الإستشراف في القرآن الكريم!
معظم دول العالم المتقدّم لا تنتظر المستقبل ليُفاجئها، بل تبادر إلى صناعته عبر التخطيط والاستعداد لمختلف الاحتمالات، إدراكاً منها أن الغد يُبنى بالفعل الواعي لا بردود الأفعال. وفي هذا السياق، كان القرآن الكريم سبّاقاً إلى ترسيخ ثقافة استشراف المستقبل، إذ حفلت آياته بالدعوة إلى النظر في العواقب والتخطيط للمآلات، حتى إن صياغة كثير من أفعاله بصيغة المضارع والمستقبل توحي بحركة الزمن وامتداده. وتتجلّى هذه الرؤية في قصة نبيّ الله نوح عليه السلام، الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم بالحكمة والصبر. وحين أدرك ببصيرته أن إصرارهم سيقود إلى إفساد الأجيال المقبلة، توجّه بالدعاء قائلاً: { إنَّكَ إن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } (نوح: 27)، في تعبيرٍ واضح عن قراءةٍ واعيةٍ لمآلات الحاضر وانعكاساته على المستقبل.