لماذا أصبحت طائرات "MQ-9" الأميركية أكثر عرضة للإسقاط؟

خسائر طائرات "MQ-9" تكشف تراجع ملاءمتها لبيئات القتال الحديثة، وتدفع واشنطن إلى إعادة تطوير عقيدتها في استخدام المسيّرات نحو منظومات أكثر مرونة وأقل كلفة.

  • لماذا أصبحت طائرات
    لماذا أصبحت طائرات "MQ-9" الأميركية أكثر عرضة للإسقاط؟

تثير خسائر طائرات "MQ-9" الأميركية في أكثر من ساحة إقليمية سؤالاً مركزياً حول مدى ملاءمة هذا النوع من الطائرات المسيّرة للقتال في بيئات أصبحت أكثر ازدحاماً بالدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية. فالمسألة لا تتعلق بحوادث معزولة، بل بتداخل عوامل عسكرية وتقنية واقتصادية جعلت الطائرة، التي صُممت أصلاً للمراقبة والاستطلاع والضربات الدقيقة، منصة معرضة للرصد والاستهداف في بعض مسارح الصراع.

خلفية: من منصة استطلاع وضربات دقيقة إلى منصة معرّضة للرصد والاستهداف

اعتمدت الولايات المتحدة طويلاً على طائرات "MQ-9" في مهام الاستطلاع والمراقبة والضربات الدقيقة، مستفيدة من قدرتها على التحليق لساعات طويلة فوق مناطق العمليات. لكن خصومها في إيران واليمن ولبنان والعراق طوروا تدريجياً وسائل أكثر فاعلية لمراقبة هذه الطائرات واستهدافها، سواء عبر صواريخ أرض-جو محسّنة أم عبر وسائل الحرب الإلكترونية.

وقد جعل هذا التطور الطائرة أقل قدرة على البقاء والعمل في بيئات دفاع جوي كثيفة مما كانت عليه في مراحل سابقة، خصوصاً عندما تعمل على ارتفاعات ومسارات يمكن رصدها أو توقعها. وبذلك تحولت "MQ-9" من منصة تمنح القوات الأميركية ميزة في مهام الاستخبار والمراقبة والاستطلاع والاستهداف إلى منصة عالية القابلية للرصد والاستهداف يسعى الخصوم الإقليميون للولايات المتحدة إلى إسقاطها لإحداث أثر عسكري ورمزي واقتصادي في آن واحد.

كما يدرك هؤلاء نقاط ضعف طائرات "MQ-9": فهي بطيئة نسبياً، محدودة المناورة، وتضطر أحياناً إلى التحليق ضمن مسارات يمكن توقعها أثناء تنفيذ مهام الاستطلاع أو المراقبة.

الأسباب: دفاعات محسّنة وحرب إلكترونية ومعادلة كلفة غير متكافئة

تُعرف إيران بقدرتها على التأثير في وصلات القيادة والسيطرة والاتصال بالطائرات المسيّرة، بل وحتى السيطرة عليها أو إجبارها على الهبوط، كما حدث مع طائرة RQ-170 قبل سنوات.

ولا يكون إسقاط الطائرة دائماً نتيجة صاروخ مباشر؛ فقد يحدث عبر التشويش على أنظمة الاتصال أو إرباك وصلة القيادة والسيطرة عبر الأقمار الاصطناعية، ما يجعلها عرضة للفقدان أو السقوط.

يراوح سعر طائرة "MQ-9" بين 30 و50 مليون دولار، بينما قد لا تتجاوز تكلفة الصاروخ الذي يسقطها 200 ألف دولار.

وهنا تظهر معادلة كلفة غير متكافئة في حرب الاستنزاف: فالولايات المتحدة تخسر طائرات باهظة الثمن، بينما يستخدم خصومها ذخائر أقل تكلفة بكثير؛ ما يمنحهم مكسباً عملياتياً واستراتيجياً.

في خضم التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة، ومع ارتفاع مستوى الإنذار في القواعد والمنشآت العسكرية الخليجية، قد تتحول السماء إلى مسرح مزدحم بالأهداف والرادارات والاعتراضات. في مثل هذه الظروف، يصبح التمييز بين الطائرات المسيّرة المعادية والطائرات الحليفة أكثر صعوبة، خصوصاً إذا كانت الطائرة تحلّق على مسار غير متوقع أو لم يجرِ تنسيق مسارها مسبقاً مع غرف العمليات المشتركة.

وفي أحد الحوادث المرتبطة بهذا التصعيد، سقطت طائرة أميركية من طراز "MQ-9" في قطر، وسط تضارب في الروايات حول الجهة التي اتخذت قرار الاشتباك أو نفذت عملية الاعتراض. وتعود ملابسات الحادث إلى حالة التوتر والارتباك العملياتي التي رافقت الهجمات والردود المتبادلة، خصوصاً في ظل تشابه البصمة الرادارية لبعض الطائرات المسيّرة وتزايد احتمالات الهجوم بطائرات مسيّرة انقضاضية أو استطلاعية معادية. لذلك لا يمكن الجزم، من دون معلومات مؤكدة، بما إذا كان إسقاط الطائرة قد تم بواسطة دفاعات قطرية أو أميركية، لكن الحادث يعكس مخاطر العمل في بيئة دفاعية شديدة الحساسية وسريعة الاشتباه.

وتبرز هنا مشكلة التنسيق بين القوات الحليفة: فطائرة مثل "MQ-9" تعتمد غالباً على مسارات استطلاع طويلة واتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، وقد لا تظهر فوراً كطائرة مأهولة أو كهدف صديق إذا حصل تأخير في تبادل بيانات التعريف أو تغيّر مسارها أثناء المهمة. وعندما تكون بطاريات الدفاع الجوي في وضع إطلاق فوري، فإن أي غموض في التعريف قد يتحول إلى قرار اشتباك، وهو ما يفسر كيف يمكن أن تسقط طائرة أميركية بنيران حليفة في لحظة توتر شديد.

وعلى الرغم من أن "MQ-9" ليست طائرة فاشلة بحد ذاتها، فإن استخدامها في بيئات عدائية متطورة جعلها تتحول من منصة مراقبة واستهداف بعيدة المدى إلى منصة عالية القابلية للرصد والاستهداف.

وقد دفع ذلك الولايات المتحدة إلى الإقرار بأن هذا النوع من الطائرات لم يعد مناسباً، بالشكل نفسه، للمناطق المزدحمة بالدفاعات الجوية، وبدأت البحث عن بدائل أرخص أو أكثر تطوراً.

ولفهم حجم هذه الخسائر بصورة أوضح، يمكن الانتقال إلى الأرقام المتداولة حول أعداد الطائرات التي أُُسقطت وأنواع الصواريخ المستخدمة في استهدافها.

الأرقام: حجم الخسائر والصواريخ المستخدمة

من الصعب تحديد رقم نهائي وموحد، لأن المصادر المختلفة تقدم أرقاماً متفاوتة، لكنها تشير جميعها إلى خسائر كبيرة. أدناه ملخّص للأرقام المتداولة، مع ضرورة التعامل معها بوصفها تقديرات تحتاج إلى تحقق مستقل.

يشير بعض المصادر إلى أن أكثر من 40 طائرة "MQ-9" ربما أُُسقطت منذ عام 2023 في عموم المنطقة، بكلفة إجمالية قد تتجاوز 10 مليارات دولار، مع ورود تقديرات تفيد بأن عدداً كبيراً منها سقط في الأجواء الإيرانية.

ونقلت تقارير صحافية، من بينها ما نُسب إلى صحيفة واشنطن بوست نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن الجيش الأميركي فقدَ عدداً كبيراً من طائرات "MQ-9"، مع تقديرات تضع الخسائر عند نحو ربع الأسطول في بعض فترات التصعيد.

وفي اليمن، تشير تقديرات متداولة إلى أن خسائر طائرات "MQ-9" تزايدت منذ عام 2017، مع إعلان أنصار الله أكثر من مرة إسقاط عدد من هذه الطائرات، في حين تبقى الأرقام النهائية محل تباين بين المصادر.

وخلال الاشتباكات المباشرة مع إيران، وردت روايات عن فقدان عدد من طائرات "MQ-9"، بينها طائرات من طراز "MQ-9"A وربما من الطراز الأحدث "MQ-9"B SkyGuardian. غير أن تفاصيل هذه الخسائر، بما في ذلك اسم العملية وحجمها الدقيق، تبقى بحاجة إلى تحقيق مستقل قبل اعتمادها كأرقام نهائية.

وتشير هذه الخسائر إلى تنوع وسائل الاستهداف المستخدمة ضد الطائرات المسيّرة، بين صواريخ أرض-جو مطوّرة وأنظمة دفاع جوي محلية أو معدّلة. ومن أبرز الأنظمة التي ترد في التقارير المتداولة:

1. صاروخ "358" الإيراني: يشير بعض التقارير إلى ارتباط هذا السلاح بإسقاط طائرات "MQ-9"، خاصة في اليمن ولبنان. وتصفه تقارير غربية أحياناً بتسمية غير رسمية مثل SA-67. ويتميز بتصميم غير تقليدي يتيح له البقاء في الجو لفترة محددة والبحث عن هدف حراري باستخدام رأس موجه بالأشعة ما تحت الحمراء، ما يجعله سلاح كمين يصعب التعامل معه في بعض الظروف.

2. نظام "كوب" السوفياتي، المعروف غربياً باسم SA-6: تشير تقارير إلى أن هذا النظام، بعد تعديله أو تطويره، استُخدم ضمن دفاعات أنصار الله الجوية ضد طائرات "MQ-9"، مستفيداً من كونه منظومة أرض-جو متوسطة المدى قادرة على التعامل مع أهداف تحلّق على ارتفاعات مناسبة.

3. أنظمة دفاع جوي إيرانية محلية الصنع: ترد في بعض التقارير أسماء منظومات مثل باور-373 وخرداد-15 بوصفها جزءاً من شبكة الدفاع الجوي الإيرانية القادرة على تهديد طائرات تحلق على ارتفاعات متوسطة أو عالية. غير أن ربط كل حادثة إسقاط بمنظومة محددة يحتاج إلى أدلة فنية مستقلة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن محاولات تقليل خسائر طائرات "MQ-9" لم تنجح بشكل كامل، إذ دفعت الخسائر المتكررة الولايات المتحدة إلى اعتماد إجراءات متوازية: بعضها لمعالجة النقص الحالي، وبعضها الآخر لإعادة صياغة استراتيجيتها المستقبلية في استخدام الطائرات المسيّرة.

التداعيات: تعويض الخسائر وتغيير العقيدة

استعجال تعويض الطائرات المفقودة: تشير تقارير إلى أن القوات الجوية الأميركية تسعى إلى توفير طائرات "MQ-9"A إضافية أو بديلة لتعويض النقص في الأسطول، سواء عبر شراء نماذج متاحة أم تسريع خطط الإحلال والتطوير.

تطوير تسليح الطائرة: بدلاً من الاكتفاء بمحاولة تقليل قابليتها للإسقاط، جرى اختبار تسليحها بصواريخ APKWS الموجهة بالليزر لاستخدامها في اعتراض الطائرات المسيّرة المعادية. وتمثل هذه الذخائر خياراً أقل تكلفة من الصواريخ التقليدية، ومناسباً لمواجهة هجمات الطائرات المسيّرة الانقضاضية منخفضة الكلفة.

تأسيس قوة مسيّرات متعددة الجنسيات: أعلنت القيادة المركزية الأميركية إنشاء "Task Force Falcon Strike"، بوصفها قوة مهام متخصصة في عمليات الطائرات المسيّرة تدمج قدرات الولايات المتحدة وحلفائها إقليمياً. ويهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد على طائرات باهظة مثل "MQ-9"، واعتماد أسطول مسيّرات موزع، أقل كلفة، وأكثر قابلية للتعويض السريع.

الشروع في تطوير خليفة جديدة: تشير التصريحات والخطط العسكرية الأميركية إلى توجه نحو تطوير طائرة أو منظومة جديدة تخلف "MQ-9"، مع التركيز على تقليل التكلفة، زيادة قابلية الإنتاج بكميات كبيرة، وتحقيق توازن أفضل بين القدرة على البقاء والمرونة العملياتية.

خاتمة

تكشف خسائر "MQ-9" أن التفوق التقني لا يبقى ثابتاً عندما يتكيف الخصوم مع أدوات القوة الأميركية. فبدلاً من الاكتفاء بمحاولة رفع قدرة الطائرة على البقاء في بيئات دفاع جوي معادية، بدأت الولايات المتحدة مراجعة أوسع لفلسفة استخدام المسيّرات: تعويض الخسائر في المدى القصير، وبناء قوة جوية غير مأهولة أكثر تنوعاً ومرونة وأقل تكلفة في المدى البعيد.

وفي هذا السياق، تأتي مبادرات مثل قوة المهام "فالكون سترايك" ضمن محاولة لبناء إطار إقليمي ومتعدد الجنسيات لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ، رغم أن القيادة المركزية الأميركية لم تعلن، حتى الآن، القائمة النهائية للدول المشاركة.

وما هو مؤكد أن واشنطن دخلت مرحلة جديدة من التفكير في مستقبل أنظمة الطائرات غير المأهولة، لا بوصفها منصات منفردة باهظة الثمن، بل كجزء من شبكة أوسع من الأنظمة الأقل كلفة، والأكثر مرونة، والقابلة للتعويض السريع.