إرث الحروب المدفون تحت الأرض: المساحات الملوثة بالألغام والمخلفات الحربية تحصد الضحايا في العراق
العراق ما زال يدفع ثمن الحروب من خلال الألغام والمخلّفات الحربية التي تهدد المدنيين وتعطّل الزراعة والإعمار وعودة الحياة.
-
إرث الحروب المدفون تحت الأرض: المساحات الملوثة بالألغام والمخلفات الحربية تحصد الضحايا في العراق
لا تحتاج زهرة (46 عامًا) إلى أن ترى لتتذكر المكان الذي غيّر حياتها. فمنذ سنوات، أصبح الظلام رفيقها الدائم بعد أن فقدت بصرها بالكامل إثر انفجار لغم أرضي في منطقة البتران التابعة لمنطقة جرف الملح في محافظة البصرة جنوب العراق. لم يكن ذلك الانفجار مجرد حادثة عابرة في سجل ضحايا الألغام، بل بداية رحلة طويلة من الفقدان والمعاناة، ما تزال تعيش تفاصيلها حتى اليوم.
تجلس زهرة في منزلها المتواضع، تتحسس طريقها بين جدرانه بصعوبة، بعد أن أصبحت تعتمد على الآخرين في أبسط تفاصيل حياتها اليومية. لم تعد قادرة على العمل أو التنقل بمفردها، فيما تتفاقم معاناتها مع تدهور وضعها الصحي وضيق الحال، لتواجه حياة فرضتها عليها مخلّفات حرب انتهت منذ سنوات، لكن آثارها لم تغادر الأرض التي تعيش عليها.
تقول زهرة إن الألغام لم تسرق منها نعمة البصر فحسب، بل حرمتها أيضًا أفراد عائلتها، الذين فقدوا حياتهم في حوادث انفجار متفرقة بالمخلّفات الحربية في منطقة البتران نفسها. وبين كل مأساة وأخرى، كانت العائلة تدفع ثمنًا جديدًا لخطر ظل مدفونًا تحت التراب، في أرض اعتادت أن تكون مصدرًا للرزق والحياة، قبل أن تتحول إلى مساحة يخشاها سكانها.
قصة زهرة ليست حالة فردية، بل تمثل نموذجًا لمعاناة سكان مناطق واسعة في البصرة والعراق، حيث لا تزال الألغام والمخلّفات الحربية تحصد الأرواح، وتخلّف إعاقات دائمة، وتمنع استغلال مساحات زراعية وسكنية، رغم مرور سنوات على انتهاء العمليات العسكرية.
ومن هذه القصة الإنسانية يبدأ هذا التحقيق، ليتتبّع حجم الملوّثات الحربية في العراق، ويبحث في أسباب استمرارها، ومدى كفاءة جهود إزالتها، وتأثيرها على حياة آلاف المدنيين الذين ما زالوا يعيشون في ظل حرب لم تنتهِ آثارها.
في الجنوب العراقي، حيث تلتقي الحدود العراقية الإيرانية في محافظة البصرة، تتوارى قرية البتران (أو كما تُعرف جرف الملح) خلف ستارٍ من الألم والمعاناة. قرية حملت اسمها من مأساة مستمرة، لكنها لم ترحل عن هذه الأرض.
هذه القرية هي ساحة مفتوحة للموت القابع تحت التراب، حيث الألغام والمخلّفات الحربية تهدد كل خطوة، تاركة السكان أمام خيارين: الفقر المدقع أو المخاطرة بالحياة.
حيث يتحدث نبراس التميمي، مدير المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام، للميادين نت: "إن أكثر من 6600 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية تم تحديدها كمناطق ملوثة بالألغام والمخلّفات الحربية منذ عام 2003، وقد تم تطهير أكثر من 4540 كيلومترًا مربعًا بحلول عام 2024، ورغم هذه الجهود، ما تزال أكثر من 2000 كيلومتر مربع بحاجة إلى عمليات إزالة وتطهير."
وأكد التميمي أن محافظة البصرة هي الأكثر تضررًا من هذه المخلّفات، وأن حجم التلوث الحربي في محافظة البصرة ما يزال كبيرًا، موضحًا: "التلوث ما زال مرتفعًا جدًا، فهناك أكثر من مليار ومئة وتسعة وأربعين مليون متر مربع من الأراضي الملوثة في البصرة، وتتركز نسبة كبيرة من هذه المناطق في قضاء شط العرب، حيث لا تزال مساحات واسعة ملوثة بمختلف أنواع المخلّفات الحربية."
تليها محافظتا المثنى وديالى. وأضاف أن الإحصائيات الرسمية تكشف عن تجاوز عدد ضحايا الألغام والمخلّفات الحربية في العراق 30 ألف شخص منذ عام 2003، بينهم قتلى وجرحى، منهم نساء وأطفال.
ففي عام 2022، سُجّل أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح في العراق، بينما بلغ عدد الضحايا في إقليم كوردستان 13,500 شخص، وفي عام 2023، شهدت البصرة مقتل وإصابة 14 شخصًا نتيجة انفجار ألغام أرضية.
ويضيف: "هناك زيادة مستمرة في أعداد ضحايا الألغام في محافظة البصرة، ووفق البرنامج الإحصائي الميداني الذي أجرته وزارة البيئة عام 2014، فقد تم تسجيل أكثر من خمسة آلاف وثلاثمئة ضحية في البصرة، فيما ارتفع العدد بعد ذلك بسبب استمرار وجود الألغام في مناطق مختلفة."
وعن منطقة البتران، يوضح: "تُعدّ البتران من أكثر المناطق المنكوبة في محافظة البصرة، إذ تم تسجيل أكثر من 123 ضحية فيها، قسم منهم فقدوا حياتهم بسبب انفجارات الألغام، فيما تعرّض آخرون لإعاقات وإصابات دائمة."
في قرية البتران بمحافظة البصرة، لا تبدو معاناة السكان مجرد أرقام على خارطة المناطق الملوثة بالألغام؛ فهي خطر يرافق تفاصيل حياتهم اليومية. ويصف مختار القرية، جعفر السلمي، حجم المعاناة التي يعيشها سكان المنطقة بسبب الألغام والمخلّفات الحربية، مشيرًا إلى أن عدد سكان المنطقة يبلغ نحو 6 آلاف شخص يعيشون في 830 مسكنًا.
ويقول المختار: "أسوأ حالة شهدتها المنطقة كانت لعائلة كاملة تعرضت للبتر بسبب انفجار لغم عليها. توفيت الأم نتيجة الانفجار، بينما أُصيب الأطفال بإعاقات نتيجة الحادث."
ويضيف: "ازدادت حوادث الانفجار في المنطقة بشكل كبير خلال الفترة الممتدة من عام 1993 إلى عام 2003، فترة الحصار الأميركي على العراق، وكانت العائلات تبحث عن أي مصدر رزق مُتاح رغم المخاطر التي كانت تواجهها."
ويعزو ذلك إلى الظروف الاقتصادية التي دفعت بعض السكان إلى البحث عن النحاس داخل الألغام وبيعه لتأمين احتياجاتهم المعيشية، موضحًا: "خلال فترة الحصار الذي فرضته أميركا على العراق في تسعينيات القرن الماضي، اضطر الكثير من العائلات إلى العمل في جمع النحاس من مخلّفات الألغام وبيعها، وهذا كان أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع أعداد الإصابات."
وعن أوضاع المصابين، يوضح المختار أن احتياجاتهم تتجاوز التعويضات المالية، قائلًا: "الشخص الذي ينفجر عليه لغم لا يفقد جزءًا من جسده فقط، بل يفقد القدرة على الحركة والعمل، ويحتاج إلى دعم مادي وصحي ومعنوي، إضافة إلى توفير السكن، لأن أغلب سكان المنطقة يعيشون في مساكن عشوائية."
ويشير المختار إلى استمرار خطر الألغام بالقرب من المناطق السكنية، قائلًا: "هناك منطقة تسمى الجبهة تبعد نحو عشرة كيلومترات عن البتران، وهي ملوثة بالكامل بالألغام، كما أن بعض مواقع الألغام تبعد نحو خمسة كيلومترات فقط عن الأحياء السكنية."
ويؤكد أن السكان لا يستطيعون إزالة الألغام بأنفسهم، مضيفًا: "لا يمكن للمواطنين التعامل مع هذه الألغام أو إزالتها، لأنها تحتاج إلى فرق متخصصة."
وعن النساء المتضررات، يوضح المختار أن العديد من الحالات لم تحصل على الاهتمام الكافي، قائلًا: "هناك نساء كثيرات تضررن من الألغام، لكنهن لا يظهرن في الإعلام، ولذلك ضاعت حقوقهن. من بينهن امرأة تُدعى شيماء تعرضت لبتر في ساقيها ولم تحصل على حقوقها أو تسليط الضوء على معاناتها."
ولا يتوقف أثر التلوث عند الخطر المباشر على حياة السكان؛ فوجود الألغام يقيّد استخدام الأراضي ويعطّل الزراعة ويجعل تنفيذ مشاريع التنمية والإعمار أكثر صعوبة. وهكذا، لا تدفع البصرة ثمن الحروب في ذاكرتها فقط، بل تدفعه أيضًا في أرضها التي ما زالت بحاجة إلى التطهير حتى تصبح آمنة بالكامل.
في البصرة، انتهت الحرب منذ عقود، لكن بعض آثارها لم تنتهِ. بقيت تحت التراب، صامتة، تنتظر من يقترب منها؛ وكأن الأرض نفسها ما زالت تحمل توقيع الحرب وتذكّر أهلها بأن بعض المعارك لا تنتهي عندما تتوقف البنادق، بل عندما يُزال آخر لغم من الطريق.
التلوث الحربي يتجاوز الألغام
بين أكوام الركام التي خلّفتها المعارك في منطقة خزرج بالمدينة القديمة في الموصل، كانت سهيلة مجيد (40 عاماً) تبحث عن أثر قد يقودها إلى إجابة طال انتظارها. وقفت بين بقايا منزل شقيقها، تفتش في الحجارة والغبار بحثاً عن أي بقايا أو رفات بشرية قد تعيد إليها جزءاً من عائلته التي فقدتها خلال الحرب.
في شباط/فبراير 2019، نجت مجيد من الموت بعد انفجار عبوة ناسفة بالقرب منها أثناء وجودها في موقع المنزل المدمر. لم تكن تبحث عن شيء عادي؛ كانت تحاول العثور على رفات شقيقها وزوجته وأطفالهما الأربعة، الذين لم يُعرف مصيرهم بعد انهيار المنزل خلال العدوان الإرهابي على العراق عام 2014.
اليوم، لم يعد المكان كما كان؛ فقد تحولت مجموعة المنازل الصغيرة المبنية من الجص والحجر، والتي كانت متجاورة شمالي الحي، إلى كومة كبيرة من الأنقاض الملوثة بالألغام.لم تعد الألغام وحدها تشكل الخطر الذي يواجه العراقيين في المناطق التي شهدت الحروب التعسفية في فترة الديكتاتورية من حكم صدام حسين، فبعد سنوات من الحروب، ظهرت تهديدات أخرى خلّفها احتلال تنظيم داعش محافظات العراق، تمثلت بالمخلفات الحربية والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة التي بقيت منتشرة في المدن والقرى، لتتحول إلى خطر صامت يلاحق السكان حتى بعد عودة الحياة إلى تلك المناطق.
في محافظة نينوى، ولا سيما مدينة الموصل والمناطق المحيطة بها، خلّفت المعارك ضد تنظيم داعش بعد عام 2015 كميات كبيرة من العبوات الناسفة والمقذوفات والمخلفات الحربية داخل الأحياء السكنية والمباني والطرق، حيث كشفت وزارة البيئة العراقية عن تلوث تُقدّر كميته بـ13 مليون طن من الأنقاض في الجانب الأيمن من الموصل، فيما واجهت محافظات أخرى تعرضت للعدوان الإرهابي التحدي ذاته بدرجات متفاوتة.
يتحدث الفريق حاتم المكصوصي، مدير الإسناد الهندسي في وزارة الدفاع العراقية، لـ"الميادين نت" عن انتشار المخلفات الحربية، قائلاً: "العراق يعاني من تلوث هائل بالمخلفات الحربية نتيجة الحروب العبثية التي دخل فيها العراق في فترة حكم صدام حسين، حيث شمل التلوث مناطق شرق العراق، ما بين الحدود العراقية الإيرانية والحدود الكويتية. وكان التلوث محصوراً ونظامياً فقط في حقول الألغام، لكن بعد ذلك أصبحت لدينا حقول ألغام غير نظامية في فترة الحرب على التنظيمات الإرهابية عام 2014، فأصبحت العبوات والألغام المرتجلة التي قامت التنظيمات الإرهابية بزرعها خطراً آخر يهدد العراقيين".
وأضاف المكصوصي: "العراق من الدول الموقعة على اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام والتعامل معها عام 1998. فهذه الاتفاقية تم توقيعها من قبل 23 دولة، ثم تطورت هذه الاتفاقية وفُعّلت بالكامل بعد 10 سنوات من توقيعها، حيث كان مطلوباً من العراق خلال 10 سنوات أن يتم تطهير كافة الألغام الموجودة على الحدود، وبسبب انشغال الجهد الوطني العراقي بأحداث 2014 وعمليات التحرير، حدث تأخير في تفعيل المعاهدة، إضافة إلى أن العراق مرتبط مع الأمم المتحدة بثلاث اتفاقيات: أوتاوا، وأوسلو، واتفاقية حظر واستخدام الأسلحة التقليدية الفتاكة".
وكان من المقرر، وفق الالتزامات الواردة في الاتفاقيات، أن ينتهي العراق من إزالة الألغام بحلول عام 2023، لكن العراق طلب التمديد إلى عام 2028، نتيجة زيادة حجم التلوث بعد العدوان الإرهابي على العراق.
مدينة تحاول أن تعود إلى الحياة
الموصل اليوم لا تزال تحمل آثار المعارك في عمرانها وذاكرة سكانها. وبينما تتقدم عمليات إعادة الإعمار وعودة الحياة إلى الأحياء، يبقى التخلص من المخلفات المتفجرة شرطاً أساسياً لعودة آمنة ومستقرة.
وتقدّر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الألغام والمخلفات الحربية المتفجرة تلوث نحو 2,100 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية، وهي مساحة تؤثر في عودة النازحين والوصول إلى الأراضي الزراعية وتبطئ جهود إعادة الإعمار.
لكن خلف كل كيلومتر مربع ملوث توجد قصة إنسانية. هناك منزل لا تستطيع عائلة الاقتراب منه، وأرض لا يستطيع مزارع زراعتها، وطفل يتعلم أن الجسم الغريب في الطريق ليس شيئاً يجب لمسه.
في الموصل، انتهت المعارك، لكن بعض آثارها لم تنتهِ. بقيت الحرب مدفونة تحت التراب، مختبئة في الركام، تنتظر أحياناً يد طفل أو خطوة عابر حتى تذكّر الجميع بأنها لم تغادر المدينة تماماً.
وهكذا، فإن إزالة الألغام والمخلفات الحربية ليست مجرد عملية هندسية لتنظيف الأرض؛ إنها جزء من استعادة الموصل لحياتها. فحين تصبح الطرق آمنة، والمنازل خالية من المتفجرات، والحقول قابلة للزراعة، يستطيع السكان أخيراً أن يعودوا إلى مدينتهم من دون أن يحملوا الخوف معهم في كل خطوة.
أطفال حملوا أرواحهم
ومن أكثر المفارقات قسوة أن أطفالاً ولدوا بعد بعض المعارك أو كانوا صغاراً جداً عند اندلاعها ما زالوا يعيشون نتائجها.
في الموصل القديمة، هناك أطفال يلعبون بين الأنقاض، فيما تمثل الذخائر غير المنفجرة خطراً مستمراً. فالطفل بطبيعته يقترب من الأشياء الغريبة، يلمسها ويحاول اكتشافها، وقد يبدو الجسم المعدني بالنسبة إليه لعبة أو قطعة يمكن بيعها أو الاحتفاظ بها.
وهناك ما وثقته اللجنة الدولية للصليب الأحمر من شهادات للأطفال في المدينة القديمة بالموصل، حيث ما تزال آثار الدمار واضحة على الجدران وفي الطرقات. وجد ياسين، البالغ من العمر ثماني سنوات، مساحة للعب بين أنقاض مسجد كان يوماً جزءاً من حياة الحي. لم يعد المكان كما كان؛ فقد تحولت أجزاء منه إلى أكوام من الحجارة والركام، وبقيت بين هذه الأنقاض مخاطر لا يستطيع طفل في عمره أن يدركها بالكامل.
ورغم التحذيرات التي تشير إلى احتمال وجود ذخائر غير منفجرة، يواصل ياسين وأصدقاؤه اللعب في المكان. بالنسبة إليهم، تبدو الأنقاض مجرد مساحة مفتوحة بعيداً عن البيوت، لكنها في الحقيقة تحمل بقايا سنوات من العدوان الإرهابي على العراق، وقد تخفي تحت الحجارة أجساماً متفجرة يمكن أن تنهي حياة طفل في لحظة.
وفي محاولة للعثور على أشياء يمكن بيعها، يتنقل بعض الأطفال بين أكوام الركام بحثاً عما يمكن أن تكون له قيمة. يبحثون أيضاً عن الأعلام البيضاء التي تشير إلى المباني والمناطق التي جرى تطهيرها من الألغام، ثم يحفرون بين الأنقاض بحثاً عن قطع معدنية أو أشياء أخرى يمكن إعادة بيعها. غير أن الحاجة إلى المال تدفع بعضهم أحياناً إلى تجاوز المناطق الآمنة والدخول إلى أماكن لم تُطهّر بعد، حيث يمكن أن تكون الذخائر مخبأة تحت أقدامهم.
وتتحدث يقين، البالغة من العمر 11 عاماً، عن الأماكن التي يعرف الأطفال أنها خطرة، قائلة إن بعض المناطق لا يُسمح لهم باللعب فيها بسبب وجود الألغام. وبينما تتذكر حياتها قبل العدوان الإرهابي على العراق، تستعيد صورة مختلفة تماماً للموصل؛ متجر عائلتها، وأصدقاؤها، والأيام التي كان اللعب فيها لا يحمل خوفاً من جسم غريب مدفون تحت التراب.
لكن المدينة التي عادت إليها العائلات بعد سنوات من الدمار لا تزال تحمل في أرضها آثار ما جرى. فالقنابل اليدوية والقذائف والصواريخ والذخائر غير المنفجرة لم تختفِ مع توقف المعارك، بل بقي بعضها مختبئاً داخل المنازل المهدمة وتحت الركام وفي الطرقات.
هذا ما يجعل المخلفات الحربية أكثر من مشكلة أمنية. إنها مشكلة تتسلل إلى الطفولة نفسها؛ إلى المدرسة، والشارع، والملعب، والطريق المؤدي إلى المنزل.
هنا لا تبدو المخلفات الحربية مجرد بقايا معدنية من معركة قديمة؛ إنها تتحول إلى جزء من المشهد اليومي. فالطفل الذي يركض خلف الكرة لا يرى فيها خطراً، والعائلة التي تدخل منزلها لا تستطيع أن تعرف ما إذا كان الركام يخفي قذيفة أو عبوة أو شيئاً آخر قد ينفجر بمجرد لمسه.
وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن أكثر من 519 طفلاً في العراق قُتلوا أو أُصيبوا بسبب الذخائر المتفجرة خلال الفترة 2017–2022، وفق بيانات اليونيسف التي أوردتها اللجنة.