إيران… الحصن الأخير في وجه التوحّش
الحرب الاستعمارية على إيران ليست طارئة، بل تعود بجذورها إلى لحظة انتصار الثورة الإسلامية، التي تُحيي هذه الأيام ذكراها السابعة والأربعين. الجديد اليوم أن التوحّش الأميركي خرج من قيوده، في مواجهة مفتوحة مع إيران، التي تجد نفسها وحيدة أمام قوة تسعى إلى التفرد بامتلاك العالم وفرض إرادته. قوةٌ تنهب الشعوب، وتقدّم نفسها واعظًا بالسلام والحرية، فيما يقف إلى جانبها مجرم حرب مطلوب دوليًا، يشعل الحروب ويستدعي الموت والخراب، بينما يتأرجح العالم بين شبح انفجار إقليمي واسع، ومحاولات تفاوض لا تزال محكومة بسقوف مشروطة. في الداخل الإيراني، أشعل المستعمِر نار الغضب الشعبي عبر حصار اقتصادي خانق، ثم التحريض على التخريب والعنف والفوضى، تمهيدًا للعودة بدور “المنقذ” رافعًا شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. وبين مطرقة الضغوط القصوى، وسندان التحديات الداخلية، والتصعيد الصهيوني الذي يطوّق المنطقة، يبرز السؤال الجوهري: هل البرنامج النووي هو فعلاً قلب الصراع؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في وجود قوة إقليمية ترفض الخضوع لواشنطن، وتربك حسابات تل أبيب؟ طهران اليوم تقف في موقع المواجهة المتقدمة مع شراهة الإمبراطوري
نص الحلقة
بيار أبي صعب: مساء الخير، الحرب الاستعمارية على إيران عمرها من عمر الثورة الإسلامية التي تحتفل هذه الأيام بذكراها السابعة والأربعين. الجديد أن التوحش الأميركي أفلت من عقاله، إيران وحدها الآن في مواجهة القيصر الذي قرر أن يتفرد بامتلاك العالم، ناهب الشعوب يعطي دروسا في السلام والحرية ومن خلفه مجرم الحرب - المطلوب دولياً - يحورب ويستدعي الموت والخراب، فيما العالم يتأرجح بين انفجار الإقليم والتفاوض المقبول. لقد أشعل المستعمر الغضب الشعبي في الداخل محاصراً الاقتصاد ثم محرضا على التخريب والعنف والفوضى كي يعود فيأتي منقذاً على حصانه الأبيض رافعاً لواء الديمقراطية. وبين مطرقة الضغوط القصوى وسندان الأزمة الداخلية والوباء الصهيوني الأصفر الذي يحاصر المنطقة نقف اليوم لنسأل هل البرنامج النووي هو حقاً جوهر الصراع أم أن المشكلة وجود قوة إقليمية ترعب تل أبيب وترفض الانصياع لواشنطن؟ طهران اليوم هي الحصن الأخير في وجه شراهة الإمبراطورية، فهل قالت كلمتها الأخيرة؟ وأي عدالة يمكن الرهان عليها في أدغال نظام عالمي لا يفهم إلا لغة القوة؟
لمناقشة هذا الموضوع معنا في الاستوديو الدكتور علي فضل الله أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي، ومن القاهرة الكاتب السياسي الأستاذ إلهامي المليجي، ومن واشنطن الكاتب والصحافي سعيد عريقات الخبير بالشؤون الأميركية، فأهلا بهم وأهلا بكم أعزائي المشاهدين على شاشة الميادين في هذه الحلقة الجديدة من "على محمل الجد". دكتور علي فضل الله رغم كل التحريض الإسرائيلي، الرئيس ترامب يعرف أن الحرب على إيران لن تكون نزهة كما كانت في بغداد عام 2003، فما هي حساباته الدقيقة؟ هل هو يبحث عن إسقاط النظام من الداخل وعن التفاوض تحت النار؟ والتفاوض لتحقيق أي مطالب؟
علي فضل الله: أولا تحية طيبة لك وللضيفين الكريمين وللمشاهدين. أود أن أبدأ بسؤال إذا اعتبرنا نظام الجمهورية الإسلامية في إيران نظاما عقائديا فبالتالي موقفه من الأميركي أو من الغرب إجمالا هو موقف له أساس عقائدي، فيمكن أن نفهم لماذا الموقف الإيراني متصلباً بين هلالين في رفض الهيمنة أو السيطرة الغربية، ولكن السؤال في المقابل ما هو توصيفنا للنظام الأميركي؟ لطالما وصف بأنه نظام براغماتي نفعي يبيع ويشتري صفقات إلى آخره، ولكن على مستوى الأداء والسلوك نلاحظ وكأن النظام الأميركي منذ 1979 حتى هذه اللحظة يتعاطى بشكل عقائدي بمعنى الإصرار الشديد على هزّ النظام في إيران أو التآمر عليه وإسقاطه ولدينا تاريخ طويل، ذكرت في المقدمة 47 سنة أي ما يقارب النصف قرن من العداء الشديد لإيران. أذكر أن آخر مستشار أمن قومي في ولاية ترامب الأولى صرح تصريحا لافتا وغريبا عندما قال "لم تبق هناك عقوبات لفرضها على إيران"، عدد العقوبات الأميركية على إيران يفوق 1600 قرار أضف إلى =ست قرارات أممية، فبالتالي هناك عملية خنق هائلة لإيران، شهدنا مثلا بعض المعلومات، أنا أحب الأرقام، أول سنتين فقط بعد انتصار الثورة في إيران في العام 1979، من يعرف عدد حالات الاغتيال التي حصلت داخل إيران، عددها حوالي 17 ألف اغتيال خلال عامين فقط لكل كوادر الثورة بحيث لم يبق سوى بضعة رموز. يعتبر تفجير الحزب الجمهوري في إيران في بداية الثورة أسوأ تفجير سياسي في التاريخ، أكثر من 72 نائباً ووزيراً قتلوا في الانفجار.
بيار أبي صعب: دكتور علي ما هي أهداف ترامب، رأينا أن الانهيار من الداخل صعب رغم إدخال الأسلحة والآلات اوالأجهزة اللاقطة، هناك نوع من الإجماع الوطني حول الحكومة وحول النظام.
علي فضل الله: القرار الأميركي كان دائما بإسقاط هذا النظام، حاولوا بالقوة الصلبة، في تقرير للأمم المتحدة صدر بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية بحوالى عامين قال إن صدّام حسين هو المسؤول عن تلك الحرب. بالمناسبة حرب صدّام على إيران تقارن عسكريا بالحرب العالمية الأولى، نتحدث عن أكثر من مليون ضحية ولم تنجح القوة الصلبة في ذلك. في العام 1982 تدخلت البحرية الأميركية ودمرت تسعين بالمئة من البحرية الإيرانية بضربات سريعة ومباشرة. نفس الموضوع الخطط الخمسية في =مرحلة التسعينات وما بعدها وصولا إلى هذه اللحظة. نفس الأمر بوب ودورد الكاتب المعروف، كاتب السي آي إيه الشهير كتب وقال "أميركا لم تنس إسقاط نظام الشاه"، هم لا زالوا يربطون الماضي بالحاضر. الآن هناك مفاوضات وقيل إن هناك مجموعة شروط أميركية، الإيراني رفض وكاد يطاح بالمفاوضات. نفس الشروط الأميركية الموجودة ستؤدي إلى انهيار النظام نفسه ولكن بشكل آخر. الموضوع ليس تعديلا للسلوك، وأي تعديل للسلوك بحسب المعايير الأميركية سيؤدي إلى انهيار نظام الجمهورية. هم مصرون على ذلك ولذلك الممانعة لديهم عالية.
بيار أبي صعب: سنعود إلى هذه النقطة بالتفصيل. أستاذ إلهامي المليجي هل نستطيع القول إن العالم برمته يعيش اليوم في زمن التوحش الأميركي والإجرام الإسرائيلي ويقبلهما صاغرا، هذا إذا لم يكن شريكا ومتواطئا؟
إلهامي المليجي: بداية تحياتي لحضرتك ولضيفيك الكريمين وللمشاهدين الكرام. صحيح بالفعل نحن نعيش حالة من التوحش غير المسبوق على الأقل في عصرنا الراهن، نحن في معركة يمكن القول إنها معركة كسر إرادة تستهدف آخر دولة كبرى في الإقليم، تستهدف آخر دولة ما زالت ترفض التحول إلى دولة، تستهدف آخر دولة ترفض أن توقع على صك طاعة الهيمنة الأميركية الصهيونية، من أجل ذلك هي مستهدفة ومن أجل ذلك هذا التوحش تجاه إيران من قبل الإمبريالية الأميركية. إيران تُستهدف لأنها كسرت المعادلة، دولة محاصرة منذ ما يقارب النصف قرن ومع ذلك لا تزال واقفة وثابتة ولديها نسبة عالية جدا من الاكتفاء الشامل. دولة معاقبة بكل العقوبات التي يمكن أن نتخيلها ومع ذلك لا تزال فاعلة، كل الإعلام الغربي يشيطنها ولكنها حتى اللحظة ما زالت قادرة على الردع. دولة لا تهاب ولا تخشى بالرغم من كل هذا الحشد الهائل لترسانة الحربية الأميركية لكنها تحرشت بهذا الحشد، هي تؤكد بأنها لا تزال ثابتة وأن هذا التوحش لا يخيفها لأنها كما تفضل ضيفك الكريم هي دولة عقائدية، من يقوم على أساس عقائدي لا يخاف الموت ولا يخشى الترهيب ولا يخضع للترغيب. هكذا كانت إيران على مدى ما يقرب من نصف قرن، وما نراه اليوم هو توحش =بدون أقنعة، التوحش موجود منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حين تبوأت الولايات المتحدة الأميركية قيادة العالم، لكن التوحش كان خلف ستارة أو خلف قناع أما حاليا فإن التوحش أسفر عن وجهه بين ممارسة العقوبات والتخريب والتحريض والاغتيالات والحرب الإعلامية غير المسبوقة التي تشيطن الآخر. هذا الشيطان الأكبر كما أسماه الإمام الخميني يقود تحالفا يرى أي استقلال للقرار هو رجيمة من وجهة نظره.
بيار أبي صعب: ننتقل إلى واشنطن، أستاذ سعيد عريقات كيف تنظر إلى هذا الجموح الترامبي الذي لم يعد هناك ما أو من يوقفه، لا توازن رعب ولا ضغط حلفاء ولا شرعية دولية، حتى وكالة الطاقة الذرية تبين بعد حرب الاثني عشر يوما على إيران أنها لعبت دورا تجسسيا فتاكا لصالح أميركا وإسرائيل؟
سعيد عريقات: تحية لك بيار وللمشاهدين الكرام وللزميلين علي وإلهامي. بكل تأكيد هذا هو سؤال اللحظة حقيقةً لكن دعني أعود إلى الخلف قليلاً، علينا أن نتذكّر أن الولايات المتحدة وُلدت إمبراطورية عدوانية، لم تبنِ نفسها كإمبراطورية عدوانية بل وُلدت كذلك وما علينا إلا أن نتذكر أن الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جفرسون أبو الديموقراطية الأميركية أرسل الأسطول البحري الأميركي عام 1801 إلى ليبيا وقام باحتلالها، حتى أن أغنية المارينز اليوم تتحدث عن شواطئ ليبيا. ثانياً كان هناك ما يسمّى الاستثنائية الأميركية، نحن نختلف، نحن لدينا دعم من الله لكي نقود العالم ونهيمن عليه ومن هذا المنطلق جاء مبدأ مونرو الذي اعتمد عليه ترامب ليشنّ عدواناً سافراً على فنزويلا ويختطف رئيسها في الثالث من الشهر الماضي. فإذاً ما نراه من ترامب هو ليس حالة شاذة بل مستمرة، الولايات المتحدة خاضت عدواناً وراء عدوان قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها ودخلت في هذه الحرب من أجل هيمنة رأس المال الأميركي امريكا وهذا حديث آخر، لكن دعني أقول إن هناك انفلاتاً، الرئيس الأميركي الحالي شأنه شأن كل الرؤساء، تذكّر أن كارتر كان أول مَن حاول الاعتداء على إيران في أبريل 1979 بذريعة إنقاذ الرهان وإلى آخره. ومنذ ذلك الوقت كل رئيس أميركي يتحدّث بخطابٍ معادٍ لإيران لأنهم بصراحة يريدون الوضع الذي كانت عليه إيران في السابق، عودة الشاه. علينا أن نتذكر أنه في العام 1952 تآمرت الولايات المتحدة مع بريطانيا للإطاحة بالنظام الديمقراطي في إيران وجاءت بالشاه، هي تريد أن تعود إلى ذلك. لم تقبل بوجود دولة تواجه كما ذكر علي وإلهامي وأنا أثني على ما قالاه بالنسبة لعدم قبول الثورة الإيرانية، فمن هذا المنطلق وللإجابة على سؤالك أولاً من الواضح تماماً أنه ليس هناك مَن يدع القوة الإمبريالية العاتية الأميركية، الولايات المتحدة لها وجود عسكري في حوالى 130 دولة ولديها قواعد ربّما سبعمئة قاعدة في العالم، أساطيلها تجول وتصول في كل مكان، ليس هناك مَن يردعها. اعتدت بشكلٍ سافر على فنزويلا في ظل غيابٍ تام للموقف العالمي الرادع. هناك موقف عالمي لفظي وربّما خطابي لكن ليس رائعاً، فهذا ينسجم تماماً مع المنطق الأميركي العدواني المهيمن في العالم، ولكن دعني أقول بشكلٍ سريع أن إيران تقف في مواجهة منطق القوة المنفلتة بحيث تُدار الصراعات بمنطق الإخضاع لا التسوية. في هذا السياق يصبح الصراع أبعد من كونه خلافاً سياسياً وهنا نتحدث من المنطلق الأميركي، ربّما وجودياً بين مشروع سيادة وطنية ومشروع إقليمي ودولي قائم على الهيمنة وإعادة رسم التوازنات من وجهة نظري.
بيار أبي صعب: شكراً أستاذ سعيد، سنستمع إلى شهادة الأستاذ نجاح محمد علي المتخصّص في الشؤون الإيرانية وهو يرى أن الأمم المتحدة خاضعة لهيمنة الولايات المتحدة، ويطالب العالم بالانتقال إلى معادلة جديدة توقف الغطرسة الأميركية، من لندن نجاح محمد علي.
نجاح محمد علي: لا نستطيع القول إن إيران تقف وحدها في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني اللقيط، لكن الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه من بعض الدول هو دعم محدود لا يرقى إلى تحالفات استراتيجية أو دفاعية. وفق الاتفاقية الاستراتيجية التي وُقّعت أو هكذا وُصفت طويلة المدى أو طويلة الأمد بين إيران وروسيا الاتحادية لا يوجد بند يتعلّق بالعلاقات الدفاعية وعلاقات التعاون العسكري. نعم هناك تعاون نستطيع أن نقول عنه بأنه تعاون استخباري بين روسيا وإيران وبين الصين وإيران، والصين دائماً تتجنّب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية للحفاظ على مصالحها الاقتصادية العالمية. أما فيما يتعلّق بموقف الدول العربية ودول العالم الثالثة مع الأسف بعد انهيار الدولة السورية ورحيل نظام الرئيس السوري بشّار الأسد أستطيع أن أقول إن معظم الدول العربية بما في ذلك المملكة العربية السعودية ودول أخرى في منطقتنا، المنطقة الخليجية كلها تقريباً متواطئة مع الولايات المتحدة الأميركية. دول العالم الثالث أيضًا يعني خطف الرئيس الفنزويلي مادورو أصبح الوضع مختلفاً، أيضاً هذه الدول تقتصر على تأييد دبلوماسي سياسي في وسائل الإعلام لكن هل ستؤدي المواجهة إلى تكريس الهيمنة الأحادية القطب أو الأحادية الاتجاه؟ نعم، هذه المواجهة في الوقت الحاضر تحاول أن تكرّس نظام القطبية الواحدة خاصةً بعد التدخل الذي حصل في فنزويلا وبعدما يمكن أن نسمّيه بالتفاهمات الروسية الصينية من جهة ومع الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. لهذا لا يمكن التعويل أبداً لا على روسيا ولا على الصين وإيران تدرك ذلك جيداً لكنها بالنتيجة تعيش في عالم يجب أن تكون لديها فيه علاقات. الأمم المتحدة تحاول أن تلعب دوراً دبلوماسياً لكنه أيضاً محدود في قضية التوترات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية لكن كما هو ملاحظ أن الولايات المتحدة الأميركية تهيمن بقوةٍ على الأمم المتحدة وأصبحت هذه المنظمة تكريساً لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية، العالم متعدد الأقطاب موجود بالفعل لكن الرئيس الأميركي ومَن معه يحاولون تحجيم وإنهاء معادلة العالم متعدد الأقطاب، ولهذا مع وجود تحالفات مثل بريكس وغيرها لكن يفترض أن تتحوّل المنطقة والدول في العالم إلى معادلة جديدة توقف هذه الغطرسة الأميركية.
بيار أبي صعب: أستاذ فضل الله كالعادة في هذا النوع من الحروب، رأينا في غزة كيف تدخل الإعلام الغربي لتبرير الإبادة، اليوم هناك نفس الحالة، جزء من المعركة هو الإعلام الغربي مثل الغارديان ومجلة التايم اللتين نشرتا معلومات من دون وجود مصدر موثوق، مصدر هشّ جداً مرتبط بالشاه وبجمعيات تموّلها منظمات أميركية للقول إن هناك 30 ألف ضحية خلال اليومين الأوليين من التظاهرات أي عشرة أضعاف الرقم الرسمي المؤكد. في هذه الحالة يمكننا أن نعتبر أن إيران محاصرة، حتى بالنسبة للرأي العام كان المطلوب دفع دول مثل إسبانيا وإيطاليا إلى تصنيف حرس الثورة على قوائم الإرهاب، وكان مطلوباً تهيئة الرأي العام لضربة عسكرية قوية لإيران. هل إيران فعلاً على شفا انهيار كما يروّج الإعلام الغربي بكثرة وبكثافة؟
علي فضل الله: أريد أن أتوجه إلى المستمع العربي والجمهور العربي بالتحديد، من الواضح تماماً أن إيران هوجمت إعلامياً بشكلٍ لا يُصدَّق، قضية مهسا أميني الموثّقة بالصوت والصورة ورغم أن أهلها تحدّثوا شُنَّت حملة بأكثر من 330 مليون تغريدة وإعادة نشر على وسائل التواصل الاجتماعي حول قضية هي في الأصل موضع شك بغضّ النظر عمّا حدث.
بيار أبي صعب: وبمعزلٍ عن أن مهسا أميني مظلومة بشكلٍ أو بآخر.
علي فضل الله: أتوجه إلى المشاهد والمستمع العربي، حتى لو كان لديك صورة سيئة عن إيران أقول لك التفِت إلى أن هناك إعلاماً ضخّ معلومات حول إيران غير صحيحة أو سوداء أو تشويهية أو خلط الحق بالباطل طوال عقودٍ من الزمن. أتوجّه إليه أيضاً بالقول أنه يجب أن يكون لديك مفهوم خاص له علاقة بالوحدة بين المسلمين، الوحدة العربية، المصلحة العربية، التعاون بين شعوب المنطقة والعالم، حتى النُّخب العربية أتوجه إليها بالقول إن هناك ما يسمّى بالأمن القومي العربي وهو مفقود بشكلٍ كامل. إيران هي بلد كبير جداً، هي قارة موجودة على كتف الخليج العربي وبلاد الشام، ليس فقط إيران بل أيضاً الدول المحيطة مثلا تركيا ومصر، أنت لن تستطيع على الإطلاق أن تضمن أمناً قومياً عربياً من دون الأخذ بعين الاعتبار وجود هذه الدول، من مصلحة العرب بالتأكيد التعاون مع إيران وتجاوز الخلافات وبناء ثقة من جديد، لكن للأسف =هناك نوع من الاستجابة غير مفهومة لكل ما يضخّه الإعلام السلطوي في بعض الدول.
بيار أبي صعب: ولكن الوضع الإيراني اليوم في لحظة الحصار، حتى الإعلام الذي يشوّه السردية، موقف إيران، الرواية الإيرانية، القدرة على الصمود بوجه هذه الحملة الكاذبة.
علي فضل الله: صمود إيران لحوالى نصف قرن ضد كل أنواع الهجمات هو دليل على أن النظام قوي، الموضوع لا يحتاج إلى ترويج أن إيران دولة قوية ولكن هناك عنصر أساسي أودّ التركيز عليه، على خلاف الأنظمة بين الهلالين السلطوية الأخرى لأنه بحسب الإعلام الغربي الدولة في إيران سلطوية ، الكل يعرف ويجب أن يعترف أن هناك قاعدة شعبية قوية جدا للنظام نفسه، هناك تقديرات وبالحد الأدنى لدينا عشرين مليون إيراني مستعدون للموت من أجل نظامهم السياسي. البعض لا يحبّ الاعتراف بهذا الأمر، حين تكون لديك نسبةً من هذا النوع فلا يكون هذا النظام سلطوياً وإنما هو نظام له أساس وعمق شعبي حقيقي. الخطوة الأولى لفهم إيران هي الاعتراف بهذه الحقيقة.
بيار أبي صعب: وهذا لا يقلّل من شرعية الاحتجاج ومن الناس الذين يطالبون في ظل ظروف اقتصادية صعبة في إيران. أستاذ إلهامي المليجي الغضب الشعبي في إيران أكثر من مشروع لكن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اعترف بنفسه خلال منتدى دافوس العالمي قبل أيام بصراحة أو بالأحرى بوقاحة مفرطة أن إدارته تعمّدت خنق =الاقتصاد الإيراني وضرب العملة لإثارة الاحتجاجات والاضطرابات، وقد ردّ الزعيم الإيراني المعارض مير حسين موسوي أن هذه السياسة تشكّل عقاباً جماعياً بحق الشعب الإيراني، وأن الانهيار الاقتصادي لن يؤدي إلى سقوط النظام بقدر ما سيؤدي إلى تفكك الدولة وإلى فوضى شاملة وحرب أهلية بدلاً من التحوّل الديمقراطي، ما رأيك؟
إلهامي المليجي: أتّفق معك تماماً، إيران دولة قديمة عريقة والدول القديمة والعريقة حينما يتهدّدها خطر خارجي تتوحّد خلف قيادتها بغضّ النظر عن خلافاتها مع قيادتها، ورأينا ذلك أكثر من مرة خلال حرب الاثني عشر يوماً وأيضاً حين أعلن ترامب وأعلنت كل المنظومة الغربية عن دعمها بكل وضوح للمعارضة، وبدأ ترامب يُصدر تهديداته ويعلن عن دعمه للمعارضة. بالتأكيد هناك معارضة وكما تفضّلتَ نحن مع حقوقها المشروعة ومع حقوق كل الشعوب، والرئيس الإيراني القيادة الإيرانية أعلنت أن هناك مطالب مشروعة بالفعل للاحتجاجات الشعبية، لكن الأميركيين والغرب غذّوا تلك الاحتجاجات لتحقيق أجندتهم، وكأنّ سيناريو ما سمّي بالربيع العربي يعيد نفسه من جديد، خرجت احتجاجات في مناطقنا العربية في مصر على سبيل المثال وتركيا، كانت احتجاجات مشروعة لكن بعد ذلك جاءت قوى أخرى مرتبطة بالغرب وبالمشروع الغربي شدّتها في اتجاه أجندتها. وبالتالي نحن مع المعارضة الحقيقية التي تطالب بحقوقٍ مشروعة لكن المعارضة المصنّعة في الخارج والتي هي أداة بيد الغرب بالتأكيد سيلفظها الشعب الإيراني نفسه.
بيار أبي صعب: حتى الشاه هو أداة بيد العدو الإسرائيلي وليس فقط الغرب. أستاذ سعيد عريقات تدرك إيران أنها لا تستطيع التفوّق في حرب ٍجوية تقليدية ضد التكنولوجيا الأميركية والإسرائيلية، فما هي برأيك أوراق القوة بيدها في هذه المواجهة المصيرية؟
سعيد عريقات: هذا سؤال مهم جداً لكن لو سمحتَ لي أن أعلّق على الوضع الإعلامي، علينا أن نتذكّر وبشكل سريع جداً أن الإعلام في الولايات المتحدة وأنا أدرّس الإعلام في الجامعة الأميركية بواشنطن. الإعلام يخدم المؤسسة الرأسمالية، يخدم الهيمنة الأميركية باستثناءات، طبعاً هناك استثناءات لا بدّ من التغاضي عنها، لكنه دائماً يشيطن ويهاجم لخدمة المصلحة الرأسمالية بالدرجة الأولى. هذا ما رأيناه في تجاربنا الحديثة في المنطقة، كان هناك إعلام مهاجِم بالكامل للعراق ما بين عامي 1990 والاجتياح عام 2003 ، كان هناك إعلام مشوِّه ووحشي في هجماته على الدولة السورية منذ العام 2011 وحتى العام الماضي، وكذلك ليبيا واليمن. نعم إيران تحظى بقدرٍ كبير من الشيطنة والمهاجمة لأنها لا تنسجم مع مشروع الهيمنة الأميركية، نقطة تحت السطر وهم يخدمون ذلك. علينا أن ندرك في الدرجة الأولى، الآن بالنسبة للسؤال، أوراق القوة كثيرة ، أولاً إيران لها حدود مع حوالى خمس أو ست دول، إيران بلد كبير جداً وثلاثة أضعاف حجم العراق، فيها تسعين مليون مواطن يدافعون عن وطنهم ويحبّون وطنهم ويلتزمون بالأولويات الوطنية، لديها قوة عسكرية قوية جداً في في الداخل الإيراني. نعم كما ذكرت ليس لديها "كروز ميسنز" كما تمتلك الولايات المتحدة، ليس لديها قاذفات B52و B1. بالمناسبة يجب ألا نهوّل بالقدرة العسكرية الإسرائيلية التي هي امتداد للقوة العسكرية الأميركية وتأتمر لها بكل معنى الكلمة. الدولة التابعة بالامتياز للولايات المتحدة بالدرجة الأولى هي إسرائيل، فإذاً أنت لديك كل هذه المقدّرات وعدا عن ذلك كما ذكر الزملاء هناك حلفاء وقوى في المنطقة لا تتعاطف فحسب مع إيران ومع حقها في الدفاع عن نفسها بل هي أيضاً مستعدة لأن تساندها بشكلٍ مباشر وبأشكال مختلفة. لديها كما ذكر أيضاً الزملاء علاقات مع الصين ومع روسيا ومع بريكس إلى آخره. الآن رأينا أن دول المنطقة بدأت تشعر تماماً أن التهديد لإيران سيطالها، ولذلك رأينا هذه الحركة المحمومة هنا في واشنطن من قبل العديد من دول المنطقة ودول الخليج التي تقول احذروا لأن ذلك سينعكس على المنطقة بدمار كامل. فإذاً لدى إيران الكثير من القوة ولديها الكثير من الحلفاء ولديها القدرة على الصمود، إيران دولة عمرها خمسة آلاف سنة وبأمكانها أن تصمد.
بيار أبي صعب: نعود إلى مسألة الأحلاف الممكنة أستاذ عريقات، نذهب إلى فاصل قصير ثم نعود.
اهلاً بكم مجدداً أعزائي المشاهدين في هذه الحلقة من "على محمل الجد"، اسمحوا لي أن أعيد الترحيب بضيوفنا: الدكتور علي فضل الله في بيروت، والأستاذ إلهامي المليجي في القاهرة، والأستاذ سعيد عريقات في واشنطن. نصل الآن إلى الجزء الثاني من حلقتنا مع فقرة "على محمل النقد"، توجّهنا إلى الأكاديمي والمحلّل السياسي الأستاذ ابراهيم علوش بسؤالٍ عن أوراق القوة بيد الجمهورية الإسلامية، فأجاب بحذر "عندما يتعلّق الأمر بالصراع مع العدو الصهيوني لا يمكن أن نتوقع كثيراً من روسيا والصين"، ابراهيم علوش من عمّان نشاهد معاً.
إبراهيم علوش: لا شك في أن =الحصار الاقتصادي الذي تعرّضت له إيران أثّر في شعبية النظام داخلياً وهذا هو هدف الحصار الاقتصادي أصلاً كما رأينا من قبل في سوريا وفي غيرها، حتى في فنزويلا إذا شئتم ولكن إيران تجاوزت المحنة وكان امتحاناً صعباً، أعتقد أن الأصعب قد مرّ من ناحية ما يمكن أن يحرّكه العدو في الداخل الإيراني. هناك أوراق قوة تملكها إيران على رأسها وجود كتلة صمّاء منظّمة داخل إيران مؤيدة وموالية للقيادة الإيرانية، ولا أتحدّث فقط عن خط حرس الثورة أو غيره من المؤسسات العسكرية والسياسية وإنما أقصد بين الشعب. هناك نقطة مهمة جداً أن ما حدث حرّك النوازع الوطنية لدى الشعب الإيراني لمواجهة التدخل الخارجي حتى بين بعض المعارضين للنظام، وحتى كما رأينا بين بعض الناس أصحاب التوجه العلماني ورأينا صورهم في الشوارع والفيديوهات. فهذا الأمر يلعب لمصلحة القيادة الإيرانية، ولكن المشهد إقليمياً ودولياً ليس بنفس الصورة أو بنفس الجودة لأن الوضع الدولي بالنسبة لموضوع إيران تحديداً، أقصد روسيا والصين مقيّدتان بمسألة مهمة جداً هي علاقة كل منهما مع العدو الصهيوني. رأينا في سوريا أن روسيا كانت معنيّة باخراج إيران من سوريا وأنها كانت معنيّة بترطيب الأجواء مع العدو الصهيوني. إذاً هناك خط أحمر عندما يتعلّق الأمر بالصِدام مع العدو الصهيوني لا يمكن أن نتوقع كثيراً من روسيا والصين على الرغم من أنهما حاولتا كثيراً في مجلس الأمن وفي غيره أن تخفّفا من القيود والعقوبات على إيران. الوضع صعب ولكنه ليس نهائياً بمعنى أننا لا نستطيع أن نقول إن الامر محسوم أو انتهى ضد إيران، هناك أوراق قوة كبيرة تملكها إيران وباستطاعتها أن تفعّلها وعلى رأسها المنظومة التي تملكها من الصواريخ والمُسيّرات، وهناك امتدادات لإيران في المنطقة ولا أتحدّث عن محور المقاومة فقط، تستطيع أن تفعّل ذلك.
بيار أبي صعب: دكتور علي فضل الله هل تقف إيران وحيدة في قلب الإعصار؟ إلى أي مدى يمكن الرهان على تفعيل محور الشرق إذا جاز التعبير أو الذهاب باتجاه تحالف استراتيجي اضطراري في هذه اللحظة؟
علي فضل الله: دعني أستفيد من هذه الفرصة وطبعاً مشكور على الدعوة للتركيز على جانب ربّما لم يأخذ حقه، بالإضافة إلى ما ذُكر أو ما سيُذكر وهو تغيير العقيدة العسكرية الإيرانية الذي حصل مؤخراً وتمّ الإعلان عن ذلك وأنا أستاذ في قانون الحرب وفقه الجهاد. في الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة بالتحديد لمَن يعرف هذه المصطلحات كان له طابع دفاعي، دائماً يُقال جهاد دفاعي ولذلك خلال 1400 عام كانت كل العمليات ذات طابع دفاعي، في لبنان أول فعل له طابع تكتيكي وهجومي كان في معركة القصير لمَن يتذكر هذه المعركة حيث تمّ الدخول إلى أراضي أخرى تحت عنوان الدفاع الهجومي، ولكن في الحالة الإيرانية أعلن الإيرانيون أن العقيدة اليوم أصبحت هجومية وإذا وجدوا تهديداً وشيكاً داهماً فسيبادرون إلى الهجوم. هذا ليس مجرّد إعلان سياسي قد يتحقق أو لا يتحقق، هذا تغيير منهجي حقيقي لأن الجهاد نوعان ابتدائي ودفاعي.
بيار أبي صعب: إلى مَن يمكن أن تستند إيران من الحلفاء في لحظة المواجهة؟
علي فضل الله: أولاً تستند إلى ذاتها، إيران لم تطلب يوماً دعم الآخرين لأن هناك أمّة كبيرة، هم قادرون وخاضوا تجارب كبيرة سابقاً ولكن أيضاً يجب القول إن لإيران أصدقاء في المنطقة، وأودّ الإشارة في هذه الحلقة إلى ما ذكره معهد بروكينغز الأميركي منذ فترة، قال لا تقولوا وكلاء إيران، هناك قوى لديها قواعد شعبية مؤيدة ومقتنعة بهذه الخيارات، ولذلك يجب أن ألفت النظر إن كان في لبنان أو في اليمن أو في العراق أو في الخليج أو في الشام أنه إذا حصل هجوم وجودي على إيران بحيث استشعر الإيرانيون أن أصل النظام السياسي سينهار وهناك خطر بتفكك إيران حينها لن تعود اللعبة محلية على الإطلاق بل أن مستوى اللعبة يرتفع إلى حد تغيير خريطة المنطقة.
بيار أبي صعب: ماذا عن الصين وروسيا؟ أنا أنطلق مما قاله الأستاذ علوش، هل يمكن أن يكون هناك دورٌ ما لروسيا أو الصين؟
علي فضل الله: التعديلات في الاستراتيجية الروسية والصينية بطيئة إلى حدٍّ ما كالكثير من الهواجس والحسابات. حتى هذه اللحظة لا زال وجود إسرائيل ركناً في السياسة الخارجية الروسية وأيضاً الصينية. برأيي يجب أن يعمل هؤلاء والأكاديميات الصينية والروسية على إعادة قراءة المشهد من جديد لأنه إذا هيمن الأميركيون على منطقة الشرق الأوسط فإن الخطوة التالية ستكون روسيا أو الصين.
بيار أبي صعب: أستاذ مليجي تصرّ واشنطن وتل أبيب على منع إيران من تخصيب اليورانيوم حتى للأغراض السلمية، فيما يغضّ العالم الطرف عن السلاح النووي الإسرائيلي، إيران موقّعة على معاهدة الحد من الأسلحة النووية وهي تخضع للرقابة بينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية ضخمة خارج أي رقابة دولية، كان الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل يصف هذا التمييز بالأبارتايد العلمي ويعتبرها محاولة لإبقاء المنطقة في حالة تخلّف تقني في حين أن امتلاك إيران لتقنية نووية ولو سلمية يكسر الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.
إلهامي المليجي: لنتّفق مبدئياً على أن إطلاق شعار الهجوم أو الحصار أو كل ما تتعرّض له إيران بسبب مشروعها النووي هو ذريعة وليس سببباً، وكما تفضّلتَ إيران موقّعة على معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي. أيضاً إيران تخضع لتفتيش دوري لكن على الجانب الآخر هناك دولة تملك سلاحاً نووياً ولا تخضع للتفتيش من وكالة الطاقة الذرية ولا يتمّ التطرّق إلى هذا الموضوع بل هي محميّة من النظام الأوروبي بأكمله بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. المشهد بالفعل فيه شكل من أشكال العبث، هناك دولة تمتلك السلاح النووي ولا تعاقَب ولا يمسّها ودولة أخرى لم تمتلكه، ألم تقل إسرائيل خلال حرب الإثني عشر يوماً إنها ضربت المخزون المخصّب في إيران! إذاً لماذا تهدّدها مجدداً، ترامب أعلن ذلك والكيان الصهيوني كذلك إذاً لماذا يهددان بضربها مجدداً؟ إذاً القضية ليست في امتلاك السلاح النووي وإنما من أجل قرارها السياسي.
بيار أبي صعب: ترامب أعلن في حرب الإثني عشر يوماً أنه قضى على إمكانات إيران وحين كذّبه الإعلام الأميركي غضب، هو قال أنا قضيتُ عليه فلماذا يعود الآن إلى الابتزاز باسم التخصيب النووي؟
إلهامي المليجي: بالضبط، المقصود هو قرار إيران السياسي، المقصود هو الدولة الوحيدة في المنطقة والتي ما زالت خارج الحظيرة الصهيو – أميركية المطلوب إخضاعها، هذه هي المشكلة الحقيقية. المشكلة في أن هناك دولة ما زالت خارج السرب الأميركي، دولة ما زالت ضمن استراتيجيتها تحرير فلسطين أو القضاء على الكيان الصهيوني، بالتالي هي تبقى دائماً هدفاً أو في مرمى النيران الصهيو – أميركية .
بيار أبي صعب: أستاذ سعيد عريقات هناك فقرة شهيرة للكوميدي الأميركي جون ستيوارت يسخر فيها من البروباغاندا الإسرائيلية وسياسة التهويل معلّقاً على تحذيرات نتنياهو المتكررة منذ العام 2012 من أنها مسألة أسابيع ويصبح السلاح لديهم قبل أن تستحوذ إيران على الترسانة النووية بأيام. هل ما يهمّ ترامب هو فعلاً النووي الإيراني كما تحدّث الأستاذ مليجي أم التحدّي الذي تشكّله الجمهورية الإسلامية لإسرائيل والهيمنة الأميركية؟
سعيد عريقات: النووي الإيراني هو ذريعة، الهدف الأساسي للولايات المتحدة وللاستعمار الغربي ككل منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم هو الإبقاء على إيران في معسكر الإمبريالية الأميركية كما كان عليه الشاه في الماضي، وألا تكون هناك ممارسة سيادية على النفط الإيراني، هذا هو ما يعترضون عليه، السيادة التي تمارسها إيران أو فنزويلا أو العراق في السابق من السيادة على المقدّرات النفطية. النووي الإيراني هو ذريعة، دعني أقول إن كل الخبراء وأنا واكبتُ هذا الشيء وحضرت اجتماعات فيينا في 2015، الكل اتّفق وأقرّ بأن الاتفاق النووي الذي توصّلت إليه (المتحدة) ولجنة العمل المشتركة هو أفضل اتفاق ممكن وهو لن يسمح لإيران على الإطلاق بامتلاك سلاح نووي، هذه كانت باستمرار ذريعة هم يستخدمونها كعنوان لا أكثر أو واجهة للصراع، لصراعٍ أعمق بكل تأكيد. دعني أقول لك كنا في مؤتمر صحافي يوم أمس مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وقال صراحةً إن إيران تفعل كذا وكذا وتعيث فساداً في المنطقة، ولن نسمح لإيران أن تمتلك صواريخ بالستية لأن ذلك يشكّل خطراً على إسرائيل. فإذاً دائماً هناك شيء ما أما الملف النووي فكما ذكرتَ أنت والزملاء وأنا كتبتُ في هذا الموضوع، الرئيس الأميركي خرج على الملأ وقال لقد دمّرناه بالكامل، دمّرنا نطنز وفوردو وأنه لن تقوم لهم قائمة فكانت هذه الذريعة، ثم صارت الاحتجاجات فقال نحن نريد أن نحافظ على حياة المتظاهرين ومن ثم نريد إلغاء الإعدامات. فإذاً دائماً هناك ذريعة والهدف هو الإطاحة بالدولة الإيرانية كما اطاحوا بالدولة العراقية في 2003، وكما أطاحوا بالدولة السورية والدولة الليبية، فإذاً هذا هو الهدف يتّخذ ربّما واجهاتٍ مختلفة وكلمات مختلفة كذريعة لا أكثر.
بيار أبي صعب: شكراً أستاذ سعيد. دكتور علي فضل الله إعلام العدو مثل معاريف وغيرها قالوا إن الهدف الأميركي الأساسي كما قال الأستاذ عريقات هو الذهاب باتجاه تفكيك الحلف الذي يضمّ روسيا والصين ويوغسلافيا وكوريا الشمالية وإيران. برأيك هل هذا هو الهدف الحقيقي، أميركا تحارب الصين في إيران وفي فنزويلا وغيرها؟
علي فضل الله: أعتقد أنه يجب أن نلتفت إلى أن الغرب هو في مرحلة متقدّمة ومتأخّرة إذا صحّ التعبير من العمر الحضاري، أدعو إلى قراءة بول كينيدي المعروف في العام 1987 حول صعود وهبوط الإمبراطوريات. نوع التوحّش الغربي الذي نراه هو استثنائي، لماذا كل هذا التوحش وهذا الاندفاع، ما شهدناه في مجموعةٍ من الساحات ومنها فلسطين كان دليلاً على ذلك، كل هذا الإصرار، كل المؤشرات الموجودة الآن في الغرب إن كانت أميركية أو أوروبية اقتصادية وثقافية وحتى سياسية تشير إلى نوعٍ من التردّي،لا توجد أي فلسفة جديدة أو نظريات جديدة،.هم يعرفون ذلك ويخافون من فقدان كل هذه المزايا التي تمتّعوا بها طوال قرنين من الزمن، لذلك هناك المزيد من الاندفاع والامتداد المفرط من أجل تفكيك كل ذلك، ولكن يجب أن نلتفت إلى أن العالم غير الغربي وهو 89% من سكان العالم هناك وعي كبير، حتى في أفريقيا حصلت عشرة انقلابات خلال ثلاث سنوات، تسعة منها كانت ضد الأوروبيين. هناك متغيّرات كبيرة تحصل وأعتقد أن الوعي الشعبي سيدفع تدريجياً الشعوب إلى الضغط على حكوماتها من أجل إحداث تغييرات. في الداخل الأميركي هناك حالة من الإطباق والإغراق والإعلامي، مثلاً في قضية جيفري إبستين لاحظتُ أن هناك مشكلة في الاستجابات، لم نشاهد انتفاضات شعبية على كل هذا التدمير المنهجي للقيم. بجملةٍ واحدة حتى لو لم يتحرّك الروسي أو الصيني أو غيره فإن غباء الغرب بهدف حشرهم في الزاوية قد يؤدي بهم إلى التحرك.
بيار أبي صعب: أستاذ إلهامي المليجي هل تمتلك واشنطن بديلاً قابلاً للحياة في إيران أم أن الهدف النهائي هو الصوملة أي تحويل إيران إلى جغرافيا محطّمة وغارقة في الفوضى لتأمين أمن إسرائيل لعقودٍ قادمة؟
إلهامي المليجي: حاولت الإدارة الأميركية أكثر من مرة أن تطبّق نموذج أو أن تخلق نموذج صوملة في إيران ولم تستطع ولن تستطع لاعتباراتٍ عديدة ذكرها الزملاء في الحلقة. إيران دولة عقائدية ولديها جيش عقائدي ولديها الكثير من المقوّمات الحضارية والطبيعية التي تجعلها غير قابلة للصوملة، لكن أنا أرى أن إيران لن تسقطـ والكلام عن سقوطها هو ضربٌ من خيال ترامب وفي صالح المنطقة بأكملها، وهذا ما يفسّر التحرّك المحموم من قبل كل قادة المنطقة بمن فيهم دول الخليج لوقف جموح ترامب تحديداً لضرب إيران، وبرأيي أن الإدارة الأميركية أدركت أنه ليس من السهل أن تضرب إيران، يمكن إضعاف إيران بشكل أو بآخر ويمكن اختراقها وتنفيذ اغتيالات وقد مارسوا الاغتيالات في إيران منذ العام 1979 حتى اليوم، والاغتيالات الأكبر حدثت خلال حرب الإثني عشر يوماً، هذه الأمور قد تحدث، إيران من الدول القادرة على تجديد نفسها. لاحظنا في الحرب الأخيرة أن عدداً من قادة إيران اغتيلوا ورغم ذلك أُعيدت الهيكلة بسرعة وهم تحت النار، وبالتالي فكرة أو وَهْم صوملة إيران أو إضعافها أو إسقاطها هو وَهْم وليس في صالح المنطقة بأجمعها بما فيها الأنظمة الموالية أو المرتبطة بالمشروع الأميركي، ليس في صالحها ولا في صالح المنطقة أن تسقط إيران. في النهاية خضعت الإدارة الأميركية للشروط الإيرانية فيما يتعلق بالمفاوضات، الإدارة الأميركية طرحت أن تكون المفاوضات في مكانٍ بعينه وبحضور عدد كبير لكي يحوّلها ترامب إلى همروجة إعلامية، وإيران أدركت ذلك بذكاء وحنكة، لديها تراكُم خبرة في التعامل مع الغرب.
بيار أبي صعب: أشكرك أستاذ إلهامي المليجي. سؤال أخير لك أستاذ سعيد عريقات، إيران هي اليوم الدولة الوحيدة التي تملك القدرة على مساندة أي مقاومة أو حركة تحرر حقيقية في فلسطين والعالم العربي. كتب أحد المعلّقين "إن سقوط إيران يعني أن بلادنا ستدخل عصراً من الانحطاط قد يدوم طويلاً"، ما رأيك بهذه المقاربة كي نختتم هذه الحلقة؟
سعيد عريقات: بشكل عام هذه مقاربة صحيحة، علينا أن نتذكر أن محور المقاومة تكبّد ضرباتٍ هائلة بسقوط الدولة السورية المسانِدة الممانِعة المواجِهة للعدو الصهيوني وللبرنامج الأميركي في المنطقة. كذلك الضربات التي وُجّهت للمقاومة في لبنان أيضاً، نحن نرى اليوم أن المقاومة في غزّة إلى حدٍّ ما تبدو محاصرة وتبدو لوحدها كما يُقال. فإذاً بكل تأكيد أن سقوط الدولة الإيرانية وأنا في تقديري هذا لن يحدث لأن سقوط الدولة الإيرانية سيشكّل كارثةً لكل مَن يقول لا في المنطقة، ليس فقط للمقاومة الفلسطينية بل أيضاً لاحتمالات التخلّص من الهيمنة الغربية والإمبريالية في المنطقة ككل، وعبرها ستصبح المنطقة كما ذُكر كثيراً بغياب إيران كعنصر مواجهة في وجه المشروع الإمبريالي. بكل تأكيد ستصبح المنطقة مشاعاً لهذه البرامج. أريد أن أعلّق على ما قاله صديقي العزيز إبراهيم علوش، أعتقد أن روسيا والصين لن تساندا إيران عسكرياً لكن ستكون هناك مساندة أقوى كلما اشتدّت الحملة والضربة، سيكون هناك دعم عسكري غير مباشر مثل صواريخ إس 300 أو 400 إلى اخره، وسيكون هناك ارتفاع في شراء النفط من قبل الصين وسنرى الكثير من التدابير التي قد تُتّخذ من قبل روسيا والصين لتدعم الصمود الإيراني.
بيار أبي صعب: أستاذ سعيد عريقات أشكرك. كلمة الختام للمفكر الإيراني الراحل علي شريعتي فيلسوف الثورة الاسلامية "الاستعمار لا يخشى صلاتك وصيامك، إنما يخشى وعيك وفهمك لحقيقة الصراع، فإذا أضاع الإنسان هويته بات من السهل إخضاعه واستعباده"، وللفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه "السيادة الحقيقية أن تفرض قِيَمك في عالمٍ يحاول تدجينك" .شكراً لضيوفي مع حفظ الألقاب: علي فضل الله، وإلهامي المليجي، وسعيد عريقات، شكراً على المتابعة وإلى الأسبوع المقبل.