أنطون ساسلاند - الخبير الاقتصادي والمتخصص بإدارة الثروات

تشهد أسعار الذهب ارتفاعًا غير مسبوق يثير تساؤلات واسعة حول أسبابه وحدوده. في هذه المقابلة، يوضح الخبير الاقتصادي والمتخصص في إدارة الثروات أنطون ساسلاند أن هذا الارتفاع يعود أساسًا إلى موجة مضاربات حادة، تكبّد خلالها المضاربون خسائر تقارب تريليون دولار خلال أسبوع واحد. ويرى ساسلاند أن وصول أونصة الذهب إلى 5500 دولار رقم غير منطقي، مشيرًا إلى أن السعر الواقعي يتراوح بين 3500 و4000 دولار. كما يتناول تأثير التوجّه الجديد للاحتياطي الفدرالي الأميركي في تعزيز قوة الدولار، وانعكاس ذلك على الأسواق العالمية. سياسيًا، تناقش المقابلة احتمال فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية الأميركية، وما قد يترتب عليه من إضعاف لموقف دونالد ترامب وتحسّن في أداء الأسواق المالية. كما تتوقف عند دور عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وأوكرانيا في دفع أسعار المعادن الثمينة إلى مستويات قياسية. فهل نحن أمام فقاعة مضاربات أم واقع اقتصادي جديد؟ إجابات وتحليلات في هذه المقابلة.

نص الحلقة

 

موسى عاصي: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا أينما كنتم في هذا اللقاء الخاص من جنيف مع الخبير في الشأنين المالي وإدارة الثروات السيد أنطون ساسلاند. سنتحدث مع ساسلاند حول مجموعة من الملفات الساخنة في هذه المرحلة، لاسيما مسألة الذهب: ارتفاع، انخفاض الأسعار، مسألة الدولار: ارتفاع، انخفاض الأسعار، وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي.

أهلاً وسهلاً بك سيد أنطون. سؤالي الأول هو: ما الذي يجري حالياً في الأسواق المالية؟ الذهب يرتفع ثم ينخفض بشكل سريع جداً، الدولار ينخفض ثم يرتفع. ما الذي حصل خلال الأسبوعين الماضيين؟

 

أنطون ساسلاند: شكراً على طرح هذا السؤال. ما حدث في قطاع المعادن الثمينة يشغل بال الأسواق التي تتحدث عن الذهب والفضة أكثر من أسهم إنفيديا وما يحدث في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن ما جرى بشأن المعادن الثمينة هو فقاعة قادمة على المضاربة. لذلك شهدنا تهافتًا على هذه المعادن الثمينة على نحو غير مسبوق. لم نشهد يوماً تهافتاً كهذا على الذهب والفضة إلا منذ عقود، وذلك يرتبط بسياق عام يقلق المضاربين والمستثمرين على المدى البعيد.

لقد ذكرتم نقطة الدولار، وهذه مسألة أساسية. فقط انخفض الدولار على نحو كبير منذ سنة ونصف السنة، وقد أتت إلى الحكم إدارة أمريكية قلبت الطاولة بالكامل. نشهد وجود إدارة على نحو غير قابل للتنبؤ أكثر بكثير من الماضي، إلى جانب التوترات الجيوسياسية التي لم نشهدها منذ فترة طويلة.

إذاً، هو سياق حيث نفهم بطريقة واضحة أن المستثمرين قد اعتبروا أن الفضة والذهب أدواتان بديلتان تسمحان لهم بحماية أموالهم في حال وجود صعوبات السوق وتعقيداته. لسوء الحظ، حدثت تجاوزات. لسوء الحظ، ما نراه فيما يتعلق بالمعادن الثمينة أننا شهدنا تجاوزات كتلك التي عرفناها منذ 25 عاماً في ما يتعلق بفقاعة dot com، وكذلك فيما يتعلق بأسهم مثل مودرنا وبيونتك كما حدث في جائحة عام 2020، وهذا يشبه ما جرى مع أسهم زوم في العام نفسه عندما اعتقد الجميع أن الناس لن يعملوا بعد اليوم في المكاتب كما كان الوضع سابقاً. يمكننا أن نفهم أسباب ارتفاع الأسعار، لكن يمكن أن نفهم على نحو واضح وموضوعي ما يفسر الارتفاع الهائل الذي حدث.

 

موسى عاصي: ولكن خلال الأسبوعين الماضيين كان التحرك سريعاً جداً. هل هو فقط نتيجة المضاربات في الأسواق المالية، أم هناك ربما من حقق أرباح هنا؟ نتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية: حققت أرباحاً من خلال ارتفاع سعر الذهب بهذا الشكل ثم تراجعه العنيف؟

 

أنطون ساسلاند: أعتقد أنه من السهل أن يُتبَيَّن من هو مسؤول عن أي ممارسة في هذه الفترة، إذ إننا لا نملك معلومات كافية بشأن ما حدث. لكن ما نراه هو بناءً على قراءة التقرير الصادر عن مجلس الذهب العالمي الذي صدر الأسبوع الماضي، فقد رأينا أن طلب باعة المجوهرات قد انخفض، وأن المصارف المركزية لم تشترِ الذهب، بل خفضت مخزونها منه عام 2025. لكن المصارف المركزية تتصرف بحذر شديد. وبالتالي فإن هذا الأمر مرتبط بجهات لم تشترِ الذهب على نحو كبير في الأسابيع القليلة الماضية. بل ما جرى هو أن الأفراد يريدون أن يضاربوا بناءً على أسعار المعادن الثمينة، واشتروا الذهب بكميات هائلة، ومن ثم اشتروا الفضة، معتبرين وجود تباين بين ارتفاع أسعار الذهب وأسعار الفضة هو أن الفضة باتت تمثل معدناً معقول التكلفة مقارنةً بالذهب.

 

موسى عاصي: هل هناك خوف على تراجع الذهب أكثر، أو ربما ارتفاعه خلال العام 2026؟ ما هي التوقعات بالنسبة للذهب تحديداً؟

 

أنطون ساسلاند: أعتقد أننا سنشهد انخفاضاً أكثر من مرة في هذه الأسعار، وهذا ما حاولت أن أفسره بطرق مختلفة. أولاً، يُعزى ذلك إلى السعر. في نهاية المطاف، اليوم إن فكرنا في القيمة الموضوعية للذهب، فهو من المعادن الثمينة. وعلى عكس العقارات التي يمكن أن ترتفع أسعارها من خلال عائدات الإيجارات، وعلى عكس الأسهم التي تحقق الربح من خلال عائداتها، ذلك لا ينسحب على الذهب. والتكلفة لاستخراج الذهب هي تقريباً 1400 دولار للأونصة الواحدة. وبالتالي، فبالطبع شركات التعدين تأخذ هامشاً عشرة في المئة إلى 15 و20، لكن بذلك فإن سعر الأونصة سيكون 1800 تقريباً. وهذا السعر يمثل الحد الأدنى مع مراعاة عدم اليقين الجيوسياسي. لكن برأيي، هذا الجانب سيكون أثره أقل من السابق، ويجب أن يُراعى الأمر على نحو موضوعي من دون أن يُتخذ موقف حيال التطورات السياسية. لكن لا شك في أن بعض العناصر تفيد في أن الأخطار الجيوسياسية قد تتراجع إلى حدٍّ ما.

أما بالنسبة إلى ما يحدث في الشرق الأوسط ومناطق عديدة من العالم، فإننا نرى بالطبع حدوث بعض المحادثات، تحديداً بالنسبة إلى الوضع في إيران، وبين أوكرانيا وروسيا، وربما على نحو أهم لا بد من أن نراعي الانتخابات نصف المرحلية التي ستنظم في الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وبالنسبة إلى الأسواق التقنية، من المتوقع أن يحصل الديمقراطيون على أغلبية مجلس النواب، وبالتالي فإن الأغلبية التي يملكها ترامب حالياً لن تبقى في مكانها. وهذا سيؤدي إلى تقلب في السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، ما من شأنه أن يمنع كل هذه التقلبات والتطورات الغريبة التي شهدناها منذ بضعة أشهر.

 

موسى عاصي: من يستفيد من ارتفاع سعر الذهب اليوم؟ وهل لتعيين الحاكم المركزي الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية، كيفن وورش، هل تعيين هذا الشخص كحاكم مركزي للفيدرالي الأمريكي يمكن أن يغير اتجاهات سعر الذهب، سعر الدولار، في هذا الاتجاه أو ذاك؟

 

أنطون ساسلاند: هذا سؤال جيد جداً. بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال، من استفاد من ارتفاع أسعار الذهب؟ الواقع يفيد بأن هذا الارتفاع لم يعد بالنفع على عدد كبير من الأشخاص. بالنسبة إلى باعة المجوهرات، هذا خبر سلبي. كثر تذمروا من ارتفاع الأسعار لأن الطلب انخفض. وبالنسبة إلى المصارف المركزية، ارتفاع أسعار الذهب ليس بالخبر الجيد، لأنها إن أرادت أن تنوع احتياطها من الذهب، فسيكون من المكلف عليها أن تشتري الذهب بالأسعار الحالية. بالنسبة إلى بعض القطاعات التي تستهلك الذهب، فإن ارتفاع الأسعار ليس خبراً جيداً. ارتفاع هذا السعر أفاد المضاربين، لكن المضاربين اليوم يواجهون خسارة كبيرة. فقد شهدنا إصدار طلبات أدت إلى تغطية الهامش الأسبوع الماضي يوم الجمعة، وكذلك هذا الصباح وخلال اليوم. وبالتالي، فإن ارتفاع سعر الذهب أدى إلى خسارة للجميع. والأمر سيان بالنسبة إلى أسعار الفضة. سعر الاستخراج في العالم هو 14 دولاراً كحد وسطي، وهذا بعيد عن المستوى الحالي.

أما بالنسبة إلى السؤال بشأن كيفن وورش، فهذا سؤال مهم، لأنه من غير الواضح اليوم بعد ثماني سنوات من جيروم باول، الذي بات شخصية معروفة في وول ستريت. لكن بالنسبة إلى الحاكم الجديد، بناءً على ماضيه =وتاريخه، هو شخص عُرف كأحد الصقور، وقد كان ملتفتاً لموضوع التضخم، وأراد أن يتصدى لمعادلات التضخم. فقال على نحو أساسي: "لا أريد أن ترتفع ميزانية الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية". وخاصة في كثير من المصارف المركزية، ميزانية الاحتياطي الفيدرالي تزايدت عشرة أمثال مع مرور الوقت، تحديداً مقارنة بين اليوم وقبل الأزمة المالية، وكذلك خلال عام 2008 خلال الأزمة المالية، وخلال جائحة كورونا. إذا كان لا بد من خفض هذه الميزانية، وأن سعى الاتحاد الفيدرالي إلى أن يخفضها، فهذا يعني أنه لن يستثمر على نحو مستمر في السندات الأمريكية، وذلك يعني أن مردودها سيرتفع وستتقدم قيمة الدولار. وإن ارتفعت قيمة الدولار، فهذا عنصر يساهم في خفض أسعار المواد الثمينة.

تجدر الإشارة كذلك إلى أنه في إطار السياسة الأمريكية، فإن العنصر الأهم بالنسبة إلى الناخبين هو معدل التضخم. لذلك فإن السؤال الذي يُطرح هو: هل ستتوقف الأسعار عن الارتفاع؟ هل سنشهد استقراراً في السوق؟ وإن أردنا أن نخفض معدلات التضخم، فالعملة القوية هي من العلاجات. إن نظرنا إلى البلدان، فإننا نرى أنه عندما تكون عملتها قوية، تكون معدلات الفائدة منخفضة، كسويسرا مثلاً. وإن كانت العملات ضعيفة، فترتفع معدلات الفائدة، كما هي الحال في تركيا، وإلى حد أقل في البرازيل والأرجنتين. بالتالي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تخفض أسعار المعادن الثمينة، يعني لا بد من أن تعزز قوة الدولار. لذا، فقد نشهد ارتفاعاً في أسعار الدولار.

 

موسى عاصي: قيل خلال الأسابيع الماضية إن دونالد ترامب هو من دفع سعر الذهب للارتفاع لأنه يريد سداد الديون الضخمة للولايات المتحدة الأمريكية من الفارق بسعر الذهب، من الأرباح من سعر الذهب. إلى أي مدى هذا الأمر صحيح؟

 

أنطون ساسلاند: من الصعب أن نتبين إن كان ذلك حقيقياً أم لا. لا نملك معلومات كهذه، وقد لا تنتشر قبل بعض الوقت. لكن ما يمكننا قوله هو إن الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي، يتمتعان بمخزون من الذهب، لكنه البلد الأكثر استناداً في العالم. وكمية الذهب التي تملكها أمريكا لا تسمح لها بإحداث فارق كبير بالنسبة لخفض هامش الدَيْن.

تجدر الإشارة كذلك إلى أننا لا نعرف ما هي المواقف التي يرتبط بها ترامب وأسرته في سوق الذهب. لكنها أسرة مرتبطة على نحو كبير بالعملات المشفرة. وهذه العملات لا تستفيد إن ارتفعت أسعار الذهب. التي إن ارتفعت، فإن الناس سيقلقون، وبالتالي سيكونون ميالين إلى الابتعاد عن الخطر والاستثمار في الأصول المشفرة، ما يعني خطراً أكبر بالنسبة إلى ترامب وعلاقاته والشركات التي يرتبط بها. فهو مهتم بخفض الأسعار ليُناصر الناس الاستثمار في العملات المشفرة. وهنا تكمن الأصول الأساسية لعائلة ترامب.

 

موسى عاصي: ولكن ما رأيناه خلال الأسبوع الماضي، عندما انخفض سعر الذهب، انخفضت أسعار الأموال الرقمية، البيتكوين وغيرها؟

 

أنطون ساسلاند: صحيح. وهذا =يظهر أن الأسواق اليوم في حال من القلق، وإن الشهية إلى الخطر لدى المستثمرين منخفضة. الناس ما عادوا طاقين إلى المخاطرة. المخاطرة التي حدثت بالنسبة إلى أسعار الفضة كانت مبالغاً فيها، والناس ما عادوا يرغبون في المجازفة بشراء العملات المشفرة. بعض المستثمرين الذين يملكون عملات مشفرة، إن رأوا مثلاً أن العملات المشفرة عادت تجذب الناس، فإنهم ينتقلون لشراء الذهب والفضة. ومن الممكن أن نرى أن بعض المستثمرين قد يطالبون بتغطية هوامش التكلفة، لذلك انتقلوا إلى شراء الذهب. ولهذا فإن بعض العملات المشفرة كانت لهم محافظ مالية، وإن واجهوا مشاكل في تغطية الهامش، فسيضطرون إلى بيع ما يملكون من ذهب.

 

موسى عاصي: هل لارتفاع سعر الذهب تداعيات، أو انخفاض سعر الذهب تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي؟

 

أنطون ساسلاند: التداعيات محدودة. علينا ألا ننسى أنه بالنسبة إلى سعر الذهب، فإن امتداد ذلك في بعض القطاعات محدود. بالنسبة إلى الطلب عليه، 20 في المئة من الطلب من باعة المجوهرات. في الصناعة نسبة متدنية. البنك المركزي والمضاربون مسؤولون عن الطلب الأساسي. لذلك فإن انخفاض سعر الذهب لن يلقى هذا التأثير.

بالنسبة إلى الفضة، فالطلب عليها بنسبة ثلثين موجود في قطاع الصناعة، فهي مستخدمة في بعض القطاعات مثل الكهرباء. لذا، فإن انخفاض سعر الفضة خبر إيجابي، لكن الأثر على مستوى الاقتصاد منخفض جداً.

في الواقع، هذه معادن تُستخدم على نحو أساسي لأغراض الاستثمار، وقلما تُستخدم في الصناعات والقطاعات. وبالنسبة إلى ارتفاع أسعار الفضة، فإن قطاعات عديدة أرادت أن تتعامل بفعالية أكبر عبر استخدام الفضة، أي أن تخفف استهلاكها للفضة. وبالتالي، فإن انخفاض أسعار الفضة والذهب أدى إلى انخفاض الثروات لدى المستثمرين على نحو أساسي. فالناس قالوا: "لقد خسرنا الكثير من خلال الاستثمار في الفضة والذهب، لذلك سنخفض هذه الأكلاف من خلال الاستثمار في أسهم مختلفة".

 

موسى عاصي: لكن رأينا أيضاً أن المستثمرين الكبار، بدل الاستثمار في الاقتصاد، يستثمرون في الذهب. أليس لهذا الأمر تداعيات على الاقتصاد؟

 

أنطون ساسلاند: في الواقع، الصورة ليست هكذا. إن عدنا إلى ما قاله وارن بافت، وهو أننا إن أخذنا كل الذهب الذي جرى تعدينه منذ بداية الإنسانية، فسنحصل على مكعب من عشرين متراً من كل جهة، وسيبقى على حاله على مر مئات ملايين السنين لأنه معدن لا =يتآكل مع الزمن ولا يولّد ثروات.

لذا، في الماضي عندما كانت الاقتصادات أصغر، كان الناس ينظرون إلى الذهب كقيمة مضمونة. لكن اليوم، الاقتصادات بات حجمها هائلاً إلى حد أن الذهب باتت مساهمته متدنية جداً. سأعطيكم رقماً: بالنسبة إلى الكمية الإجمالية من كل الذهب الذي جرى استخراجه في تاريخ البشرية، فهو اليوم يمثل قيمة الأسهم على مستوى مؤشر S&P 500. إن أردنا أن نشتري كل الأسهم في مؤشر S&P 500، فلن يكفي كل الذهب. وبالتالي، هذه المعادن ليس لها قيمة فعلية على مستوى الاقتصاد أو فائدة واستخدام فعلي.

وبالتالي، فإن الناس إن بدأوا ينظرون إلى الخطر الجيوسياسي، وإن كان ينخفض — وتحديداً الخطر الجيوسياسي الأمريكي — فسيقولون إنهم يفضلون شراء شيء سيجني لهم المال في نهاية المطاف. إن اشتروا عقاراً، يمكنهم أن يؤجروه، وهذا يعود عليهم بمردود. والأمر سيان بالنسبة إلى الأسهم وما تقدمه من مردود. لكن بالنسبة إلى الذهب والفضة، فالأمر يشبه شراء العملات المشفرة: نأمل أن يشتريها أحدهم بسعر أغلى مما دفعنا، لكن لا ضمان في ذلك.

 

موسى عاصي: عندما نقول المصارف المركزية لم تشترِ الذهب خلال العام الماضي، ولكن المصرف المركزي الصيني يُقال إنه اشترى بحدود 1000 طن من الذهب؟

 

أنطون ساسلاند: تختلف السياسات بين مصرف مركزي وآخر. فالمصرف المركزي الصيني توجد حالياً مشكلة اقتصادية وسياسية وتنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية. بالنسبة إلى الصين التي كانت منتجاً كبيراً للذهب، من السهل عليها أن تزيد من احتياطها لوجود إنتاج محلي. لكن بالنسبة إلى بلدان أخرى كالبلدان الأوروبية، حيث لا وجود لإنتاج محلي، إن أرادت أن تزيد من مخصصاتها من الذهب، فهي ملزمة شراء الذهب من الأسواق الدولية، ولن تشتريه بهذا السعر.

 

موسى عاصي: كونك مستشاراً مالياً وخبيراً في إدارة الثروات، ماذا تنصح المستثمرين؟ على سبيل المثال، الذهاب للاستثمار في العقارات، في الذهب، في الدولار، في العملات الصعبة، العملات الأخرى — اليورو على سبيل المثال، الفرنك السويسري؟

 

أنطون ساسلاند: في الواقع، أعتقد أن كل هذه العملات لها إيجابياتها وسلبياتها. بالنسبة إلى العملة السويسرية، بالطبع هي مستقرة جداً على مرور الوقت، لكن معدلات الفائدة اليوم هي صفر، وهي سلبية حتى بالنسبة إلى المستثمر الأجنبي. لذلك لا وجود لكثير من المشاريع المثيرة للاهتمام بالنسبة إلى المستثمرين، ولا حتى في مجال العقارات بالنسبة إلى مستثمر أجنبي.

المهم هو ألا نفكر في العملة التي سنشتريها، بل أن نفكر في الأصول التي نشتريها بهذه العملة. مثلاً، إن اشترينا أسهماً في مايكروسوفت وقد انخفضت قيمتها 20 في المئة على مر أسابيع قليلة، لكن يمكن أن أقول: لا يهم إن كانت أسهم مايكروسوفت بالدولار أو اليورو أو الفرنك السويسري، لكنها تبقى شركة جيدة. وهذا هو المهم.

اليوم، المعادن الثمينة أسعارها مرتفعة جداً، وهي مقترنة بكثير من المضاربة. في الماضي، كنا نرى أن المضاربة عندما ترتفع، يمكن للأسعار أن تصل إلى نصف ما بلغت في الذروة.

لذلك، اليوم إن كنا نريد أن نبتعد عن المجازفة، فالمهم أن نتفادى السندات الحكومية، وأن نشتري بدلاً من ذلك أسهماً خاصة بشركات ذات صيت جيد. ليس المهم ما هي العملة التي نختارها لشراء الأسهم، بل ما هي الشركة التي نستثمر في أسهمها.

قال أحدُهم: إن شركة نستله أو نوفارتيس أو شركة زيورخ للتأمين شركات جيدة، لا بد من الاستثمار فيها لأنها جيدة، ويكون الاستثمار فيها مضموناً.

يعتبر أحدُهم أن مايكروسوفت وأمازون شركات جيدة أيضاً، ويجب الاستثمار فيها بغض النظر إن كان الاستثمار بالدولار أم لا. لكن لا يمكن أن نقول من البداية: "لا أريد أن أشتري أسهماً بالدولار"، وبالتالي سأخفض إمكانية الاستثمار لأحصرها بأسهم معدودة أقل ربحية.

مثلاً، الأسبوع الماضي، أصدرت شركة مايكروسوفت نتائج أولية ليست جيدة أو مخيبة بالنسبة إلى المحللين، وقد خسرت أسهمها عشرة في المئة. وكذلك شركة SAP التي خسرت أسهمها في السوق الأوروبية 20 في المئة تقريباً. بالتالي، بناءً على نتائج الأسبوع الماضي، كان من الأفضل أن يستثمر المستثمر في أسهم بالدولار لا باليورو.

بالنسبة إلى العقارات، أعتقد أنه في حال العقارات، فإن العنصر =الأساسي هو صحة الاقتصاد في الولايات المتحدة الأمريكية. نرى أن معدل النمو كبير، لذا هناك طلب على المنتجات التجارية والعقارية. ولهذا، في أوروبا نرى وجود مشكلة بالنسبة إلى الممتلكات التجارية. في سويسرا، يُسجَّل فائض في المكاتب على السوق. وفي أوروبا، وضع العقارات في ألمانيا ليس جيداً. بالنسبة إلى العقارات التجارية في أوروبا، فهي مجازفة. عندما نشتري عقارات للاستثمار، لا بد من أن نركز على أسواق تشهد نمواً، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية.

 

موسى عاصي: تتحدث عن أن هناك نمواً واضحاً في الولايات المتحدة الأمريكية. هل هذا ناتج من سياسة دونالد ترامب، رفع التعرفة الجمركية، أو هذه السياسة التي يحارب بها الجميع دون استثناء ربما؟

 

أنطون ساسلاند: لا على الإطلاق. وعلى نحو موضوعي، يمكننا أن نقول اليوم أن ترامب قد خلق مزيداً من المشكلات بالنسبة إلى الشركات الأمريكية منها الفرص. أهل السياسة عادة يخيبون الأمل، يسعون إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، لكن لا يحدث ذلك. ترامب ورث اقتصاداً في حال نمو، ويشهد قدراً كبيراً من الابتكارات في قطاعات عديدة وصناعات وقطاع التكنولوجيا، وهو يعزو الأمر إلى سياساته، لكن هذا غير صحيح. الاقتصاد كان في وضع جيد قبل ترامب، وكانت الشركات تتجاوز عدم اليقين بفعل كل تصريحاته وإجراءاته بأفضل ما تيسر لها.

 

موسى عاصي: كيف ترى المستقبل المالي للاتحاد الأوروبي؟

 

أنطون ساسلاند: الوضع في أوروبا يبقى أكثر صعوبة. مشكلة أوروبا — ونحن نتحدث عن تجمع بلدان في أوضاع اقتصادية مختلفة وآراء متباينة واقتصادات مختلفة إلى حد بعيد — نرى أن بلاداً مثل إسبانيا وإيطاليا تتعامل بطريقة مائلة أكثر نحو الإيجابية بالنسبة إلى قطاع الخدمات، والأنشطة جيدة. قطاع السياحة في إسبانيا يزدهر، وذلك بفضل أسعار الطاقة المنخفضة، وهي تعتمد على الغاز الطبيعي الآتي من الجزائر.

لكن بالنسبة إلى ألمانيا، فإن أسعار الطاقة وأكلافها مرتفعة =جداً، لأنها في السابق كانت تعتمد على نحو أساسي على إمدادات الغاز الروسي، وقد وجدت بدائل ليست منخفضة التكلفة. بالتالي، فإن ألمانيا اليوم تواجه مشكلة في قطاع صناعة السيارات، وهي مشكلة هيكلية. وكذلك فإن الصناعة في ألمانيا تواجه المنافسة الصينية. وبالتالي، فالوضع مختلف على نحو كبير اليوم بين الاقتصادين الإسباني والألماني، وذلك يتسبب بمشكلات كبيرة بالنسبة إلى أهل السياسة والبنوك المركزية.

 

موسى عاصي: سؤالي الأخير: ما هو سعر الذهب الذي يمكن توقعه خلال العام 2026 أو مع نهاية العام 2026؟

 

أنطون ساسلاند: أعتقد أن السعر المناسب المعقول للذهب من دون مضاربة سيكون بين 3500 دولار و4000 للأونصة.

 

موسى عاصي: شكراً جزيلاً سيد أنطون ساسلاند على هذه المقابلة وعلى كل هذه المعلومات والإحاطة التي أحيطنا بها. وبالفعل كانت مقابلة شيقة.

 

أنطون ساسلاند: شكراً.

 

موسى عاصي: شكراً جزيلاً لكم متابعينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من اللقاء الخاص مع السيد أنطون ساسلاند، الذي تحدث فيه عن الوضع المالي، وضع الذهب، وضع الدولار، الوضع الاقتصادي العالمي خلال الفترة الماضية، وربما أيضاً الفترة المقبلة.