قد يخسر ترامب وتبقى "الترامبية"

الحرب على غزة ولبنان وإيران لم تضعف مكانة أميركا في الشرق الأوسط فقط، بقدر ما أظهرتها غير مؤهلة لقيادة العالم الحر، ولا لإرساء القيم الديمقراطية التي تزعم تمثيلها،

  • تتجاوز الانتخابات الأميركية مجرد السؤال عن الحزب الذي سيفوز بمجلس الكونغرس.
    تتجاوز الانتخابات الأميركية مجرد السؤال عن الحزب الذي سيفوز بمجلس الكونغرس.

يتَّفق مُعارضو ترامب ومناصروه بين الأميركيين على أهمية الانتخابات النصفية المقبلة، كما تهتم بها دول وشعوب أجنبية كأنَّها انتخابات محلية تُجرى في العالم كله. ففي الداخل والخارج يُصوّر الحدث على أنه مفصلي سوف يُحدد مستقبل النظام الدولي،  مع أن هزيمة ترامب أو فوزه لن تُحصد نتائجهما مباشرة، ولن يُبنى عليها في الانتخابات الرئاسية، بمعنى أن الفوز أو الخسارة لا يحسمان مصير سباق حزب الرئيس إلى البيت الأبيض. 

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم ينجُ حزب الرئيس من خسارة الانتخابات النصفية إلا في مرَّتين، مع بيل كلينتون في عام 1998، حين نجح بزيادة مقاعد الديمقراطيين في مجلس النواب، رغم فضيحة مونيكا لوينسكي التي أدت إلى تعاطف شعبي معه لا ضده كما كان متوقعاً. وفي عام 2002، استطاع جورج بوش الابن أن يُعزز أغلبية مقاعد حزبه في المجلسين تحت وطأة هجمات الـ 11 من أيلول/ سبتمبر. 

واقع ترامب الانتخابي اليوم، بحسب إحصاءات مؤسسات متخصصة في استطلاعات الرأي، مثل "غالوب" و"مركز بيو للأبحاث"، يُظهر أن أكثر من نصف الأميركيين لا يوافقون على سياسات الرئيس عموماً. حتى إن نسبة الجمهوريين الذين كانوا يدعمونه بشراسة تنخفض باستمرار، وهذه ليست مصادفة، بل مسألة تبدو بنيوية، حيث إن الناخبين الأميركيين يتعاملون مع هذه المحطة التعبيرية كمنصة تتيح لهم فرصة معاقبة الرئيس على أدائه خلال العامين المنصرمين.

ترامب ليس استثناء يمكن عزله عن سياق أقرانه الرؤساء، لكنَّه يتميَّز بأن صعوده إلى السلطة كان نتاج لحظة تاريخية تتآكل فيها شرعية النظام الرأسمالي الأميركي من الداخل، ومعه الليبرالية الغربية، ويتبعها النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، بينما لم تتشكَّل بدائل واضحة، والمخاض يراوح في التعثُّر، ويفضي إلى سؤال عن مدى تأثير أحداث العالم الخارجي في هذه الانتخابات، مع أن الأميركيين نادراً ما يصوتون وفقاً لما تريده دول أو شعوب أخرى، فإن ما يحدث في أميركا يترك آثاراً في الخارج، أحياناً تكون بليغة.

الديمقراطيون يدخلون المعركة وهم متقدمون في الاستطلاعات والمؤشرات الانتخابية، من دون أن يعني هذا أنهم استعادوا القدرة على الحكم، والانقسامات داخل الحزب محتدمة بين "التقدميين" و"المعتدلين" حول الرعاية الصحية والمناخ والضرائب وغيرها من المسائل. فحتى إن انتزعوا مجلس النواب لن يخمد ذلك الاستقطاب، وترامب باقٍ في البيت الأبيض، ويملك حق النقض، وقد يفرض هذا الوضع جموداً تشريعياً طوال العامين المقبلين.

دول الجنوب العالمي تراقب الانتخابات النصفية، لا لأنها تنتظر رئيساً أو حزباً أفضل، بل ما يعنيها هو اتجاه الإمبراطورية الأميركية نحو تراجع تتمناه، ويمنحها مساحة أكبر من الاستقلال السياسي، ولأنها أيضاً تتوجس من استئناف سياسات الهيمنة الأميركية بشراسة أكبر. والقوى العظمى مثل الصين وروسيا ترفضان الأحادية القطبية، وتراقبان المشهد بصبر استراتيجي، وبإدراك أن انتخابات الكونغرس لن تُغير مسار السياسة الخارجية الأميركية في العمق، لكنها قد تبطئها، وأن للخارج والمزاج العالمي تأثيراً في المدى المتوسط والطويل في العلاقات مع الولايات المتحدة، وغير مؤثر على نحو مباشر في صناديق الاقتراع.

لكن، ما يعتقده المسؤولون في موسكو وبيجين لا يضعف الاهتمام العالمي الشديد في هذه الانتخابات تحديداً، كأنها استفتاء في مسار النظام الدولي ومستقبله، ونتيجتها ستُحدد ما إذا كانت أميركا تتجه إلى مزيد من الانكفاء أو مزيد من الصدام، أو إلى محاولات يائسة لترميم هيمنتها المتهاوية. وفي هذا السياق ثمَّة قضايا خارجية لم تعد بعيدة عن حياة الأميركيين، وأصبحت متصلة بالسياسة الداخلية، وسيكون لها تأثير نسبي على الانتخابات، من أبرزها الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، والدعم الأميركي المطلق "لإسرائيل"، والحرب على إيران.

لقد فعلت الجرائم الإسرائيلية في غزة ما لم تفعله أي قضية خارجية أخرى في المجتمع الأميركي، وأخرجت جيلاً كاملاً من الناخبين الأميركيين الشباب إلى الشارع احتجاجاً على استمرار إرسال الأسلحة للدولة الصهيونية. كذلك، أظهرت استطلاعات الرأي أن الأغلبية الساحقة من الناخبين الديمقراطيين، وخصوصاً الشباب والعرب والمسلمين، ترفض التغطية الأميركية للعنف الإسرائيلي. وفي ولايات مثل ميشيغن ومينيسوتا، حيث تعيش جاليات عربية ومسلمة كبيرة، قد تحسم هذه القضية نتائج الانتخابات، كما أن بعض الناشطين يُهددون بعدم التصويت للديمقراطيين، أو بالتصويت لمرشحين مستقلين، وهذا تحرك يتجاوز هوامش الضغط، وكافٍ لخسارة الديمقراطيين مقاعد كانوا يفوزون بها بأغلبية مريحة.

الدعم الأميركي المطلق "لإسرائيل" لم يعد قضية تخص العرب والمسلمين فقط، وهناك جناح واسع من التقدميين داخل "الحزب الديمقراطي"، يرى أن هذا الدعم يتناقض مع القيم التي يدعي الحزب تمثيلها، في وقت تضاءلت فيه الشرعية الأخلاقية لإسرائيل بشكل غير مسبوق بين الشباب الأميركي عموماً، وأفضى ذلك إلى تحول ثقافي وسياسي يقلق واشنطن بالقدر نفسه الذي يقلق "تل أبيب".

الحرب على غزة ولبنان وإيران لم تضعف مكانة أميركا في الشرق الأوسط فقط، بقدر ما أظهرتها غير مؤهلة لقيادة العالم الحر، ولا لإرساء القيم الديمقراطية التي تزعم تمثيلها، وهذه مسألة تتجاوز العلاقات الدولية، وتتصل بالهوية الوطنية الأميركية. وقد كشفت الحرب على إيران منذ بدئها، أنها ليست مجرد عملية عسكرية محدودة، وقد تحولت بعد أشهر من اندلاعها إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل على ترامب وهو يواجه انخفاضاً متزايداً في تأييد الأميركيين، ومن بينهم الجمهوريون، وجميعهم يخافون أن تطول الحرب كثيراً، وتتحول إلى إحدى الحروب الأميركية التي لا تنتهي.

الأخطر على ترامب هو الشرخ داخل قاعدته الانتخابية، وليس الرأي العام الأميركي بمجمله. فالتقليديون في حركة "ماغا" يرون في الحرب على إيران ضرورة أمنية، بينما يراها جناح تاكر كارلسون خيانة لشعار "أميركا أولاً"، وأنها تخدم "إسرائيل" لا الولايات المتحدة، وقد وصفها كارلسون بالكارثة الاستراتيجية. وهجوم هذا التيار العريق داخل حركة "ماغا" يقوّض أهم مصدر شرعية لترامب، بوصفه الممثل الوحيد للمحافظين الكلاسيكيين، ويجعل الحرب على إيران بنداً بارزاً في لوائح الانتخابات، وسيكون تأثيرها الحقيقي أكبر من كونها مجرد ملف خارجي يُتعامل معه من بعيد.

المفارقة العميقة أنه لا يمكن النظر إلى قوة أميركا على أنها مجرد قوة غاشمة، إذ استعانت بركيزة نفسية خفية، وهي عدم قدرة أعدائها وأصدقائها على حد سواء على توقع الأضرار التي قد تنجم عن انهيار العمود الفقري للنظام المالي العالمي. فالفراغ الذي قد يخلّفه غياب الإدارة الأميركية يفتح أبواب فوضى لا أحد يملك تصورًا لمداها، وقد تقود العالم إلى حرب فناء.

الخوف جعل حتى خصوم أميركا اللدودين يتصرفون بحذر، ويحسبون لكل خطوة ألف حساب، لكن الخوف بدأ يتآكل هو الآخر. فبعد انكشاف العجز الأميركي في العراق وأفغانستان وإيران، إلى جانب تعمق الانقسامات الأميركية الداخلية، بدأ العالم يتقبل بجدية التحضير للإجابة عن سؤال: ماذا لو سقطت أميركا فعلاً؟ وكيف يمكن منع أن يشكل انهيارها أزمة لا يمكن للعالم الخروج منها، أو تحويله إلى بداية نظام عالمي جديد. ومع أن هذا السؤال كان من المحرمات سابقاً، أصبح الآن يُطرح علناً في عواصم كانت بالأمس من الحلفاء الأوفياء لأميركا.

وفي خضم هذا التحول، ينظر العرب إلى الانتخابات الأميركية بمزيج من اللامبالاة والحذر والمرارة. فلا أحد في المنطقة ينتظر من واشنطن خيراً، ولا يخشى منها شرّاً جديداً، خاصة أن الثقة بالغطاء الأمني الأميركي بدأت تتآكل في أحداث وحروب العراق وليبيا وسوريا واليمن وغزة، وقد تعاظم ذلك الآن في الحرب على إيران، ما أدى بحلفاء أميركا العرب إلى قناعة بأن الولايات المتحدة لطالما كانت مصنعاً للمشاكل لا للحلول، ومن المرجح أن تبقى على حالها.

الانتخابات الأميركية عموماً تبدو لمعظم العرب كمسرحية تتكرر كل عامين، إذ يعد الديمقراطيون بالتغيير، ويزعم الجمهوريون الحكمة، لكن يستمر الدعم الأعمى لـ"إسرائيل" وتزويدها بالسلاح، ويُتجاهل إهدار دماء العرب في فلسطين ولبنان واليمن، ولا أحد بات في المنطقة يُصدق أن فوز الديمقراطيين سينقذ غزة، ولا أن خسارة ترامب ستعيد الحقوق.

وما متابعة العرب للانتخابات، التي لا يُرجى منها تغيير، سوى تفحُّص إن كان الأميركيون بدأوا فعلاً يتخلّون عن عقلية "الكاوبوي" الذي يحمل مُسدساً ويُهدد العالم، وإن كان للشباب الأميركي الرافض للحرب قدرة في التأثير، وأيضاً إن كان الكونغرس سيقف في وجه رئيس يجرُّ المنطقة إلى حرب أوسع، وهذا ما يقلق الشعوب العربية، وربما أكثر مما يقلق الحكومات.

معظم القادة العرب يفضلون بقاء "الترامبية" بعد انقضاء مهلة الرئيس ترامب. وملوك وأمراء دول الخليج يعرفون كيف يتعاملون مع رجل صفقات، لا مع مؤسسة تتحدث عن حقوق الإنسان، وقد راهنوا على ترامب في مواجهة إيران، ويرون في بقاء الجمهوريين ضمانة لاستمرار الضغط على طهران، وإن كانوا يخشون في الوقت عينه من حرب مفتوحة تطيح المنطقة، بينما ترى شعوبهم المتألمة في الانتخابات الأميركية تذكيراً بمرارة أعمق، هي أن أمنهم ومصيرهم يُقرّران في واشنطن بعيداً عن رأي قادتهم في بلدانهم. أما الدول العربية التي أنهكتها الحروب، مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، فترى في أي تغيير في واشنطن فرصة، ولو ضئيلة، لتخفيف الضغط.

تركيا بموقعها الجيوسياسي بين الشرق والغرب، تُجري حسابات الانتخابات الأميركية بدقة، وبقاء الجمهوريين يعني لأنقرة مزيداً من التوتر، بينما ليس من الضرورة أن تكون عودة الديمقراطيين إلى الحكم بمثابة العودة إلى لغة المؤسسات. أما إيران، عدوّ الهيمنة الأميركية اللدود، فهي لا تنتظر أي خير من المؤسسة السياسية الأميركية، لكنها تُراهن على أن التناقضات الداخلية الأميركية ستشغلها عن الخارج، وهو رهان يشمل، ولو بصمت، الدول الإسلامية الكبرى الأخرى مثل باكستان وإندونيسيا وماليزيا.

ظاهرة ترامب ليست أميركية فقط. فقد سبقه تضاعف قوة اليمين الشعبوي في أوروبا أيضاً، وصعد الاثنان معاً في الفضاء الغربي، في أميركا وأستراليا وألمانيا وفرنسا ودول أخرى، على خلفية ازدياد عدم ثقة المواطنين بمصداقية المؤسسات السياسية. وكانت دراسة أوروبية قد استنتجت أن صعود اليمين المتعصب ليس مؤشراً على أن الشعوب الغربية أصبحت أكثر رجعية، وإنما هو تعبير عن أزمة تمثيل سبقت صعود هذه التيارات، حيث كانت مجموعة الناخبين غير المشاركين في العمليات الانتخابية تتوسع.

تشكلت "الترامبية" من تيارات يمينية واظبت في الماضي على اجترار خطاب شوفيني متعصب، واستطاعت خلال العقدين الماضيين عقد ائتلاف حول شخص ترامب داخل الحزب الجمهوري، لتنفيذ أجندة "مشروع 2025" الذي أعدّته "مؤسسة التراث" المحافظة البارزة في واشنطن، وأشرف عليه فريق من العاملين السابقين في إدارة ترامب الأولى، يتقدمهم بول دانس وروس فوغت، وبمشاركة أكثر من 300 مؤلف. وقد رسموا خريطة تفصيلية لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتركيزها في يد الرئيس، من خلال تقليص شامل للوكالات الفيدرالية، وتطهير مؤسسات الحكم من الموظفين غير الموالين واستبدالهم بالموالين لترامب، وتعزيز الأجندة "المسيحية القومية".

لكن ترامب نفى خلال حملته الانتخابية أي علاقة له بالمشروع، بينما حين وصل إلى البيت الأبيض للمرة الثانية، منح معظم مهندسي المشروع مناصب عليا في إدارته. كما أن أكثر من ثلثي الأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس في أسبوعه الأول فقط تقاطعت مع بنود المشروع، بحسب ما ذكرت شبكة "سي إن إن". أما الآن فقد نفّذ ترامب فعلياً نحو نصف محتوى المشروع المؤلف من 900 صفحة.

تتجاوز الانتخابات الأميركية في الشهر المقبل مجرد السؤال عن الحزب الذي سيفوز بمجلس الكونغرس، وما أحدثته "الترامبية" من أضرار في النظام السياسي الأميركي، قد تتركه عاجزاً عن المحافظة على وظائفه الأساسية في الداخل، بالتزامن مع تراجع قدرته على قيادة النظام الدولي، على الأقل بالطريقة التي كانت سائدة بعد نهاية الحرب الباردة. خاصة أن الصين وروسيا ترفضان النظام الأحادي، والحلفاء الأوروبيون يبحثون عن مساحة استقلال أكبر، والنموذج الاقتصادي الذي ارتبط بالعولمة النيوليبرالية متعثر، مع شعور الطبقات الوسطى بخسارة أمنها الاجتماعي.

لقد أضعفت الحرب على أفغانستان والعراق "المكانة الأخلاقية" الأميركية. وغزة أضافت لها ضربة جديدة. والحرب العدوانية ضد إيران كشفت حدود القوة العسكرية، حين لا توازيها قوة سياسية قادرة على إنتاج ما يكفي من الشرعية، التي لا يكترث لها ترامب. وسيبقى يحاول استعادة الهيمنة الإمبريالية من خلال شعار "أميركا أولاً"، مستعيناً بأدوات طائشة وعشوائية: من الرسوم الجمركية إلى الضغط الاقتصادي، ومن عسكرة السياسة إلى ما هو أبعد. والمفارقة أن كل ذلك يؤدي إلى تعميق الأزمات التي جاء لمعالجتها، وكل حل يصبح مشكلة جديدة. والأسوأ من ذلك كله حين يترك ترامب المنصب بعد عامين، قد تبقى "الترامبية".