العقوبات على إيران.. لماذا قد يبقى العراق بمنأى عن الصدمة؟

قد تتأثر علاقة العراق الاقتصادية بإيران، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العراق سيدفع ثمناً اقتصادياً كبيراً للعقوبات، ما دامت بغداد قادرة على ضبط قنواتها المالية والتجارية.

  • العراق يقف أمام معادلة شديدة الحساسية.
    العراق يقف أمام معادلة شديدة الحساسية.

رغم اتساع نطاق العقوبات الأميركية على إيران، وتحذيرات واشنطن من معاقبة الدول والجهات التي تواصل التعامل مع طهران، تبدو فرضية انتقال التداعيات إلى العراق بصورة واسعة ومباشرة أقل ترجيحاً وحدّة مما يحاول البعض تسويقه، فالعلاقة الاقتصادية بين بغداد وطهران عميقة، لكن التعامل الأميركي مع العراق تحكمه حسابات تتجاوز الملف الإيراني، نظراً لأهمية استقرار العراق اقتصادياً وأمنياً وسياسياً بالنسبة إلى واشنطن.

العراق يقف أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فمن جهة يرتبط بإيران في التجارة والطاقة وحركة البضائع، ومن جهة أخرى يعتمد بصورة كبيرة على النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار الأميركي. لذلك لا تستطيع بغداد تجاهل العقوبات الأميركية، لكنها في الوقت نفسه ليست مضطرة إلى الدخول في قطيعة اقتصادية كاملة مع طهران.

استثناءات الطاقة تخفف وطأة العقوبات

تدرك الولايات المتحدة حجم اعتماد العراق على الطاقة الإيرانية، ولذلك سبق أن منحت بغداد استثناءات تتعلق باستيراد الكهرباء والغاز من إيران. والسبب واضح: وقف هذه الإمدادات بصورة مفاجئة قد ينعكس مباشرة على قطاع الكهرباء والاستقرار الداخلي في العراق.

ومن هنا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في معاقبة العراق كدولة، وإنما في تشديد الرقابة على القنوات التي يمكن أن تُستخدم للالتفاف على العقوبات. وهذا فرق جوهري؛ إذ يمكن لواشنطن أن تستهدف أفراداً وشركات ومؤسسات مالية مرتبطة بشبكات إيرانية، من دون أن تفرض بالضرورة عقوبات شاملة على الاقتصاد العراقي.

التجارة لن تتوقف

رغم إمكانية تراجع حجم التجارة العراقية الإيرانية أو ارتفاع كلفتها، فإن القطيعة الكاملة تبدو صعبة. فالعلاقات التجارية بين البلدين متشابكة، والأسواق الحدودية تعتمد بدرجات متفاوتة على السلع الإيرانية، كما أن الشركات العراقية اعتادت التعامل مع السوق الإيرانية منذ سنوات.

لذلك، قد تكون النتيجة الأرجح هي إعادة تنظيم التجارة بدلاً من توقفها. فقد تتغير طرق الدفع، وتزداد إجراءات التدقيق المصرفي، وتتجه بعض الشركات إلى تنويع مصادر الاستيراد، بينما تحاول الحكومة حماية التعاملات التي لا تخالف العقوبات الأميركية.

الدولار يمثل نقطة الضعف

يبقى القطاع المالي أكثر حساسية من القطاع التجاري. فاعتماد العراق على الدولار والنظام المالي الدولي يجعل المصارف والشركات العراقية أكثر عرضة للتدقيق الأميركي، خصوصاً إذا ثبت تعاملها مع جهات إيرانية مشمولة بالعقوبات.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي على بغداد: ليس في استمرار التجارة مع إيران بحد ذاته، بل في احتمال استخدام مؤسسات عراقية أو قنوات مالية عراقية لتمويل جهات مستهدفة أميركياً.

ولهذا ستكون قدرة الحكومة العراقية على الفصل بين التجارة المشروعة وبين شبكات الالتفاف على العقوبات عاملاً حاسماً في تحديد حجم التداعيات.

لماذا قد يبقى التأثير محدوداً؟

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تجعل العراق أقل عرضة لصدمة شاملة.

أولا، أن واشنطن تدرك أن زعزعة الاقتصاد العراقي قد تُنتج تداعيات أمنية وسياسية لا تخدم مصالحها.

ثانياً، أن الولايات المتحدة لا تستطيع بسهولة فرض قطيعة كاملة بين العراق وإيران من دون التأثير في قطاعات عراقية حساسة، وفي مقدمتها الطاقة والتجارة الحدودية.

وثالثاً، أن العقوبات تستهدف بالدرجة الأولى مصادر تمويل إيران وشبكاتها، وليس الاقتصاد العراقي بمجمله.

لكن ذلك لا يعني أن العراق سيكون بمنأى عن التأثيرات. فارتفاع كلفة الاستيراد، واضطراب طرق التجارة، وتشدد المصارف في التعامل مع الشركات المرتبطة بإيران، إضافة إلى أي ارتفاع في أسعار الطاقة والنقل، كلها تداعيات يمكن أن تصل إلى السوق العراقية.

بغداد أمام سياسة توازن

أمام هذه المعادلة، تبدو بغداد بحاجة إلى إدارة الملف بسياسة توازن دقيقة: الالتزام بالضوابط الأميركية في النظام المالي، مع الحفاظ على المصالح الاقتصادية مع إيران ضمن الحدود التي لا تعرّض المؤسسات العراقية للعقوبات.

وكلما نجحت الحكومة في الفصل بين العلاقات الاقتصادية المشروعة وبين الأنشطة المالية التي تستهدفها واشنطن، ارتفعت قدرتها على حماية تجارتها مع طهران وتقليل احتمالات تعرّضها للعقوبات الثانوية.

وعليه : العراق لن يكون محصناً تماماً من تداعيات العقوبات الأميركية على إيران، لكنه ليس مرشحاً، وفق السيناريو الأكثر ترجيحاً، لأن يكون المتضرّر الأكبر منها.

التأثير سيكون ملموساً في التجارة والطاقة والقطاع المالي، لكنه قد يبقى قابلاً للاحتواء ما لم تنتقل واشنطن من استهداف إيران وشبكاتها إلى استهداف التعاملات العراقية على نطاق واسع.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة مرحلة قطيعة عراقية إيرانية، ولا مواجهة عراقية أميركية، بل مرحلة إدارة دقيقة للتوازن الاقتصادي والسياسي. فبغداد ستحتاج إلى إقناع واشنطن بأن علاقاتها التجارية مع طهران لا تعني تمويل الجهات المشمولة بالعقوبات، وفي الوقت ذاته منع العقوبات من التحول إلى أزمة تمسّ السوق العراقية والاستقرار الاقتصادي.

وبعبارة أكثر مباشرة: قد تتأثر علاقة العراق الاقتصادية بإيران، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العراق سيدفع ثمناً اقتصادياً كبيراً للعقوبات، ما دامت بغداد قادرة على ضبط قنواتها المالية والتجارية وإبقاء العلاقة مع الطرفين ضمن حدود المصالح العراقية.