العلاج بالموسيقى: أدلة متزايدة على تحسين الدماغ والصحة النفسية!

لم تعد الموسيقى مجرّد خلفية جمالية للتجربة الإنسانية، بل تحوّلت إلى أداة علمية قادرة على التدخّل في أكثر أنظمة الدماغ تعقيداً. في هذا السياق، يبرز العلاج بالموسيقى كمدخل عصبي يعيد تنظيم الإيقاع الداخلي، ويعيد للوظائف النفسية توازنها المفقود.

  • العلاج بالموسيقى يتطور عالمياً (midar.net)
    العلاج بالموسيقى يتطور عالمياً (midar.net)

لطالما وُضعت الموسيقى في الوعي العام ضمن خانة الترفيه أو التعبير الجمالي، بعيداً عن كونها أداة علاجية قائمة بذاتها. غير أن التراكم العلمي المتسارع، لا سيّما خلال السنوات الأخيرة، بدأ يقلب هذا التصوّر رأساً على عقب.

فالعلاج بالموسيقى لم يعد مجرّد تدخّل داعم أو تكميلي، بل أصبح—بحسب الأدلة الحديثة—وسيلة علاجية قادرة على إحداث تغييرات قابلة للقياس في بنية الدماغ ووظائفه، وفي الصحة النفسية والسلوكية على حدّ سواء.

في هذا السياق، تنيط الدكتورة حمدة فرحات، الأستاذة في علم النفس العيادي والمعالجة الموسيقى في الجامعة اللبنانية، ومؤسِسة ورئيسة "الجمعية اللبنانية للعلاج بالموسيقى كوسيط"، أهمية خاصة للعلاج بالموسيقى، إذ تلتقي الخبرة السريرية مع ما تؤكده دراسات حديثة حول  اللدونة العصبية وتأثيرات الموسيقى المباشرة على الجهاز العصبي.

الموسيقى كوسيط علاجي: دخول مباشر إلى الدماغ

تؤكد د. فرحات لـ الميادين نت أن ما يميّز العلاج بالموسيقى عن غيره من العلاجات النفسية هو طبيعة الموسيقى نفسها: مادة غير محدّدة، مفتوحة على الإسقاط، تخترق الدفاعات النفسية دون استئذان. فالصوت يدخل الدماغ عبر الأذن بأجزائها الثلاثة، ليُعالج ويُفسَّر بسرعة تفوق سرعة كثير من التدخلات الدوائية.

هذا المعطى السريري يتقاطع بشكل واضح مع نتائج دراسات 2025 التي تُظهر أن الموسيقى تنشّط  في آنٍ واحد مناطق دماغية متعددة—القشرة الجبهية، الصدغية، والجدارية—وتُحسّن الاتصال الوظيفي بينها، ما ينعكس على الذاكرة، الانتباه، والتنظيم الانفعالي.

من اللاوعي إلى اللدونة العصبية

تشير د. فرحات إلى أن الموسيقى تؤثر مباشرة في اللاوعي، وتحاكي الذاكرة العاطفية والماضي، وتفتح في الوقت نفسه أفق تخيّل المستقبل. وهذه القدرة الثنائية—العودة إلى الخلف والتقدّم إلى الأمام—تُعد عنصراً حاسماً في علاج الصدمات النفسية واضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD).

علمياً، تفسّر نظرية الرنين العصبي (NRT) هذه الظاهرة: الدماغ يميل إلى التزامن مع الإيقاع الموسيقي، ما يعيد تنظيم الإيقاع الداخلي للجهاز العصبي.

وقد أظهرت تخطيطات EEG  في دراسات حديثة زيادة في موجات ألفا المرتبطة بالهدوء والتركيز، مع تراجع موجات ثيتا وبيتا المرتبطة بالتوتر والاضطراب.

نتائج سريرية: من الصدمة إلى الإدمان

من خلال خبرتها السريرية، رصدت فرحات فعالية واضحة للعلاج بالموسيقى في:

·        اضطرابات ما بعد الصدمة لدى الأطفال والبالغين، خصوصاً ضحايا الحروب والعنف الأسري.

·        الاكتئاب والقلق، بما في ذلك حالات كانت تعتمد على العلاج الدوائي، حيث ساهمت الموسيقى في تحقيق تحسّن نفسي ملموس.

·        اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) عبر النظرية الثلاثية التي طوّرتها، والقائمة على تنظيم الانتباه، تفريغ الطاقة، وتعزيز الضبط الذاتي من خلال الإيقاع.

·        الإدمان، سواء على المواد المخدّرة أو ما يُعرف بالمخدرات الرقمية، من خلال إعادة بناء العلاقة مع الجسد وتنظيم الدوبامين.

  • Graphical abstract (ncbi)
    Graphical abstract (ncbi)

هذه النتائج السريرية تتلاقى مع الأدبيات العلمية الحديثة التي تؤكد أن الموسيقى أداة غير جراحية قادرة على إعادة تنظيم الشبكات العصبية المرتبطة بالمكافأة والسلوك القهري.

الموسيقى في السياق الإنساني: ما وراء العيادة

يتجاوز العلاج بالموسيقى حدود العيادة الفردية، ليصبح أداة دعم نفسي جماعي في الأزمات. فقد استُخدم، بحسب د. فرحات، مع النازحين في الملاجئ، ومع أطفال حماية الطفولة، والنساء المعنّفات، والمسنّين، ومرضى السرطان والكلى، وحتى خلال جائحة كوفيد-19 عبر مبادرات دعم نفسي حضورية وعن بُعد.

هنا، لا تعالج الموسيقى المرض فحسب، بل تُعيد للإنسان صوته الداخلي، وإحساسه بالأمان والانتماء.

تُظهر دراسات 2025 أن العلاج بالموسيقى: "يعزّز اللدونة العصبية - يحسّن إعادة التأهيل العصبي بعد السكتات الدماغية والألزهايمر وباركنسون - يخفف الألم بعد الجراحة - يقلل القلق والاكتئاب في وحدات العناية المركزة - يحسّن الذاكرة والتركيز عبر تحسين الاتصال العصبي".

هذه النتائج تنقل العلاج بالموسيقى من خانة "البديل" إلى خانة التدخل العلاجي القائم على الأدلة.

العالم العربي: فجوة بين العلم والتطبيق

رغم هذا التقدم، تشير الباحثة إلى تحديات بنيوية في العالم العربي، أبرزها:

·        ضعف الوعي العلمي.

·        الخلط بين الموسيقى الترفيهية والعلاج بالموسيقى.

·        نقص الكوادر المؤهلة.

·        غياب البنى التحتية المناسبة.

الحل، كما تؤكد، يكمن في إدماج العلاج بالموسيقى في السياسات الصحية والتربوية، وإنشاء برامج أكاديمية معتمدة، ودعم البحث العلمي.

كيف يعيد العلاج بالموسيقى برمجة الدماغ؟

من منظور علم الأعصاب التطوري، لا يعمل العلاج بالموسيقى كعامل مهدّئ سطحي، بل كمنظِّم عميق للشبكات العصبية التي تشكّلت عبر سنوات من الخبرة والتكيّف والضغط. فالدماغ البشري ليس بنية جامدة، بل نظام ديناميكي يعيد تشكيل نفسه باستمرار استجابةً للمنبّهات البيئية.

هنا، تلعب الموسيقى دور "المنبّه المركّب": إيقاع، تردد، تناغم، وزمن، وجميعها عناصر تتفاعل مع الدوائر العصبية المسؤولة عن الحركة، الانتباه، العاطفة، والذاكرة في آنٍ واحد.

وما يحدث فعلياً هو نوع من إعادة المعايرة العصبية، إذ تُجبر الشبكات المفرطة النشاط (كما في القلق أو فرط الحركة) على التباطؤ والتنظيم، بينما تُحفَّز الشبكات الخاملة أو المنفصلة (كما في الاكتئاب أو ما بعد الصدمة) على إعادة الاتصال.

  • الغرافيك: springer
    الغرافيك: springer

هذه العملية لا تعتمد على المحتوى الموسيقي وحده، بل على العلاقة الدقيقة بين خصائص الصوت والحالة العصبية للفرد، ما يجعل العلاج بالموسيقى تدخّلًا مخصصاً يعيد ضبط "البرمجيات" العصبية بدل الاكتفاء بإخماد الأعراض.

الأهم أن هذا النوع من التدخل يكشف عن قدرة الدماغ على التعلّم العلاجي حتى في المراحل المتأخرة من العمر أو بعد الإصابة.

فالتزامن الإيقاعي لا ينظّم الحركة فقط، بل يعيد بناء التنبؤ العصبي بالزمن، وهو عنصر أساسي في الشعور بالأمان والسيطرة. عندما يتعلّم الدماغ التنبؤ بالإيقاع، يتراجع فرط التأهّب العصبي المرتبط بالخطر، وتُعاد برمجة الاستجابة للمنبّهات الخارجية من ردّ فعل غريزي إلى معالجة أكثر تكاملاً.

  • العلاج بالموسيقى: أدلة متزايدة على تحسين الدماغ والصحة النفسية!
    العلاج بالموسيقى: أدلة متزايدة على تحسين الدماغ والصحة النفسية!

هذا يفسّر لماذا تُظهر تدخلات العلاج بالموسيقى تحسّناً في وظائف لا تبدو مرتبطة مباشرة بالصوت، مثل اتخاذ القرار، التحكم الاندفاعي، وحتى تنظيم السلوك الاجتماعي.

من هذا المنظور، لا تعالج الموسيقى الدماغ لأنها "ممتعة"، بل لأنها تخاطب آلياته الأساسية في التنظيم والتكيّف.

إنها لغة عصبية بديلة، قادرة على إعادة توصيل ما انقطع، وإعادة ضبط ما اختل، دون الحاجة إلى تدخل جراحي أو كيميائي، بل عبر استثمار أقدم أداة تواصل عرفها الإنسان: الإيقاع.

العلاج بالموسيقى… علم يتقدّم وسياسات متأخرة

في ضوء ما تراكم من أدلة علمية وخبرات سريرية، لم يعد العلاج بالموسيقى مجالاً تجريبياً أو هامشياً، بل أصبح مقاربة علاجية قادرة على مخاطبة جذور الاضطراب بدل الاكتفاء بتسكين مظاهره.

فالقيمة الحقيقية لهذا النوع من العلاج لا تكمن في كونه بديلاً عن الدواء أو العلاج النفسي التقليدي، بل في كونه يفتح مساراً ثالثاً للتدخل: مسار يعمل على إعادة تنظيم العلاقة بين الدماغ والجسد والزمن الداخلي للفرد.

فالموسيقى، بوصفها منبّهاً عصبياً مركّباً، تُعيد تدريب الدماغ على التزامن، التوقّع، والتنظيم، وهي وظائف أساسية لأي صحة نفسية أو عصبية مستقرة.

اقرأ أيضاً: علاج على سلّم "النوتات" الموسيقية في لبنان!

العلاج بالموسيقى لم يعد سؤالاً مفتوحاً حول "هل ينجح؟"، بل أصبح سؤالاً مؤسساتياً: لماذا لا يُعتمد بعد على نطاق واسع؟