المنظمات الوطنية في تونس: عودة إلى الواجهة أم محاولة أخيرة لترميم التوازن؟
عودة المنظّمات الوطنية إلى العمل المشترك لا تعني بحسب مراقبين إعادة إنتاج تجربة 2013، كما أنها لا تعني في هذه المرحلة تشكيل جبهة سياسية. بل هي محاولة لجمع قوى مهنية واجتماعية ومدنية حول عدد من القضايا التي أصبحت تضغط على البلاد.
-
توتس.. مبادرة في ظرف مثقل بالأزمات.
من بين ركام الأزمات المعيشية والاختناق الاجتماعي الذي تعيشه تونس اليوم، تعود المنظّمات الوطنية إلى الواجهة من جديد ولكن هذه المرة عبر بوابة مختلفة.
الاتحاد العامّ التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أعلنت عن إطار تنسيقي مشترك، في خطوة تعيد إلى الأذهان مشهداً عرفته تونس في مرحلة سابقة، لكن في ظرف سياسي واقتصادي واجتماعي مختلف.
هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، فالبلاد تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متراكمة، يلمس المواطن آثارها في قدرته الشرائية وفي تفاصيل حياته اليومية، بالتزامن مع تراجع مساحة الحوار الاجتماعي وازدياد التباين بين السلطة وعدد من المنظّمات الاجتماعية.
وفي المقابل، تتسع مظاهر الاستياء الشعبي من ارتفاع كلفة المعيشة ومن الصعوبات التي تطال بعض الخدمات الأساسية، بما فيها الماء والكهرباء. وفي مثل هذا المناخ يصبح الإعلان عن إطار تنسيقي يضمّ ثلاث منظّمات ذات حضور تاريخي في الحياة العامّة خطوة تستحق التوقّف عندها.
مبادرة في ظرف مثقل بالأزمات
الإطار التنسيقي الجديد جاء بعد سلسلة من اللقاءات بين المنظّمات الثلاث، وانتهى إلى بيان مشترك تحت شعار "تونس أولاً والشعب فوق كلّ اعتبار".
ولا تبدو المبادرة مرتبطة بملف واحد. فهي تضع في صلبها قضايا اقتصادية واجتماعية، إلى جانب الحقوق والحريات ودولة القانون والمؤسسات، وتدعو إلى توسيع المشاركة أمام مكوّنات مهنية ومدنية واجتماعية أخرى.
حيث ربط عضو المكتب التنفيذي الوطني لاتحاد الشغل عثمان الجلولي المبادرة بما وصفه بـ"ظروف استثنائية وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة"، مشيراً إلى أنّ غياب الحوار والتشاركية في إدارة الشأن العامّ كان من بين دوافع إطلاقها.
بهذا المعنى، تحاول المنظّمات الثلاث استعادة مساحة من العمل المشترك، في وقت تراجعت فيه قنوات الحوار بينها وبين السلطة، وفي ظلّ ملفات اجتماعية واقتصادية تزداد تعقيداً.
ثلاث منظّمات ونقاط التقاء
اتحاد الشغل يملك حضوراً نقابياً واجتماعياً واسعاً، وهيئة المحامين تتحرّك من موقعها المهني والقانوني، بينما تمثّل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أحد أبرز مكوّنات المجتمع المدني الحقوقي.
هذه التركيبة للمنظّمات تجعل المبادرة أوسع من تحرّك قطاعي، لكنها في الوقت نفسه تفرض على المشاركين البحث عن أرضية مشتركة في ملفات كثيرة ومتشعّبة.
فالحديث عن القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات الأساسية يقود إلى الاقتصاد والسياسات الاجتماعية، بينما تفتح قضايا الحقوق والحريات والحوار العامّ مسارات أخرى. وبالتالي، فإنّ استمرار التنسيق سيحتاج إلى تحديد ما يمكن الاتفاق عليه والعمل بشأنه بشكل مشترك.
وفي هذا السياق أوضح الجلولي أنّ الإطار مفتوح أمام انضمام مكوّنات أخرى، وأنّ نقاشات تجري مع عدد من الهيئات والمنظّمات، مع التأكيد أنّ المبادرة ليست في هذه المرحلة جبهة سياسية.
ظلّ تجربة الحوار الوطني
وجود اتحاد الشغل وهيئة المحامين والرابطة في إطار واحد يعيد إلى الذاكرة تجربة الرباعي الراعي للحوار الوطني.
ففي سنة 2013، أدّى اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وهيئة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان دوراً في تجاوز أزمة سياسية حادّة، قبل أن يحصل الرباعي في 2015 على جائزة نوبل للسلام.
لكنّ استحضار تلك التجربة لا يعني أنّ المبادرة الحالية تسير في الاتجاه نفسه. فالظروف السياسية مختلفة، وطبيعة الأزمة مختلفة أيضاً.
وقد شدّد الجلولي على أنّ الإطار الجديد "لا يمثّل دعوة إلى تكرار تجربة الحوار الوطني السابقة"، وأنّ الأولوية الحالية هي جمع القوى المهنية والاجتماعية والمدنية ومنحها صوتاً في القضايا الكبرى التي تهمّ البلاد.
غياب منظّمة الأعراف
أبرز اختلاف عن تجربة الرباعي السابقة هو غياب الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.
وبحسب ما صرّح به رئيس الرابطة بسام الطريفي وعميد المحامين بوبكر بالثابت، فقد جرى التواصل مع منظّمة الأعراف، لكنّ مشاركتها لم تحصل إلى حدّ الآن، مع بقاء باب التشاور مفتوحاً أمام توسيع المبادرة.
وغيابها لا يلغي الإطار الجديد، لكنه يصبح مهماً إذا اتجهت المشاورات إلى ملفات اقتصادية مباشرة، مثل الاستثمار والتشغيل وأوضاع المؤسسات والجباية. فهذه الملفات تعني أصحاب المؤسسات والقطاع الخاصّ بشكل مباشر، ومن الصعب أن يكون النقاش حولها مكتملاً من دون حضور هذا الطرف.
لذلك، قد يكون توسيع دائرة المشاركة أحد المسارات الطبيعية أمام المبادرة، خصوصاً إذا أرادت أن تتحوّل من إطار للتنسيق إلى مساحة أوسع للنقاش حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
التنسيق وحده لا يكفي
المنظّمات الثلاث تملك رصيداً تاريخياً وحضوراً في الحياة العامّة، لكنّ ذلك لا يعني أنّ المبادرة ستتحوّل تلقائياً إلى قوة تأثير.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى عمل أكثر تحديداً فيما يتعلّق باختيار الملفات وترتيب الأولويات وتقديم مواقف ومقترحات مشتركة. وهذا لن يكون سهلاً في ظلّ اختلاف مواقع هذه المنظّمات وطبيعة الملفات التي تتحرّك فيها.
كما أنّ توسيع المبادرة أمام منظّمات وجمعيات أخرى يمكن أن يمنحها تمثيلاً أكبر، لكنه سيجعل إدارة الاختلافات أكثر تعقيداً. لذلك فإنّ المحافظة على حدّ أدنى من الانسجام ستكون ضرورية لاستمرارها.
والأهمّ في النهاية هو ألّا يتوقّف التنسيق عند حدود البيانات. فالحضور الحقيقي يظهر عندما تصبح هناك ملفات تتمّ متابعتها ومقترحات يتمّ الدفاع عنها ومواقف مشتركة في القضايا المطروحة.
الحوار والسلطة
السلطة حاضرة بشكل غير مباشر في هذه المبادرة، باعتبار أنّ جزءاً أساسياً من خطاب المنظّمات الثلاث يقوم على الدعوة إلى الحوار والتشاركية.
وهو ما وضّحه الطريفي من خلال دعوته إلى فتح حوار حول الملفات التي تهم التونسيين، مؤكّداً أنه لا يمكن الخروج من الأزمة من دون حوار.
وفي المقابل، يرى أصحاب المبادرة أنّ تحرّكهم لن يكون مرتبطاً بانتظار دعوة من السلطة.
فالجلولي أكّد أنّ المنظّمات ستواصل تحرّكها المدني والسلمي، معتبراً أنّ التطوّر الإيجابي سيكون عندما تفتح السلطة المجال أمام مختلف المكوّنات للاستماع إلى مقترحاتها.
وهنا تبدو العلاقة بين الطرفين أحد العوامل التي ستؤثّر في مستقبل المبادرة، خاصة أنّ نجاح أيّ حوار يحتاج إلى استعداد متبادل للنقاش، وإلى ملفات واضحة تتجاوز تبادل المواقف العامّة.
المواطن في نهاية المشهد
أزمات معقّدة يعيشها التونسي بشكل مباشر من ذلك ارتفاع الأسعار، صعوبات التزوّد ببعض الأدوية، اضطراب الخدمات الأساسية، ومشكلات التشغيل كلّها قضايا تشغل الرأي العامّ.
لذلك لن تكون قيمة المبادرة في عدد الاجتماعات أو البيانات التي ستصدر عنها، وإنما في قدرتها على التعامل مع هذه الملفات بطريقة أكثر عملية وفي تحويل التنسيق بين المنظّمات إلى مواقف ومقترحات يمكن أن تجد طريقها إلى النقاش العامّ.
وعودة المنظّمات الوطنية إلى العمل المشترك لا تعني بحسب مراقبين إعادة إنتاج تجربة 2013، كما أنها لا تعني في هذه المرحلة تشكيل جبهة سياسية. بل هي محاولة لجمع قوى مهنية واجتماعية ومدنية حول عدد من القضايا التي أصبحت تضغط على البلاد.
والخطوات المقبلة ستكشف مدى قدرة هذا الإطار على الاستمرار والتوسّع وتحويل هذا التنسيق إلى حضور مؤثّر في النقاش حول مستقبل تونس وإيجاد حلّ للأزمات المتراكمة التي يدفع ثمنها المواطن كلّ يوم.