اليمن.. لماذا الآن؟ ما علاقة إيران؟
بعد سنوات من الحصار، لماذا اختارت صنعاء هذا التوقيت تحديداً للتحرك؟ هل القرار يمني مستقل فرضته معادلات القوة الجديدة، أم أنه جاء بـ"طلب إيراني"؟
-
اليمن.. لماذا الآن؟ ما علاقة إيران؟
ليس السؤال لماذا تحرّك اليمن اليوم، بل لماذا لم يتحرّك قبل ذلك؟
فمنذ سنوات، يعيش اليمن تحت قيود عسكرية واقتصادية وسياسية، ومع ذلك لم يلجأ إلى معادلة "الحصار بالحصار" إلا الآن.
فما الذي تغيّر؟ وهل ما يجري قرار يمني خالص فرضته معادلات الميدان، أم أنه جزء من مشهد إقليمي أوسع تتقاطع فيه حسابات صنعاء وطهران؟ ماذا عن باب المندب واحتمالية إغلاقه، وخاصة أنّ المسؤولين الإيرانيين تحدّثوا في أكثر من مرة عن أوراق قوة لا تزال في أيديهم ولم تُستخدم بعد، ومنها ما يتعلّق بالملاحة في هذا الممرّ المائي الحيوي؟
ثمّ ماذا عن السعودية؟ وهل تستطيع العودة إلى مواجهة مفتوحة في توقيت تبدو فيه أولوياتها الاقتصادية مختلفة تماماً عمّا كانت عليه قبل عقد من الزمن؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلاً سياسياً، بل تمسّ جوهر التحوّلات التي تشهدها المنطقة، في لحظة تبدو فيها خرائط القوة والنفوذ في طور إعادة التشكّل.
لماذا الآن؟
عندما يُطرح سؤال "لماذا الآن"؟، فإنه يفترض ضمناً أنّ الحصار على اليمن بدأ مع الحرب التي اندلعت عام 2015، وأنّ صنعاء تأخّرت في الردّ. غير أنّ هذا التوصيف، يتجاهل سياقاً تاريخياً أطول.
فالعلاقة بين الرياض وصنعاء لم تكن يوماً علاقة جوار عادية، بل شهدت على امتداد عقود طويلة مستويات متفاوتة من النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني. وما جرى بعد عام 2015 لم يكن بداية الأزمة، بل انتقالها إلى مرحلة عسكرية مباشرة.
من هنا، فإنّ التحرّك الحالي لا يُقدّم في خطاب صنعاء بوصفه رداً على حدث طارئ، بل باعتباره امتداداً لمعركة طويلة ترى أنها تتعلّق بالسيادة وكسر القيود المفروضة على القرار اليمني.
ولكن لماذا تأخّرت صنعاء؟
الإجابة ببساطة: صنعاء 2026، ليست نفسها صنعاء 2015 أو 2023.
فمنذ انطلاق الحرب، لم تكن صنعاء تخوض مواجهة عسكرية خارجية فحسب، بل كانت تعمل في الوقت نفسه على تثبيت الجبهة الداخلية، وتعزيز الأمن، وإعادة بناء مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إلى جانب الاستثمار في تطوير قدراتها العسكرية والصاروخية والجوية والبحرية في ظلّ ظروف حصار معقّدة.
ولذلك، فإنّ الانتقال من الدفاع عن الأرض إلى محاولة التأثير في خطوط الملاحة الدولية لم يكن خياراً متاحاً منذ البداية، بل احتاج إلى سنوات من بناء القدرات واختبارها.
لذلك، فإنّ سؤال "لماذا الآن؟" قد يكون مضلّلاً إذا تجاهل أنّ امتلاك الإرادة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة.
وقد شكّل الانخراط في معركة إسناد غزة محطة مفصلية في هذا المسار، إذ أتاح لصنعاء اختبار جزء من منظومتها العسكرية في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية ودولية، ورسّخ لديها قناعة بأنها باتت تمتلك من أدوات الردع ما يسمح بالانتقال إلى مرحلة جديدة، عنوانها نقل جزء من كلفة الحصار إلى الطرف المقابل.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التحرّك الحالي باعتباره انتقالاً من مرحلة الصمود والصبر الاستراتيجي إلى مرحلة محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة، ترى صنعاء أنها باتت تمتلك أدواتها.
هل طلبت إيران ذلك؟
منذ اللحظة الأولى لإطلاق معادلة "الحصار بالحصار"، سارع خصوم إيران إلى تقديم المشهد على أنه تنفيذ مباشر لـ"أوامر إيرانية". وهي الرواية التي تتكرّر مع كلّ تحرّك تقوم به إحدى قوى جبهة المقاومة. لكن هل تعكس هذه الرواية حقيقة ما يجري؟
مما لا شكّ فيه أنّ هذا الطرح يتجاهل الفارق بين التنسيق والتبعيّة.
لا تنكر إيران، ولا حلفاؤها، وجود تنسيق سياسي وعسكري بين أطراف المحور، وقد برز ذلك بوضوح خلال معارك إسناد غزة، حيث بدت أكثر من جبهة تتحرّك ضمن إيقاع سياسي واحد، بدءاً من لبنان مروراً باليمن فالعراق وصولاً إلى إيران، وهو ما يؤكّده قادة المحور، لكنّ وجود التنسيق لا يعني بالضرورة أنّ كلّ قرار ميداني يصدر بـ"أوامر" مباشرة من طهران.
الأقرب إلى فهم المشهد هو أنّ كلّ طرف يتحرّك وفق حساباته الوطنية، مع مراعاة المصالح المشتركة للحلفاء. وفي هذه اللحظة تحديداً، يبدو أنّ مصالح صنعاء وطهران تتقاطع؛ فإيران تستفيد من أيّ ضغط يفرض على خصومها الإقليميين والدوليين، وصنعاء تستفيد من البيئة الاستراتيجية التي أوجدتها المواجهة الإقليمية لتثبيت معادلات كانت تسعى إليها منذ سنوات.
ولعلّ هذا السيناريو هو الأقرب لما حصل مع حزب الله عقب العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، إذ إنّ الدخول في هذا التوقيت في المعركة- مستفيداً من القدرات الإيرانية- رآه الحزب مناسباً بعد صبر استمرّ لأكثر من سنة ونصف من الانتهاكات الإسرائيلية.
وعليه، فإنّ السؤال يجب ألّا يكون هل طلبت إيران ذلك؟ بل هل وجدت صنعاء أنّ الظرف الإقليمي بات يسمح بما لم يكن ممكناً في السابق؟
السعودية... بين الحرب ورؤية 2030
إذا كانت صنعاء تراهن على تبدّل موازين القوى، فإنها تراهن أيضاً على تغيّر حسابات خصومها وكلفة الخيارات أمامهم. فالسعودية، التي أطلقت "رؤية 2030" عام 2016 بالتزامن مع اندلاع الحرب، جعلت من التحوّل الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط ركائز أساسية لمشروعها المستقبلي. ومع مرور السنوات، أصبح الاستقرار الإقليمي أكثر ارتباطاً بنجاح هذه الرؤية، سواء لناحية جذب الاستثمارات، أم تعزيز الثقة بالاقتصاد، أم ترسيخ موقع المملكة كمركز مالي وسياحي عالمي.
ومن هذا المنطلق، ترى صنعاء أنّ أيّ عودة إلى مواجهة واسعة قد تكون كلفتها على السعودية مختلفة عن كلفة الحرب السابقة، لا عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً وسياسياً أيضاً، في ظلّ حجم المشاريع والاستثمارات المرتبطة بـ"رؤية 2030".
وعليه، لا ترى صنعاء أنّ ميزان الردع يُقاس بعدد الطائرات والصواريخ فقط، بل أيضاً بحجم الخسائر الاقتصادية التي قد يترتّب عليها أيّ تصعيد جديد، وبمدى تأثيره في المشاريع والتحوّلات التي تراهن عليها السعودية على المدى الطويل.
هل يغلق باب المندب؟
في الحروب، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، خاصة إذا اختار الطرف الآخر التصعيد، وعدم التهدئة والاحتكام إلى منطق العقل، وعليه فإنّ فرض الحصار على الموانئ السعودية لا شكّ في أنه أولى الخطوات نحو تصعيد أكبر إذا ما تواصل العدوان على اليمن وصولاً إلى تدخّل أميركي وإسرائيلي مباشر، وهو ما لم يستبعده ترامب، وتدركه صنعاء جيداً وتؤكّد استعدادها له، خاصة بعد العدوان السعودي الأميركي الأخير على مقارّ الحشد الشعبي في العراق.
إلى أين تتجه المنطقة؟
يصعب الجزم بمسار الأحداث في منطقة تتغيّر معادلاتها بوتيرة غير مسبوقة. لكنّ المؤكّد أنّ ما يجري اليوم يتجاوز كونه جولة جديدة من الصراع السعودي–اليمني، ليدخل في سياق تحوّلات أوسع تعيد تشكيل موازين القوى في "الشرق الأوسط".
قد تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد، وقد تنزلق المنطقة نحو مواجهة أوسع، لكن في الحالتين تصعب العودة إلى المعادلات التي حكمت المنطقة خلال العقد الماضي. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدول من جيوش وصواريخ، بل أيضاً بقدرتها على التأثير في الاقتصاد، والطاقة، والممرات البحرية، ورفع كلفة الحرب على خصومها.
وإذا كان سؤال البداية هو: لماذا تحرّك اليمن الآن؟ فإنّ السؤال الأهمّ الذي تفرضه المرحلة المقبلة هو: هل نحن أمام جولة عابرة من التصعيد، أم أمام لحظة تُعاد فيها صياغة قواعد الردع في المنطقة؟
فما يتغيّر اليوم ليس فقط خطوط النفوذ، بل معادلة الكلفة نفسها. ومن يملك القدرة على تهديد المصالح الحيوية، وتعطيل الممرات الاستراتيجية، وفرض كلفة اقتصادية على خصومه، قد يمتلك في المستقبل أوراقاً تتجاوز بكثير حجم قوته العسكرية التقليدية. وربما يكون هذا هو التحوّل الأهمّ الذي بدأت المنطقة تدخل فصله الجديد.