إيران ومونديال الحرب: في الملعب أم خارجه؟
أن تلعب إيران في أميركا بعد كلّ ما يحدث، يعني أن تتحوّل المباريات إلى استفتاء صامت على حقّ الشعوب في الحضور حين يراد لها أن "تفنى". وبين مكاسب المشاركة وتبعات الانسحاب، ماذا ستختار طهران؟
-
هل تشارك إيران في المونديال؟
في زمن لا تُقاس فيه المباريات بالأهداف فقط، بل بما تحمله من رمزية سياسية ومعنوية، تقف إيران أمام واحدة من أكثر المشاركات حساسية في تاريخ كأس العالم.
"تيم ملّي" (منتخب إيران لكرة القدم) الذي حجز مكانه في مونديال 2026 بجدارة رياضية، يجد نفسه أمام امتحان يتجاوز حدود الملعب، هل يذهب إلى الولايات المتحدة؟ الدولة التي تقود الحرب ضدّ بلاده، أم يحوّل الانسحاب إلى موقف سيادي مدوٍّ يُعيد تعريف العلاقة بين الرياضة والسياسة؟
إيران تأهّلت إلى كأس العالم للمرة الرابعة توالياً، والسابعة في تاريخها، بعد مشوار آسيوي ناجح أكد استمرار حضورها بين كبار القارة.
وهي وقعت في المجموعة السابعة إلى جانب بلجيكا ومصر ونيوزيلندا، في مجموعة تبدو متوازنة رياضياً، لكنها مشحونة سياسياً إلى أقصى الحدود. فالمباريات الثلاث مقرّرة بالكامل على الأراضي الأميركية، اثنتان في لوس أنجلوس وثالثة في سياتل، ما يجعل المشاركة الإيرانية محاطة بسياق لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة بين طهران وواشنطن.
في هذا الإطار حاولت إيران نقل مبارياتها إلى المكسيك، مستفيدة من كون البطولة تُقام بشكل مشترك بين ثلاث دول، غير أنّ "فيفا" رفض الطلب لأسباب لوجستية تتعلّق بإعادة جدولة المباريات في الملاعب والمعسكرات وحجوزات الفنادق، متمسّكاً بالجدول الرسمي، ومجدّداً التمسّك بمبدأ "فصل الرياضة عن السياسة".
لكنّ هذا المبدأ، في ظلّ واقع المواجهة العسكرية، يبدو أقرب إلى شعار مثالي يصطدم بوقائع جيوسياسية معقّدة، حيث تصبح كلّ مباراة محمّلة بدلالات تتجاوز الخطوط البيض للملعب.
موقف واشنطن من مشاركة طهران
الموقف الأميركي بدوره جاء مزدوجاً، فمن جهة أعلنت واشنطن أنها لا تعارض مشاركة المنتخب الإيراني، في محاولة للحفاظ على صورة "الحياد الرياضي".
ومن جهة أخرى، وضعت قيوداً على بعض مرافقي البعثة، خصوصاً أولئك الذين يُشتبه بارتباطهم بمؤسسات عسكرية وتحديداً "حرس الثورة".
هذا التناقض يعكس حقيقة أعمق؛ الولايات المتحدة تريد إبقاء البطولة تحت سقفها، لكنها لا تستطيع تجاهل طبيعة الصراع القائم، ما يجعل المشاركة الإيرانية محكومة بتوازنات دقيقة بين الرياضة والسياسة والأمن.
وفي خلفيّة هذا المشهد، يظلّ السياق العسكري حاضراً بقوة، فالتصعيد الذي بدأ في أواخر شباط/فبراير بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما تبعه من ضربات متبادلة قبل الوصول إلى وقف هشّ لإطلاق النار، يجعل من أيّ حدث دولي، بما فيه كأس العالم، امتداداً غير مباشر لهذا الصراع. كرة القدم هنا لا تنفصل عن السياسة، بل تتحوّل إلى إحدى أدواتها الرمزية.
ضمن هذا المناخ، طُرحت فكرة استبعاد إيران من البطولة أو استبدالها بمنتخب آخر، في خطوة عكست حجم التسييس الذي يحيط بالمشاركة الإيرانية، غير أنّ هذه الدعوات قوبلت برفض واسع حتى من داخل الأوساط الرياضية الغربية، لما تحمله من خرق واضح لمبدأ تكافؤ الفرص.
الفيفا بدا حاسماً، إيران تأهّلت في الملعب وستبقى في البطولة، لأنّ تغيير ذلك يعني فتح الباب أمام سابقة خطيرة في تاريخ كرة القدم.
مكاسب المشاركة: الحضور كفعل مقاومة
في هذا السياق، تحمل مشاركة إيران مكاسب تتجاوز الإطار الرياضي التقليدي. أول هذه المكاسب هو كسر العزلة. فحين يظهر منتخب إيران في أكبر منصة رياضية عالمية، وعلى الأراضي الأميركية تحديداً، فإنه يرسل رسالة واضحة، "الحصار لا يمنع الحضور" و"الضغط السياسي لا يلغي الوجود الدولي".
المكسب الثاني هو البعد الداخلي. ففي لحظات الأزمات الكبرى، تتحوّل الرياضة إلى مساحة جامعة قادرة على توحيد الشارع خلف رمز مشترك. المنتخب الوطني في هذه الحالة لا يمثّل مجرّد فريق، بل يصبح تجسيداً لصورة بلد بأكمله. النشيد الوطني قبل المباراة والراية التي تُرفع في المدرّجات، قد يتحوّلان إلى لحظة رمزية تختصر مشاعر شعب كامل يعيش تحت ضغط الحرب.
أما المكسب الثالث فهو إعلامي وسياسي بامتياز. وجود إيران في المونديال سيجبر وسائل الإعلام العالمية على تسليط الضوء على قصتها. منتخب قادم من بلد تحت التهديد، يلعب في أرض خصمه، ويصرّ على البقاء في المشهد، هذه صورة لا يمكن تجاهلها. وإذا نجح اللاعبون في تقديم أداء متوازن، يجمع بين التنافس الرياضي والانضباط، فإنهم سيحوّلون كلّ مباراة إلى منصة خطاب غير مباشر تصل رسائله إلى ملايين المشاهدين حول العالم.
مكاسب الانسحاب: السيادة كرسالة
في المقابل، لا يمكن إغفال منطق الانسحاب. فإذا رأت إيران أنّ المشاركة ستتمّ ضمن شروط تمسّ سيادتها، أو تفرض عليها قيوداً سياسية وأمنية غير مقبولة، فقد يتحوّل الانسحاب إلى موقف مبدئي يحمل دلالات قوية. في هذه الحالة لن يكون القرار رياضياً بل سيادياً، يضع حدوداً واضحة بين ما يمكن قبوله وما يجب رفضه.
انسحاب إيران في هذا السيناريو سيكون رسالة مزدوجة، أوّلاً إلى الولايات المتحدة، بأنّ اللعب على أرض دولة في حالة مواجهة معها ليس أمراً بديهياً. وثانياً إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، بأنّ الحديث عن فصل الرياضة عن السياسة يصبح فاقداً للمصداقيّة حين تُفرض على دولة شروط استثنائية بسبب موقعها السياسي.
لكنّ هذا الخيار رغم قوته الرمزية يحمل كلفة عالية، فهو يفتح الباب أمام غياب إيران عن أهمّ منصة كروية في العالم، ويمنح خصومها فرصة لإخراجها من المشهد من دون مواجهة مباشرة، كما أنه يحرم اللاعبين من فرصة تاريخية، والجماهير من لحظة نادرة قد تكون من أكثر اللحظات توحيداً في تاريخهم المعاصر.
أيّ طريق تختار طهران؟
هنا، تبدو المعادلة معقّدة. المشاركة تعني الحضور والتأثير، لكنها تتطلّب ضمانات تتعلّق بالكرامة والسيادة. والانسحاب يعني الحفاظ على الموقف السياسي، لكنه يحمل خطر الغياب والتهميش.
حتى الآن، تشير المعطيات إلى أنّ إيران تميل نحو خيار المشاركة، باعتباره الخيار الذي يحقّق أكبر قدر من المكاسب بأقلّ قدر من الخسائر، بشرط أن تتمّ هذه المشاركة ضمن إطار يحفظ كرامة الوفد ويضمن سلامته.
في هذه الحالة لن تكون إيران مجرّد فريق يبحث عن التأهّل إلى الدور الثاني، بل دولة تستخدم كرة القدم كوسيلة لإعادة تقديم نفسها على المسرح الدولي.
إذا دخلت إيران إلى المونديال، فإنها لن تدخل كمنتخب فقط، بل كقضية. كلّ تمريرة، كلّ هدف، كلّ لقطة جماهيرية، ستُقرأ ضمن سياق أوسع من كرة القدم. المباراة هنا لن تُقاس بنتيجتها النهائية، بل بما تحمله من رسائل.
في زمن الحرب، قد تتحوّل كرة القدم إلى لغة بديلة، لغة تقول إنّ الشعوب، حتى تحت الضغط قادرة على الحضور. وإيران إذا قرّرت اللعب، ستلعب ليس فقط من أجل النقاط… بل من أجل البقاء في الصورة، حين يُراد لها أن تختفي.