متى يسبب الأرق الليلي مشكلات صحية يومية؟

النوم ليس رفاهية، بل حاجة أساسية لصحة الجسد والعقل، وحرمان الإنسان منه باستمرار ينعكس على صحته النفسية والجسدية ودقائق حياته اليومية.

  • متى يسبب الأرق الليلي مشاكل صحية؟
    فقد تظهر آثار السهر في البداية على شكل  إرهاق، لكنّ تأثير الحرمان من النوم يمتد إلى أجهزة أعمق في الجسم  (الصورة: كليفلاند)

في عالم لا يتوقّف، أصبح النوم أول ما نتنازل عنه عندما نشعر أنّ ساعات اليوم لا تكفي. نؤجّل موعده من أجل العمل والدراسة والهاتف ومواقع التواصل، ثم نقنع أنفسنا بأننا سنعوّض ما خسرناه في ليلة أخرى.

لكنّ الجسد لا يتعامل مع النوم باعتباره وقتاً فائضاً يمكن الاستغناء عنه، فهو يدخل في تنظيم وظائف عصبية ومناعية واستقلابية ونفسية أساسية.

ويكشف مقال "أثر الحرمان من النوم على نتائج الصحة البدنية والنفسية: مراجعة شاملة مراجعة حديثة جمعت نتائج 29 مراجعة منهجية وتحليلاً مؤدّاه أنّ قلة النوم ترتبط بمخاطر صحية تشمل أمراض القلب والأوعية، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة والسكري من النوع الثاني، إضافة إلى القلق وضعف تنظيم المشاعر وأعراض الاكتئاب. وتشير المراجعة إلى أنّ البالغين يحتاجون عادةً إلى نحو 7–9 ساعات من النوم ليلاً.

ليلة سيئة لا تعني بالضرورة أنّ الإنسان أصبح أمام مشكلة صحية، لكنّ الخطر يبدأ عندما يتحوّل نقص النوم إلى عادة.

الإنسان يستطيع أن يعتاد على الاستيقاظ متعباً، وأن يعتبر الصداع والنعاس وضعف التركيز جزءاً طبيعياً من يومه. لكنّ الاعتياد على التعب لا يعني أنّ الجسم تكيّف معه من دون ثمن. وتشير الأدلة العلمية إلى أنّ الحرمان المزمن من النوم يرتبط بمجموعة واسعة من النتائج الصحية السلبية، ما يجعل المشكلة الحقيقية في التراكم وليس في ليلة عابرة.

النوم المبكر وانتظام الساعة البيولوجية

النوم المبكر لا يعني أنّ هناك ساعة سحرية يجب أن ينام فيها جميع البشر، فالناس يختلفون في إيقاعاتهم البيولوجية. لكنّ الدراسات  في "أثر الحرمان من النوم على نتائج الصحة البدنية والنفسية: مراجعة شاملة"  تفرّق بين النوم المنتظم والنوم الذي يتأخّر ويتغيّر باستمرار.

ومراجعة منهجية شملت 41 دراسة وأكثر من 92 ألف مشارك من 14 دولة وجدت أنّ توقيت النوم المتأخّر وزيادة التفاوت في مواعيد النوم ارتبطا عموماً بنتائج صحية أقلّ إيجابية، بينما ارتبط النوم في وقت أبكر وانتظام مواعيد النوم والاستيقاظ بنتائج صحية أفضل.

وهذا يعني أنّ الراحة لا ترتبط بعدد الساعات وحده. عندما ينام الإنسان في وقت منتظم ويستيقظ في وقت منتظم، يحصل جسمه على إيقاع أكثر استقراراً. أما السهر المستمر ثمّ محاولة تعويض النوم في أوقات مختلفة، فقد يجعل الساعة البيولوجية في حالة من الاضطراب المتكرّر.

لماذا قد ننام ساعات طويلة ونستيقظ متعبين؟

قد ينام شخص 8 أو 9 ساعات ويستيقظ وكأنه لم ينم بما يكفي. السبب أنّ عبارة " نمت 8 ساعات" لا تكشف وحدها عن جودة النوم أو توقيته أو انتظامه. في من  الاستيقاظ الى التعامل مع النوم  قد وجدت المراجعة التي شملت أكثر من 92 ألف مشارك ارتباطاً بين النوم المتأخر والتفاوت في مواعيد النوم وبين نتائج صحية أقلّ إيجابية.

لذلك يمكن لشخص أن يحصل على عدد ساعات يبدو كافياً، لكنه يعيش جدولاً متقلّباً يجعل جسمه ينتقل باستمرار بين توقيتات مختلفة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يشعر الإنسان الذي ينام مبكراً وبانتظام بأنه قضى الليل كلّه في راحة، بينما قد يستيقظ شخص آخر بعد نوم متأخّر وطويل وهو لا يزال يشعر بالإرهاق. المسألة ليست أنّ النوم المتأخّر سيّئ لكلّ إنسان، وإنما أنّ انتظام النوم وتوافقه مع الإيقاع اليومي عنصران أساسيان في النوم الصحي.

الهاتف الذي سرق آخر ساعات الليل

دخل الهاتف إلى أكثر مكان كان يفترض أن يكون منفصلاً عن العالم: السرير. لم يعد الإنسان ينهي يومه عندما يطفئ الضوء، بل ينتقل من العالم الواقعي إلى عالم رقمي لا ينتهي. رسالة، ثمّ فيديو، ثمّ خبر، ثمّ منشور، ثمّ إشعار جديد، حتى تصبح الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً من دون أن يشعر.

وبحسب ما يوضح  harvard medical school فإنّ استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم يمكن أن يتداخل مع الساعة البيولوجية ويؤثّر في الاستعداد الطبيعي للنوم، بينما تشير مؤسسة النوم الوطنية إلى أنّ استخدام التكنولوجيا في المساء يرتبط بتأخير وقت النوم واضطراب جودته.

اقرأ أيضاً: الهواتف الخلوية تضاعف مشاكل النوم عند الشباب وتقلل جودة حياتهم الصحية

وهذا لا يعني أنّ كلّ شخص يستخدم هاتفه قبل النوم سيصاب باضطراب في النوم، لكنّ المشكلة تظهر عندما يتحوّل الهاتف إلى رفيق دائم للساعات الأخيرة من الليل. فالمسألة لا تتعلّق بالشاشة وحدها، وإنما أيضاً بالمحتوى الذي يبقي الدماغ في حالة تفاعل وانتباه بدل الانتقال تدريجياً إلى الهدوء. وهكذا قد يبدأ الأمر بدقائق قليلة من التصفّح، وينتهي بساعة أو ساعتين من السهر الإضافي.

القلب أيضاً يدفع ثمن السهر

قلة النوم لا تجعل الإنسان نعساناً فقط، بل يمكن أن تؤثّر في طريقة تعامله مع مشاعره وضغوطه اليومية. المراجعة الشاملة الحديثة وجدت ارتباطاً بين الحرمان من النوم وارتفاع مستويات القلق، وضعف تنظيم المشاعر، وزيادة قابلية التأثّر بالضغط النفسي وأعراض الاكتئاب.

وهنا تظهر دائرة يصعب الخروج منها: الإنسان المتوتر يجد صعوبة أكبر في النوم، والإنسان الذي لا ينام جيداً يصبح أكثر عرضة للتوتر والانفعال. لذلك لا يمكن فصل النوم عن الصحة النفسية، فالعلاقة بينهما ليست علاقة جانبية، وإنما علاقة متبادلة يمكن أن تجعل أحدهما يغذّي الآخر.

فقد تظهر آثار السهر في البداية على شكل نعاس أو إرهاق، لكنّ تأثير الحرمان من النوم يمتدّ إلى أجهزة أعمق في الجسم. المراجعة نفسها وجدت ارتباطاً بين قلة النوم وأمراض القلب والأوعية، وارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية، إضافة إلى اضطرابات استقلابية مثل السمنة والسكري من النوع الثاني.

وهنا يتغيّر معنى النوم تماماً كما ذُكِر في تعاريف صحة النوم متعددة الأبعاد وآثارها على الصحة الأيضية القلبية.

لذلك  إذا تعاملنا معه باعتباره مجرد وسيلة لنشعر بالنشاط صباحاً، فنحن نختصر وظيفته الصحية. النوم جزء من منظومة الوقاية، والحرمان المزمن منه يمكن أن يتحوّل إلى عامل خطر يتراكم بمرور الوقت.

لبنان ليس خارج أزمة النوم

المشكلة ليست بعيدة عن الواقع اللبناني. وبحسب دراسة أُجريت على 540 طالباً جامعياً في لبنان (مؤشرات جودة النوم السيئة لدى طلاب الجامعات اللبنانية: العلاقة بين النمط المسائي، وسلوكيات نمط الحياة، وعادات النوم)، بلغ متوسط النوم نحو 7.95 ساعات ليلاً، ومع ذلك صُنّف أكثر من نصف المشاركين ضمن فئة ذوي جودة النوم السيئة.

كما أظهرت الدراسة اختلافاً واضحاً في مواعيد النوم والاستيقاظ بين أيام الدراسة وعطلة نهاية الأسبوع، وارتباط النمط المسائي بجودة نوم أسوأ.

وتؤكّد دراسة أحدث نُشرت عام 2025 وشملت 631 طالباً جامعياً في لبنان أنّ المشكلة ما زالت حاضرة، إذ بلغت نسبة أصحاب جودة النوم السيئة 73.5%، مع ارتباط ظروف الضغط النفسي والحرب بتدهور النوم. وهنا تظهر النقطة الأهم: النوم الصحي لا يُقاس بعدد الساعات فقط، بل بجودته وانتظامه وتوقيته أيضاً.

عندما يصبح الإرهاق دليلاً على النجاح!

ثمّة مشكلة أخرى لا تقلّ خطورة: ثقافة تمجّد الإرهاق. الشخص الذي ينام أربع أو خمس ساعات ويعمل حتى الفجر قد يُنظر إليه أحياناً باعتباره أكثر طموحاً، بينما يُعامل النوم كأنه وقت ضائع يمكن التضحية به لتحقيق المزيد.

لكنّ الأدلة الصحية في آثار حرمان النوم على الأداء البدني والمعرفي. إذا كان نقص النوم مرتبطاً بمشكلات في القلب والاستقلاب والصحة النفسية، فإنّ التفاخر بقلة النوم يعني عملياً تحويل الاستنزاف إلى معيار للنجاح. النوم ليس عكس الإنتاجية؛ إنه أحد الشروط التي تسمح للإنسان بأن يحافظ على قدرته على التفكير والعمل والاستمرار.

النوم ليس رفاهية

ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف علاقتنا بالنوم. لا توجد ساعة واحدة تصلح لجميع البشر، ولا يعني النوم المتأخّر تلقائياً أنّ الإنسان يعيش بطريقة غير صحية. لكنّ العلم يعطينا قاعدة أكثر أهمية: النوم الكافي، المنتظم، والمتوافق قدر الإمكان مع الإيقاع اليومي للجسم، جزء أساسي من الصحة.

المشكلة ليست أنّ الإنسان ينام، المشكلة أنّ مجتمعاً كاملاً بدأ يتعامل مع النوم كأنه عائق أمام الإنجاز.

وفي عالم يفتخر بأنه لا ينام، قد يصبح النوم فعلاً من أفعال حماية الذات.

فالساعات التي نقضيها في السرير ليست ساعات مسروقة من الحياة.. إنها الساعات التي يستعيد فيها الجسد والعقل قدرتهما على مواجهة الحياة.

اقرأ أيضاً: خطير.. ما هو انقطاع النفس النومي؟