ولادة أمين عام جديد للأمم المتحدة قد تأتي قيصريةً

الأمم المتحدة تستعد لاختيار أمين عام جديد خلفاً لأنطونيو غوتيريش، وسط منافسة دولية محتدمة وترجيحٍ متزايد لاختيار أول امرأة في تاريخ المنظمة.

  • ولادة أمين عام جديد للأمم المتحدة قد تأتي قيصريةً
    ولادة أمين عام جديد للأمم المتحدة قد تأتي قيصريةً

تستعد الأمم المتحدة لاستبدال أنطونيو غوتيريش بحلول نهاية العام في غمرة اتجاه متعاظم لاختيار سيدة لأول مرة في تاريخ المنظمة الأممية الممتد لثمانين عاماً، جرى  خلالها اختيار تسعة أمناء عامين، جميعهم من الرجال.

صحيح أن المنظمة اختارت العديد من النساء لمناصب رفيعة مثل نائب الأمين العام الحالية، أمينة محمد، ورئيسة الجمعية العامة الحالية  أنالينا بايربوك، إلا أن المنصب الأول بقي دائماً حكراً على الرجال، والإناث يشكّلن نصف سكان هذا الكوكب.

كيفية اختيار الأمين العام

في المظهر، الأمم المتحدة تشجع الديمقراطية، إلا أن اختيار الموظفين على كل المستويات لا يتم بطريقة ديمقراطية أو مهنية. تحصل الدول على حصص من الوظائف تبعاً لمستوى نفوذها وقدر مساهماتها في ميزانية المنظمة السنوية، وفي الميزانيات الإضافية. والمفارقة أن "دولة" الاحتلال وهي الأكثر احتقاراً للنظام الدولي، استطاعت، بفضل نفوذها في الولايات المتحدة، أن تزرع عدداً هائلاً من الموظفين لا يتناسب مع عدد سكانها أو نسبة مساهماتها، وثبت أن بعضهم مارس التجسس على كل دوائر المنظمة وأحياناً على البعثات. 

لا يُنتخب الأمين العام ديمقراطياً من قبل الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة، بل يختاره مجلس الأمن المكوّن من 15 عضواً. وحتى داخل هذا المجلس، فإن من يحدد المرشح هي الدول الأعضاء الخمسة الدائمون التي تتمتع بحق النقض (الفيتو)، وهي: الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا. المرشح يُعرض في نهاية المطاف على الجمعية العامة لإقراره. 

وفي السابق، كانت الكلمة العليا في الاختيار للولايات المتحدة المدعومة من أوروبا وكل الدول المرتبطة بها. لكن الوضع تبدّل كثيراً في السنوات الأخيرة.

ليس لأن الدول العظمى تستخف ببعض النظم الأساسية للأمم المتحدة فحسب، بل لأن الخلاف في ما بين الدول الكبرى على مفهوم النظام العالمي بات أوسع من أي وقت مضى. بل إن حروباً، باردة وساخنة، تشتعل بينها ولا يبدو أنها مقبلة على التلاشي في المدى المنظور.

الولايات المتحدة تبقى المهيمن الأكبر في عملية الاختيار. فهي لن تقبل أي مرشح أو مرشحة لا تشعر أنها تستطيع التعامل معه/ا على أفضل وجه، بغض النظر عن الجنس.

ولن ترضى عن أي رئيس يحب إحداث تغييرات جذرية في أسلوب عمل المنظمة. والرئيس دونالد ترامب ليس من الزعماء الذين يمكن التكهن بدقة بميوله في هذا الخصوص.

إنه يُفضّل كما يقال "الشخصيات المميزة والمثيرة للاهتمام". وهو بالقطع لا يحب أن يرى سيدة ذات آراء قوية تتربع على عرش الأمم المتحدة. هذا الموقف قوّض ترشيح الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت، الاشتراكية الهوى.

وكانت باشيليت أدارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وهو برنامج يساوي بين الجنسين ويعزز فكرة تقوية موقع المرأة في الإدارة. 

وفي الوقت نفسه، قال سفير الصين لدى الأمم المتحدة، فو تسونغ، إن بلاده "سترحب بامرأة بعد كل هذه السنوات".

في أول استطلاع رأي غير رسمي لأعضاء مجلس الأمن أجري الشهر الماضي، حصدت النساء المراكز الأول والثاني والرابع. وبموجب نظام تصويت يُشير فيه الأعضاء إلى رغبتهم في "تشجيع" أو "تثبيط ترشيح ما"، أو "عدم إبداء رأي"، تصدرت نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، ريبيكا غرينسبان، القائمة بعشرة أصوات "تشجيع". وكانت غرينسبان لعبت دوراً رئيسياً في اتفاق الحبوب بين روسيا وأوكرانيا وتركيا في عام 2022.

وتلتها مباشرةً كارولين رودريغز-بيركيت، وزيرة خارجية غيانا السابقة، بتسعة أصوات "تشجيع" وتعرف هذه السيدة بمواقف قوية منتقدة لـ"إسرائيل" وداعمة للقضية الفلسطينية وقد شغلت موقع مندوبة غويانا الدائمة في الأمم المتحدة وكان صوتها عالياً في مجلس الأمن.

حلّ الدبلوماسي الأرجنتيني رافائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، في المركز الثالث، بسبعة أصوات "تشجيع". لكنه حصل أيضاً على صوتين "تثبيط" وستة أصوات "محايدة". وهو شخصية خلافية ومتهم بالتواطؤ مع المجموعة الغربية في عدة ملفات أبرزها الملف الإيراني.

ومع ترشيح رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا من الإكوادور، بالإضافة إلى السيدة باشيليت من تشيلي، فإن جميع المرشحات الأربع يأتين من أميركا اللاتينية.

ويكتمل عقد المرشحين المعلنين بالرئيس السنغالي السابق ماكي سال والدبلوماسي الأوغندي أولارا أوتونو.

من المقرر أن يجري مجلس الأمن استطلاعاً تمهيدياً آخر، غداً في21 آب، أغسطس، وسط خلاف كبير بين الدول الأعضاء حول المنصب. وفي تصريح أمام مجلس الأمن،  انتقدت جينيفر لوكسيتا، الممثلة البديلة للولايات المتحدة للشؤون السياسية رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك بشدة بسبب ما وصفته "تجاوزها لصلاحياتها وتصرفاتها غير المسؤولة"، مدّعيةً أنها تجاوزت سلطتها من خلال إصرارها على أن يخضع أي مرشح لأعلى منصب في الأمم المتحدة للمشاركة في جلسة استماع قبل أن تتاح للدول الأعضاء فرصة استجوابه في ما يسمى بالحوار التفاعلي مع أعضاء الأمم المتحدة الأوسع. 

هذا التصريح يعبّر بوضوح أن معركة اختيار المرشح لن تمر في هذه الدورة بالسلاسة نفسها التي حدثت في دورات العقود الثمانية الماضية. ويأمل عدد من أعضاء مجلس الأمن في التوصل إلى قرار بحلول تشرين الأول/ أكتوبر، لإتاحة فترة انتقالية بين الأمين العام الجديد والأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش.