أي معنى للحياة في غزة بعد كل هذا الخراب.. شهادة من قلب المأساة
الحياة في غزة، رغم الخراب والموت، هي تمسّكٌ بالإنسانية والكرامة والأمل، ومحاولةٌ لحفظ الذاكرة ومنع الموت من أن يكون الكلمة الأخيرة.
-
أي معنى للحياة في غزة بعد كل هذا الخراب.. شهادة من قلب المأساة
أحياناً وأنا أمشي في غزة أشعر أنني لا أمشي في مدينة، بل في ذاكرة مدينة. أمشي بين ما تبقى من الشوارع، فأتعثر بأسماء الأماكن أكثر مما أتعثر بالحجارة. هنا كان بيت، وهناك مدرسة، وفي ذلك الركن كان بائع قهوة يعرف وجوه المارة، وعلى الرصيف المقابل كان أطفال يتسابقون إلى بائع الحلوى. الآن صار لكل مكان تعريف آخر.. هنا سقطت عائلة، هنا اختفى شارع، هنا كانت حياة كاملة. بعد كل هذا الخراب يبدو السؤال عن معنى الحياة في غزة سؤالاً قاسياً، وربما غير عادل. كيف يمكن للإنسان أن يسأل عن الحياة وهو يرى كل يوم ما يكفي من الموت كي يفقد اللغة نفسها؟!
أنا صحفي عشت هذه الحرب من داخلها. لم أشاهد غزة من نافذة بعيدة، ولم أعرفها من خلال صور وكالات الأنباء. عشت ارتجافها، ومشيت في طرقاتها المهدمة، ونقلت أخبار قتلاها، وحملت وجوه أطفالها في ذاكرتي، ووقفت أمام أمهات لم يعد لديهن ما يقلنه سوى أسماء أبنائهن. رأيت الحرب وهي لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تحاول أن تمحو المكان الذي كان يمكن أن يتذكره.
الخراب في غزة لم يعد مجرد مشهد، إنما صار طريقة للعيش. صار الإنسان يستيقظ على سؤال: ماذا بقي؟ ثم ينام على سؤال آخر: ماذا يمكن أن نخسر غداً؟ حتى الأشياء الصغيرة التي كانت تمنح الحياة معناها الطبيعي تبدلت. كوب الشاي لم يعد مجرد كوب شاي، هو لحظة نادرة يجلس فيها الأب إلى جوار أطفاله دون أن ينظر إلى السماء. النوم لم يعد راحة، صار هدنة بين خوفين. الطريق إلى السوق ليس طريقاً عادياً، هو رحلة قصيرة في مدينة لا يعرف أحد أي زاوية منها ستظل قائمة. والبيت لم يعد جدراناً وسقفاً، صار أمنية. لقد تغيرت مقاييس الحياة كلها. في غزة يصبح العثور على ماء نظيف إنجازاً، والحصول على وجبة ساخنة مناسبة، وعودة طفل إلى أمه، ومرور ليلة كاملة دون انفجار، أحداثاً تستحق أن يحتفل بها الإنسان في داخله بصمت.
لكن أكثر ما فعلته الحرب قسوة أنها جعلت الناس يعتادون ما لا ينبغي للإنسان أن يعتاده.. أن يعتاد الطفل صوت الطائرات، وأن تعرف الأم كيف تميز بين أنواع الانفجارات، وأن يعرف الأب الطريق إلى المستشفى لا لأن أحد أبنائه مريض، بل لأنه يخشى أن يحتاج إليه فجأة، وأن يصبح الحديث عن الموت جزءاً من أحاديث المساء مثل الحديث عن الطقس والأسعار؛ هذه ليست حياة بالمعنى الذي عرفناه. إنها محاولة طويلة لتأجيل الموت. ومع ذلك، ثمة شيء عصي على الفهم بقي في غزة: الحياة نفسها. رأيت امرأة تكنس أمام خيمتها رغم أن الأرض كلها تبدو وكأنها فقدت شكلها، ورأيت أباً يشتري شيئاً صغيراً لطفله كأنه يريد أن يقول له إن العالم لم ينته بعد، ورأيت أطفالاً يركضون خلف كرة بين الركام في مشهد كان يمكن أن يكون عادياً في أي مدينة، لولا أن خلفهم بيوتاً سويت بالأرض.
في تلك اللحظات كنت أسأل نفسي: هل هذه هي مقاومة الحياة؟ ثم أتراجع عن السؤال، لأن الناس هنا لا يستيقظون كل صباح كي يقدموا درساً للعالم عن الصمود. هم فقط يريدون أن يعيشوا. وهذه ربما هي أكثر الحقائق إيلاماً. غزة لا تطلب بطولة. غزة تريد أشياء شديدة البساطة: بيتاً لا يسقط، مدرسة لا تتحول إلى مأوى، مستشفى لا ينقصه الدواء، طريقاً لا يخاف فيه الأب على أبنائه، وأماً تستطيع أن تنام وهي مطمئنة أن أطفالها سيكونون إلى جوارها في الصباح. لكن العالم كثيراً ما نظر إلى غزة باعتبارها قصة سياسية، أو رقماً في نشرة أخبار، أو خريطة تتغير خطوطها، أو ملفاً على طاولة المفاوضات. أما الذين يعيشون هنا فيعرفون أن غزة ليست كل ذلك. غزة أم تنتظر، وأب يبحث، وطفل يكبر قبل أوانه، وامرأة تحفظ أسماء الذين رحلوا كي لا يصبح موتهم نسياناً، وصحفي يحاول أن يكتب وهو يعرف أن الكلمات، مهما بلغت من القوة، ستظل عاجزة عن حمل ثقل ما رأته عيناه. وأنا، بعد كل ما رأيت، لم أعد أعرف إن كنت أنقل أخبار غزة أم أنقل شيئاً مني إليها. كل وجه صورته ترك في داخلي أثراً، كل جنازة غطت شيئاً من قدرتي على الدهشة، كل بيت دخلته بعد قصفه جعل فكرة البيت نفسها أكثر هشاشة، وكل طفل التقيته جعلني أفكر طويلاً في معنى أن يولد الإنسان في المكان الخطأ من التاريخ.
أحياناً أشعر أن الحرب لم تقتل الناس الذين رحلوا فقط، إنما أخذت شيئاً من الذين بقوا. أخذت من أعمارهم سنوات لا يمكن استعادتها، ومن ذاكرتهم صوراً لا يريدونها، ومن قلوبهم قدرة قديمة على الفرح، ومن أحلامهم ذلك اليقين البسيط بأن الغد يشبه الغد.
ومع ذلك، حين أعود إلى الشارع أجد الحياة تتسلل من بين الشقوق: رائحة خبز، وضحكة طفل، وصوت بائع ينادي على بضاعته، وامرأة تغسل ثوباً عند باب خيمتها، ورجل يصلح شيئاً مكسوراً رغم أن كل شيء حوله يبدو مكسوراً. كأن غزة وهي تحتضر لا تزال تتمسك بتفاصيل الحياة الأخيرة، لا لأنها لا تعرف حجم موتها، إنما لأنها تعرف أن الإنسان إذا تخلى عن التفاصيل الصغيرة فلن يبقى له شيء يقاوم به الغياب.
ربما لهذا لم تعد الحياة في غزة بالنسبة إليّ سؤالاً عن المستقبل. صارت سؤالاً عن القدرة على الاحتفاظ بالإنسان في داخل الإنسان: أن تبقى قادراً على الحنان بعد كل هذا القتل، وأن تستطيع أن تحضن طفلك دون أن تفكر في احتمال فقده، وأن تفرح لشيء صغير دون أن تشعر بالخيانة تجاه الذين رحلوا، وأن تذكر أسماء الموتى لا لكي تبقى عالقاً في الموت، بل لكي تمنع الموت من أن يكون الكلمة الأخيرة.
أنا لا أعرف إن كانت غزة ستتعافى، ولا أعرف كم بيتاً سيعود، ولا كم شارعاً سيستعيد ملامحه، ولا كم سنة يحتاجها الأطفال كي يتعلموا أن السماء ليست دائماً مصدراً للخوف. لكنني أعرف شيئاً واحداً تعلمته هنا: أن الحياة ليست دائماً نقيض الموت. أحياناً تكون الحياة هي أن تحمل موتك وتمضي، أن تستيقظ رغم أنك لم تنم، وأن تبحث عن الخبز وسط الركام، وأن تفتح نافذة على مدينة بلا نوافذ، وأن تكتب عن الذين لم يعد بإمكانهم الكتابة، وأن تظل، رغم كل شيء، قادراً على أن تقول: كان هنا إنسان. ربما لهذا أكتب، ليس لأقول إن غزة بخير، فهي ليست بخير، وليس لأجمل الخراب بكلمات عن الصمود والأمل، فثمة جراح أكبر من أن تغطى باللغة. أكتب فقط كي لا يصبح كل هذا الموت رقماً.
كي يبقى للذين رحلوا وجه، وللذين بقوا صوت، وللأماكن التي دمرت ذاكرة. أكتب لأنني أخشى أن يأتي يوم ينظر فيه العالم إلى صور غزة القديمة والجديدة، ثم يغلق الصفحة ويمضي. أما نحن الذين عشنا هنا فسنظل نحمل غزة في أجسادنا. سنحملها في الخوف الذي لا ينام، وفي الأصوات التي لا تزال تسكن الذاكرة، وفي الأسماء التي ننطقها ثم نصمت، وفي ذلك الفراغ الهائل الذي تركه الذين كانوا هنا ثم صاروا غياباً.. أي معنى للحياة في غزة بعد كل هذا الخراب؟ ربما لا أملك إجابة، وربما لا يملكها أحد. لكنني كلما رأيت طفلاً يركض بين الركام أدرك أن السؤال نفسه لم يمت بعد، وهذا، في مدينة حاول الموت أن يبتلعها كاملة، قد يكون آخر ما تبقى من معنى الحياة.