ما قصة المقاعد الفارغة خلال تخريج أطباء في مجمّع "الشفاء" المدمر؟
بين مشهدية مستشفى "الشفاء" المحترق والمغطى بالسواد في غزة، وبياض أثواب المتخرجين تكمن المفارقة.. الاحتلال عدو الإنسان والإنسانية وهؤلاء كوادر من "فوج الإنسانية"، كما أطلق عليه في حفل تخريج الأطباء والطبيبات في غزة.
-
احتفال التخريج تم في مجمّع الشفاء المدمر (قدس)
يبرز العزم الفلسطيني الذي أذهل العالم في أبهى تجلياته، صمود أسطوريّ تاريخي، طول أناة، تضامن إلى أبعد الحدود، وصبر مذهل شكّل قدوة لشعوب العالم.
لم توفر حرب الإبادة النساء والشيوخ والأطفال، لا بل أمعن الاحتلال في حربه التي تضرب بالقوانين والأعراف الإنسانية والدولية عرض الحائط، مجازر بالجملة، أحزمة نارية بأسلحة محرّمة دولياً على مسافات لا تتعدى الكيلومتر الواحد، استهداف للخيّم وأماكن اللجوء واستلام المساعدات الشحيحة.
ممارسات وحشية بحق الأطباء والممرضين
وما فعله هذا العدو، فاق التصورات لجهة استهداف سيارات الإسعاف والمسعفين، وقصف المستشفيات ومداهمتها وقطع الإمدادات الطبية والإنسانية عنها...
من منّا لا يذكر كيف دهمت قوات الاحتلال المستشفيات بالسلاح، واقتحم الجنود غرف العمليات! وأمعنت في خطف واعتقال أطباء وممرضين وممرضات ومرضى وجرحى..
اقرأ أيضاً: خاص الميادين نت: رسالة مؤثرة من غرفة عمليات جراحية في بيروت إلى مستشفيات غزة
وبالأرقام، فقد قصفت "إسرائيل" 94% من مستشفيات غزة خلال العدوان واستهدفت أكثر من 300 مركز صحي، كما يقول رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي لـ الميادين.
الحياة أقوى من حراب الاحتلال
يستمر الاحتلال في غيّه حتى بعد وقف إطلاق النار، وحتى تاريخ 9 كانون الأول/ ديسمبر الحالي وثّق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة 738 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار أودى بحياة 386 فلسطينياً.
حفل تخرّج "البورد الفلسطيني"!
مرة أخرى، تذهل غزة العالم، فمن بين الركام والأطلال هناك حياة.. وعلى الرغم من الآلام الجسام هناك قبسات آمل من تحت الرماد.
فقد أقامت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة حفل تخرّج لـ 168 طبيباً وطبيبة حصلوا على شهادة "البورد الفلسطيني" التي تصدر عن المجلس الطبي الذي يهدف إلى تخريج أطباء اختصاصيين، ذوي كفاءة مهنية وعلمية عالية، وفق المعايير العالمية.
الحفل برمزيته جرى في باحات مجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة، الذي طالته أضرار جسيمة من جرّاء حرب الإبادة الإسرائيلية.
مشهدٌ مهيب لعشرات الطبيبات والأطباء، اصطفوا بأنفة الفلسطيني المعتادة، هامات وكوادر طبية تلتحف الكفافي مع علَم فلسطين..
مشهديتان: بيضاء وسوداء
بين مشهدية المستشفى المحترق المغطى بالسواد وبياض أثواب المتخرجين تكمن المفارقة.. الاحتلال عدو الإنسان والإنسانية وهؤلاء كوادر من "فوج الإنسانية"، كما أطلق عليه المنظمون..
ويكفي ما قاله وكيل وزارة الصحة يوسف أبو الريش "إن هذه الدفعة من الأطباء "تخرّجت من رحم المعاناة وتحت القصف وبين الأنقاض"، مضيفاً أنهم "واصلوا علاج الجرحى بيد، ومتابعة تحصيلهم العلمي باليد الأخرى خلال الحرب".

أدّى الأطباء اليمين القانونية في حفل حمل شعار "فوج الإنسانية"، في مشهد عكس إصرار الكوادر الطبية على مواصلة رسالتها رغم القصف والدمار واستهداف القطاع الصحي.
مقاعد فارغة مطوّبة بالشهادة
المقاعد الفارغة في الحفل كانت لافتة بحق.. فطوبى لمقعد طبيب شهيد،عمّد بالدم.. مع وردة وشريط.. وكوفية.
فقد شهدت الفعالية وقفة وفاء للأطباء والعاملين في القطاع الصحي الذين استشهدوا خلال الحرب، حيث وُضعت صورهم على مقاعد المنصة تكريماً لتضحياتهم.
-
العلم الفسطيني يتقدّم "فوج الإنسانية" في غزة (الصورة: الأناضول)
الفشل في تدمير الإنسان الفلسطيني
المدير الطبي لمجمّع الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، أكد أن تخريج هذه الكوكبة يأتي بعد عامين من الاستهداف المتواصل للمستشفيات والطواقم الطبية، رغم حمايتها بموجب القانون الدولي الإنساني، مؤكداً أن الاحتلال فشل في تدمير الإنسان الفلسطيني، وأن الكوادر الطبية قادرة على إعادة بناء ما دمّرته الحرب.
-
إرادة فلسطينية تحب الحياة (قدس نت)
تكريم شهداء القطاع الصحي
بدوره، قال الدكتور أحمد باسل، رئيس قسم في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي، إن "الاحتفال بالتخرج داخل مبنى مدمّر وفي أصعب الظروف يحمل رسالة واضحة بأن الفلسطينيين ماضون في مسيرتهم العلمية، ومتمسكون بالحياة رغم كل التحديات".
يبقى أن هذا التخريج يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد في قطاع غزة، من جرّاء الاستهداف المتكرر للمرافق الطبية، والنقص الحاد في الإمكانات، واستمرار الضغط غير المسبوق على المستشفيات والطواقم الصحية.
اقرأ أيضاً: الاحتلال يدمّر أجهزة طبية في "الشفاء" ليست موجودة إلا فيه