نزيف الذاكرة.. ضريبة غالية
الحرب لا تدمر الجسد والمكان فقط، بل تستنزف الذاكرة وتمحو تفاصيل الحياة الماضية، مما يجعل التذكر فعل مقاومة في وجه النسيان.
-
نزيف الذاكرة.. ضريبة غالية
أسوأ ما أورثتني إياه الحرب أنها أضعفت ذاكرتي. أشعر أحياناً وكأن جيشاً آخر يهاجم ما تبقى منها، جيش لا يطلق النار على الجسد هذه المرة، بل على الذاكرة، يهدمها وينسف جدرانها ويتركها تتشظى تحت ثقل ما رأته العين وما عجز القلب عن احتماله.
كانت الصور والمشاهد التي رأيتها تتراكم في رأسي، مشهداً تلو مشهد، صورة فوق صورة، وجه فوق وجه، بيت يسقط فوق بيت، طفل يخرج من تحت الركام ليلحق بطفل آخر لم يخرج، وأم تبحث بعينيها عن شيء تعرف أنه لم يعد موجوداً.
كان كل مشهد يدخل إلى ذاكرتي كما تدخل الشظية إلى الجسد، لا تخرج ولا تمنح المكان فرصة ليلتئم.
ومع مرور الوقت بدأت أشعر أن هذه المشاهد لا تضيف شيئاً إلى ذاكرتي بقدر ما تزيح منها. كأن الحرب لا تكتفي بأن تملأ رأسي بالموت، بل تنتزع منه الحياة أيضاً. تأخذ مكان الوجوه التي أحببتها، تزيح تفاصيل الأيام القديمة، تمحو روائح البيوت، تسرق أسماء الشوارع، تطمس أصوات الذين كانوا يملأون المكان قبل أن يصبح الصمت أحد أكثر أصوات غزة حضوراً.
أحياناً أحاول أن أتذكر شيئاً حدث قبل الحرب فلا أستطيع. أبحث في رأسي عن صورة عادية لطفولة أو جلسة عائلية أو طريق سلكته مئات المرات، فلا أجدها بسهولة. كأن هناك يداً ثقيلة مرت على أرشيف حياتي ومسحت منه صفحات كاملة، وحين أستعيد بعضها أستعيدها مشوشة، ناقصة، مبتلة بالدخان، كأن الذاكرة نفسها نجت من قصف، لكنها لم تنجُ من آثاره.
كنت أظن أن الإنسان يخاف أن يفقد ذاكرته حين يكبر، لكنني لم أكن أعرف أن الحرب تستطيع أن تجعل الإنسان يشتاق إلى ذكرياته أكثر مما يشتاق إلى الأشياء التي فقدها. أن تشتاق إلى صورة قديمة لبيت لم يعد قائماً، إلى صوت شخص لم يعد موجوداً، إلى يوم عادي كنت تعيشه دون أن تعرف أنه في يوم ما سيصبح من أثمن أيام عمرك.
الحرب لم تأخذ منا حاضرنا فقط، لقد مدت يدها إلى الماضي أيضاً، وهذا ربما أحد أكثر وجوهها قسوة. فالماضي هو المكان الأخير الذي كان يمكن للإنسان أن يلجأ إليه حين يصبح الحاضر ثقيلاً، لكن ماذا يفعل الإنسان حين يصبح حتى ماضيه مهدداً بالنسيان؟
في غزة لا نحمل في رؤوسنا ذكرياتنا وحدها، نحمل معها صور الحرب كلها: أسماء الشهداء، أصوات الانفجارات، وجوه الأطفال، رائحة المستشفيات، الخيام، الطوابير، الجنازات، الركام، والصرخات التي لم تجد من ينقذ أصحابها. وكلما حاولت أن أفتح نافذة في رأسي لأتنفس، دخلت منها صورة أخرى من الحرب.
ربما لهذا أصبح النسيان أحياناً رحمة لا عيباً. ربما يمحو العقل بعض الأشياء لأنه يعرف أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إذا احتفظ بكل شيء. كأن الذاكرة حين تعجز عن حمل المزيد تبدأ بإسقاط ما تستطيع إسقاطه كي تنقذ صاحبها، تترك بعض الذكريات تسقط في الطريق، ليس لأنها لم تكن مهمة، بل لأنها كانت أثقل من أن تحملها بقية الحياة.
لكنني أخاف من شيء آخر.
أخاف أن تكون الحرب قد سرقت مني أشياء لن أعرف يوماً أنني فقدتها. أن أنسى ضحكة كنت أحبها، ملامح وجه كنت أعرفه جيداً، تفصيلاً صغيراً في بيت أمي، صوتاً كان يأتيني من غرفة أخرى، طريقاً كنت أسلكه دون أن أفكر. أخاف أن يأتي يوم أريد فيه استدعاء حياتي القديمة، فلا أجد منها إلا شظايا متناثرة.
لقد كنا نظن أن الذاكرة خزانة مغلقة نحفظ فيها ما نريد، ثم اكتشفنا أن الذاكرة كائن حي، تتعب، تخاف، تنزف، وتصاب هي الأخرى، وأن الإنسان لا يخرج من الحرب بالجسد الذي دخل بها. حتى إن بقي واقفاً، فإن شيئاً داخله يكون قد تغير إلى الأبد.
أحياناً أجلس وحدي وأحاول أن أستعيد نفسي قبل الحرب. لا أبحث عن شخص آخر، بل عني أنا، عن ذلك الرجل الذي كان يعرف كيف يضحك دون أن يلتفت إلى السماء، عن الصحفي الذي كان يعود من العمل حاملاً أخباراً لا وجوهاً مضرجة بالدم، عن الإنسان الذي كان يستطيع أن يشاهد صورة دون أن يسأل نفسه أولاً إن كان يعرف أحداً فيها.
أبحث عني في ذاكرتي فأجد الحرب قبلي. وهذه هي المأساة التي لا تظهر في الصور: أن الحرب لا تكتفي بتغيير المكان من حولك، بل تعيد ترتيبك من الداخل، تضع الخوف مكان الطمأنينة، والحذر مكان العفوية، والانتظار مكان الحياة، وتجعل ذاكرتك نفسها ساحة حرب.
ربما لهذا أشعر أنني لا أعيش السنوات التي مرت، بل أجرها خلفي كمن يحمل مدينة كاملة في رأسه، مدينة بكل ما فيها من موت وحب وبيوت وأسماء ووجوه. ومع كل يوم يمر أخشى أن تسقط من ذاكرتي قطعة جديدة من هذه المدينة.
أريد أن أتذكر، لا لأنني أحب الماضي فقط، بل لأن التذكر في زمن المحو فعل مقاومة. أن أتذكر وجوه من أحببتهم، أن أتذكر شكل البيوت قبل أن تصبح ركاماً، أن أتذكر غزة قبل أن تصير الحرب مرجعها الوحيد، أن أتذكر أن الذين رحلوا كانوا يعيشون حياة كاملة قبل أن يصبحوا أرقاماً في نشرات الأخبار.
ربما لهذا أكتب.
أكتب كي لا تصبح الذاكرة وحدها مسؤولة عن حمل كل هذا. أكتب كي أترك على الورق ما أخشى أن يسقط من رأسي. أكتب لأنني أعرف أن الإنسان قد يفقد ذاكرته، لكنه يستطيع أن يترك أثراً لذاكرته. وقد تضيع التفاصيل من داخله، لكن الكلمات تستطيع أن تحفظ بعضها.
أنا لا أخاف فقط من أن أنسى ما حدث، أخاف أن أنسى ما كنا عليه قبل أن يحدث. فالحرب حين تقتل الإنسان لا تقتله مرة واحدة، تقتله في جسده حين يصاب، وفي بيته حين يُهدم، وفي وطنه حين يُقتلع، وفي ذاكرته حين تعجز عن استحضار الحياة التي كانت ذات يوم ممكنة.
وأخشى أن يكون هذا هو الانتصار الأكثر قسوة للحرب: أن تخرج من غزة وقد تركت وراءها ملايين الجثث والبيوت المهدمة، ثم تواصل سيرها داخل رؤوس الناجين، تهدم آخر ما تبقى من بيوتهم القديمة، وتطفئ المصابيح التي كانت تضيء ذاكرتهم.
لهذا أحاول أن أتذكر.
أتذكر قبل أن تسرق الحرب المزيد. أتذكر كي لا يصبح كل ما أعرفه عن حياتي هو ما رأيته بعدها. أتذكر لأنني لا أريد للحرب أن تنتصر في رأسي أيضاً.