تجمد الزمن في غزة

غزة مدينةٌ أسيرةٌ لزمن الحرب، أنهكها الدمار والنزوح والفقد، وحرم أهلها من أبسط مقومات الحياة، فيما يبقى أملها معلقاً باستعادة الأمن والكرامة والحياة الطبيعية.

  • تجمد الزمن في غزة
    تجمد الزمن في غزة

لم تتوقف الساعة في مدينتنا المنكوبة فحسب، إنما فقدت معناها منذ السابع من أكتوبر. لم تعد عقاربها تمضي إلى الأمام كما تفعل في بقية العالم، كأن الزمن نفسه أصيب بشظية فتوقف في مكانه، ثم بدأ يتراجع إلى الخلف.

هنا لا نعيش في حاضر مكتمل، ولا نستطيع العودة إلى ماضٍ كان يبدو لنا قبل الحرب عادياً وبسيطاً، ولا نعرف كيف يمكن أن يكون المستقبل. نحن عالقون في لحظة طويلة ثقيلة لا تنتهي. أحياناً أنظر إلى الناس في الشوارع فأشعر أننا نعيش في قرن آخر؛ رجال يحملون أوعية الماء بدلاً من حقائب العمل، نساء يقفن في طوابير طويلة من أجل رغيف، أطفال يركضون بين الخيام حفاة أو بملابس غطاها الغبار، وشيوخ يجلسون أمام ما تبقى من بيوتهم كأنهم يحرسون أطلال حياتهم. الخيمة التي كان يفترض أن تكون حلاً مؤقتاً أصبحت عنواناً دائماً، والطابور الذي كان مشهداً عابراً صار جزءاً من يوم الناس، والبحث عن الماء والخبز والدواء تحول من تفاصيل الحياة إلى معنى الحياة نفسه. وتحت هذه الخيام لا يعيش الناس فقط في ظروف قاسية، بل يعيشون في انتظار دائم: انتظار الماء، انتظار الخبز، انتظار العلاج، انتظار خبر عن بيت، عن قريب، عن مفقود، أو حتى انتظار أن يمر النهار من دون موت جديد.

في غزة، تراجع الإنسان من مواطن له بيت وعمل ومهنة وموعد وحساب بنكي ومفتاح سيارة، إلى إنسان يحمل ما يستطيع من حاجاته في كيس ويمشي من مكان إلى آخر بحثاً عن مساحة أقل خطراً. الطبيب صار يبحث عن الدواء، والمعلم عن مكان يصلح لأن يكون مدرسة، والمهندس عن جدار لم يسقط، والمحامي عن مهنة لم تعد تجد محاكم، والصحفي عن شارع يستطيع أن يقف فيه دون أن يكون هو الخبر. حتى المهن التي كانت تمنح الناس شيئاً من تعريفهم لأنفسهم انكمشت أمام سؤال واحد: كيف نعيش اليوم؟

لقد أعادت الحرب غزة إلى ما قبل كثير من الأشياء التي ظن العالم أنها أصبحت من المسلمات. الماء الذي كان يخرج من الصنبور صار رحلة، والكهرباء التي كانت تضيء البيوت تحولت إلى ذكرى، والبيت الذي كان يحمي العائلة صار صورة على هاتف، والمستشفى الذي كان مكاناً للعلاج صار في كثير من الأحيان مكاناً للنجاة، والمدرسة التي كانت تصنع المستقبل أصبحت مأوى لمن حُرموا من حاضرهم. حتى النوم لم يعد نوماً، هو هدنة قصيرة بين خوفين.

ولعل أقسى ما فعله الخراب أنه لم يهدم الحجر وحده، إنما هدم الإيقاع الطبيعي للحياة. لم يعد الطفل يعرف أن الصباح يعني الذهاب إلى المدرسة، ولا أن الظهيرة تعني عودة الأب من العمل، ولا أن المساء يعني اجتماع العائلة حول مائدة. الزمن نفسه فقد عاداته. الأيام تتشابه حتى يصبح من الصعب تمييز الأحد من الخميس، والشهر من الشهر، والعام من العام. هناك صباحات لا تشبه الصباح، وليالٍ لا تشبه الليل. كل شيء معلق بين الخوف والانتظار.

حتى الأطفال الذين يولدون الآن في غزة يدخلون الحياة من بوابة الحرب. لا يعرفون غزة التي عرفناها، ولا يعرفون شوارعها قبل أن تتحول أجزاء منها إلى ركام، ولا يعرفون المدارس كما عرفناها، ولا الحدائق، ولا البحر بوصفه فسحة للفرح. بالنسبة إليهم، الخيمة ليست مكاناً مؤقتاً، إنما قد تكون أول بيت عرفوه، والطابور ليس استثناءً، بل صورة من صور الطفولة، وصوت الطائرة ليس شيئاً غريباً، بل جزء من قاموسهم الأول للحياة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من الحرب نفسها: ماذا تفعل حرب طويلة بذاكرة مجتمع كامل؟ ماذا يحدث لجيل كامل حين يكبر وهو يتعلم كيف ينجو قبل أن يتعلم كيف يحلم؟ ماذا يحدث لمدينة حين يصبح أبناؤها خبراء في النزوح، وفي البحث عن الماء، وفي قراءة السماء، وفي معرفة اتجاهات القصف، بينما يفقدون بالتدريج مهارات الحياة الطبيعية؟

إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب ليس أن تقتل الإنسان في لحظة، إنما أن تغير تعريفه للحياة، أن تجعله يعتبر البقاء إنجازاً، وأن يتحول الوصول إلى نهاية اليوم بلا فقد إلى مناسبة للامتنان، وأن تصبح عودة الأب إلى أطفاله خبراً سعيداً، وأن يصبح العثور على كيس طحين انتصاراً، وأن يتحول الحصول على دواء إلى معجزة صغيرة، وأن يصبح النوم ليلة كاملة من دون انفجار حلماً يستحق أن يُروى.

وفي غزة لم يعد الركام مجرد حجارة. الركام هو ذاكرة معلقة في الهواء. تحت هذه الحجارة صور أعراس، ودفاتر مدرسية، وألعاب أطفال، ومفاتيح بيوت، وشهادات جامعية، وملابس معلقة على خزائن لم تعد موجودة، ورسائل لم تُقرأ، وأحلام كان أصحابها يظنون أن أمامهم عمراً كاملاً لتحقيقها. حين تسقط بناية في غزة لا يسقط الإسمنت وحده، يسقط جزء من السيرة الشخصية لمدينة بأكملها.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يوجع في المشهد أن العالم اعتاد الصورة. اعتاد الخيمة والطابور والطفل الحافي والمرأة التي تحمل وعاء الماء والرجل الذي يقف أمام كومة من الركام. ما كان في الأيام الأولى صدمة أصبح مع الوقت خبراً عابراً في نشرات الأخبار. وهنا ربما تكمن المأساة الأكبر: أن يتحول الاستثناء إلى عادة، وأن يصبح الألم قابلاً للتطبيع، وأن يصبح الموت رقماً، والنزوح إحصائية، والجوع بنداً في تقرير، والخيمة مجرد صورة أخرى تمر على الشاشات.

لكن غزة ليست أرقاماً. غزة هي الإنسان الذي يقف في الطابور وهو يفكر في أطفاله، هي الأم التي تخبئ شيئاً من الخبز لابنها، هي الأب الذي يحاول أن يبدو قوياً كي لا يرى أبناؤه خوفه، هي الشاب الذي كان يحلم بوظيفة فأصبح يحلم بيوم لا يحتاج فيه إلى السؤال عن الطعام، هي الطفلة التي لا تريد لعبة جديدة بقدر ما تريد بيتاً لا تخاف فيه من الليل.

ولذلك، حين نقول إن الزمن تجمد في غزة، فنحن لا نتحدث عن الساعات المعلقة على الجدران، بل عن حياة كاملة توقفت عند لحظة الفاجعة، عن مدينة لم تُمنح فرصة أن تلتقط أنفاسها، وعن أجيال اضطرت إلى أن تدفع من أعمارها ثمناً لحرب لم تخترها. واليوم، فيما يحاول العالم أن يتحدث عن الهدوء والاتفاقات والخرائط ومراحل التفاوض وإعادة الإعمار، يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر قسوة: كيف يمكن إعادة الزمن إلى مدينة سُرقت منها سنواتها؟

إعادة بناء غزة لا تعني أن نعيد إسمنتها فقط. لا يكفي أن ترتفع الأبنية من جديد إذا بقي الإنسان واقفاً أمامها وهو يحمل ذاكرة الخوف، ولا يكفي أن تفتح المدارس إذا كان جيل كامل قد تعلم أن السماء قد تكون مصدراً للخطر، ولا يكفي أن تصل المساعدات إذا ظل الإنسان محروماً من حقه في أن يعيش حياة طبيعية لا تقوم على انتظار المساعدة.

غزة لا تحتاج فقط إلى أن تنجو من الحرب، بل تحتاج إلى أن تستعيد زمنها.. تحتاج إلى صباح لا يبدأ بعدّ الضحايا، وإلى مساء لا ينتهي بانتظار خبر عاجل. تحتاج إلى طفل يحمل حقيبته المدرسية لا كيس الخبز، وإلى أم تنتظر أبناءها أمام باب البيت لا أمام نقطة توزيع، وإلى أب يعود من عمله حاملاً راتبه لا جالون ماء. تحتاج إلى أن يعود البحر بحراً، والشارع شارعاً، والمدرسة مدرسة، والبيت بيتاً، والإنسان إنساناً.

ربما لهذا أشعر، كلما نظرت إلى ساعة في غزة، أن عقاربها لا تتحرك. إنها ليست متوقفة فقط عند السابع من أكتوبر، إنها تبحث عن الطريق إلى اليوم الذي تستطيع فيه غزة أن تبدأ من جديد، لكنها هذه المرة لا تريد أن تبدأ من الصفر، تريد أن تستعيد ما سرقته الحرب منها.. الزمن نفسه.