من الحاضنة إلى الخيمة.. كيف يُدفع أطفال غزة إلى حافة الموت؟
في غزة، لا تنتهي الحرب عند صمت القذائف، بل تبدأ حين يُطفأ الوقود داخل الحضانات. هناك يُستكمل القتل ببطء شديد: طفل يتنفس بصعوبة، وآخر يموت جوعاً، وثالث يُمنع من السفر. إنها جريمة مركبة، تُرتكب بأدوات الحرمان داخل مستشفيات لم يعد فيها ما ينقذ الحياة.
-
أطفال حديثو الولادة بعد إخراجهم من الحاضنات بمستشفى الشفاء في أعقاب انقطاع التيار الكهربائي (رويترز)
في تقارير العدوان، يُختزل المشهد عادةً في هدير الطائرات وانفجار القذائف، لكن ما يجري في مستشفيات قطاع غزة اليوم يفوق هذا كله فداحة.
هناك موتٌ لا يُوثَّق بكاميرات القنابل، بل يئن في صمتٍ داخل حضاناتٍ فقدت كهرباءها، وعلى أسِرّةٍ تتقاسمها أجسادٌ لم يكتمل نموها بعد.
لم تعد القضية قصفاً مباشراً فحسب، بل تحوّلت إلى منظومة حرمانٍ ممنهج تُكمل ما بدأته الآلة العسكرية. المولود الذي يفتح عينيه على الدنيا في غزة لا يواجه فقط صوت الانفجارات، بل يواجه حصاراً يمنع عنه الأكسجين، والحليب، والدواء، والكهرباء. إنه قتلٌ يُستكمل داخل المستشفيات، ببطءٍ محسوب، وبأدواتٍ تُدار من بعيد.
انهيار البنية التحتية الصحية
قبل الحرب، كان قطاع غزة يضم أكثر من 110 حضاناتٍ للأطفال موزّعة على مستشفياته، وكانت هذه الحضانات تمثل خط الدفاع الأول لحياة الخدّج وحديثي الولادة.
أما اليوم، فقد تحوّل هذا الرقم إلى ذكرى. بعد أن دمّر الإحتلال معظم المرافق الصحية وأخرجتها عن الخدمة، لم يتبقَّ سوى عددٍ محدود جدًا من الحضانات العاملة، وفي مقدمتها مجمع ناصر الطبي في خان يونس، الذي بات يتحمّل وحده عبء القطاع بأكمله.
الأطباء هناك لا يتحدثون عن أرقام، بل عن مشاهد تُدمي القلوب: 3 أطفال خدّج يتقاسمون سريراً واحداً، بينما يُوضع آخرون على الأرض أو على أغطيةٍ في الممرات، في انتظار دورٍ قد لا يأتي.
الطبيب أحمد الفرا، رئيس مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، يكشف عن تحوّلٍ بنيوي في طبيعة هذه الحرب، فقبل العدوان كانت نسبة الولادات الخدّج في القطاع لا تتجاوز 20%.
أما اليوم فقد قفزت إلى ما يقارب 60%. هذا الرقم ليس فقط إحصائية، بل هو مؤشر على أن الأجنة أنفسهم صاروا ضحايا لهذا العدوان قبل أن يولدوا.
سوء تغذية الأمهات، والقلق المزمن، وانعدام الرعاية الصحية أثناء الحمل، كلها عوامل تدفع بالولادة المبكرة إلى مستويات غير مسبوقة، لتجد هذه الأجساد الهشّة نفسها في عالمٍ لا يملك حتى المقومات البدائية لاستقبالها.
قبل الحرب، كان هناك مستشفى مثل حضانة الإماراتي والأوروبي والشفاء والرنتيسي. كان هناك مستشفى يمكن أن يؤدي دوراً في تخفيف وتوزيع الحمل على مستوى القطاع. لكن الآن نرى أن أغلب الحالات، وأغلبها حالات خطيرة، تأتي على مستشفى ناصر. وهذا يبين كم الضغط لدينا على مستشفى ناصر، وكم العجز لدينا في إمكانية تقديم الخدمة الصحية للأطفال في المستشفى. لا يوجد علاج كافٍ للأطفال.
هذه الشهادة التي يرويها أحد الأطباء في مستشفى ناصر الطبي للميادين تكشف حجم الانهيار. ما كان يُوزَّع سابقاً على خمسة مستشفيات كبرى، أصبح اليوم محصوراً في نقطة واحدة تحت وطأة تدمير الاحتلال لمعظم المستشفيات بما فيها من حضانات أطفال. النتيجة واضحة: تكدس غير مسبوق، وعجز في تقديم أدنى مستويات الرعاية، وتحوّل الطواقم الطبية إلى شهود على موت كان يمكن منعه.
أطفال غزة حديثو الولادة في مرمى الموت في ظل الحصار الإسرائيلي.
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 13, 2026
تقرير: أكرم دلول #الميادين pic.twitter.com/CTGin2fbw2
شهادات من قلب المأساة
تقول إحدى الأمهات للميادين بأن "بنت ابنها وُلدت من هنا. كان هناك عدد من الحضانات، ولكن لا يوجد علاج كافٍ للأطفال. والدتها ماتت. كانت هناك حضانات، ولكنها كانت في وضع أفضل من غيرها. وهذه الابنة لم يُسمح لها بالسفر. لو كان هناك علاج كافٍ لنا، لما حدث أي شيء".
قرابة 5500 طفل ولدوا في غزة خلال الشهر الماضي. المئات منهم يعانون من مشاكل صحية ويحتاجون إلى الرعاية الطبية. لكن تدمير الإحتلال لمعظم المستشفيات، بما فيها من حضانات أطفال، دفع الطواقم الطبية هنا للجوء إلى خيارات صعبة، لعل أبرزها تسريح العشرات من الأطفال الرضع والخدج للعلاج في خيام نزوحهم، في ظل هذا التكدس الحاصل.
هذا الرقم وحده يكفي لوصف الكارثة. 5500 مولود في شهر واحد، أي ما يعادل 180 طفلًا يوميًا، يولدون في قطاع لم يعد يملك بنية صحية قادرة على استقبالهم. المئات منهم بحاجة إلى رعاية خاصة، لكن ما يجدونه هو خيام نزوح باردة، وانعداماً تاماً للكهرباء والمياه النظيفة، وغياباً كاملاً لأبسط مقومات الرعاية الفائقة.
إن تسريح الأطفال الرضع والخدج للعلاج في خيام النزوح ليس قراراً طبياً، بل هو إعلان استسلام أمام عجز ممنهج فُرض عليهم بالقوة.
أزمة الوقود... الموت حين تُطفأ الكهرباء
يمكن القول إن معركة حياة الأطفال الخدّج في غزة تُخاض اليوم على جبهة واحدة: الوقود. فحضانات الأطفال وأجهزة التنفس الاصطناعي ومحطات الأكسجين لا تعمل إلا بالكهرباء، والكهرباء لا تأتي إلا بالوقود، والوقود لا يدخل إلى غزة. هذه المعادلة القاتلة هي ما يحوّل المستشفيات من ملاذٍ للشفاء إلى غرف انتظار للموت.
الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، يحذّر من أن أزمة الوقود تمثل التهديد الأكبر، إذ لم يتبقَّ سوى مخزون يكفي 48 ساعة فقط لتشغيل الأقسام الحيوية، مؤكداً أن توقف الكهرباء عن الحضانات وأجهزة التنفس والعناية المركزة يعني "موتاً جماعياً للمرضى والأطفال الخدج".
منظمة الصحة العالمية بدورها أعلنت أن إمدادات السولار توقفت عن أكثر من عشرين مستشفى ومركزاً صحياً بسبب نقص التمويل، محذّرةً من أن هذا التوقف لا يعني انطفاء المولدات فحسب، بل توقف غرف العمليات والعناية المركزة، وتعطّل أجهزة التنفس ومحطات الأكسجين، وتهديد حياة الأطفال في الحضانات.
ما يحدث ليس أزمة إمدادات هامشية. منذ أكثر من 120 يوماً، لم يدخل أي وقود إلى غزة في فتراتٍ متعددة، وقد وُصفت محاولات استرجاع مخزونات الوقود من مناطق الإخلاء بأنها "رُفضت". في هذا السياق، يصف الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الشفاء، الوضع قائلاً إن الأطباء "مضطرون لوضع أربعة أو خمسة أو ثلاثة أطفال خدج في حضانة واحدة"، بينما يلخص البرش المشهد بعبارة لا تحتاج شرحاً: "التهديد ليس قذيفة ولا صاروخاً، بل حصار يمنع دخول الوقود ليحرم هؤلاء من حقهم في العلاج ويحول المستشفى إلى مقبرة صامتة".
نقص الحاضنات والأجهزة... الطب حين يعجز عن إنقاذ من يمكن إنقاذه
في ظل نقص الوقود، تعمل الحاضنات المتبقية بأقل من طاقتها، وكثيراً ما تتعطل أجهزة التنفس الاصطناعي لانقطاع التيار. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد الحاضنات في شمال غزة انخفض من 110 قبل الحرب إلى نحو 40 فقط، وأن نصف مستشفيات القطاع الـ 36 باتت متوقفة عن العمل بشكل كامل أو جزئي.
الطواقم الطبية في مجمع ناصر تتعامل مع هذه الأزمة وفق نظام "الأولوية"، حيث تُعطى الأكسجين وأجهزة التنفس للأطفال الذين لديهم فرصة أكبر للبقاء، بينما يُترك آخرون لمصيرهم.
هذه المفارقة القاتلة تعني أن الطبيب الذي دَرَسَ ليُنقذ الحياة، يجد نفسه مضطراً لاختيار من سيعيش ومن سيموت، ليس بسبب خطأ طبي، بل لأن العالم قرر أن يمنع عنه أدوات الإنقاذ. وفي ظل هذه الظروف، يصف تقرير لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن "الأطفال الخدج في غزة يولدون بتغيرات جينية غير مسبوقة"، في إشارة إلى أن هذه الحرب لا تكتفي بقتل الأحياء، بل تُغيّر في التركيبة البيولوجية للأجيال القادمة.
سوء التغذية... القتل الذي يبدأ قبل الولادة
الحرب على أطفال غزة لا تبدأ يوم ولادتهم، بل تمتد إلى أرحام أمهاتهم. منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وثّقت أن ما لا يقل عن 165 طفلًا لقوا حتفهم "وفيات مؤلمة كان يمكن منعها" مرتبطة بسوء التغذية خلال الحرب. لكن الأخطر هو التحوّل النوعي في طبيعة هذه الوفيات: فقبل الحرب، كان نحو 5% فقط من المواليد يُولدون بوزن أقل من 2.5 كيلوغرام، أما في النصف الأول من عام 2025 فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 10%، لتقفز بعدها إلى ما يقارب 460 طفلاً شهرياً يُولدون بوزنٍ منخفض خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر من العام نفسه.
هذه الأرقام تحمل في طياتها دلالة عميقة: إن انخفاض وزن المولود بنحو كيلوغرام واحد، بذلك فإن الطفل يصبح "أكثر عرضة للوفاة بنحو 20 ضعفًا مقارنة بالأطفال ذوي الوزن الطبيعي". الأسباب واضحة ومباشرة: سوء تغذية الأمهات الحوامل، والقلق النفسي المزمن الناجم عن القصف والنزوح، وانعدام الرعاية الصحية قبل الولادة.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر وحده، تم إدخال 8,300 امرأة حامل ومرضعة لتلقي علاج سوء التغذية الحاد، أي ما يعادل 270 امرأة يومياً، في مكانٍ لم يكن يسجّل أي حالات سوء تغذية ملحوظة بين هذه الفئة قبل أكتوبر 2023.
حرمان من العلاج خارج غزة... النزوح حين يصبح حكمًا بالإعدام
لم تقتصر سياسة القتل البطيء على ما يجري داخل أسوار المستشفيات. فمن بين آلاف الحالات الحرجة التي تتطلب علاجاً خارج القطاع، يُمنع الاحتلال سفر المرضى والجرحى بحجج أمنية. في المستشفى، تكرر أمٌّ مشهد فقدان ابنتها وهي تروي للميادين كيف "لم يُسمح لها بالسفر"، مضيفة أنه "لو كان هناك علاج كافٍ لنا، لما حدث أي شيء".
مئات الأطفال الرضع الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية عاجلة أو رعاية متخصصة غير متوفرة في غزة، يجدون أنفسهم محاصرين بين جدران مستشفى مهدّم، وبين معبرٍ مغلق لا يفتح إلا بموافقاتٍ لا تأتي.
في هذا السياق، يكشف الدكتور منير البرش عن أن نحو 22 ألف مريض بحاجة ماسة للسفر من أجل العلاج خارج قطاع غزة، مطالبًا بفتح المعابر بشكل عاجل. لكن ما يحدث فعليًا هو أن المعابر تُستخدم كورقة ضغط سياسية، وأن حق العلاج الذي يكفله القانون الدولي الإنساني يُصادر بذريعة "التنسيق الأمني". النتيجة؟ أطفال يموتون ليس فقط بسبب القصف أو نقص الإمكانات، بل لأنهم لم يُسمح لهم بمغادرة مكانٍ تحوّل إلى مقبرة جماعية مفتوحة.
القتل الذي لا يُسمع دويه
ما يجري في غزة اليوم هو أكثر من جريمة حرب بالمعنى التقليدي. إنه استكمال للقتل بعد توقّف القصف، واستثمار للحرمان كورقة ضغط دائمة. كل طفل يموت في حضانةٍ لا كهرباء فيها، وكل رضيع يموت جوعًا في خيمة نزوح، وكل امرأة تفقد جنينها بسبب سوء التغذية، هؤلاء جميعًا لم تقتلهم القنابل، بل قتلتهم قرارات سياسية تُتخذ على طاولاتٍ بعيدة.
"12 من الأطفال الخدج محاصرون في مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع #غزة"
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) December 16, 2023
مراسل #الميادين أكرم دلول #فلسطين #الثورة_الكبرى pic.twitter.com/pTxR5JDBpK
يقول الدكتور البرش إن منع إدخال الأدوية والوقود والكلور وقطع الغيار "يمثل أداة لخنق الحياة، فيما يشكل تعطيل المستشفيات وشبكات المياه وخدمات الإسعاف قتلاً بطيئاً ومنهجياً". هذه ليست مبالغة، بل هي وصف دقيق لآلية عملٍ تحوّل البنية التحتية المدنية إلى سلاح. المستشفى بلا وقود مبنى مظلم، والجهاز الطبي بلا كهرباء قطعة جامدة، والمريض الذي يفقد علاجه لا يملك وقتًا لانتظار التمويل.
الوقف الحقيقي لإطلاق النار لا يمكن أن يكون فقط صمتٍ للبنادق. إنه يعني فتح المعابر، وضمان استمرار توريد الوقود والزيوت بالكميات الكافية، وحماية المدنيين، وتمكين غزة من التعافي. أما ما دام الوقود محاصراً والحليب ممنوعاً وقطع غيار الحاضنات محتجزة على المعابر، فإن القتل مستمر. ليس بصوتٍ عالٍ، بل بصمتٍ مريع، داخل غرفةٍ مظلمة، على سريرٍ يتقاسمه ثلاثة أطفال لم يروا من الدنيا سوى وجه الحرب.
اقرأ أيضاً: بعد عامين من الغياب القسري: "خدج غزة" يعودون إلى أحضان عائلاتهم