رفع سعر الفائدة.. تعالوا نتعرف إلى تأثيره على المواطن والأسواق والانتخابات الأميركية؟

الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يرفع سعر الفائدة، برغم ضغوط الرئيس دونالد ترامب لخفضه، فكيف تتجه مسارات الاقتصاد بعد هذا القرار، وهل يتأثر المواطن الأميركي بها، وكذلك الأسواق حول العالم، وما علاقة الانتخابات النصفية المقبلة؟

  • ماذا يعني رفع سعر الفائدة؟
    ماذا يعني رفع سعر الفائدة؟

منذ عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، كرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً امتعاضه من رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم بأول، وطالب بإقالته، لأنه كان يرفض خفض سعر الفائدة، كما كان يرغب ترامب.

غادر باول منصبه في منتصف أيار/مايو 2026، وخلفه مرشح ترامب، كيفن وارش. عدّ المراقبون ذلك انتصاراً لترامب كونه سيحظى بحليف على رأس الاحتياطي الفيدرالي يتناغم مع سياساته الاقتصادية، لكنّ وارش وفي أول استحقاق مرتبط بسعر الفائدة، قرّر مع أعضاء المجلس رفعها 25 نقطة أساس (ربع نقطة) مع توقّعات بأن يقوم برفعها مرة أخرى قبل نهاية العام.

ترامب الذي رشّح باول نهاية عام 2017، وانقلب عليه، ثمّ رشّح وارش، ويبدو أنه لم ينفّذ له ما أراده أيضاً، أبدى امتعاضه من قرار الفيدرالي معتبراً أنّ أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ينبغي أن تكون عند 1% أو أقل، معتمداً على "قوة الجدارة الائتمانية" الأميركية، بحسب ما يرى.

نفهم كقرّاء أو متابعين الخبر الذي نقلته وكالات الأنباء باهتمام، ونعرف أنّ ترامب غاضب، ولكننا نشعر بشيء من الامتعاض عندما لا نفهم معنى القرارات الاقتصادية الكبرى، وكيف ستؤثّر على حياة الأميركيين، وهل لها تأثير على حياتنا نحن الذين نعيش في دول "نامية" وبعيدة آلاف الكيلومترات عن المطبخ الذي تصنع فيه القرارات والسياسات في واشنطن.

فماذا يعني أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة ربع نقطة؟ وهل يشعر المواطن الأميركي وغيره بهذا القرار فعلاً في حياته اليومية، أم أنه مجرّد رقم يتبادله المحللون في الشاشات؟ الصحيح أنّ الإجابة أكثر تعقيداً من مجرّد رقم أو قرار اقتصادي، لكننا سنحاول تبسيط المفاهيم والروابط الاقتصادية لنفهم طبيعة القرار وتأثيراته، وارتباطه بترامب ومستقبل السياسة الأميركية.

ماذا يعني رفع سعر الفائدة؟

في 16 أيلول/سبتمبر 2026، رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي ربع نقطة، إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%. القرار، الذي صدر بالإجماع (12 صوتاً)، هو الأول من نوعه منذ 2023، بعد سنوات توقّف فيها الفيدرالي عن تحريك الفائدة صعوداً، بل خفّضها أكثر من مرة.

لنفهم هذا التحرّك يجب أن نعرف أنّ التضخّم، الذي بقي فوق هدف الفيدرالي البالغ 2% لفترة طويلة، تفاقم أخيراً مع ارتفاع أسعار النفط من جرّاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إذ تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار.

الفيدرالي، في بيانه الرسمي، وصف التضخّم بأنه "لا يزال مرتفعاً"، أي أنّ مؤشّر الأسعار سيكون مرتفعاً، وسيقارب 3.7% نهاية العام بحسب توقعات الفيدرالي، أي أقرب إلى ضعف الهدف المعلن.

البعض يقول إنّ رفع سعر الفائدة ربع نقطة لن يكون له تأثير كبير على الأسواق، لكنّ هؤلاء يغفلون أنّ 16 من أصل 18 من صانعي السياسة النقدية في الفيدرالي، وهم أعضاء المجلس، يتوقّعون رفعاً إضافياً للفائدة قبل نهاية 2026.

لفهم ما يجري عملياً، وكيف تتأثّر الأسواق بسعر الفائدة، يجب أن نعرف أنّ البنوك تستدين من الفيدرالي بسعر معيّن، ثم تُقرض الأفراد والشركات بسعر أعلى، ما يعطيها هامشاً للربح. حين يرفع الفيدرالي سعر الفائدة، ترتفع تلقائياً الفوائد على قروض السيارات، وبطاقات الائتمان، والقروض العقارية.

ولنشرح أكثر بالأمثلة كيف يتأثّر المواطن الأميركي، ولنفترض أنّ شخصاً يريد شراء منزل ويريد اقترض 200 ألف دولار لمدة 15 عاماً؛ فإنّ ارتفاع الفائدة بنصف نقطة مئوية يمكن أن يضيف عشرات الدولارات إلى قسطه الشهري، بحسب سعر القرض وشروطه، وربما يدفع ذلك المشتري إلى تأجيل الشراء، أو تغيير مساحة المنزل لتخفيض سعره. هذا المنطق ينسحب على من يفتح متجراً بقرض تجاري، أو من يحمل بطاقة ائتمانية بديون متراكمة يرتفع سعر فائدتها.

التأثير العالمي لهذا الرفع، ورغم أنه سيكون متفاوتاً بين دول ودول أخرى، إلا أنه سينعكس على مختلف الدول ولن يبقى محصوراً داخل الاقتصاد الأميركي، ذلك أنّ الدولار هو العملة الرئيسية في التجارة والتمويل حول العالم. فعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة، تصبح الأصول المقوّمة بالدولار أكثر جاذبية، ما قد يدفع أصحاب رؤوس الأموال إلى الخروج من الأسواق الناشئة، وزيادة تدفّق رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة ويضغط في المقابل على بعض العملات والأسواق الناشئة.

هذا الأمر سيضغط على عملات الدول النامية ويرفع كلفة الاقتراض وخدمة الديون. وإذا أردت دليلاً على ذلك فأحيلك إلى التاريخ القريب، خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ إذ تحوّلت أزمة بدأت في سوق الرهن العقاري الأميركي إلى أزمة عالمية، وتراجعت التجارة والاستثمارات وتضرّرت الاقتصادات النامية. وتوضح تلك الأزمة، وإن كانت مختلفة في أسبابها عن مرحلة رفع الفائدة الحالية، مدى سرعة انتقال الصدمات المالية الأميركية إلى بقية العالم.

ما سلف يؤكّد أنّ قرارات السياسة النقدية الأميركية يمكن أن تنتقل عبر الأسواق المالية وسعر الدولار إلى حياة المواطنين في الدول النامية، من خلال ارتفاع أسعار الواردات، وارتفاع التضخّم، وتراجع فرص العمل والنمو، وارتفاع كلفة الديون الحكومية والخاصة.

كيفن وارش.. مرشح ترامب الذي خذل الرئيس

لكن لا يمكن فهم قرار الفيدرالي بمعزل عن الشخص الذي أعلنه؛ كيفن وارش، رئيس الفيدرالي الذي لم يكمل بعد 4 أشهر في منصبه. وارش، 56 عاماً، كان أصغر من عُيّن في مجلس الفيدرالي حين انضم إليه عام 2006 وهو في الخامسة والثلاثين، وعمل فيه خلال الأزمة المالية العالمية، قبل أن يغادر المجلس عام 2011 إلى القطاع الخاص ثم إلى معهد بحثي في ستانفورد، حيث بنى سمعته كأحد أشد منتقدي السياسة النقدية المتساهلة، ودعا بشكل صريح إلى "تغيير جوهري" في طريقة عمل الاحتياطي الفيدرالي.

هذه السيرة هي بالضبط التي دفعت ترامب لاختياره خلفاً لباول في كانون الثاني/يناير 2026. المفارقة أنّ ترامب صرّح قبل تثبيت وارش بأنه "لم يكن ليختاره" لو كان يعتزم رفع الفائدة لا خفضها. ومع ذلك، صادق مجلس الشيوخ على تعيين وارش في أضيق تصويت يشهده منصب رئيس الفيدرالي في تاريخه الحديث (54 مقابل 45)، وسط توقّعات بأنه سيكون أكثر انصياعاً لرغبة الرئيس الذي رشّحه.

ما حدث قبل يومين يقول عكس ذلك تماماً. فبعد أن أبقى وارش الفائدة ثابتة في اجتماعين سابقين لمجلس الاحتياطي في حزيران/يونيو وتموز/يوليو، رفعها الآن فعلياً، مؤكّداً في مؤتمره الصحفي أنّ القراءات "لا تشير إلى تحسّن جوهري" في التضخّم. وهذا ما استدعى موقفاً غاضباً من ترامب.

هذا الوضع الحرج الذي وقع فيه ترامب يدفع للتساؤل: لماذا لا يستطيع الرئيس أن يأمر الفيدرالي بخفض الفائدة مباشرة؟ والجواب ببساطة دستوري، لأنّ الكونغرس صمّم الاحتياطي الفيدرالي، ليكون مستقلاً عن البيت الأبيض، تحديداً لمنع تسييس قراراته النقدية التي تؤثّر في الاقتصاد كلّه، فأعضاء لجنة المجلس يُفترض أن يصوّتوا وفق قراءتهم الاقتصادية لا وفق ولائهم السياسي. حتى الرئيس الذي يختار رئيس الفيدرالي، كما فعل ترامب مع وارش وقبله مع باول، لا يضمن أن يحصل على القرارات التي يريدها.

أما الأسواق، فالمسار ليس وصفة مباشرة نحو الانهيار كما يتصوّر البعض. صحيح أنّ مؤشرات البورصات الرئيسية (داو جونز، ستاندرد آند بورز)، خسرت بعد صدور القرار، بينما ارتفع الدولار إلى أعلى مستوى له منذ تموز/يوليو وتراجع الذهب أكثر من 1%، لكنّ هذا التراجع لم يكن بسبب رفع الفائدة بحدّ ذاته، فقد كانت الأسواق تتوقّع القرار بنسبة 90%، إنما بسبب تصريح وارش المتشدّد في مؤتمره الصحفي، والذي رجّح رفعاً إضافياً قبل نهاية العام، وهذا يعني دفع المستثمرين لإعادة التسعير وفق الزيادات المقبلة وليس للزيادة الحالية فقط.

هذه الزيادات ستصل حتماً إلى جيب المواطن وحسابه البنكي مباشرة: فتمويل السيارات سيرتفع، وبطاقات الائتمان ستزداد قيمة قروضها، والرهون العقارية الجديدة ستصبح أثقل مع ارتفاع الفوائد المتزايدة عليها. بينما الشركات التي تعتمد على الاقتراض من البنوك لتوسيع نشاطها، فتجد نفسها أمام كلفة تمويل أعلى لهذه القروض، ما قد يؤخّر خطط التوظيف.

 وبالحديث عن التوظيف فهو ربما سيصبح المعضلة الحقيقية التي يواجهها الفيدرالي، فهو بمحاولته تخفيض الأسعار عبر جعل التمويل أكثر كلفة، قد يؤثّر على سرعة النمو وحجم التوظيف، وهذا الثمن سيدفعه سوق العمل قبل أن يؤثّر أيّ مؤشر بورصة.

كيف تتأثّر الانتخابات النصفية برفع سعر الفائدة؟

وبالحديث عن تأثيرات هذا القرار سياسياً، فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، التي يُعاد فيها انتخاب مجلس النواب بالكامل ونحو ثلث مجلس الشيوخ، سيدخل الناخبون صناديق الاقتراع وسط بيئة اقتصادية يحدّدها إلى حدّ كبير هذا الصراع بين الفيدرالي والبيت الأبيض.

صحيح أنّ قرار الفائدة نفسه لا يؤثّر على نتيجة الانتخابات بشكل مباشر، لكنه يشكّل جزءاً من الصورة التي يقيّم الناخب من خلالها أداء الإدارة؛ فإن بقي التضخّم مرتفعاً رغم رفع الفائدة، سيجد ترامب نفسه يدافع عن اقتصاد يشعر فيه الناس بغلاء المعيشة رغم كلّ تصريحاته عن "الازدهار". وإذا أدّت سياسة التشدّد النقدي إلى تباطؤ ملموس في التوظيف خلال الأسابيع المقبلة، فسينتقل النقاش من القلق حول الغلاء إلى قلق أعمق بشأن فرص العمل نفسها، وهو سيناريو أكثر خطورة على أيّ حزب حاكم قبل موعد الانتخاب.

في النهاية، يمشي صانع القرار في واشنطن على حبل رفيع، ويحاول الموازنة بين كبح الأسعار وحماية النمو، بينما يقف المواطن في الوسط؛ بين رئيس يريد فائدة تقترب من الصفر، ورئيس بنك مركزي يقول إنّ أولويته الوحيدة هي أرقام الاقتصاد لا السياسة. وبين هذين الموقفين، تُرسم معالم الاقتصاد اليومي لعشرات الملايين من الأميركيين، ومعهم مئات الملايين حول العالم، وتتشكّل أيضاً نتيجة صندوق الاقتراع بعد أقل من شهرين.