من تونس إلى فلسطين: حين يصبح البيت عنواناً لحماية الطفولة
من الحمّامات إلى غزة تتقاطع التجارب عند حقيقة بسيطة لكنها تصبح شديدة التعقيد في زمن الحرب، حماية الطفل تبدأ من حقه في الأمان لكنها لا تنتهي عنده. إنها حقه في أسرة وفي تعليم وفي رعاية وفي مستقبل لا تحدده الحرب.
-
تونس: تجربة تمتد لأكثر من أربعة عقود.
في مدينة الحمّامات التونسية ، كان "البيت" عنواناً لملتقى دولي يبحث في حماية الطفولة ومستقبل رعايتها. وفي غزة صار البيت نفسه واحداً من أكثر الأشياء التي فقدها الأطفال في الحرب.
بين المدينتين، مسافة جغرافية تختصرها قضية واحدة تتمثل في أن الطفل يحتاج إلى مكان آمن، وأسرة تحميه، ومدرسة يستطيع العودة إليها، وحياة لا تبدأ كل يوم من جديد تحت وطأة الخوف والنزوح.
تحت شعار "لكل طفل الحق في بيت يؤويه"، احتضنت مدينة الحمّامات التونسية الملتقى الدولي لجمعيات قرى الأطفال "SOS"، بمشاركة ممثلي 28 جمعية من مختلف بلدان العالم من بينها فلسطين إلى جانب أعضاء المجلس الدولي للفيدرالية الدولية لقرى الأطفال "SOS" التي تضم أكثر من 130 دولة.
تونس: تجربة تمتد لأكثر من أربعة عقود
لم يكن اختيار تونس لاحتضان هذا الموعد تفصيلاً عابراً. فالمجلس الدولي للفيدرالية عقد اجتماعه في تونس لأول مرة خارج فيينا منذ تأسيس الفيدرالية سنة 1949، فيما تعود تجربة قرى الأطفال "SOS" في تونس إلى سنة 1981 لتتحول على امتداد عقود إلى إحدى التجارب البارزة في رعاية الأطفال فاقدي السند.
وخلال الملتقى أكدت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري مواصلة الدولة التونسية دعم تجربة الجمعية ونقل خبرتها مشددة على حق كل طفل في الرعاية والحماية والعيش في محيط يوفر له الأمان والاستقرار. لكن هذا الشعار، حين يُقرأ من زاوية فلسطين، يكتسب ثقلاً آخر.
غزة... حين يصبح المأوى أولوية
في غزة، لا يتعلق الأمر فقط بطفل فاقد للسند يحتاج إلى الرعاية، وإنما بأطفال وجدوا أنفسهم في قلب حرب غيّرت تفاصيل حياتهم ودفعت عائلات إلى النزوح وتركت آثارها على البيوت والمدارس ومختلف مقومات الحياة.
هناك تواصل قرى الأطفال "SOS" عملها في ظروف بالغة الصعوبة. أضرار لحقت بمنشآت المنظمة وعمليات إجلاء ونزوح فرضت البحث عن أماكن مؤقتة، فيما بقي الأطفال المنفصلون عن عائلاتهم في حاجة إلى الحماية والرعاية.
ولأن الطفل لا يحتاج إلى الطعام والمأوى فقط، امتدت الاستجابة إلى التعليم والدعم النفسي والاجتماعي. وأنشأت المنظمة مساحات تعليمية مؤقتة للأطفال النازحين في محاولة للحفاظ على صلة الأطفال بالتعلم وتوفير مساحة تساعدهم على استعادة شيء من الاستقرار وسط واقع تتكرر فيه تجربة النزوح والفقدان.
وتشير "SOS " فلسطين إلى أن ظروف العمل في غزة فرضت إعادة بناء خدماتها من الصفر. وبين ما دمرته الحرب وما تحاول الطواقم المحلية إعادة بنائه يبقى الطفل هو النقطة التي تبدأ منها كل الجهود.
الضفة الغربية: حماية الأسرة لحماية الطفل
في الضفة الغربية، قد يبدو المشهد مختلفاً، لكن التحدي لا يقل ارتباطاً بالأسرة. فبرامج تمكين الأسر التي تنفذها الجمعية تستهدف مساعدة العائلات الفلسطينية مالياً وتنموياً، وتعزيز قدرتها على الاستمرار في رعاية أطفالها في مواجهة ظروف اقتصادية واجتماعية قد تهدد استقرارها.
هنا تتضح الفكرة التي تتجاوزها أحياناً عناوين الرعاية الاجتماعية، فحماية الطفل لا تعني التعامل مع الطفل وحده، بل حماية الأسرة التي يفترض أن تكون فضاءه الأول للأمان.
من تونس تضامن يتجاوز المساندة الرمزية
في تونس، أخذ التضامن مع أطفال فلسطين شكلاً عملياً أيضاً. فقد أطلقت الجمعية التونسية لقرى الأطفال "SOS" حملة "أنقذوا أطفال فلسطين" وأعلنت أنها جمعت تبرعات قاربت ثلاثة مليارات مليم تونسي تم تحويلها لفائدة قرى الأطفال "SOS" في فلسطين.
ومن تونس، جاءت رسالة فلسطينية تحمل الكثير من الدلالات. حيث وجهت المديرة الوطنية لقرى الأطفال "SOS" فلسطين غادة حرز الله رسالة شكر قالت فيها "شكراً بحجم حب تونس لفلسطين، وبحجم عشق فلسطين لتونس"
ليست هذه العبارة وحدها ما يختصر العلاقة بين الطرفين. فالتضامن، حين يتعلق بالأطفال، يتحول من موقف إلى مسؤولية وهذا ما سعت إليه تونس.
ملتقى دولي واختبار فلسطيني مختلف
في الحمّامات، ناقشت جمعيات "SOS" قضايا الحوكمة والعمل التطوعي وتنمية الموارد والاتصال والتحول الرقمي وتطوير البرامج إلى جانب سبل تعزيز التعاون وتبادل الخبرات. وحضر الشباب أيضاً من خلال تجارب نوادي سفراء قرى الأطفال ومبادراتهم التطوعية والمجتمعية.
لكن فلسطين تضع كل هذه العناوين أمام اختبار مختلف.
ففي الظروف العادية قد تكون حماية الطفل مرتبطة بالرعاية والتعليم والدعم النفسي وتمكين الأسرة أما في الحرب فتبدأ الأولويات من مكان أكثر إلحاحاً، أين ينام الطفل؟ أين أسرته؟ هل يستطيع الوصول إلى مدرسة؟ ومن يحميه عندما تصبح البيئة المحيطة به نفسها مصدراً للخطر؟
البيت أكثر من سقف
لهذا يبدو شعار "لكل طفل الحق في بيت يؤويه" أنه ليس مجرد عنوان لملتقى دولي. في غزة يتحول الشعار إلى سؤال يومي عن معنى البيت نفسه.
فالبيت ليس سقفاً فقط، هو أسرة وأمان وذاكرة ومدرسة قريبة وطفولة لا تضطر إلى أن تكبر قبل أوانها.
ومن الحمّامات إلى غزة تتقاطع التجارب عند حقيقة بسيطة لكنها تصبح شديدة التعقيد في زمن الحرب، حماية الطفل تبدأ من حقه في الأمان لكنها لا تنتهي عنده. إنها حقه في أسرة وفي تعليم وفي رعاية وفي مستقبل لا تحدده الحرب.
وبينما تبحث شبكات "SOS" عن أدوات جديدة لحماية الطفولة تبقى غزة واحدة من أكثر الاختبارات قسوة لهذا الدور، اختبار لا يُقاس فقط بمدى وصول المساعدات إلى الأطفال وإنما بقدرة المؤسسات على إبقاء حقهم في الحياة الطبيعية قائماً حتى عندما تحاصرهم الحرب من كل جانب.