دعوات لتعديل حكومي في تونس: أي فرص لنجاح الحكومة المرتقبة؟
تونس تحتاج اليوم إلى التعويل على كفاءات أبنائها في شتى المجالات، داخل البلاد وخارجها، وتحتاج إلى مناخ استقرار يطوي صفحة الصراعات والخلافات.
-
تونس باتت في أزمة مركبة يصعب تجاوزها.
تضج الساحة السياسية في تونس بتسريبات وأنباء تتحدث عن تعديل حكومي وشيك، وخصوصاً بعدما عرفته البلاد من حالة احتقان كبير من جرّاء الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، وأيضاً لشح في الأسواق في عدد من المواد الأساسية والأدوية، حتى إن البعض بات يذكر الأسماء المرشحة لأداء دور في المرحلة المقبلة.
بعض التوقعات ذهبت إلى حد الإعلان عن تعديل حكومي ينهي مشوار رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، فيما طالب خبراء بضرورة تشكيل "حكومة حرب" بعدد محدود من الحقائب الوزارية، حكومة تطلق حرباً حقيقية في البلاد في محاربة الفساد والمحسوبية وتعمل على تحقيق التنمية والتسريع في الإصلاحات الكبرى ورقمنه الإدارة.
التقاء في توصيف الأزمة بين أنصار الرئيس ومعارضيه
التوصيف لأداء الحكومة الحالية بالفشل كان من قبل داعمين لمسار الخامس والعشرين من جويلية، وفي ذلك إقرار بخطورة الأزمة، توصيف يلتقي فيه للمرة الأولى تقريباً أنصار الرئيس مع معارضيه، حيث اعتبرت أحزاب القطب والحزب الاشتراكي، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي في بيان مشترك، أن الشعب التونسي يعيش أوضاعاً غير مسبوقة مسّت أبسط مقومات الحياة اليومية بسبب أزمات العطش وانقطاع الكهرباء.
وأعربت الأحزاب الخمسة عن رفضها لما سمته سياسة الإنكار، مؤكدة أن تحميل المسؤولية لـ "المتآمرين والمخربين" لا يحجب فشل السياسات الحكومية وإدارة البلاد بمنطق الارتجال، كما دعت الأحزاب المعارضة إلى فتح تحقيقات مستقلة وجدية لتحديد المسؤولين، والتوقف عن سياسة التخوين والاتهامات الجاهزة.
اتحاد الشغل يدين العجز الحكومي
موقف المعارضة يلتقي بدوره مع ما جاء في بيان اتحاد الشغل بصفاقس الذي تضمن إدانة صريحة لما وصفه بالعجز الحكومي، مؤكداً أن "خطاب المؤامرة" وتوزيع تهم التخوين والعمالة لم يعد ينطلي على أحد.
وحذر البيان من تفاقم اليأس وانسداد الأفق أمام الشباب، الذي تحولت معه الهجرة غير النظامية إلى ملاذ رئيسي للخلاص.
توافق في تشخيص الأزمة، كما يبدو، يعود إلى ما آلت اليه الأوضاع من فشل في تأمين الخدمات العامة من كهرباء وماء، ومياه معلبة، أو أدوية ضرورية للأمراض المزمنة والخطيرة، وضع لم تنحدر إليه البلاد بحسب مراقبين حتى في حالة الفراغ السياسي في سدة الحكم بعد فرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
أي فرص نجاح لأي فريق حكومي جديد
يبقى السؤال المطروح اليوم: أي أداء يمكن أن تحققه الحكومة السابعة منذ 2019، يختلف عما قدمته سابقاتها، حيث يصف الخبراء أن أي حكومة جديدة بقطع النظر عن تركيبتها أو تسميتها، فإن هامش تحركها محدود، وبالتالي قدرتها على إصلاح الأوضاع المعقدة والأزمات المتراكمة في شتى القطاعات تحتاج إلى سنوات عدة، في ظل مناخ اقتصادي واجتماعي ضاغط يطالب بنتائج سريعة وملموسة في الواقع اليومي للتونسيين.
الإشكال الأول الذي يعترض أي حكومة مكلفة، أنها تتحمل وزر النتائج، وليس لديها هامش المبادرة ولا صلاحيات اتخاذ القرار ورسم السياسات، حيث ينص الدستور التونسي بموجب الفصلين 111 و113 على أن مهام رئيس الحكومة وفريقه الحكومي تقتصر على "تنفيذ السّياسة العامّة للدّولة طبق التوجّهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهوريّة" ، وعليه يمتلك رئيس الجمهوريّة وحده بموجب نص الدستور "صلاحية تحديد وتوجيه السياسات العامة واختيارات الدولة الأساسية التي تعد الحكومة ملزمة بتنفيذها".
أما الإشكال الثاني الذي يحد من قدرة الحكومة على الحركة، فهو الإرث الاقتصادي الثقيل الذي يعوق فرص الاستثمار وتسريع نسق الإصلاحات، فالأرقام تتحدث عن تخطي الدين العام نسبة 82% من الناتج الداخلي الخام، وعجز في الميزان التجاري بنحو 14.9 مليار دينار (5 مليار دولار) خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، عجز يعود بنسب كبيرة إلى العجز في الميزان التجاري الطاقي للبلاد، إلى جانب تراجع الاستثمار العمومي إلى أدنى مستوياته منذ 15 عاماً.
فيما يتمثل الإشكال الثالث في مناخات عمل الحكومة في ظل مناخ اجتماعي ضاغط، طرقات مقطوعة أحياناً بفعل الاحتجاجات المطلبية، وتحركات للعاطلين من العمل للمطالبة بتنفيذ اتفاقات تشغيل من طالت بطالتهم بمقتضى قانون صادق عليه البرلمان، ولم يجد طريقه إلى التنفيذ، في بلد تخطت فيه نسبة البطالة 15% ونسبة الفقر 16%.
إلى جانب المناخ الاجتماعي الضاغط، تعيش البلاد على وقع صراع سياسي حاد منذ 25 يوليو 2021؛ صراع يعوق جهود أي حكومة تحتاج إلى الاستقرار من أجل الانصراف إلى الإصلاحات في ظل مناخ من التوافق والسلم الأهلي، لإطلاق ما تراه من حزمة إصلاحات كبرى في ملفات جدلية تتعلق بخصخصة مؤسسات القطاع العام التي تعاني من أعباء مالية أو بفتح حوار خارجي جاد من أجل دفع الاستثمار.
تشخيص الأزمة.. نصف العلاج
توصيف الأزمات وتعدادها ليس المراد منه القول إن تونس باتت في أزمة مركبة يصعب تجاوزها، فالمثل يقول "تشخيص المشكلة هو نصف العلاج"، والإقرار بالأزمة وأسبابها يسهل الطريق أمام رسم ملامح تجاوزها، فتونس تحتاج اليوم إلى التعويل على كفاءات أبنائها في شتى المجالات، داخل البلاد وخارجها، وتحتاج إلى مناخ استقرار يطوي صفحة الصراعات والخلافات عبر حوار جاد ومسؤول أو عبر مصالحات تسهم في تنقية مناخ المال والأعمال وتعيد البلاد إلى سكة العمل والإنتاج لما فيه خير الجميع، فالبلاد تحتاج إلى مشروع جماعي يقطع مع الشخصنة والفردانية، ويكرس الشفافية، ويضع التونسيين على مسافة واحدة أمام علوية القانون.