لا دواء.. لا سفر.. لا نجاة: هكذا يعيش مرضى وجرحى غزة
بين ركام المستشفيات المدمرة وممراتها المزدحمة بالجرحى، يروي كل مريض وجريح حكاية ألم تتجاوز حدود الجسد، حكاية إنسان حُرم من أبسط حقوقه: الحق في الحياة، والحق في العلاج، والحق في الموت الكريم. ففي غزة حيث يموت الناس كل يوم وهم ينتظرون تصريح سفر أو جرعة دواء
-
ما يفعله العدو في قطاع غزة ليس فقط أزمة إنسانية هامشية، بل هي كارثة صحية ممنهجة
في مشافي غزة، حيث لا يزال دخان العدوان يتصاعد من فوق ركام لم يُرفع بعد، يقبع آلاف الجرحى والمرضى في مشهد لا يقل فداحة عن مشاهد القصف ذاتها.
إنها صورة جرح نازف لا يضاهيه أي جرح، لآلاف الأرواح المعلقة بين الحياة والموت، في انتظار دواء لا يأتي، أو تصريح سفر لا يُمنح، أو عملية جراحية باتت حلماً بعيد المنال.
فما إن تسكت أصوات أزيز الطائرات، حتى يبدأ صوت الأنين، صوتٌ لا تسمعه الكاميرات ولا تنقله النشرات الإخبارية بالشكل الكافي. بين ركام المستشفيات المدمرة وممراتها المزدحمة بالجرحى، يروي كل مريض وجريح حكاية ألم تتجاوز حدود الجسد، حكاية إنسان حُرم من أبسط حقوقه: الحق في الحياة، والحق في العلاج، والحق في الموت الكريم.
هذا المشهد الكارثي الذي يخيم على ما تبقى من مشافي غزة، لا ينفصل، في إجماع الكثيرين، عن مشهد حرب الإبادة الذي يواصله الاحتلال الإسرائيلي بأدوات وطرق مختلفة. فما لا يقل عن 15 ألف جريح ومريض تنعدم أدنى مقومات علاجهم، والبعض هنا يموت يومياً، رغم ما يُسمى باتفاق وقف إطلاق النار، الذي لم يغيّر من واقع هؤلاء شيئاً.
وفي خضم هذه المأساة، يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحاً: هل تحمل جراح غزة ما هو أخطر من الشظايا؟ هل تخفي الذخائر المستخدمة أسلحة غير تقليدية تترك آثاراً مميتة في أجساد الضحايا؟
انهيار المنظومة الصحية.. أرقام تتحدث عن كارثة
لا يمكن فهم حجم المأساة الصحية في غزة دون النظر إلى الأرقام التي ترسم صورة صادمة لواقع القطاع الصحي. فوفقاً لأحدث معطيات وزارة الصحة، لا يعمل سوى 19 مستشفى من أصل 38 في عموم القطاع، بينها 4 مستشفيات حكومية فقط تعمل بظروف استثنائية ومعقدة.
وزارة الصحة في غزة:
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 5, 2026
⭕وصول 17 شهيداً (من بينهم 11 جرى انتشالهم وشهيد متأثراً بجراحه) و27 إصابة إلى مستشفيات القطاع خلال الـ 48 ساعة الماضية#الميادين pic.twitter.com/CJbeK1f7YD
وقد خرجت مستشفيات كبرى عن الخدمة بالكامل، من بينها المستشفى الإندونيسي، ومستشفى أبو يوسف النجار، والمستشفى الأوروبي، ومستشفى بيت حانون، ومستشفى الدرة، ما أدى إلى تراجع الطاقة الاستيعابية بنحو 40% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
لكن الأرقام لا تتوقف عند عدد المستشفيات. ففي تصريح مؤلم لمدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، كشف أن نحو 53% من الأدوية الأساسية رصيدها صفر، فيما تجاوزت نسبة نقص المستهلكات الطبية 59%.
بدوره، أشار مدير مجمع الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، إلى أن حوالى 50% من الأدوية الأساسية و70% من المستلزمات الطبية لم تعد متوفرة، مع استنزاف 86% من المواد المخبرية، مما تسبب في شلل شبه كامل في قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الصحية.
-
يلحظ الأطباء تكرار حالات تعاني من تأخر شديد في التئام الجروح (من صفحة د. منير البرش)
وفي تفاصيل أكثر إيلاماً، تعاني المستشفيات عجزاً في تشغيل أجهزة غسيل الكلى بسبب منع إدخال مادة "بيكربونات الصوديوم"، فيما حُرم أكثر من 11 ألف مريض سرطان من العلاج الكيماوي والإشعاعي. وتوقف نحو 70% من سيارات الإسعاف عن العمل نتيجة نقص قطع الغيار والزيوت والإطارات، بينما لا يعمل سوى 25% من أجهزة التصوير والتشخيص في جميع أنحاء القطاع. هذه الأرقام ليست فقط إحصاءات باردة؛ إنها تمثل حياة بشرية تنزف كل يوم تحت وطأة حصار خانق يعزله العالم.
ويحذر الدكتور بسام زقوت، مدير الإغاثة الطبية الفلسطينية، من أن القطاع الصحي يواجه مرحلة كارثية تهدد بانهياره الكامل، نتيجة التدمير الواسع للمنشآت الصحية، والاستهداف الممنهج للكوادر الطبية، إلى جانب الحصار "الإسرائيلي" الذي يمنع إدخال الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية.
الموت في انتظار تصريح.. معاناة الإجلاء الطبي
لكن الأكثر إيلاماً من نقص الأدوية والمستشفيات، هو حرمان آلاف المرضى والجرحى من حقهم في السفر لتلقي العلاج خارج القطاع. فالاحتلال لم يكتفِ بمنع معظم الأدوية عن هؤلاء، بل يواصل أيضاً حرمانهم من السفر إلى الخارج لتلقي العلاج اللازم لإنقاذ حياتهم. وكما يقول أحد الجرحى للميادين: "أنا أملك تحويلاً طبياً، لكني لم أستطع السفر. لا يوجد من يستطيع السفر، أنا عالق في البلد. أموت كل يوم 1000 مرة".
"فش النا علاج بغزة ؛ وين الضمير الحي افتحوا المعبر"..
— فلسطين بوست (@PalpostN) September 6, 2026
صرخة الجرحى والمبتورين وأصحاب التحويلات الطبية خلال وقفتهم الأسبوعية في غـ'زة، للمطالبة بفتح المعبر وتمكينهم من السفر لتلقي العلاج. pic.twitter.com/NOCCzHKNr8
وتؤكد وزارة الصحة في غزة أن أكثر من 17 ألف مريض حاصلين على تحويلات طبية للعلاج خارج القطاع لا يزالون بانتظار السماح لهم بالسفر، في وقت تعجز فيه المرافق الصحية المحلية عن توفير العديد من الخدمات الطبية التخصصية. ووفقاً لتقديرات أخرى، فإن العدد تجاوز 21 ألف مريض وجريح مدرجين على قوائم الإخلاء للعلاج خارج القطاع.
وصول 17 شهيداً إلى مستشفيات قطاع غزة خلال 48 ساعة الماضية، وارتفاع حصيلة العدوان إلى 73,651 شهيداً.https://t.co/KHgDvCzoce
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 5, 2026
والأرقام هنا لا تقل فداحة: فقد أعلن وكيل وزارة الصحة في غزة، الدكتور ماهر شامية، أن أكثر من 1500 مريض توفوا نتيجة عدم تمكنهم من الحصول على العلاج خارج قطاع غزة. وكشفت وزارة الصحة أن ما بين 6 إلى 10 مرضى يفارقون الحياة يومياً أثناء انتظارهم السفر للعلاج بالخارج، وأن 1268 مريضاً توفوا وهم ينتظرون السماح لهم بالسفر. ومن بين هؤلاء، 440 حالة تصنف كحالات إنقاذ حياة، و4500 من الحالات التي لديها تحويلات للعلاج بالخارج من الأطفال.
أكثر من ألف كادر
— ساحات 🇵🇸 (@Sa7atPl) August 31, 2026
حرب الإبادة الشرسة طالت القطاع الطبي كما هو معلوم، وبحسب وزارة الصحة فقد تجاوز عدد الشهداء من الكوادر الطبية 1000 طبيب وممرض ومسعف وعامل منذ بدء الحرب قبل 3 سنوات pic.twitter.com/5NEmwaVxX9
ويقف سفيان عيادة (48 عاماً) شاهداً آخر على هذه المأساة، رجلٌ حملَ في جسده ورم السرطان سنوات، وكانت رحلة العلاج الكيميائي شريان حياته الوحيد، قبل أن تقطعها الحرب بغدرها. توقفت الجرعات، وتلاشت الآمال، وأصبح جسده ساحةً يتنازعها المرض والحصار، بينما المعابر موصدة في وجهه، وكأن حياته كلها رهنُ تصريحٍ لا يأتي.
يقول عيادة بصوت يخنقه الألم: "أشعر أني أُترك لأواجه الموت بصمت، فقط لأنني أعيش في غزة". كلماتٌ تخترق الصمت، وتفضح بشاعة ما يحدث، حيث لا يطلب الرجل سوى حقه في الحياة، في السفر لاستكمال علاج قد يكون فرصته الأخيرة.
لكن إغلاق المعابر لا يمنع الأدوية فقط، بل يمنع الأمل نفسه، وكل يوم يمضي في الانتظار هو يومٌ يُسرق من عمره، في معركة لا يحتمل فيها التأخير.
يقول أحد الجرحى للميادين: "نحن نعاني حتى اليوم، لا توجد مسكنات ولا علاج بغزة، والوضع الصحي صعب جداً. نحن نموت هنا".
كارثة صحية غير مسبوقة يعيشها الجرحى والمرضى في #غزة في ظل الحصار الإسرائيلي.
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 2, 2026
تقرير: أكرم دلول #الميادين pic.twitter.com/UJBLUg2IFj
ورغم الجهود الدولية، تظل عمليات الإجلاء الطبي محدودة جداً مقارنة بحجم المعاناة. فقد ذكر الناطق باسم منظمة الصحة العالمية أنه تم إجلاء 12,913 مريضاً من غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينهم 6,186 طفلاً.
لكن هذا الرقم، الذي يبدو كبيراً، لا يمثل سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الهائلة. إذ تؤكد المنظمة أن أكثر من 18,500 جريح ومريض مزمن يحتاجون حالياً إلى علاج طبي غير متوفر في غزة وهم في انتظار الإجلاء الطبي. ويشير الدكتور زاهر الوحيدي، مدير دائرة المعلومات بوزارة الصحة، إلى أنهم بحاجة إلى إجلاء ما لا يقل عن 200 إلى 400 مريض يومياً لإنهاء أزمة المرضى والجرحى.
"كنتُ في مدينة غزة أمس عندما أدت غارة جوية على مقربة شديدة منا إلى مقتل عدة أشخاص، ونحن اليوم نواجه وضعا متوترا للغاية.
— أخبار الأمم المتحدة (@UNNewsArabic) September 1, 2026
نقل المياه بالشاحنات يتم عادة بعد الكوارث والأزمات مباشرة، من غير المقبول أن تظل هذه الشاحنات شريان الحياة الذي يعتمد عليه معظم الناس".
- منظمة الصحة العالمية pic.twitter.com/Ahatz1YZRg
واللافت أن عمليات الإجلاء تُجرى 3 إلى 4 مرات أسبوعياً فقط، فيما يسمح الاحتلال بإجلاء ما لا يزيد عن 24 مريضاً مع مرافقيهم منذ فتح معبر رفح، وهو رقم وُصف بأنه "لا يُذكر".
جراح لا تلتئم.. هل تحمل الذخائر أسراراً مميتة؟
لكن أبعاد الكارثة تتجاوز نقص الأدوية وعراقيل السفر، لتصل إلى سؤال أكثر إثارة للقلق: هل تحمل جراح غزة ما هو أخطر من الشظايا؟ هذا السؤال طرحه بقوة مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، عندما كشف عن ملاحظات طبية مقلقة.
يقول البرش إن الأطباء والعاملين في القطاع الصحي يلاحظون تكرار حالات تعاني من تأخر شديد في التئام الجروح، والتهابات معقدة، وعدم الاستجابة للعلاجات المعتادة، إضافة إلى تدهور مفاجئ في الحالة الصحية لبعض المصابين بعد ظهور مؤشرات على تحسنهم، ما يؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة نتيجة مضاعفات خطيرة، من بينها تسمم الدم (Sepsis).
ويضيف البرش، أن هذه الملاحظات الميدانية، إلى جانب طبيعة بعض الإصابات الناتجة عن الأسلحة المستخدمة، تساؤلات طبية وإنسانية وقانونية مشروعة بشأن مكونات الذخائر وآثارها المحتملة بعيدة المدى على جسم الإنسان.
وقد طالبت وزارة الصحة بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تضم خبراء في الطب الشرعي والسموم والأسلحة والقانون الدولي، لفحص بقايا الذخائر وتحليل مكوناتها، ودراسة تأثيرها على المصابين.
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان:
— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) October 16, 2025
- مصدومون من حالة جثامين الفلسطينيين التي أفرجت عنها سلطات الاحتلال تستدعي تحقيقًا دوليًا عاجلًا، في ظل أدلة واضحة على تعرّضهم لتعذيبٍ وحشي.
- تُظهر الدلائل بوضوح تعرّض العديد من الضحايا لجرائم تعذيبٍ وتنكيلٍ وحشيٍ ومتعمّد، وأنّ عددًا منهم…
وتشير تقارير إلى استخدام أسلحة حرارية وثيرموبارية (قنابل الفراغ) في غزة، وهي أسلحة تنتج حرارة شديدة وموجات انفجار مستدامة يمكن أن تسبب إصابات داخلية خطيرة، بما في ذلك تمزق الرئتين وتلف الأعضاء الداخلية، حتى مع وجود جروح خارجية محدودة. وقد وثقت فرق الدفاع المدني في غزة اختفاء 2,842 فلسطينياً دون أن تترك لهم انفجارات هذه الأسلحة أي بقايا يمكن التعرف عليها سوى بقع دم أو شظايا صغيرة من الأنسجة. ويقول الخبراء إن هذه الظاهرة تُعزى إلى الاستخدام الممنهج لأسلحة حرارية وثيرموبارية محظورة دولياً.
صحفي في غزة: هذه ليست مجرد لقطة من فيلم. القنابل لا تزال تتساقط، والعائلات لا تزال تموت.
— I_Bashar_Ahmed 🇵🇸 (@Basharfaudahmed) September 6, 2026
أي «عملية لوقف إطلاق النار» تترك هذا الواقع قائمًا لا تكفي. غزة لا تحتاج إلى لجنة جديدة، بل إلى أن تتوقف القنابل.
لا تتجاهلوا الناس في المشهد. 🇵🇸💔 https://t.co/Y49F7IjfJT
وفي هذا السياق، يؤكد البرش أن "الحقيقة العلمية ليست ترفاً... بل قد تكون السبيل إلى إنقاذ حياة آلاف الجرحى، وتحقيق العدالة لمن فقدوا حياتهم بعد الإصابة". فمعاناة المصابين لا تنتهي عند لحظة الإصابة، بل تبدأ رحلة طويلة من الألم، تتفاقم بسبب انهيار المنظومة الصحية، ونقص الأدوية، ومنع أعداد كبيرة من المرضى والجرحى من السفر لتلقي العلاج.
كارثة إنسانية شاملة.. وباء ومجاعة وسوء تغذية
لا تقتصر المأساة على الجرحى والمرضى فقط، بل تمتد لتشمل جميع سكان القطاع الذين يعيشون في ظل أوضاع إنسانية وصحية كارثية. فمع تفشي الأمراض والأوبئة وسوء التغذية بين السكان، يحذر الدكتور بسام زقوت من أن المجاعة التي شهدها قطاع غزة صُنفت باعتبارها خامس مجاعة يشهدها العالم خلال القرن الأخير.
الاحتلال الإسرائيلي يوسّع وتيرة اعتداءاته على مناطق قطاع #غزة، وسط اتساع أزمة الجوع ونقص المياه وانتشار الأمراض بين النازحين.
— قناة الميادين (@AlMayadeenNews) September 4, 2026
مراسل الميادين في غزة، محمود العوضية#الميادين @MahmoudAwadia pic.twitter.com/VBX9lUfNTd
ويسجّل القطاع نحو 5000 إصابة أسبوعياً بمرض جدري الماء، مع تسجيل حالات إصابة بمرض السل، وارتفاع غير مسبوق في أعداد الإصابات بالسرطان خلال العامين الأخيرين. كما ارتفعت نسبة الإصابة بفقر الدم من نحو 20% قبل الحرب إلى ما بين 50 و60% حالياً. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70% من سكان القطاع حُرمت من الحصول على الخدمات الصحية بالشكل المطلوب.
#شاهد | الرضيع أسامة سحلول، ابن العشرين يوماً يعاني من مرض جدري الماء في ظل الظروف القاسية التي فرضها الاحتلال ومنع دخول العلاج، في وقت يواصل فيه العالم صمته أمام وجع أطفال غزة. pic.twitter.com/hzux4NmOzN
— المركز الفلسطيني للإعلام (@PalinfoAr) July 16, 2026
ويصف الدكتور منير البرش ما يجري في غزة بأنه "ليس أزمة أكسجين أو مياه فقط، بل انهيار كامل لمقومات الحياة". ويؤكد أن استمرار القيود على وصول الاحتياجات الأساسية يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية، مشيراً إلى أن إعادة تأهيل المستشفيات وإدخال المعدات الطبية والوقود وفتح المعابر أمام الجرحى تمثل أولوية قصوى لإنقاذ الوضع الصحي المتدهور.
حقيقة لا يمكن تجاهلها
في مشافي غزة، حيث تتوقف الأجهزة الطبية عن العمل تارة بسبب نقص الوقود، وتارة بسبب نقص قطع الغيار، وتارة بسبب القصف المباشر، يموت الناس ليس فقط بسبب شظايا الحرب، بل بسبب صمت العالم على جريمة أكبر: حرمان إنسان من حقه في الحياة.
إن ما يجري في قطاع غزة ليس فقط أزمة إنسانية هامشية، بل هي كارثة صحية ممنهجة، تهدف إلى تدمير كل مقومات الحياة، بدءاً من المستشفيات والكوادر الطبية، وصولاً إلى الأدوية والمعدات، وانتهاءً بحق المرضى والجرحى في السفر للعلاج.
ومع تجاوز عدد الشهداء 73 ألف قتيل وأكثر من 174 ألف جريح، ومع تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية، تظل الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الموت في غزة لا يأتي مرة واحدة، بل يأتي كل يوم، بأشكال مختلفة: مرة بالقصف، ومرة بنقص الدواء، ومرة بتعذر السفر، ومرة بجروح لا تلتئم.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الجرحى والمرضى في غزة، ويطرحه معهم كل ذي ضمير حي في هذا العالم: إلى متى سيظل الصمت الدولي شاهداً على هذه الجريمة؟
ومتى سيدرك العالم أن حماية المدنيين لا تقتصر على وقف القصف، بل تشمل أيضاً كشف الحقيقة كاملة، وضمان المساءلة، وحق الضحايا في معرفة أسباب معاناتهم، وحق العالم في معرفة طبيعة الأسلحة المستخدمة ضد السكان المدنيين؟
فالحقيقة العلمية ليست ترفاً، كما يقول الدكتور البرش، بل قد تكون السبيل الوحيد لإنقاذ حياة آلاف الجرحى، وتحقيق العدالة لمن فقدوا حياتهم بعد الإصابة.
وفي غزة، حيث يستشهد الناس كل يوم وهم ينتظرون تصريح سفر أو جرعة دواء، تظل الحقيقة هي الضحية الأكبر في هذه الحرب التي لا تنتهي.