هل يخشى روبيو «بلقنة» العراق.. أم يخشى بقاء سلاحٍ لا تملك واشنطن قرارَه؟
هل السلاح خارج الدولة هو الطريق إلى «البلقنة» فعلًا، أم أن «البلقنة» نفسها أصبحت ورقة ضغط أميركية في معركة إعادة تعريف من يملك قرار القوة والسلاح داخل العراق؟
-
مفارقة «البلقنة» الأميركية... حين يصبح التقسيم تحذيرًا بعد أن كانت الفيدرالية خيارًا.
ماذا بعد الـ 30 من أيلول؟ في الرواية الأميركية التي حملها وزير الخارجية ماركو روبيو، تبدو الإجابة مرتبطة بكلمة واحدة: "البلقنة".
ففي تصريح له الأربعاء الـ 23 من أيلول،جاء بعد لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في نيويورك، حيث أكد دعم واشنطن لخطة بغداد لحصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل المسلحة ومنع الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية.
حذّر روبيو من أن استمرار نشاط الفصائل المسلحة في العراق بصورته الحالية قد يقود البلاد إلى ما وصفه بـ«بلقان جديدة»، داعيًا إلى نزع سلاح الفصائل خلال فترة عاجلة.
لكن خلف هذا التحذير تبرز أسئلة تتجاوز توصيف المشهد العراقي بـ«البلقنة»: هل يتعلق الأمر فعلًا بالخوف على وحدة العراق، أم أن جوهر القلق الأميركي يكمن في وجود سلاحٍ وقوى مسلحة لا تخضع لإرادة واشنطن ولا تملك الأخيرة قرارها؟
ويستند خطاب «البلقنة» إلى استحضار تجربة تاريخية واحدة من أكثر التجارب السياسية والأمنية تعقيدًا في أوروبا الحديثة، حيث تفككت دول وبرزت كيانات متنافسة وسط صراعات مسلحة ذات أبعاد قومية وعرقية وطائفية. ووفق القراءة التي طرحها روبيو، فإن استمرار نشاط الفصائل المسلحة في العراق قد يفضي إلى مشهد مشابه، تتحول فيه البلاد إلى ساحات نفوذ متنافسة على أسس طائفية وعرقية، بما يهدد تماسك الدولة ووحدتها ، إلا أن إسقاط هذا المصطلح على الحالة العراقية يفتح نقاشًا آخر حول طبيعة الفصائل، ودورها في المعادلة الأمنية والسياسية، وحدود العلاقة بين حصر السلاح بيد الدولة وبين حق العراق في تحديد منظومته الأمنية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
وبينما يضع روبيو سلاح الفصائل في خانة الخطر الذي قد يقود إلى الانقسام، ترى القوى المرتبطة بالمقاومة أن القضية لا تنفصل عن سيادة العراق وحقه في تحديد مصادر التهديد التي تواجهه. وهنا يصبح موعد الـ30 من أيلول أكثر من مجرد تاريخ؛ إذ يتحول إلى محطة لاختبار حدود الضغط الأميركي، وقدرة بغداد والفصائل على رسم معادلة أمنية يكون قرارها عراقيًا، لا امتدادًا لتقديرات عاصمة أخرى...
مفارقة «البلقنة» الأميركية... حين يصبح التقسيم تحذيرًا بعد أن كانت الفيدرالية خيارًا
قبل أن تحذّر واشنطن بغداد من شبح «البلقنة»، يبرز في سجل السياسة الأميركية تجاه العراق موقف يصعب تجاهله. ففي الـ26 من أيلول/سبتمبر 2007، صوّت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية 75 صوتًا مقابل 23 لصالح تعديل قدّمه السيناتور جو بايدن، عبّر عن دعم الكونغرس لتسوية سياسية تقوم على الفيدرالية في العراق، مع منح الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها، والإبقاء على حكومة اتحادية في بغداد.
ورغم أن النص لم يدعُ رسميًا إلى إنشاء ثلاث دول مستقلة، فإن النقاش المصاحب للتصويت تناول بوضوح نموذجًا يقوم على مناطق كردية وسنية وشيعية تتمتع بإدارة واسعة لشؤونها، فيما تبقى بغداد مركز الدولة الاتحادية. بل إن بعض أعضاء مجلس الشيوخ تحدثوا آنذاك عن «تقسيم ناعم» للعراق، وعن نموذج تكون فيه السلطة موزعة بين الشمال الكردي والمناطق السنية والجنوب الشيعي.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: حين كانت واشنطن تدفع باتجاه صيغة سياسية توسّع صلاحيات الأقاليم العراقية، لم يكن مصطلح «البلقنة» حاضرًا بوصفه تحذيرًا من التقسيم؛ أما اليوم، وعندما يصبح سلاح الفصائل عنوانًا للضغط الأميركي، تعود واشنطن للتحذير من عراق قد يتحول إلى " بلقان جديدة".
وبين الأمس واليوم، يتغير موقع المصطلح فيما يبقى السؤال مفتوحًا: هل تخشى واشنطن فعلًا من تقسيم العراق، أم أن «البلقنة» تُستدعى اليوم للضغط باتجاه نزع سلاح فصائل ترى أن وجودها جزء من معادلة الأمن والسيادة العراقية؟
المفارقة هنا ليست في وجود الفيدرالية بوصفها نظامًا دستوريًا عراقيًا، بل في ازدواجية الخطاب الأميركي حول شكل الدولة والسلاح: فالفيدرالية التي طُرحت أميركيًا عام 2007 قُدّمت آنذاك باعتبارها مدخلًا إلى تسوية سياسية داخل عراق موحد، بينما يُستخدم اليوم خطر التفكك لتبرير الضغط على القوى المسلحة خارج سيطرة الدولة المباشرة. لكن هل تكفي هذه المعادلة للوصول إلى «بلقان عراقية»؟ هنا لا تبدو الإجابة محسومة. فخبراء عراقيون استبعدوا أن يكون التقسيم هو السيناريو الأقرب في الوقت الراهن، معتبرين أن الخطر الأكثر مباشرة قد يتمثل في صدام سياسي وأمني حول شكل الدولة وقرارها، إذا فشلت التفاهمات بشأن السلاح.
وبذلك، يتحول تصريح روبيو من مجرد تحذير من مستقبل العراق إلى سؤال أكبر: هل السلاح خارج الدولة هو الطريق إلى «البلقنة» فعلًا، أم أن «البلقنة» نفسها أصبحت ورقة ضغط أميركية في معركة إعادة تعريف من يملك قرار القوة والسلاح داخل العراق؟