفطية تفرض ضغوطاً داخلية على الإدارة الأميركية.
لكنّ الصين لديها قدرة مختلفة على إدارة الصدمة. فهي تستطيع زيادة الاعتماد على النفط الروسي، وتنويع مصادر الاستيراد، واستخدام مخزوناتها، وخفض الطلب على المنتجات النفطية من خلال صادرات الوقود وسياسات الطاقة المحلية. وقد خلص تحليل "Carnegie Endowment for International Peace" إلى أن الصين والهند، باعتبارهما من أكبر مشتري النفط الخليجي، تضررتا بشدة من إغلاق المضيق، لكن الأزمة جعلت النفط الروسي أكثر أهمية بالنسبة إليهما، وهو ما يعزز موقع موسكو في سوق الطاقة الآسيوية.
ويخفف من وطأة تعرضها للصدمة، مع ترك المنافسين يتحملون الجزء الأكبر منها؛ فالصين ليست بحاجة إلى التسبب في ارتفاع الأسعار كي تستفيد؛ يكفيها أن تكون قادرة على تحمل أسعار مرتفعة لفترة أطول من بعض الاقتصادات الغربية، وأن تستفيد من ضعف الطلب العالمي الناتج عن التضخم في الوقت الذي تحاول فيه المحافظة على قدرتها التصديرية.
والأخطر بالنسبة إلى واشنطن أنّ أزمة الطاقة تأتي في توقيت سياسي حساس. فارتفاع أسعار البنزين والوقود لا يبقى مشكلة جيوسياسية مجردة، بل يتحول بسرعة إلى مشكلة داخلية تمس التضخم وكلفة المعيشة وثقة الناخبين. ومن هنا يمكن للصين أن تستفيد من هرمز من دون أن تتحكم بالمضيق أصلاً: يكفي أن تستغل التداعيات الاقتصادية للأزمة وتمنع واشنطن من الالتفاف عليها بسهولة.
النفط الإيراني: الصين كصمام أمان لإيران وكعب أخيل للعقوبات الأميركية
وتظهر أهمية الصين بصورة أوضح في علاقتها بالنفط الإيراني. ففي 24 أغسطس/آب، أفادت "Reuters" بأنّ الصين لا تزال أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، رغم الضغوط الأميركية المتزايدة والعقوبات المفروضة على الشركات المرتبطة بهذه التجارة. وأشارت الوكالة إلى أن بعض هذه العمليات تتم من خلال شبكات تجارية معقدة، وأن المدفوعات يمكن أن تتم بالعملة الصينية، فيما يتم أحياناً تغيير منشأ النفط في الوثائق التجارية.
وهذه العلاقة تمنح بكين ورقة استراتيجية شديدة الحساسية. فإذا قررت واشنطن تشديد العقوبات على إيران، فإنها ستضطر في الوقت نفسه إلى التعامل مع حقيقة أن جزءاً مهماً من الاقتصاد الإيراني أصبح مرتبطاً بالسوق الصينية. وإذا قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات ثانوية واسعة على البنوك والشركات الصينية، فإنها تخاطر بتحويل العقوبات من أداة ضغط على إيران إلى أزمة مباشرة مع الصين.
بالضبط، هذا ما بدأ يظهر في آب/أغسطس. فقد أفادت رويترز بأنّ واشنطن وسّعت تهديدها بالعقوبات الثانوية ضد الدول والشركات التي تتعامل مع إيران، لكنها لم تستهدف حتى الآن المؤسسات المالية الصينية الكبرى المرتبطة بتجارة النفط الإيراني.
وهنا تستطيع الصين أن تستخدم الأزمة لمعادلة الضغط الأميركي: كلما حاولت واشنطن خنق إيران اقتصادياً، أصبح عليها أن تقرّر ما إذا كانت مستعدة لتحويل المعركة إلى مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين.
اليوان: تحويل أزمة هرمز إلى تحدٍّ للدولار
البعد الأكثر استراتيجية للأزمة هو أنّ تجارة النفط الإيرانية مع الصين باشرت تدريجياً في تهميش اعتماد بعض العمليات القائمة سابقاً على الدولار وإضعاف هيمنته، ما يوفّر للصين مختبراً عملياً لتطوير قنوات دفع بديلة.
هذه النقطة بالتحديد في غاية الأهمية لأنّ قوة العقوبات الأميركية تعتمد بدرجةٍ كبيرة على مراقبة واشنطن للنظام المالي العالمي ومعاقبة الجهات التي تستبدل الدولار بعملات أخرى. وكلما تمكّنت الصين من إنشاء شبكات مستقلة لتسوية تجارة الطاقة، تقلّصت تدريجياً قدرة الولايات المتحدة على تحويل الدولار إلى أداة ضغط أحادية الجانب.
لكن أزمة هرمز ستدفع بعض الدول المنتجة والمستوردة للطاقة إلى التساؤل: ماذا لو لم تعد تجارة النفط مرتبطة حصراً بالنظام المالي الأميركي؟
المعادن النادرة: السلاح الذي يمكن أن يضرب الصناعة الأميركية من الخلف
إذا كان النفط هو جوهر الأزمة الاقتصادية، فإنّ المعادن النادرة هي نقطة الاختناق الأولى المرتبطة بالصناعة والدفاع. والصين تعرف جيداً حجم قوتها في هذا المجال.
ففي يونيو/حزيران، أفادت "رويترز" بأنّ بكين أضافت شركات أميركية، من بينها "MP Materials" و"USA Rare Earth"، إلى قائمة القيود على صادرات السلع ذات الاستخدام المزدوج، في خطوةٍ جاءت ردّاً على إجراءات أميركية ضد شركات صينية.
والأهم أن تأثير هذه السياسة لا يقتصر على قطاع التكنولوجيا المدنية فحسب. فقد ذكرت الصحيفة في يوليو/تموز أنّ التنفيذ الكامل للقيود الصينية على صادرات المعادن النادرة يمكن أن يعرّض إنتاجاً خارج الصين "downstream" بقيمة تصل إلى 6.5 تريليون دولار للخطر.
مؤشراتٌ بارزة أكّدت على حساسية الصناعة الأميركية تجاه هذه الورقة. ففي مايو/أيار، نقلت "رويترز" عن الممثل التجاري الأميركي أنّ صادرات المعادن النادرة الصينية إلى الولايات المتحدة شهدت تحسناً ملحوظاً، لكنه أقرّ بأنّ بكين لا تزال تتباطأ في الموافقة على بعض الشحنات، ما دفع المسؤولين الأميركيين إلى التدخل نيابةً عن الشركات المتضررة.
وهذا يمنح بكين خياراً بالغ الخطورة في حال تزامن الضغط العسكري مع أزمة هرمز: ليس من الضروري فرض حظر كامل على المعادن النادرة. يكفي تشديد تراخيص التصدير، أو تأخير الموافقات، أو تقييد العناصر الأكثر حساسية للصناعات العسكرية والطيران والإلكترونيات، لكي ترتفع كلفة الإنتاج الأميركي وتزداد صعوبة تعويض الإمدادات.
لماذا قد يكون نوفمبر (الافتراضي) لحظة مثالية؟
لأنّ كل هذه العناصر يمكن أن تتقاطع في توقيتٍ سياسيٍّ واحد. فالولايات المتحدة قد تدخل نوفمبر وهي تواجه في الوقت نفسه أزمة طاقة، واستنزافاً عسكرياً في الشرق الأوسط، وضغطاً على الميزانية، وتنافساً حاداً مع الصين، وحساسية انتخابية تجاه أسعار الوقود والتضخم.
وفي هذه الظروف، لن تحتاج بكين إلى اتخاذ قرار دراماتيكي. يمكنها ببساطة أن ترفع الضغط في أكثر من نقطة في الوقت نفسه: مناورات حول تايوان، نشاط بحري أكبر في بحر الصين الجنوبي، تشديد انتقائي على المعادن النادرة، استمرار شراء النفط الإيراني، وتوسيع استخدام قنوات الدفع باليوان.
الهدف "خنق" الولايات المتحدة ورفع كلفة الخيارات الأميركية إلى الحدّ الذي تصبح معه واشنطن مضطرة إلى المفاضلة بين جبهاتها.
وهذا ما يجعل استراتيجية الصين المحتملة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة عسكرية. فبكين تستطيع أن تدير خياراتها مع واشنطن دون أن تقول ذلك صراحة: إذا أردتم الاستمرار في الضغط على إيران وحماية هرمز، فسيتعيّن عليكم تخصيص المزيد من القوة والمال للشرق الأوسط؛ وإذا أردتم الحفاظ على التفوق في آسيا، فسيتعيّن عليكم تخفيف الضغط في الشرق الأوسط؛ وإذا أردتم تشديد العقوبات على إيران، فعليكم الاستعداد لمواجهة الشركات والبنوك الصينية؛ وإذا أردتم تقليص الاعتماد على الصين، فعليكم أولاً بناء بدائل للمعادن النادرة وسلاسل التوريد التي لا يمكن استبدالها سريعاً.
ومن هنا، قد يكون الهدف الصيني الحقيقي في نوفمبر الافتراضي تحقيق انتصارٍ في تشتيت الانتباه الأميركي. فإذا نجحت بكين في جعل الولايات المتحدة تتحرك بين هرمز وتايوان والمعادن النادرة والطاقة والتجارة في الوقت نفسه، فإنها تكون قد حققت مكسباً استراتيجياً حتى من دون مواجهةٍ مباشرة.
وفي نهاية المطاف، تكمن خطورة هذه اللحظة في أنّ هرمز وتايوان قد يتحوّلان من أزمتين منفصلتين إلى أداة ضغط متبادلة: أزمة هرمز تستنزف القوة الأميركية في الشرق الأوسط، بينما تستغل الصين هذا الاستنزاف لزيادة الضغط في آسيا؛ والضغط الآسيوي يجبر واشنطن على إعادة نشر قواتها، الأمر الذي يرفع بدوره كلفة حماية المصالح الأميركية في الخليج. وإذا أضيفت إلى ذلك ورقة النفط الإيراني والمعادن النادرة واليوان، تصبح الصين قادرة على ممارسة ضغط متعدد الأبعاد لا يعتمد على التفوق العسكري وحده.
وهكذا، فإن أخطر سيناريو بالنسبة إلى واشنطن في نوفمبر ليس بالضرورة أن "تبدأ الصين حرباً"، بل أن تختبر الصين إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تحمّل أزمات متزامنة من دون أن تضطر إلى التراجع في إحدى ساحاتها الاستراتيجية.
بالنسبة إلى الصين، حماية الإمدادات هي هدفها الأول قبل أي شيءٍ آخر: ضمان استمرار تدفق الطاقة إلى اقتصادها وتقليل تعرض ناقلاتها لمخاطر الخليج.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن شركات الشحن الصينية أعادت بالفعل تنظيم عملياتها بعيداً عن بعض نقاط الاختناق. وذكرت رويترز أنّ شركتي "COSCO Shipping Energy Transportation" و"China Merchants Energy Shipping" أوقفتا عمليات المرور عبر هرمز وباب المندب، واتجهتا إلى عمليات نقلٍ من سفينةٍ إلى سفينة خارج الخليج، خصوصاً قرب الفجيرة وسواحل عُمان.
وهذا يعني أنّ بكين بدأت بالفعل في بناء هوامش لوجستية تقلل تعرضها للصدمات البحرية.
الخلاصة: معركة الطاقة قبل أن تكون معركة الصواريخ
"حرب التوقيت" المحتملة في نوفمبر لا ينبغي قراءتها بالضرورة باعتبارها خطة عسكرية منسقة بين عدة قوى، بل كسيناريو تتقاطع فيه نقاط ضعف متعددة: ضغط سياسي على واشنطن، هشاشة أوروبية أمام أسعار الطاقة، اعتماد آسيوي كبير على نفط الخليج، ومحدودية البدائل اللوجستية أمام الغرب.
ومن هذه الزاوية، يتحوّل تهديد رضائي من مجرد تهديد محلي إلى عامل محتمل في إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
إيران لا تحتاج بالضرورة إلى قطع صادرات النفط العالمية بالكامل كي تحقّق أثراً استراتيجياً؛ يكفي أن تجعل تكلفة استمرار الحرب الاقتصادية مرتفعة إلى درجة تضطر معها الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الاختيار بين تشديد الضغط على طهران وتحمل صدمة الطاقة، أو تخفيف الضغط لتجنب أزمة اقتصادية أوسع.
وهنا تحديداً تكمن قوة "معادلة نوفمبر": ليست في القدرة على إغلاق هرمز فحسب، وإنما في تحويل المضيق من نقطة جغرافية ضيقة إلى أداة ضغط على القرار السياسي والاقتصادي الغربي بأكمله.
وبهذا المعنى، فإن "شرارة" الأزمة المحتملة لا تكمن فقط في إغلاق المضيق، بل في تزامن صدمة الطاقة مع نقاط ضعف سياسية واقتصادية وأمنية متعددة لدى الخصوم؛ وهو ما قد يجعل أي مواجهة في الخليج تتجاوز حدودها الإقليمية لتصبح اختباراً فعلياً لموازين القوة في النظام الدولي.