سيناريو مؤجّل.. لماذا قد تنتظر الفصائل ما بعد زيارة الزيدي إلى الرياض

تأجيل الفصائل العراقية الردّ العسكري إلى ما بعد زيارة رئيس الوزراء إلى السعودية، بانتظار نتائج المسار السياسي.

  • سيناريو مؤجّل.. لماذا قد تنتظر الفصائل ما بعد زيارة الزيدي إلى الرياض
    سيناريو مؤجّل.. لماذا قد تنتظر الفصائل ما بعد زيارة الزيدي إلى الرياض

رغم انتهاء المهلة التي منحتها بعض الفصائل العراقية للحكومة عقب الهجمات الأخيرة على مقار الحشد الشعبي، إلّا أنّ القراءة الحالية للمشهد لا تستبعد أن يكون قرار الردّ قد اتخذ من حيث المبدأ، فيما يبقى توقيت التنفيذ خاضعاً لحسابات سياسية أكثر منها عسكرية. وتنطلق هذه الفرضيّة من أنّ الفصائل قد ترى أنّ أيّ تحرّك قبل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى السعودية سيؤدّي إلى نسف المسار السياسي بالكامل، ويحرمها من معرفة ما إذا كانت الزيارة ستفضي إلى تفاهمات يمكن البناء عليها، وبالتالي تأليب الشارع العراقي ضدّها وخسارة تعاطفه وتضامنه الكبير معه.

وتدرك الفصائل أنّ زيارة الزيدي لا تقتصر على الجانب البروتوكولي، بل تأتي في توقيت بالغ الحساسية، بعد القصف الذي استهدف مقارّ الحشد الشعبي، وما تبعه من توتر غير مسبوق بين بغداد والرياض. ومن ثمّ، فإنّ نتائج هذه الزيارة قد تحدّد طبيعة المرحلة المقبلة، سواء من خلال تقديم ضمانات أمنية، أو احتواء الأزمة، أو على العكس، تكريس القطيعة السياسية بين الطرفين.

وبناء على هذه الفرضيّة، قد تفضّل الفصائل تأجيل أيّ ردّ عسكري إلى ما بعد انتهاء الزيارة، حتى لا تتحمّل مسؤولية إفشالها، وحتى تمنح الحكومة الفرصة لإثبات قدرتها على معالجة الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية. فإذا لم تحقّق الزيارة نتائج ملموسة من وجهة نظر الفصائل، فقد تعتبر أنّ الخيارات السياسية استنفدت، وأنّ الانتقال إلى الردّ العسكري أصبح أكثر قابلية للتبرير أمام جمهورها.

ويعزّز هذا الاحتمال ما صدر عن كتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي، التي لمّحت عن إمكانية تراجعها عن قرار تسليم سلاحها إلى الدولة بعد استهداف مقارّ الحشد الشعبي. فهذا الموقف يعكس تحوّلاً في المزاج العامّ داخل بعض الفصائل، التي باتت ترى أنّ البيئة الأمنية تغيّرت، وأنّ الحديث عن تنظيم السلاح لم يعد أولوية في ظلّ ما تعتبره تهديداً مباشراً يستهدف وجودها. كما أنه قد يشير إلى أنّ قرار الردّ لم يعد محلّ خلاف داخل هذه الفصائل، وإنما يدور النقاش حول توقيته وكيفيّة تنفيذه.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا المشهد عن التطوّرات الجارية على الحدود العراقية - السورية، حيث تتصاعد التحرّكات العسكرية مع استمرار الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة في شرق سوريا. وتنظر الفصائل إلى هذه الجبهة بوصفها جزءاً من معادلة الردع الإقليمية، الأمر الذي يجعلها حريصة على عدم تشتيت قدراتها بين أكثر من ساحة في توقيت واحد. لذلك، قد يكون تأجيل الردّ جزءاً من عملية إعادة ترتيب الأولويات العسكرية، بانتظار اتضاح صورة التحرّكات على الحدود.

ومن زاوية أخرى، فإنّ أيّ عملية تستهدف أهدافاً سعودية قبل زيارة الزيدي ستضع الحكومة العراقية في موقف بالغ الحرج، وقد تؤدّي إلى إلغاء الزيارة أو تفريغها من مضمونها السياسي. أما تنفيذها بعد الزيارة، فيمنح الفصائل فرصة لتقييم نتائجها أولاً، ثم بناء قرارها على ما إذا كانت الرياض قدّمت أيّ مؤشّرات على تغيير موقفها، أو أنّ الزيارة انتهت من دون تحقيق اختراق يذكر.

ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ الردّ -إن وقع- سيكون واسع النطاق، بل قد يكون محدوداً ومدروساً، يهدف إلى تثبيت معادلة ردع وإظهار القدرة على الردّ، من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. فالفصائل تدرك أنّ أيّ تصعيد كبير قد يستجلب ردوداً عسكرية وسياسية تتجاوز حدود العراق، وهو ما قد يغيّر طبيعة الصراع برمّته.

في المقابل، إذا أسفرت زيارة الزيدي عن تفاهمات أمنية أو سياسية، أو عن التزامات من شأنها تهدئة الأزمة، فقد تجد بعض الفصائل نفسها أمام معادلة مختلفة، تجعل تأجيل الردّ أو إعادة صياغته خياراً وارداً، خصوصاً إذا كان ذلك يحقّق جزءاً من أهدافها من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة.

وبذلك، تقوم هذه الفرضيّة على أنّ المسألة لم تعد مرتبطة بمبدأ الردّ بقدر ما أصبحت مرتبطة بتوقيت الردّ. فالفصائل، وفق هذا التصوّر، قد تكون اختارت تأجيل تنفيذ أيّ خطوة عسكرية إلى ما بعد زيارة رئيس الوزراء إلى الرياض، ليس تراجعاً عن موقفها، وإنما لإعطاء المسار السياسي فرصته الأخيرة، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة إذا لم تفضِ الزيارة إلى نتائج تراها كافية.