تحت جنح الظلام.. لماذا تزداد الآلام في الليل؟

طبيب يشرح للميادين نت كيف يمكن أن يزداد ألم الإنسان عندما يرخي الليل سُدوله، ومعلومات تحاكي الآلام التي تتفاقم في هذه الفترة العصيبة من اليوم، وهل يمكن ممارسة تمارين تفضي إلى نومٍ مريح؟

  • لماذا يزداد الألم في الليل؟  (الصورة: هارفرد)
    الألم هو  انعكاس لتغيرات فيزيولوجية يمر بها الجهاز العصبي تحت وطأة الإرهاق (الصورة: هارفرد)

حين يأزف الليل ويهجع الجميع إلى السكينة، تخلع النهارات صخبها ويبدأ الإنسان رحلته مع الراحة. لكن بالنسبة لآلاف الأشخاص الذين تعايشوا طويلاً مع الألم المزمن، يتحوّل هذا الهدوء إلى اختبار قاسٍ إذ تشتد الأعراض حدة، وتتسلل الآلام لتسرق النوم، وتترك خلفها أجساداً منهكة وحساسة لأدنى لمسة مع إشراقة كل صباح.

وقد كشفت دراسة علمية نُشرت في مجلة "هيلث داتا ساينس" عن ارتباط وثيق بين اضطرابات النوم وزيادة مخاطر الإصابة بـ 172 حالة صحية متنوّعة، في نتائج قد تعيد تشكيل فهمنا لأهمية النوم.

ولا يقتصر هذا التفاقم الليلي على مجرد شعور عابر، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحالات مرضية كامنة، أو وضعيات جسدية رتيبة، أو تراجع في الحركة، فضلاً عن التأثير المتبادل لقلة النوم على الجهاز العصبي.

ومن هنا، يؤكد الطبيب رودولف جرماني للميادين نت على ضرورة وعيّ هذه الأنماط كضرورة علاجية، إذ إن الاكتفاء بتسكين الألم عند النوم لا يعدو كونه ترقيعاً لا يلامس الجذور الحقيقية للمشكلة.

لماذا يبدو الألم أشد قسوة في الظلام؟

في هدوء الليل، تنحسر المشتتات اليومية التي تشغل الحواس والعقل. وعندما تخلو الغرفة من ضوضاء الحياة ويستقر الجسم، يجد الدماغ نفسه وجهاً لوجه أمام إشارات الألم التي كان بمقدوره تجاهلها أو الالتفاف حولها وسط انشغالات النهار.

إلى جانب ذلك، فإن ثبات الجسم في وضعية نوم واحدة لساعات طويلة يضاعف الضغط على المفاصل، والعضلات، والأعصاب المتضررة. فتلك الوضعية التي بدت مريحة ومغرية عند النوم، تتحول تدريجياً إلى مصدر لضغط مطول ومؤلم.

وتتداخل هذه المعاناة مع جودة النوم لترسم حلقة مفرغة، فالألم يعكر صفو النوم ويوقظ صاحبه مراراً، وسوء النوم يقلل من كفاءة الجسم في تنظيم إشارات الألم والتوتر، ليصبح الإنسان أكثر عرضة لشعور مضاعف بالوجع في اليوم التالي.

وهذا لا يعني بحالٍ من الأحوال أن الألم وهمي، بل هو انعكاس لتغيرات فيزيولوجية حقيقية يمر بها الجهاز العصبي تحت وطأة الإرهاق.

حلقة الألم والنوم المستمرة:

-يعيق الألم الدخول في النوم العميق ويزيد من وتيرة الاستيقاظ الليلي.
-يؤدي تقطّع النوم إلى تراجع قدرة الجسم على ضبط إشارات الألم والمزاج.
-يغذي الإرهاق الناتج حالة قلة الحركة والنشاط، مما يفاقم التيبس والضعف العضلي.

خريطة الأوجاع الليلية.. أين يتمركز الألم؟

ألم الأعصاب

غالباً ما يكون ألم الأعصاب مصحوباً بحرقة أو وخز أو وخز كهربائي، وتميل هذه الأحاسيس إلى أن تشتد في الليل. ومع قلة المشتتات، يصبح من الصعب تجاهل الإشارات العصبية. كما أن تغيّرات درجة الحرارة أثناء النوم قد تهيج الأعصاب الحساسة أو المتضررة، مما يجعل الأعراض أكثر حدة.

ألم الظهر والعمود الفقري

يزداد الضغط على الأقراص وتيّبس المفاصل مع الراحة لفترات طويلة. قد تلتهب مفاصل الفقرات والأقراص الفقرية خلال الليل، خاصة بعد يوم طويل من النشاط. ويلاحظ الكثيرون ذروة الألم عند تغيير وضعياتهم أو عند الاستيقاظ مباشرة، لأن الأنسجة المتيّبسة تضطر إلى الحركة فجأة.

ألم المفاصل (التهاب المفاصل)

تعتمد المفاصل على الحركة للحفاظ على ترطيبها. أثناء الراحة، يتباطأ الترطيب وقد يتراكم السائل الالتهابي. يؤدي هذا إلى ألم ليلي يتبعه تيبس صباحي يستغرق وقتًا للتخلص منه.

ألم العضلات

غالباً ما تتشنج العضلات المجهدة أو المتوترة عند عدم استخدامها. تزداد احتمالية حدوث التشنجات أثناء الراحة، خاصةً إذا كانت العضلات متعبة أو تعاني من الجفاف. كما أن وضعية النوم الخاطئة قد تزيد من إجهاد مجموعات العضلات المتهيجة أصلاً.

ولا شك أن توقيت الألم وطبيعته يحملان أدلة تشخيصية بالغة الأهمية، غير أن تفاقمه الليلي وحده لا يكفي لوضع تشخيص نهائي، ما يستدعي مقاربة طبية واعية.

هل تفاقم وضعيات النوم المشكلة؟

كثيراً منّا يُعتقد أن تغيير الوسادة أو المرتبة هو الحل السحري.  فالنوم على الجانب قد يضغط على الكتفين والوركين، امّا النوم على البطن فيحمّل الرقبة وأسفل الظهر أعباءً إضافية، إلا أن هذه التعديلات تظل جزئية وقاصرة إن كان السبب الجذري كامناً في تهيج الأعصاب أو تآكل المفاصل. وهنا وحدها التقييمات السريرية المتقنة قادرة على كشف الحقيقة بعيداً عن التغييرات العشوائية في أثاث غرفة النوم.

خطوات أولية وإشارات تحذيرية

في انتظار التقييم الطبي المتخصص، يمكن اتباع تدابير منزلية مساعدة ومنها:

-الانتظام في مواعيد النوم.

-تقليل التعرض للشاشات ليلاً.

-الحفاظ على حركة لطيفة ومدروسة نهاراً للحد من التيبس.

-تسجيل مفكرة دقيقة لحركة الألم وأنماط النوم لمساعدة الطبيب في قراءة الصورة الكاملة، مع تجنب تناول مسكنات جديدة عشوائياً.

متى يتحوّل ألم الليل إلى جرس إنذار؟

-الاستيقاظ المتكرر، أو استمرار الألم لأسابيع دون تحسن.
-ارتباط الألم بأعراض مرافقة مثل الخدر، الضعف العضلي، التورم، الحمى، أو فقدان الوزن غير المبرر.
-ظهور علامات طارئة تستدعي رعاية فورية مثل:1- فقدان السيطرة على المثانة أو الأمعاء، 2- الضعف السريع في الأطراف، أو آلام الصدر وصعوبة التنفس.

 وكشف استطلاع أجرته "مؤسسة النوم" (Sleep Foundation) عام 2022 أن 95.1% من البالغين يفقدون ما لا يقل عن ساعة من نومهم أسبوعياً بسبب الألم.

وتُعد زيادة حدة الألم ليلاً أمراً شائعاً للغاية، ويرتبط بحالات صحية مثل آلام الظهر، وآلام الأعصاب، وآلام المفاصل، والالتهابات المزمنة.

ويقول الدكتور لورينس إنويزي،  "قد يشير الألم في المفاصل والظهر والعمود الفقري إلى وضعية نوم غير سليمة أو إلى التهاب ناتج عن قلة الحركة.

 أما الألم في مناطق أخرى -مثل العضلات أو الوركين أو الركبتين- فقد يدل على وجود إصابة أو حالة صحية كامنة.

خطوات للحد من الألم أثناء الليل

تحسين وضعية النوم

يساعد الحفاظ على العمود الفقري في وضع محايد على تقليل الضغط غير الضروري على المفاصل والأعصاب. ويمكن أن تساهم وضعية النوم على الجانب مع دعم مناسب بالوسائد، أو النوم على الظهر مع وضع الوسائد في أماكن استراتيجية، في الحفاظ على استقامة الجسم، فالتعديلات البسيطة غالباً ما تحدث فرقاً كبيراً.

استخدام الحرارة أو الثلج بفعالية

تُعد الحرارة الخيار الأمثل لعلاج التيبس والتوتر العضلي، إذ تعمل على تحسين تدفق الدم وتعزيز الاسترخاء. في المقابل، يكون الثلج أكثر فعالية في حالات الالتهاب أو الألم الحاد والمزعج. لذا، فإن اختيار الوسيلة المناسبة قبل النوم يمكن أن يهدئ الأنسجة بدرجة كافية لتحسين جودة النوم.

ممارسة حركات خفيفة في المساء

تساعد تمارين الإطالة الخفيفة أو حركات تحريك الجسم في المساء على الوقاية من التيبس أثناء الليل. ويُستحسن تجنب التمارين الشاقة قبيل موعد النوم، لأنها قد تزيد من حدة الالتهاب، فالحركة اللطيفة ترسل إشارات للجسم بالاسترخاء بدلاً من التشنج.

تحسين بيئة النوم

تساهم الغرفة المعتدلة الحرارة والمريحة في تحسين جودة النوم، كما أن استخدام المراتب والوسائد التي توفر دعماً جيداً للجسم يقلل من الإجهاد البدني طوال الليل.

 وعلاوة على ذلك، يساعد الحد من التعرض للشاشات قبل النوم على تهدئة الجهاز العصبي، مما قد يقلل من حساسية الجسم للألم.

متى يشير الألم الليلي إلى مشكلة أكبر؟

قد يتجاوز الألم الذي يزداد سوءاً في الليل كونه مجرد مصدر للإزعاج إذا بدأ يتبع نمطاً واضحاً. فإذا كان الألم يوقظك من النوم بانتظام، فهذا مؤشر على أن جهازك العصبي أو مفاصلك لا تهدأ أو ترتاح أثناء النوم.

كما أن تفاقم الألم تدريجياً على مدار أيام أو أسابيع غالباً ما يشير إلى وجود التهاب مستمر أو تهيج في الأعصاب، وليس مجرد إجهاد عضلي بسيط.

 أما الألم المنتشر (الممتد لمناطق أخرى)، أو الشعور بالخدر أو الضعف، فيشير إلى تأثر الأعصاب، وهي أعراض لا ينبغي تجاهلها أبداً.

وأخيراً، فإن الألم المستمر لأسابيع رغم اتباع تدابير الرعاية الذاتية البسيطة، أو فقدان النوم الذي يبدأ في التأثير على مزاجك أو قدرتك على التركيز أو مستويات طاقتك، كلها علامات تشير إلى احتمال وجود سبب أعمق وراء هذه الأعراض.

اقرأ أيضاً: النوم أولاً.. وإلا ستواجه 172 حالة صحية