المفاوضات اللبنانية: حوار في الفراغ أم دبلوماسية نزع السياق؟

هل هذه مفاوضات من أجل السلام العادل، أم أنها محاولة ممنهجة لـ "تجريد لبنان من أوراق قوته" وسلاحه تحت مسميات الشرعية؟

  • غياب الدولة وولادة البديل الضروري.
    غياب الدولة وولادة البديل الضروري.

لا يمكن اختزال المشهد الراهن في لبنان ضمن لحظة تفاوضية عابرة أو اتفاق تقني منعزل، إن ما يشهده لبنان اليوم ليس مجرد أزمة حدود، بل هو امتداد لصراع وجودي وسياسي وتاريخي يتجاوز الخمسين عاماً من المواجهة. إن محاولات نزع السياق العمدي عن المفاوضات تهدف دوماً إلى تصوير الأزمة كحدث طارئ أو خلاف تقني على أمتار جغرافية، بينما الحقيقة تكمن في تراكمات العقود، حيث لم تكن الحدود يوماً مجرد خطوط جغرافية مرسومة على الخرائط، بل كانت جرحاً مفتوحاً في خاصرة الدولة، وشاهداً على محاولات قضم السيادة والهوية.

غياب الدولة وولادة البديل الضروري

لماذا وُجدت المقاومة؟ الإجابة لا تكمن في الأيديولوجيا العابرة للحدود فحسب، بل في الفراغ الهيكلي المزمن للدولة اللبنانية. تاريخياً، فشلت السلطة المركزية في بسط حمايتها على مواطنيها في الجنوب، تاركةً إياهم في مواجهة مباشرة مع الاعتداءات والأطماع التي لم تتوقف.

في هذا الفراغ السيادي الموحش، نشأت المقاومة، لا كخيار موازٍ للدولة أو منافس لها، بل كاستجابة طبيعية وبيولوجية لغيابها. لقد قامت المقاومة بدور الدرع الذي عجزت المؤسسات الرسمية عن حمله نتيجة التوازنات الطائفية تارة والارتهان الخارجي تارة أخرى، ما جعلها حقيقة واقعة فرضتها الجغرافيا والقهر التاريخي قبل أن تفرضها السياسة.

من الهدنة إلى المبادرة: تاريخ من الورق المحترق

عند مراجعة مسار المفاوضات الطويل، نجد محطات مفصلية تعكس عبثية الرهان على النيات وحدها.

اتفاق الهدنة (1949): كان محاولة لتثبيت استقرار قانوني هش، لكنه ظل رهينة الانتهاكات المستمرة والضعف البنيوي في آليات التنفيذ الدولية التي تكتفي دوماً بـ "القلق" من دون الفعل.

اتفاق 17 أيار (1983): يمثل هذا الاتفاق المحطة الأخطر، حيث حاول الاحتلال فرض سلام الإكراه وتجريد لبنان من عمقه العربي ومن سيادته تحت ضغط الاجتياح وحصار العاصمة. كان محاولة لشرعنة الاحتلال بصبغة قانونية، إلا أن إسقاطه شعبياً وميدانياً كان الإعلان الفعلي عن ولادة معادلة المقاومة التي لا تقبل المساومة على الكرامة الوطنية.

تفاهم نيسان (1996): يمثل هذا الاتفاق النموذج الأنجح لـ "التزاوج"  بين الميدان والدبلوماسية. فقد استطاع لبنان حينها، تحت نار العدوان وصمود الجنوبيين، أن ينتزع اعترافاً دولياً بشرعية العمل المقاوم ضد الاحتلال مقابل حماية المدنيين. كان "تفاهم نيسان" درساً قاسياً في كيف يمكن للدماء الزكية أن تتحول إلى نصوص قانونية تحمي السيادة وتفرض قواعد اشتباك لا يمكن تجاوزها.

مبادرة بيروت للسلام (2002): مثلت ذروة الطرح الدبلوماسي العربي الجماعي، لكنها اصطدمت بحائط التعنت الذي يرفض الاعتراف بالحقوق الشاملة، ما أثبت أن المنطق القانوني وحده لا يكفي أمام عقلية لا تؤمن إلا بالقوة.

العقيدة التوسعية ومأزق الثقة

يُطرح السؤال دائماً في الأروقة الدبلوماسية: هل يريد الاحتلال سلاماً حقاً؟ إن القراءة العميقة في العقيدة التوسعية التي تحكم عقلية الطرف الآخر تشي بأن السلام بالنسبة له ليس إلا هدنة محارب أو وسيلة خبيثة لتحقيق ما عجز عنه في الميدان عبر  القوة الناعمة أو التسلل الأمني.

أمام هذه العقلية، من يضمن حماية أهل الجنوب؟ أولئك الذين قدموا قوافل الشهداء، وبذلوا البيوت والقرى، وعانوا من مرارة التهجير ومجازر الإبادة الجماعية، لا يمكنهم الركون إلى وعود ورقية أو ضمانات دولية أثبت التاريخ عقمها. إن حماية الإنسان في الجنوب ليست نصاً يُستجدى على طاولات اللئام، بل هي نتاج قوة ردع ملموسة تمنع استباحة الأرض مجدداً.

معضلة التفاوض من منطلق الضعف

لا ينكر أحد أن الدبلوماسية هي الأداة الشرعية للدول، ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل هذه مفاوضات من أجل السلام العادل، أم أنها محاولة ممنهجة لـ "تجريد لبنان من أوراق قوته" وسلاحه تحت مسميات الشرعية؟ إن التفاوض من منطلق الضعف أو الانهيار الاقتصادي ليس دبلوماسية، بل هو إدارة للهزيمة بياقات بيضاء. إن الإصرار على الذهاب إلى الطاولة بجيوب فارغة يعكس رغبة دولية في نزع أدوات الدفاع اللبنانية لتصبح السيادة مجرد غلاف هش بلا مضمون يحميه.

والغريب في الأمر أن الاحتلال يعلم جيداً مكامن القوة في لبنان في حين يتجاهل لبنان الرسمي ذلك عمداً أو جهلاً. لقد اختبر الاحتلال هذا الأمر في سياق الصراع الطويل من جبهة المقاومة اللبنانية إلى المقاومة الإسلامية، ومن الانسحاب المذل عام 2000 إلى الصمود  في حرب تموز 2006 الذي خلق موازين ردع غير مسبوقة. وهنا لا يمكن نزع السياق عن قدرة المقاومة الحالية في التكيف مع التحديات التقنية، وما نشهده اليوم من دخول "المسيرات الانقضاضية" وسلاح المعلومات في المواجهة ليس إلا تأكيداً على أن الميدان هو من يكتب بنود التفاوض الحقيقية.

نحو سيادة مدعومة بالقوة: الجغرافيا والواقع

إذا أرادت الدولة اللبنانية أن تكون هي المرجع الأول والأخير، وتملك قرار الحرب والسلم، فعليها أن تدرك أن الشرعية الدولية وحدها، من دون سند ميداني يحمي الظهر، لم تحمِ يوماً قرية جنوبية من القصف أو التدمير. السيادة الحقيقية تتطلب الاستثمار في أوراق القوة التي فرضتها المقاومة، وتحويلها إلى رافعة دبلوماسية تُجبر العالم على احترام الخصوصية اللبنانية. لكن ما تنتهجه السلطة الحالية هو نهج تقديم تنازلات مجانية، ما سيزيد الانقسام الداخلي ويقودنا نحو حافة الاحتراب، ومن يقرأ التاريخ بعين ثاقبة تتضح له صورة المشهد بواقعية صادمة.

ختاماً، لا يمكن فصل لبنان عن الإقليم وجغرافيته السياسية المعقدة. إن الذهاب إلى المفاوضات من دون غطاء عربي متين، أو من دون استيعاب دروس "أوسلو" و"وادي عربة" و"كامب ديفيد"، هو انتحار سياسي.

علينا مراقبة كيف تدير دول الإقليم، كإيران مثلاً، مفاوضاتها مع القوى الكبرى؛ حيث تفرض شروطها من منطلق القوة والحق بغض النظر عن الموقف السياسي منها. إن امتلاك قرار السيادة يبدأ من الاعتراف بأن القوة والدبلوماسية وجهان لعملة واحدة؛ فلا سلام يُحترم لضعيف، ولا تفاوض ينجح من دون "ميثاق دم" يحمي الأرض ويضمن ألا يعود الجنوب ساحة مستباحة لمشاريع الهيمنة من جديد.