العقوبات الأميركية على العراق… هل تدفع بغداد ثمن العدوان على إيران؟
تضع العقوبات الأميركية الجديدة على كيانات وأفراد عراقيين بغداد في خضمّ تداعيات العدوان على إيران. فمع تشابك المصالح بين بغداد وطهران، يُخشى أن يمتد الضغط الأميركي إلى الاقتصاد العراقي برمّته. فهل تتحوّل العقوبات إلى أداة ضغط على بغداد؟
-
كيف تستطيع بغداد التعامل مع العقوبات الأميركية؟
قبل أيام أعلنت وزارة الخزانة الأميركية سلّة جديدة من العقوبات طالت كياناتٍ وأفراداً تتهمهم بـ"دعم إيران" أو تسهيل عملياتها المالية للالتفاف على العقوبات، واللافت أنّ من بين هؤلاء عدد من الأسماء العراقية، داخل البلاد وخارجها.
لا تبدو هذه العقوبات مجرّد إجراءات تستهدف أفراداً أو جهات بعينها. فطبيعة الجهات التي طالتها، وتوقيتها والسياق الذي تأتي فيه، كلّها معطيات تشير إلى أنها جزء من معركة أوسع تخوضها واشنطن ضدّ إيران، وأنّ العراق بات أحد ميادين الضغط في هذه المواجهة، حتى عندما لا يكون هو هدفها المباشر.
وعند هذا التوصيف تكمن المسألة الأساسية: إلى أيّ حدّ تستطيع واشنطن الضغط على إيران من داخل البيئة العراقية من دون أن تدفع العراق نفسه إلى دائرة التداعيات؟ فالعلاقة الاقتصادية بين بغداد وطهران، وتشابك المصالح التجارية والمالية، ووجود قوى عراقية ترتبط سياسياً وأمنياً بإيران، تجعل من العراق ساحة يصعب على الولايات المتحدة تجاهلها في أيّ حملة تستهدف محاصرة مصادر القوة الإيرانية.
لكنّ استخدام العراق في هذه "المعركة" له ثمن. فالعقوبات التي تبدأ باستهداف فصيل أو شخصية أو ما تسميه واشنطن "شبكة مالية" يمكن أن تجد طريقها إلى المصارف والشركات والتجارة، ثم إلى الاقتصاد العراقي الأوسع، خصوصاً في ظلّ امتلاك واشنطن نفوذاً كبيراً على النظام المالي العراقي.
لذلك، فإنّ السؤال لا يتعلّق فقط بما إذا كانت العقوبات ستستمر أو تتوسّع، ولا بكيفية تعامل بغداد معها، إنما بسؤال أوسع؛ هل ستبقى العقوبات على العراق سيفاً مصلتاً تلوّح به واشنطن لإبقاء العراق تحت هيمنتها، أم أنّ مصيرها سيتغيّر تبعاً لمسار العدوان الأميركي على إيران؟
في 5 أيلول/سبتمبر، خرج اجتماع ائتلاف "إدارة الدولة" (الائتلاف الحاكم في العراق) ببيان يدعو إلى تجنيب العراق انعكاسات العقوبات الأميركية، محذراً من أنّ البلاد تمرّ بظرف مالي لا يحتمل المجازفة. اللافت أنّ الاجتماع جاء في وقت كان فيه ملف آخر أكثر حساسية يضغط على المشهد السياسي، هو "السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة"، ومع ذلك اختار البيان التركيز على العقوبات وانعكاساتها الاقتصادية.
اقرأ أيضاً: 30 أيلول في العراق: انتهاء التحالف أم بداية اختبار السيادة؟
لماذا الآن؟
في 24 آب/أغسطس، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية "عملية المنبوذ الاقتصادي"، في إطار حملة تستهدف "قطع الإيرادات التي تستخدمها إيران في تمويل الحرب وتطوير الصواريخ والهجمات الإلكترونية ودعم حرس الثورة". وبعد ذلك بأسابيع، وسّعت واشنطن إجراءاتها لتشمل ما تسميه "شبكات مرتبطة بحلفاء إيران" في العراق ولبنان، بينها قادة وأعضاء في كتائب حزب الله العراقي ورجال أعمال عراقيون، متهمة إياهم بـ"دعم مشتريات عسكرية مرتبطة بفيلق القدس".
هذا التسلسل مهم؛ لأنه يوضح أنّ العقوبات لا تُقرأ بوصفها سياسة أميركية خاصة بالعراق، وإنما باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع لـ"خنق" مصادر التمويل الإيرانية وتجفيف القنوات التي يمكن أن تستخدمها طهران أو حلفاؤها في المنطقة.
ويأتي العراق هنا كحالة بارزة في المنطقة بطبيعة العلاقة مع طهران. فالترابط الاقتصادي مع إيران كبير، والتبادل التجاري بين البلدين تجاوز 10 مليارات دولار في عام 2025، مع ترجيح بوصوله إلى 20 ملياراً، فيما يعتمد العراق جزئياً على الغاز الإيراني في إنتاج الكهرباء، وهذا كله في ظلّ خضوع المصارف وشركات التحويل العراقية لرقابة أميركية مشدّدة على حركة الدولار.
المشكلة أنّ واشنطن تستطيع، من الناحية القانونية والمالية، أن تميّز بين التعامل المشروع مع إيران وبين النشاط الذي تعتبره التفافاً على عقوباتها، بحسب خبراء اقتصاديين. لكنّ الاقتصاد العراقي لا يعمل دائماً بهذه الحدود الواضحة. هناك تجارة رسمية، وتعاملات موازية، وشبكات اقتصادية تمتد عبر الحدود، ومصالح لشركات ورجال أعمال ومؤسسات مالية. ولذلك فإنّ توسيع دائرة العقوبات قد لا يتوقّف عند شخص أو فصيل بعينه، بل يمكن أن تنتقل آثاره إلى مؤسسات وقطاعات أوسع.
وهذا تحديداً ما يحذّر منه الكثير من السياسيين والمتابعين الاقتصاديين العراقيين، حيث يرون أنّ العراق ربما لن يكون الهدف المباشر، لكنّ بعض الجهات العراقية قد تصبح هدفاً إذا اعتبرت واشنطن أنها تساعد إيران على تجاوز العقوبات. وفي حال استهدفت هذه الجهات فسوف تنتقل المشكلة من الفصائل إلى مؤسسات الدولة، ومن المؤسسات إلى الاقتصاد، ومنه، بطبيعة الحال، إلى المواطن العراقي.
فهي لا تحتاج إلى إعلان حرب حتى تكون مؤثّرة. يكفي أن تجد المصارف العراقية نفسها أكثر حذراً في تعاملاتها، وأن تتردّد الشركات في إبرام صفقات تخشى أن تضعها في مرمى وزارة الخزانة الأميركية، أو أن ترتفع كلفة التحويلات، حتى يبدأ أثر القرار السياسي بالظهور في الاقتصاد.
كيف تستطيع بغداد التعامل مع العقوبات الأميركية؟
الحكومة العراقية تتحرّك في مساحة ضيّقة. فهي لا تريد الدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تتعامل مع العقوبات كأنها شأن أميركي لا علاقة له بالعراق. ولذلك تبدو محاولتها الأساسية مُنصبّة على منع انتقال الاستهداف من الأفراد والفصائل إلى مؤسسات الدولة والقطاع المالي والاقتصاد الأوسع.
غير أنّ هذه المهمة تصبح أكثر تعقيداً عندما تتقاطع العقوبات مع ملف السلاح. ففي الأسابيع الماضية، تراجعت اللغة السياسية العراقية من الحديث عن "تفكيك" الفصائل الرافضة لنزع السلاح إلى الحديث عن "حصر السلاح" ثمّ "تنظيمه". وبحسب المعطيات المنقولة عن قريبين من المطبخ السياسي، لم يعد "التفكيك" مطروحاً عملياً لدى بعض أعضاء اللجنة الثلاثية المعنية بالتفاوض مع الفصائل، فيما برزت مقترحات تتعلّق بتخزين السلاح أو تنظيمه وإقرار قانون للحشد باعتباره أحد أدوات احتواء الأزمة.
بالنسبة إلى واشنطن، القضية قد لا تتعلّق بالسلاح وحده. إذا كانت بعض الفصائل تمتلك في الوقت نفسه أدواراً سياسية وأمنية واقتصادية، فإنّ استهدافها بالعقوبات يمكن أن يصبح جزءاً من محاولة تفكيك منظومة نفوذ أوسع، لا مجرّد معاقبة أفراد.
لكنّ حسابات واشنطن تجاه هذه التشكيلات تختلف عن حسابات بغداد في إدارة توازناتها الداخلية. لذلك فإنّ محاولة بغداد حماية الفصائل، والدولة والمواطن بالتالي، من العقوبات، قد لا تكون كافية. فواشنطن هي التي تحدّد، بحسب مصالحها، الجهات التي تضعها على لوائح العقوبات، من دون أيّ اعتبار للمصالح العراقية أو تحقيق الاستقرار في هذا البلد.
وفي الغالب لن يجد أيّ تصعيد أميركي جديد جبهة سياسية عراقية موحّدة في مواجهته، فالبيت الشيعي منقسم بين تيارات متعدّدة، والبيت السني ليست لديه رغبة في الدخول على خط أزمة السلاح، لكنّ العقوبات الأميركية قد تزيد الانقسام الداخلي، إذا شعرت قوى عراقية بأنّ سلاح العقوبات يُستخدم لإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية داخل البلاد.
العراق في الحسابات الأميركية تجاه إيران
يبقى العامل الإيراني هو المتغيّر الأكثر تأثيراً في مستقبل هذا المسار. هذه النقطة تحديداً تفسّر جانباً مهماً من التغيّر في الخطاب العراقي. فبحسب نواب وسياسيين، فقد ارتبط تطوّر ملف سلاح الفصائل إلى حدّ كبير بما إذا كانت واشنطن وطهران تتجهان نحو الحرب أو المفاوضات، أو بنتيجة الحرب بشكل عامّ. ومع تغيّر مسار الحرب، وصمود إيران في ظلّ قلة الخيارات الأميركية وفشل غالبها في كسر الإرادة الإيرانية، تغيّرت النبرة العراقية من الحديث عن "حلّ الفصائل" إلى "حصر السلاح" ثمّ تنظيمه.
وعليه، فإنّ ما يجري في العراق لا يمكن قراءته بمعزل عن نتيجة المعركة الكبرى؛ إذا استمرت الحرب الأميركية - الإيرانية واتجهت إلى مزيد من التصعيد، فمن الصعب تصوّر أن تكتفي واشنطن باستهداف شبكات ورجال أعمال خارج العراق، وتترك الجهات العراقية التي تزعم أنها تساعد طهران على تجاوز العقوبات من دون ضغط.
في المقابل، إذا اتجهت الحرب نحو تسوية، فإنّ طبيعة الضغط على العراق يمكن أن تتغيّر. وهذا لا يعني بالضرورة أنّ جميع العقوبات ستُرفع، أو أنّ الملفات العراقية ستُغلق، لكنه يعني أنّ أحد أهمّ دوافع تشديدها سيتراجع، وبذلك يصبح تخفيف الضغط على العراق جزءاً من مرحلة إقليمية جديدة.
المشكلة، إذاً تكمن في طبيعة المسار الذي يمكن أن تتخذه العقوبات بعد الآن. فكلما اتسعت الحرب، ضاقت الهوامش لدى بغداد، وعلى العكس كلما اقتربت واشنطن وطهران من حدود تفاهم، اتسعت مساحة الحركة العراقية.
في هذه المعادلة، قد يكون الهمّ الأكبر بالنسبة إلى العراق أبعد من تجنّب تداعيات حزمة عقوبات أميركية واحدة، بل في كيفيّة منع أن يتحوّل اقتصاده ومؤسساته إلى مساحة دائمة للضغط الأميركي ولتصفية حسابات واشنطن في حرب لا يملك قرار بدايتها ولا تحديد نهايتها.
اقرأ أيضاً: الأعرجي للميادين: ربط تاريخ خروج التحالف بموعد حصر السلاح غير منطقي