كاسترو.. والنظرة الثاقبة: من "الجيش الأبيض" إلى التكنولوجيا الحيوية

كانت رؤية الرئيس الراحل فيدل كاسترو ثاقبة، فكان أطباء كوبا بلسماً للشعب المحاصر وسفراء فوق العادة إلى العالم. من جبال الأنديز السامقة إلى دول أفريقيا وأميركا اللاتينية وغيرها من أصقاع الأرض، وراح "الجيش الأبيض"يداوي الجراح من دون النظر إلى جنسية المريض.

  • كاسترو.. والنظرة الثاقبة: من
    أولى الرئيس الراحل القطاعين الصحي والعلمي أهمية بالغة (غرافيك: ندين بدر الدين)

لم تكن مأثرة الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو حين قال إنّ "مستقبل وطننا يجب أن يكون حكماً مستقبل رجال علم" مجرّد شعار يُردّد في المناسبات، بل كانت إعلاناً لميلاد فلسفة سيادية جديدة، أدركت منذ اللحظات الأولى للثورة أنّ الحرية لا تُحفظ بالحبر ولا بالسلاح وحده، بل بما تصنعه العقول في المختبرات وبما يُعيده المشرط والأدوية من أمل للأجساد المتعبة.

اقرأ أيضاً: جدارة الحياة من هافانا.. فيدل كاسترو مكرماً

جغرافيا الحصار و"ابتكار الحياة"

عندما اشتدّت  الحلقات الخانقة للحصار على تلك الجزيرة الكاريبية الصغيرة، أعلن فيدل عام 1991 مقولته المفصلية: "إنّ بقاء الثورة والاشتراكية، والحفاظ على استقلال هذا البلد، يعتمدان اليوم بشكلٍ جوهري على العلم والتكنولوجيا". لم يكن هذا التصريح ترفاً فكرياً، بل كان واقعاً ملموساً.

ومن رحم تلك المعاناة، ولدت "الكتلة البيولوجية والطبية" الكوبية" عام 1981 ، ليصبح القطاع الصحي الكوبي قاطرة التحدّي التي أذهلت العالم، وتُعدّ هذه الكتلة نموذجاً عالمياً رائداً يجمع بين التكنولوجيا الحيوية المتقدّمة والرعاية الصحية الشاملة.

اقرأ أيضاً: الصين تدرج الإنترفيرون الكوبي في استراتيجيتها العلاجية ضد فيروس كورونا

وحقّقت كوبا إنجازات متقدّمة في مجال التكنولوجيا الحيوية والصناعات الطبية وابتكار اللقاحات محلياً، فسجّلت مؤشرات متقدّمة بأقل نسبة لوفيات الرضّع عالمياً.

التكنولوجيا الحيوية

اعتمدت البلاد على توطين الصناعات الدوائية والبيولوجية لمواجهة العقوبات الاقتصادية، وطوّرت مراكز أبحاث متخصصة في الهندسة الوراثية والتقنيات الحيوية المتقدّمة.

ورغم الحصار، استثمرت كوبا بقوة في البحث العلمي،  ونجحت في إنتاج أدوية ولقاحات مبتكرة، إلى جانب تقديم خدمات طبية إنسانية عالمياً.

وكانت مرامي هذه الجبهة صائبة، في نظر رئيس أممي ثاقب النظرة، فساهمت في:

-  توفير صلاحيات واسعة ووصول مباشر للسلطة والتمويل للعلماء الباحثين.
-إنتاج الأدوية: تطوّر العمل لاحقاً لإنشاء مراكز متخصصة مثل مركز البحوث البيولوجية وإنتاج الإنترفيرون واللقاحات.
-مواجهة الحصار: نجح القطاع في تحقيق اكتفاء نسبي وتطوير أدوية ومطاعيم بالرغم من القيود الاقتصادية. 

رسل الطب الكوبي

-استقلال الدواء: إنتاج اللقاحات والأدوية المبتكرة محلياً رغماً عن العقوبات وشح الموارد.
-الطب الإنساني: تحويل المستشفى الكوبي من مؤسسة ربحية إلى ملاذ روحي وأخلاقي تكفله الدولة لكل مواطن بلا مقابل.
-"الجيش الأبيض العالمي": وهم رسل الطب الكوبي الذين جابوا القارات ليطبّبوا أوجاع الشعوب الفقيرة من دون منّ أو أطماع سياسية.

-تأسيس "إيلام": أنشأ كاسترو "المدرسة الأميركية اللاتينية للطب في هافانا""إيلام" لتكون صرحاً تعليمياً مجانياً في خدمة العالم، وقد  استقطبت الكلية طلاباً من دول فقيرة ومهمّشة في آسيا وأفريقيا والأميركيتين.

-البعد الإنساني: ركّزت الفلسفة الطبية لكاسترو على إعداد أطباء يحملون رسالة إنسانية لمساعدة الشعوب المحتاجة. 

ففي العام 2015، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنّ كوبا هي البلد الأول  في القضاء على انتقال فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) من الأم إلى الطفل.

ولطالما تمتعت كوبا بأعلى كثافة للأطباء في العالم، كما جاء في تقرير الميادين نت في نيسان/أبريل عام 2021  فنسبة المهنيين الطبيين أعلى بـ 3 مرات تقريباً منها في الولايات المتحدة. ، بنسبة أعلى مؤشر في العالم أي 9 أطباء لكلّ 1000 نسمة.

لقاحات فعّالة لكوفيد 19: "عبد الله" و"سوبيرانا 02"

وتنتج كوبا 8 لقاحات من أصل 11 لقاحاً، تُعطى للأطفال وفق برنامج خاصّ، و تقوم بتصدير الفائض منها إلى أكثر من 30 بلداً في العالم.

وتطوّرت اللقاحات الكوبية المضادة لفيروس كورونا (كوفيد-19)  عام 2021 مثل "عبد الله" و"سوبيرانا 02"، محققة نسب فاعلية عالية تجاوزت 92%، واقتران إنتاجها باتفاقيات تعاون إقليمية ودولية لتصنيعها ونقلها.

 

اقرأ أيضاً: تعاون استراتيجي بين إيران وكوبا لإنتاج لقاح مضاد لكورونا

ووقّعت كوبا وإيران اتفاقية مشتركة لتصنيع  لقاح "سوبيرانا 02" محلياً في مختبرات طهران، وحينها أرسلت كوبا شحنات من لقاحاتها المطوّرة محلياً إلى عدة جهات ودول مثل سوريا وفنزويلا.

 لا يختلف القاصي والداني أنّ كوبا أثبتت أنّ الأمة التي تستثمر في الفكر والعلم لا يمكن أن تُكسر، وأنّ مقولة كاسترو الخالدة ستظل تتردّد مع كل لقاح يُبتكر، وكل مريض يُشفى، وكل فكرة جديدة تولد من قلب الحصار لتضيء عتمة هذا العالم.

"لؤلؤة الكاريبي" عصية على الانكسار

"لؤلؤة الكاريبي" استعصت على الانكسار، ورسمت حكاية وطن كُتب عليه أن يخوض نضاله اليومي تحت سياط حصارٍ ظالم امتدّ لأكثر من 6 عقود.

هناك، حيث يُقاس الوقت بصمود الناس لا بدوران العقارب، تحوّل الخنق الاقتصادي من أداة للإخضاع إلى معملٍ لإعادة تدوير الإرادة، ومن رحم تلك المرارة ولد "الشعب الجبّار" الذي استبدل العوز بالإبداع، والقلة بالسيادة.

اقرأ أيضا: كوبا المحاصرة تملك مؤشرات صحية تضاهي أغنى البلدان