قلق العرب من "اليوم التالي" الذي أغرقته "إسرائيل"
تغييب "إسرائيل" سؤال "اليوم التالي" يرتبط بعقيدتها القائمة على إدامة الحرب والتوسّع، مستفيدةً من العجز العربي الرسمي والدعم الغربي.
في حين يُلحّ سؤال "اليوم التالي" على العرب، يحارون في قدرة "إسرائيل" على تغييب هذا السؤال عن استراتيجيتها. ومع أنّ احتلالها لفلسطين وأراضٍ عربية أخرى لم يكن سرّياً، ولا جرائمها مجهولة، تباغت الحكومات العربية شعوبها بأنّها لا تزال تتفاجأ بسياساتها، كأنّها دولة غامضة، أو كأنّ خطرها لا يستدعي منها حتى محاولة تفحّصها على قاعدة "اعرف عدوك".
لو أرادت "إسرائيل" أن تصنع عدوّاً على هواها، تحرّكه من بُعد، لما وجدت ما يضاهي النظام العربي الرسمي طواعيةً. فهو العدوّ الذي لا يراها عدوّاً، وبعض دوله تتوهّم أنّ التحالف مع الغرب والانضواء تحت مظلّته، إلى جانب الدولة الصهيونية، كفيلان بحمايتها منها، فيما تناقض أفعالُها في الخفاء ما تقوله عنها على المنابر. وبذلك، وفّر العرب على "إسرائيل" الانشغال بسؤال "اليوم التالي"، وغذّوا أطماعها ومخيّلتها الاستعمارية بسياسات تخون الفلسطينيين وشعوبهم في آنٍ واحد.
في الحقيقة، واجهت "إسرائيل" سؤال "اليوم التالي" بحرجٍ بعد حرب عام 1967، حين وسّعت سيطرتها على أراضٍ فلسطينية وسورية ومصرية إلى نحو أربعة أضعاف مساحة ما كانت تحتلّه من فلسطين، وكان يعيش في تلك الأراضي أكثر من مليون عربي. وقد فرض ذلك على الاحتلال مسؤولية الإجابة أمام المجتمع الدولي عمّا سيفعله غداً، وهو وحده ما كان يهمّه، من دون أدنى اكتراث بما سيفعله أعداؤه.
أصابت فجيعة الهزيمة، التي سُمّيت "نكسة" فقط، الحكومات والشعوب؛ عرب المواجهة وعرب الاعتدال، ومن خلفهم العالم الإسلامي إلى حدٍّ ما. غرقت الشعوب العربية في مشاعر متناقضة، بين الحزن والرفض والثأر والخوف، أمّا الحكومات، فكان ما يعنيها في "اليوم التالي" بقاء أنظمتها. وهكذا بدأ البحث عن كبش فداء: حمّل المتحالفون مع الغرب المسؤولية للأنظمة "الثورية" في القاهرة ودمشق وحلفائها، عربياً وخارج العالم العربي، فيما فسّر هؤلاء الهزيمة بأنّها نتيجة خذلان أولئك وخيانتهم.
إلى حدٍّ كبير، كان كلّ طرف محقّاً في اتهام الآخر، ومخطئاً في تبرئة نفسه. فقد كان الجميع شركاء في الهزيمة، لكنّ أحداً لم يكن مستعدّاً للاعتراف بذلك. وعلى الرغم من أنّ الهزيمة عمّقت الانقسامات العربية، فإنّها لم تكن سببها. فمنذ ولادة الدول القُطرية العربية بقرار أو تأثير خارجي، كان التناحر والتآمر بينها يجريان تحت الطاولة، وأحياناً فوقها، ودائماً ضمن الصراع الدولي، خلال سنوات الحرب الباردة وبعدها.
ناقشت حكومة ليفي أشكول، التي "نكست" العرب، سبعة خيارات لـ"اليوم التالي"، خصوصاً في القدس والضفة الغربية وغزة، لكنّها، بعد فترة وجيزة، راوغت في الإجابة عن السؤال، ثم تخلّت عن البحث فيه، وكرّست احتلالها بضمّ القدس الشرقية، وحذف "الخط الأخضر" من الخرائط، وإطلاق عمليات الاستيطان في الضفة الغربية. ودمجت، بقرار واعٍ، ما استخلصته من عجز العرب المذهل، وصمت العالم، والدعم الغربي، بعقيدتها القائمة على إدارة الصراع وإدامته بوصفها استراتيجية وحيدة، من دون أيّ تردّد لا ترى حاجة إليه، ما دام العرب بلا قدرة، والعالم مقيّداً.
كلّ ذلك سبق نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، وسبق عملية "طوفان الأقصى". فالمسألة لا تتعلّق بمن يحكم بقدر ما تتّصل بطبيعة الدولة الصهيونية، التي تستمدّ ديناميكيتها من تفاعلها مع موازين القوى القائمة واستغلال تفوّقها العسكري، من دون أن يعوقها سؤال "اليوم التالي"، حتى على المستوى التكتيكي. وما التنافس بين قادتها سوى تنافس انتخابي تُحاسَب فيه الحكومة لأنّها لم تخض حروباً أكثر، لا لأنّها أجهضت فكرة الاستقرار.
لا يمكن فهم حروب "إسرائيل" واحتلالاتها بوصفها أحداثاً منفصلة عن العقيدة التي تأسّست عليها. وفي هذا السياق، يصف الباحث الأسترالي باتريك وولف الاستعمار الاستيطاني عموماً بأنّه "بنية لا حدث"، بمعنى أنّه منظومة مؤسّسية تعيد إنتاج نفسها لتثبيت احتلال الأرض واقتلاع سكّانها عبر التهجير والإبادة. وما الهُدن وصفقات "معاهدات السلام" سوى حلول مؤقّتة. حتى نظرية "الجدار الحديدي"، التي صاغها أحد أعتى الصهاينة، زئيف جابوتنسكي، ليست سوى تكتيكات غايتها إقناع العربي أولاً بعجزه عن مواجهة الاحتلال، ثم إخضاعه بقسوة للأمر الواقع. وهكذا، يُحرم الفلسطينيون في غزة والضفة من أدنى حقّ، تمهيداً لاقتلاعهم وتهيئة الأرض عملياً لمشروع التوسّع.
لم يكن جدار جابوتنسكي، بقدر ما كان وسيلة لحماية "إسرائيل" من الخارج وحبسها في الداخل، إلا أداة لتقسيم الاستراتيجية الإسرائيلية إلى مراحل، عبر تأجيل الحسم. وفي ذلك، يستوي الماضي البعيد والقريب في سياساتها، والشواهد لا تُحصى. ففي عام 2004، حين أُقرّت خطة أرييل شارون الأحادية الجانب لفكّ الارتباط عن غزة، وصفها مستشاره بأنّها "فورمالين" يُبقي العملية السياسية مجمّدة؛ أي إنّها وسيلة لإدارة الدولة الصهيونية ظهرها لسؤال الغد، وشراء الوقت حتى ييأس عدوّها ويفقد الأمل، ويعتاد العالم التوسّع الدائم لاحتلالها.
المفارقة أنّه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتصدّع منظومتَي الاستعمار والانتداب الأوروبي تحت ضغط حركات التحرّر الوطني، لم تتوارَ سياسات الهيمنة، بل أُعيد إنتاجها في فلسطين بإقامة دولة استيطانية في قلب العالم العربي، فيما جعل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا التمييزَ قانوناً. ومنذ ذلك الحين، أدركت الشعوب التي كانت تتلمّس طريق الاستقلال أنّ وعود النظام الرأسمالي الغربي بالحرية والحقوق والعدالة كانت خداعاً لا يزال مستمرّاً.
إنّ تآكل مصداقية الغرب، الذي لا يمكن بعدُ توقّع القاع الذي سيبلغه في فلسطين ولبنان وسوريا، يُغضب الشعب العربي ومعظم شعوب العالم، لكنّه لم يحرّك ساكناً لدى الحكومات العربية المتحالفة معه بحجّة "الاعتدال"، وهو مصطلح يُضلّل الشعوب العربية، ويعني للغرب عدم معاداة "إسرائيل"، وتأمين مصالحه الإمبريالية، وقبول الوضع الراهن في الأراضي المحتلّة، وغضّ النظر عن توسّع الاحتلال، والانخراط في التطبيع بلا عائد، وبلا سبب سياسي مقنع في أغلب الأحيان.
حين كان نتنياهو يستعرض جرائمه على منبر الأمم المتحدة مؤخّراً، قاطعت خطابه 77 دولة، بينها معظم الدول العربية، باستثناء ثلاث منها، ربما رأت فائدة في الإنصات إلى تفاصيل الإبادة في غزة، أو استمتعت بوصف محو القرى في جنوب لبنان، لكنّ المؤكّد أنّ انحدارها الأخلاقي قد يُلهم نتنياهو ويمنح "إسرائيل" "شرعية عربية" لم تكن تتوقّعها، مع أنّها تعلم أنّ بين العرب من "إخوة يوسف" أكثر من ثلاثة.
قبل نحو عامين، أقرّت دراسة أصدرها "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" بخطورة "مشكلة عدم إتاحة إجراء تخطيط حقيقي لليوم التالي، فإن جاء وقف إطلاق النار سيجد إسرائيل بلا تجربة ذات فائدة". يستند التوجّس الوارد في هذه الوثيقة إلى منطق مبنيّ على الواقع ودروس التاريخ، لا على الخيال الخرافي للصهاينة. فبعد نحو ثمانية عقود على الاحتلال، لم تستطع "إسرائيل" أن تكون دولة آمنة أو مستقرّة، لكنّها لا تستطيع، أيضاً، أن تكون شيئاً آخر غير ما هي عليه: دولة حرب فقط.
بلغت هذه الاستراتيجية حدّها الأقصى، فـ"إسرائيل" ليست قوّة مطلقة. إنّها محصورة بين ديموغرافيا تمنعها من الضمّ، وأيديولوجيا تمنعها من التسوية، وعزلة دولية تمنعها من الحرب الأبدية. ويُضاف إلى ذلك عجزها عن ترجمة نجاحاتها العسكرية إلى نتائج سياسية، لأنّ "النصر العسكري" بلا مشروع سياسي ليس سوى حرب مؤجّلة. وهي تُدرج فوراً كلّ مقاومة ورفض في إطار "التهديد الوجودي"، ما يُسهّل عليها استبعاد أيّ حلول سياسية والتمسّك بسياسات "الإبادة"، التي لم تؤدِّ أيضاً إلى تحقيق أهدافها، لكنّها تستثمر هذا الفشل لإثبات أنّ التهديد لا يزال قائماً.
الصهيونية ليست مجرّد خطاب عاطفي يجمع الإسرائيليين، بقدر ما هي مؤسّسات تتحكّم في اتّجاه الدولة على المستويات التكتيكية والاستراتيجية كافّة. وحكومة نتنياهو لا تختلف عن حكومات أشكول وبيغن وشارون، ولا حتى عن حكومة يهودا باراك، المسؤول الإسرائيلي الأخير الذي فاوض الفلسطينيين برعاية بيل كلينتون، ورفض أن يكون لهم حقّ في "اليوم التالي"؛ ذلك اليوم الذي أغرقته "إسرائيل" من دون أن يُقلقها قلق العرب.
