علماء يستطيعون سماع تدفق الدم داخل جسم الإنسان عبر تقنية الصوت الضوئي
تخيّل لو كان بإمكان الأطباء سماع ما يحدث داخل الجسم - ليس باستخدام سماعة الطبيب، بل باستخدام الضوء. هذه هي الفكرة وراء تقنية الصوت الضوئي، وهي تقنية تستخدم نبضات ليزر قصيرة لتوليد إشارات فوق صوتية دقيقة من الأنسجة والأوعية الدموية.
-
علماء يستطيعون سماع تدفق الدم داخل جسم الإنسان عبر تقنية الصوت الضوئي (صورة تعبيرية)
تحوّل تقنية الصوت الضوئي Photoacoustic الضوء إلى موجات فوق صوتية، ما يفتح آفاقاً جديدة لرؤية الأوعية الدموية والأنسجة والعمليات البيولوجية الخفية في الوقت الحقيقي.
في مقابلة مع "بوابة روسيا العلمية"، أوضح الفيزيائي بافيل سوبوتشيف، كيف تُمكّن هذه الطريقة الباحثين من "سماع" الضوء وتصوير العمليات التي يصعب رصدها باستخدام أدوات التصوير التقليدية، وفق ما ذكره موقع Science daily.
المبدأ بسيط للغاية. تصل نبضة ليزر قصيرة جداً إلى الأنسجة البيولوجية، فتسخن لفترة وجيزة مواد معينة تمتص الضوء بمقدار جزء من الدرجة. يتسبب هذا التسخين الطفيف في تمدد الأنسجة بشكل طفيف، ما يُنتج موجة صوتية. ثم تلتقط مجسات خاصة استجابة الموجات فوق الصوتية هذه وتحولها إلى صورة.
تُسمى هذه المواد الماصة للضوء بالكروموفورات Chromophore. من أهم الأمثلة على ذلك الهيموجلوبين، وهو الجزيء الموجود في الدم الذي يحمل الأكسجين. ولأنّ الهيموجلوبين الغني بالأكسجين والفقير به يمتص الضوء بشكل مختلف، يمكن لتقنية الصوت الضوئي أن تساعد في التمييز بين الدم الشرياني والوريدي. كما يمكن لهذه التقنية الكشف عن مواد أخرى، بما في ذلك الدهون والميلانين، لأنّ لكل منها نمط امتصاص ضوئي خاص به.
هذا ما يجعل تقنية الصوت الضوئي قيّمة لأنها تجمع بين ميزتين في طريقة واحدة:
- التباين الجزيئي للتقنيات البصرية
- عمق ودقة الموجات فوق الصوتية.
ببساطة، يساعد الضوء في تحديد ما بداخل النسيج، بينما تساعد الموجات فوق الصوتية في تحديد موقعه.
لماذا تختلف أصوات الأوعية الدموية؟
لا تستطيع الأذن البشرية سماع الموجات فوق الصوتية المتولدة داخل الأنسجة، لأنّ الإشارات ضعيفة جداً وذات تردد عالٍ جداً. لكن الفكرة مشابهة لسماع الآلات الموسيقية المختلفة، فالأوعية الكبيرة والصغيرة تولد إشارات صوتية مختلفة، تمامًا كما تُصدر أنابيب الأرغن السميكة والرفيعة أصواتاً مختلفة.
ولالتقاط هذه "السيمفونية" للأوعية الدموية، ابتكر فريق "سوبوتشيف" جهاز استقبال بالموجات فوق الصوتية عالي الحساسية يعتمد على غشاء رقيق من البوليمر الكهروإجهادي. ثم طوروا هوائياً متعدد العناصر يحتوي على 512 عنصر استقبال منفصل. تُمكّن هذه "الآذان الدقيقة" النظام من تحديد مواقع الإشارات في المكان والزمان، وإنتاج صور ثلاثية الأبعاد للأوعية والأنسجة في الوقت الحقيقي.
تتمثل الميزة الرئيسية للهوائي في نطاق تردده الواسع. إذ يمكن لكل عنصر استقبال إشارات تتراوح تردداتها بين 300 كيلوهرتز و30 ميجاهرتز، ووفقاً لـ"سوبوتشيف"، فإنّ هذا يجعل الجهاز مفيداً للغاية، لأنه قادر على رصد تراكيب بأحجام مختلفة في الوقت نفسه.
ماذا تقدم هذه التقنية؟
يُمكن للتصوير الكهروضوئي الإجابة على العديد من الأسئلة في آن واحد. فهو يُظهر موقع الجسم في الفضاء ثلاثي الأبعاد، وتوقيت حدوث التغيرات بمرور الوقت، ونوع المادة المرصودة من خلال التحليل الطيفي، وهذا يعني أنّ الباحثين يستطيعون دراسة ليس فقط بنية الأوعية الدموية، بل أيضًا ديناميكيات تدفق الدم ونوع المادة البيولوجية المُشاركة.
تُعد هذه الطريقة فعّالة للغاية في تصوير الأوعية الدموية. يمكن لهذه التقنية الكشف عن الدم بمستويات تشبع الأكسجين المختلفة، وقد تكشف عن ترسبات الدهون لأنّ الدهون تمتص الضوء عند أطوال موجية ليزرية محددة، وهذا مهم لأنّ الدهون قد تتراكم في جدران الأوعية الدموية.
كما يعتمد عمق التصوير على المهمة، فبالنسبة للبنى السطحية، كتلك التي تقع على بعد بضعة ملليمترات تحت سطح الجلد، يوفر ضوء الليزر الأخضر تبايناً قوياً للدم. أما بالنسبة للتصوير الأعمق، فيمكن لضوء الأشعة تحت الحمراء اختراق عدة سنتيمترات، مع فقدان بعض التباين. والموازنة العامة واضحة: كلما زاد عمق التصوير، انخفضت الدقة.
اقرأ أيضاً: أول تجربة سريرية لاستخدام الدم الاصطناعي على البشر في اليابان
FUJIFILM Sonosite’s AI-driven #PIVAssist feature facilitates your pre-scan workflow:
— FUJIFILM Sonosite (@Sonosite) July 6, 2026
- Identifies veins from arteries in real-time
- Recommends maximum catheter size based on vein size
-Calculates CVR and vessel depth live
Learn more: https://t.co/JD7rMbDTnV#PIV #PIVA pic.twitter.com/IiCEfKzlL6
أهمية تقنية الصوت الضوئي في الطب
يُعد البحث في الأمراض الخطرة من أكثر المجالات الواعدة، فالأورام غالبًا ما تحفز نمو أوعية دموية جديدة، وهي عملية تُسمى تكوين الأوعية الدموية الجديدة. وتساعد هذه الأوعية الورم على الحصول على الموارد من الجسم، يستخدم فريق سوبوتشيف بالفعل تقنية الصوت الضوئي في علم الأورام التجريبي لمراقبة الأورام في الفئران بطريقة غير جراحية. تتيح هذه التقنية للباحثين مراقبة استجابة أوعية الورم للعلاج في الوقت الفعلي.
وأظهر الفريق أنّ تقنية التصوير الصوتي الضوئي قادرة على رصد انخفاض في الشبكة الوعائية يتناسب مع جرعة العلاج الإشعاعي، كما يمكنها مراقبة التغيرات الوعائية أثناء العلاج المضاد لتكوين الأوعية. وهذا مفيد لأنه يمنح الباحثين رؤية ديناميكية لكيفية تأثير العلاج على إمداد الورم بالدم.
وبالمقارنة مع الموجات فوق الصوتية التقليدية، توفر تقنية التصوير الصوتي الضوئي تبايناً أقوى للشبكات الوعائية الدقيقة ومعلومات وظيفية مثل أكسجة الدم، ويصفها سوبوتشيف بأنها تسد فجوة مهمة بين المجهر الضوئي السطحي والتشخيص بالموجات فوق الصوتية التقليدية.
This vein visualization technology uses near-infrared light, which is absorbed by blood but reflected by the surrounding tissue, to locate veins up to 15mm deep, and then projects the results back on the skin.pic.twitter.com/Tfd4UHLEHI
— Wonder of Science (@wonderofscience) July 5, 2026