الموروث السياسي، على الطريقة البنجابية ( إتي ريك )
للوصول إلى معرفة سياسة باكستان الدولية، لا بد من التعمق في أمور مختلفة، ولعلّ أهم ما يجب معرفته، هو الثقافة الداخلية المتراكمة، والتي تعتبر الركيزة الأساسية لمبادئ السياسة الدولية التي تقوم باكستان بتطبيقها حرفياً على قواعد دولية.
-
باكستان البوابة الوحيدة للوساطة الاستراتيجية
يتميز الموروث السياسي لإقليم البنجاب (البنجابيون هم ساسة باكستان و صانعو القرار فيها)، بأنه مأخوذ من سنوات طويلة من التجارب التي مرت بها شبه القارة الهندية، والتي كانت باكستان جزءاً منها قبل استقلالها عن الهند عام 1948، و هناك العديد من الطرق المحلية التي يعتمدها مختلف الباكستانيين، خاصة البنجابيين الذين ينحدرون من إقليم البنجاب، المنقسم في الأساس بين الهند و باكستان حالياً.
إتي ريك، تعني بالترجمة الحرفية، هنا توقف، وهي مقولة تعني، أنه بما أنك جئت إلي، فهنا توقف، ودعني أنا أعمل ما تعجز أنت عنه، وعادة ما تُقال لمن يخطئ فيتجه إلى شخص يصلح ما خرّبه.
تاريخياً، أخطأت الإدارة الأميركية التي تملك خبراء سياسة وصنّاع استيراتيجيات دولية وأخطأت في التعامل مع ساسة الصين، فاحتاجت إلى الوساطة الباكستانية عام ألف وتسعمئة وواحد وسبعين، وأخطأت أيضاً مرتين في التعامل مع الوضع الأفغاني، فعمدت إلى الوساطة الباكستانية، وأخطأت مجدداً في التعامل مع الملف الإيراني، الخطأ الذي جعل من القوات الأميركية تصطدم بحقيقة، غابت عنها سنوات طوالاً، وهي أن القوة الداخلية لإيران، أعمق من أن يفهمها استيراتيجيو أميركا، لتجد الإدارة الأميركية، الحل الأمثل التعامل مع الملف الإيراني عبر باكستان.
و هنا حققت باكستان، بالفعل ما عجزت عنه دول أخرى، وقامت بعقد أمرين مهمين، اجتماع إسلام أباد، الذي جمع الوفدين الإيراني والأميركي، بقيادة نائب الرئيس الأميركي، والأمر الثاني التوصل إلى مذكرة تفاهم إسلام أباد. وهنا نضع بعد النقاط المهمة التي أسهمت في إنجاح الدور الباكستاني، حيث حققت الدبلوماسية الباكستانية اختراقاً إقليمياً معقداً يعكس تبنّي إسلام آباد لاستراتيجية التوازن السياسي بناءً على الخلفية السرية الحساسة.
وذلك باعتماد باكستان على موقعها الجغرافي الحرج وروابطها الاستراتيجية. ولم تكن هذه السياسة الخارجية ذات طابع سلبي، كما يروّج في مقالات الكثير من الكتاب، بل كانت مناورة تسعى إلى المصلحة الذاتية (براغماتية) لإيجاد نقطة التوازن بين التزاماتها العسكرية والأمنية تجاه المملكة العربية السعودية من جهة، وحماية حدودها الممتدة أكثر من 1000 كيلومتر مع جارتها إيران من جهة أخرى.
وبينما يرى الكثير من المعارضين للحكومة والمفكرين الباكستانيين، أن ما قامت به إسلام أباد، كان تحركاً مجبرة عليه باكستان، ومأمورة به من قبل الإدارة الأميركية، إلا أن ما يهم صانع القرار الباكستاني هو النجاح الذي حققه، فقد تكلّلت هذه الجهود مؤخراً باللقاء الرباعي التاريخي المشترك في طهران في الـ 26 من أكتوبر 2026.
ولتحليل المسار الاستيراتيجي الدبلوماسي الباكستاني، نحلّل مسار الأحداث حسب التالي:
أولاً: جذور الدبلوماسية الحساسة واستراتيجية "التوازن البراغماتي"
لم تكن رغبة باكستان في تقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران وليدة اللحظة، بل هي عقيدة أمنية لتفادي صراع إقليمي مدمر قد ينعكس على استقرارها الداخلي واقتصادها الموصوف دائماً بالضعيف و الهش، بحسب ما تحب باكستان إظهاره دائماً.
· باكستان والجانب السعودي: ترتبط باكستان بتحالف أمني استراتيجي وثيق مع الرياض؛ إذ تتلقى دعماً مالياً ونفطياً حيوياً، وتلتزم بأمن المملكة باعتبارها مركز العالم الإسلامي.
· باكستان والجانب الإيراني: تشترك باكستان مع إيران بحدود جغرافية طويلة وتعاون أمني لمحاربة الجماعات المسلحة، وتضم ثاني أكبر مجتمع شيعي في العالم، ما يجعل الاستقرار مع طهران أولوية أمن قومي، كما أن القيادة الحالية الباكستانية ذات مكوّن سني شيعي، قامت بإعداده الحكومة العميقة، لتكفل الاستقرار الداخلي والقدرة على المناورة الإقليمية سياسياً وأمنياً بشكل خاص، ولا سيما إذا ما نظرنا إلى الملفين الأفغاني والإيراني.
· باكستان والمصالح الأميركية: لطالما عُرف أن السفارة الباكستانية في واشنطن، تضم قسم رعاية المصالح الإيرانية منذ عام 1979، ما منح إسلام آباد ذاكرة دبلوماسية وقنوات اتصال موثوقة ومباشرة بين الأطراف المتصارعة، القسم الذي يعتبر نافذة مهمة للعلاقة الباكستانية الأميركية- الإيرانية .
ثانياً: باكستان البوابة الوحيدة للوساطة الاستراتيجية
تطورت المكانة الدولية لباكستان عندما برزت كأهم وسيط دولي لنزع فتيل الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران التي اندلعت في الـ 28 من شباط/فبراير 2026
· محادثات إسلام آباد التاريخية: تعتبر محادثات إسلام أباد، عملاً دبلوماسياً تاريخياً، لأن باكستان تمكنت من أن تكون الموقع الجغرافي المقبول للطرفين، كان من المستحيل الاتفاق على موقع جغرافي آخر، كما لعب الدور السياسي الموضع سابقاً هنا، الدور الأبرز في إعطاء الطرفين الأميركي والإيراني القدرة على تقديم مقترحاتهم للسلام، وطلباتهم، بشكل مباشر لكل منهما، وهذا ما تعتبره باكستان بأنها نجحت فيه عند استضافة محادثات مباشرة ونادرة في شهر نيسان/ أبريل 2026حيث جمعت مسؤولين أميركيين وإيرانيين في غرفة واحدة للمرة الأولى.
· مذكرة تفاهم إسلام أباد: العمل الدبلوماسي الباكستاني المدعوم بمبادئ المبادرة الصينية، والتي تنص على التوقيف الفوري للأعمال القتالية بين الطرفين، لإعطاء مجال للعمل الدبلوماسي، الثنائي والدولي، أثمر عن صياغة إطار اتفاق تهدئة وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اتفاق كان مميزاً بأنه تم توقيعه عن بُعد، في حزيران// يونيو 2026
· ثقة الإدارة الأميركية:
هذه الجهود الباكستانية، حظيت بإشادة مباشرة من الرئيس ترامب الذي أكد خلال مباحثاته مع قائد الجيش الباكستاني، الفيلد مارشال عاصم منير، أن باكستان "تفهم إيران أفضل من أي دولة أخرى (وهنا تبرز سياسة باكستان مع أميركا في المفهوم المحلي ـ إتي ريك).
ثالثاً: اتفاقية مكة الدفاعية وهجمات أنصار الله
في آب/ أغسطس 2026، وقّعت باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا على اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والتي تنص على أن أي اعتداء مسلح على أحد الأعضاء يُعد اعتداءً على الجميع ، اتفاقية وضعت باكستان أمام الحليفة الأهم و الداعم القوي لها ، في موقف له أبعاد مختلفة...
· المأزق الإستراتيجي: حيث وجدت باكستان نفسها و مصداقيتها على المحك عقب تصاعد هجمات أنصار الله الحوثيين ضد المنشآت والمصالح البحرية السعودية.
· الدبلوماسية الوقائية: هنا قامت باكستان بفتح "قناة خلفية" بالغة الحساسية؛ حيث نقلت تحذيرات سعودية حازمة لإيران لكبح جماح الحوثيين، وفي المقابل، حصلت على تطمينات لطهران بأن الأراضي السعودية لن تُستخدم كقاعدة انطلاق لأي هجمات ضد إيران.
و هكذا تمكّنت باكستان من الوصول إلى المرحلة الأخيرة التالية ...
القمة الرباعية التاريخية في طهران (26 تشرين الأول/أكتوبر 2026)
عمدت باكستان إلى فكرة تشابه إلى حد كبير، فكرة قدوم وجهاء القبيلة إلى الحكومة لإتمام أمر ما، أو الاتفاق على أمر ما، أو لتوضيح حادث ما، حيث قادت الدبلوماسية الباكستانية الدقيقة بنجاح تنظيم ووصول وفود دول اتفاقية مكة الدفاعية إلى العاصمة الإيرانية طهران في الـ 26 من تشرين الأول/أكتوبر 2026 في اجتماع وُصف بالتاريخي والأول من نوعه.
· التمثيل رفيع المستوى: ترأس الوفد الباكستاني قائد الجيش الفيلد مارشال عاصم منير، بمشاركة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالين.
وقد أوضحت جهات مختلفة، أن هذا الاجتماع جاء بمقترح وتنسيق مباشر من باكستان لفتح قنوات تفاوض إقليمية مباشرة.
ولعلّ أهمية هذا اللقاء، ليست فقط في تحقيق وقوعه على أرض طهران، بل بمخرجاته المهمة، حيث التقى القادة الإقليميون بالرئيس الإيراني وسكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ليتم الاتفاق على صياغة تفاهمات لتعزيز التنسيق الأمني الإقليمي ومواصلة المشاورات لتجنب التصعيد العسكري الشامل وحماية استقرار الملاحة والاقتصاد العالميين.
للوصول إلى معرفة سياسة باكستان الدولية، لا بد من التعمق في أمور مختلفة، ولعلّ أهم ما يجب معرفته، هو الثقافة الداخلية المتراكمة، والتي تعتبر الركيزة الأساسية لمبادئ السياسة الدولية التي تقوم باكستان بتطبيقها حرفياً على قواعد دولية، ولطالما وجدتها باكستان ناجحة، ولا سيما أنها مستمدة من تاريخ من التجارب السياسية التي عاشها سياسيّو شبه القارّة الهندية، حيث لم تعتمد باكستان سياسة مباشرة، بل أدارت دبلوماسية وقائية سرية فائقة التعقيد. استغلت إسلام أباد حاجة واشنطن والرياض لقنوات اتصال موثوقة مع طهران، وحاجة طهران لتفادي عزلة كاملة، لتضع هي المعادلة التي لا يمكن الاستغناء عنها لهندسة الأمن الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط.