الإعلام في مواجهة خطاب الكراهية

خطابُ الكراهية تهديدٌ خطيرٌ للسلم المجتمعي، خاصةً في العراق، ويتطلب مواجهتَه بالوعي والإعلام المسؤول والقوانين التي تحمي التنوع وحرية التعبير.

  • الإعلام في مواجهة خطاب الكراهية
    الإعلام في مواجهة خطاب الكراهية

يُعدّ خطاب الكراهية أحد أهم المواضيع التي يجب التركيز عليها؛ إذ لم تعد الحروب والصراعات تبدأ دائمًا بالسلاح، بل قد تبدأ بكلمةٍ تُحرّض، أو منشورٍ يزرع الشك، أو خطابٍ يغذي الانقسام بين أبناء المجتمع الواحد. ففي العصر الرقمي، بات خطاب الكراهية من أخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات، لما يتركه من آثارٍ تتجاوز العالم الافتراضي لتنعكس على الواقع في صورة عنفٍ وتمييزٍ وتمزقٍ للنسيج الاجتماعي.

ويُعرّف خطاب الكراهية بأنه كل تعبير أو خطاب أو محتوى يحرض على الكراهية أو التمييز أو العداء أو العنف ضد أفراد أو جماعات بسبب انتمائهم الديني أو القومي أو العرقي أو المذهبي أو اللغوي أو غير ذلك من الخصائص التي تشكل هويتهم. وتزداد خطورته عندما يجد بيئة خصبة في أوقات الأزمات السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، حيث يسهل استغلاله لإثارة الانقسامات وتحقيق مكاسب ضيقة على حساب استقرار المجتمع.

لقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار هذا الخطاب؛ إذ بات بإمكان أي منشور أو مقطع مصور أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، ما يجعل الشائعات والمعلومات المضللة وسيلة فعالة لتغذية التعصب وإذكاء الاحتقان. وفي كثير من الأحيان، يتحول الخطاب الإلكتروني إلى ممارسات واقعية تنعكس في صورة اعتداءات أو تمييز أو إقصاء لفئات اجتماعية بعينها؛ لأن كل شخص أصبح يمارس العمل الإعلامي من خلال حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، سواء باسمه الحقيقي أو الاختفاء خلف أسماء وعناوين مستعارة.

وفي العراق، الذي يتميز بتنوعه الديني والعرقي والقومي والثقافي، تبرز أهمية مواجهة خطاب الكراهية باعتباره تهديدًا مباشرًا للسلم الأهلي؛ إذ إن المجتمعات التي تنجح في حماية التنوع وترسيخ ثقافة المواطنة تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وبناء مستقبل مستقر. ومن هنا، فإن الحفاظ على التعايش بين مختلف المكونات مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية، فضلًا عن أفراد المجتمع.

ويلعب الإعلام دورًا محوريًا في هذا المجال؛ إذ لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يمتد إلى تشكيل الوعي العام وترسيخ قيم الاحترام والتسامح. فالإعلام المهني يلتزم بالدقة والموضوعية، ويتجنب العناوين المثيرة أو الخطابات التي قد تؤدي إلى التحريض أو الوصم أو التعميم، كما يمنح جميع الأطراف حق الرد ويقدم الحقائق بعيدًا عن الانحياز. وبالمقابل، هناك وسائل إعلام هي من تغذي خطاب الكراهية باستخدام مصطلحات أو عناوين تثير النعرات والحساسية، وهنا لا بد أن نشير إلى مسألة مهمة في تناول المفردات؛ على سبيل المثال: استعمال مفردات (شهيد - قتيل) أحيانًا بقصد أو من دون قصد (إن كنت تعلم فتلك مصيبة، وإن كنت لا تعلم فالمصيبة أعظم). على الصحفي أن يفقه جمهوره ومراعاة ذلك؛ فصحيحٌ أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته التاسعة عشرة أعطى حرية النشر والتعبير واعتناق الآراء، لكن ذلك لا يعني أن تتجاوز حقوق الآخرين من خلال تناول كلمات أو حتى صور ومواد إعلامية تثير حفيظة الآخرين. أحيانًا الصحافي يكتب من دون معرفة أي من دون قصد؛ مثلاً يتكلم عن الجرائم التي ارتكبها "داعش" بحق المكون الإيزيدي من (خطف وقتل واغتصاب وتهجير... إلخ)، ويذكر مفردة (سبايا، مفردها سبية) يقصد بذلك اختطاف النساء الإيزيديات؛ فاستعمال كلمة سبي وسبايا يعني أنك تعطي الشرعية لهذا الفعل الإجرامي حتى وإن كتبت من دون قصد، والصواب أن تكتب "اختطاف" بدل "سبايا"؛ لأن الأولى تثير حفيظة أبناء المكون الإيزيدي، وهكذا الكثير من المفردات.

ولا يمكن إغفال المسؤولية القانونية في مواجهة خطاب الكراهية، عبر سن التشريعات التي تجرّم التحريض على العنف والتمييز، مع ضمان عدم المساس بحرية التعبير التي تكفلها القوانين والدساتير. فحرية الرأي لا تعني الإساءة إلى الآخرين أو التحريض ضدهم، بل ترتبط بالمسؤولية واحترام حقوق الإنسان.

وفي المقابل، يحتاج مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى وعيٍ أكبر بخطورة إعادة نشر المحتوى المحرض أو الأخبار غير الموثقة؛ فكل مشاركة قد تسهم، من حيث لا يدرك صاحبها، في توسيع دائرة الانقسام ونشر الكراهية.

إن بناء مجتمع متماسك لا يتحقق بالقوانين وحدها، وإنما يبدأ من ثقافة تؤمن بأن التنوع مصدر قوة وليس سبباً للصراع، وأن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات. فالكلمة التي تبني جسور الثقة أقوى من الكلمة التي تهدمها، والمسؤولية الأخلاقية تفرض على الجميع اختيار لغة تجمع ولا تفرق. والعراق اليوم بحاجة إلى سن قوانين النشر التي تتوافق مع الإعلام الرقمي كون القضايا أغلبها ذات طابع إعلامي إلكتروني؛ فقوانين النشر بحاجة إلى تعديل لتتماشى مع الوضع السائد.

وفي ظل التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم، يبقى نبذ خطاب الكراهية ضرورة وطنية وإنسانية؛ لأن البلاد لا تُبنى بالتعصب والإقصاء، بل بالعدالة والاحترام المتبادل وقبول الآخر. وعندما تنتصر لغة الحوار على لغة الكراهية، يصبح المجتمع أكثر أمنًا وقدرةً على صناعة مستقبلٍ يسوده السلام والتعايش. لخطاب الكراهية أوقات يزداد حدة خلالها، كأثناء الأزمات والانتخابات، من خلال التسقيط واستهداف الخصوم سواء بحق أو من دون حق، كونه يُعدّ أداة من أدوات الحروب أثناء الانتخابات وحتى الحروب الفعلية؛ إذاً فخطاب الكراهية قبل وأثناء النزاع يعني تحولاً من شرارة إلى قوة فعلية.