هذا ما حدث | الجزائر، مكة ثوار أفريقيا

تتناول حلقة «هذا ما حدث» الدور المحوري للجزائر كـ«عاصمة للعالم الثالث» ورافعةٍ لتحرر أفريقيا، منذ اندلاع ثورتها عام 1954 وصولًا إلى «عام أفريقيا» 1960. وتستعرض كيف تحولت الجزائر بعد استقلالها إلى مركز دعمٍ عسكري وسياسي ودبلوماسي لحركات التحرر، من أنغولا وموزمبيق إلى مناهضي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كما توثق علاقة الجزائر بـ نيلسون مانديلا، وتدريبه في معاقل الثورة، واعترافه في كتاب الدرب الطويل نحو الحرية بتأثره بالنموذج الجزائري، الذي أصبح مرجعًا لحركات التحرر في القارة.

نص الحلقة

 

تنتهي قصص النضال ضد الاستعمار عادةً بتحقيق الانتصار لكن نادراً ما يُسأل ماذا حدث بعد ذلك؟ هنا في الجزائر استُكمِلت رحلة البطولة وامتدّت لأكثر من شعبٍ وأمّة فكانت القدوة والملهِمة. عاصمة العالم الثالث قادت النضال الأفريقي في وجه المحتل الغربي، فأيُّ دورٍ لعبته  ومع مَن.

 

كان عام 1954 الشرارة الأولى للثورة الجزائرية على المستعمِر الفرنسي، وكانت القارة الأفريقية في تلك الأثناء ترزح تحت وطأة المستعمرات البريطانية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية والبلجيكية أيضاً. وفي عام 1960 وحده حازت نحو سبع عشرة دولة أفريقية استقلالها ومن بينها نيجيريا، الصومال، سيراليون، الكاميرون، السنغال وتوغو و مدغشقر وداهومي، بنين والنيجر وبوركينا فاسو وساحل العاج وتشاد وأفريقيا الوسطى والكونغو برازافيل والغابون، مالي وموريتانيا. كذلك واجه نظام الحكم الديكتاتوري في البرتغال حركات التحرر في مستعمراتها في أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو والرأس الأخضر في مطلع ستينيات القرن الماضي.

ويرى كثير من المؤرّخين أن الثورة الجزائرية أدّت دوراً محورياً في استقلال دول أفريقيا نظراً إلى انتشار العدوى الثورية واستعداد فرنسا للتخلي عن أغلب مستعمراتها في أفريقيا مقابل حشد جيشها لمواجهة الجزائريين والاحتفاظ بالجزائر. 

 

هبة محمود: هل يمكن القول إن الحرب في الجزائر أو الثورة الجزائرية تحديداً ساهمت وسرّعت من عملية الاستقلال هذه؟

 

غادو بوبكر: إذا أردتُ ذِكر بعض المراحل التاريخية يمكننا الاستنتاج أن معظم المقاتلين الأفارقة التقدميين لطالما اتخذوا الجزائر ملجأً لهم، ولطالما كان تاريخ الجزائر مصدر إلهام للشعب الأفريقي، وكل ما نخوضه اليوم من أجل تحرير الشعب الأفريقي مستوحى من النضال الذي خاضه الشعب الجزائري. ومن هذا المنطلق عند ذِكر الجزائر هذا البلد الشقيق والمرجعي وهذا البلد التاريخي نجد تاريخاً ألهمَ حركات التحرّر في أفريقيا.   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نور الدين جودة: العلاقات ما بين المقاومة الجزائرية وبعض الحركات التحررية في أفريقيا كانت قبل استقلال الجزائر. في سنة 1958 أو 1959 بدأنا بتدريب ثوّار أتوا من جنوب الصحراء، لكن بعدما استقلّينا بدأنا بمساعدة تلك الدول مثل موزمبيق وأنغولا وجنوب أفريقيا وناميبيا إلى آخره، كل هذه الدول استفادت من تجربة الجزائر واستفادت كذلك من مساعدة الجزائر بعد الاستقلال. كنا نشعر بأننا غير مستقلّين ما دامت هناك شعوب في القُطر الأفريقي لازالت تحت الاستعمار والتمييز العنصري.

 

كانت المساعدات الجزائرية على غير صعيدً ومستوى وقد بدأت أولاً بالدور العسكري والدعم بالسلاح والتدريب للمناضلين الأفارقة.

غادو بوبكر: ومن خلال التدريب ألهمَ الشعب الجزائري الشعب الأفريقي وساعده كثيراً، لذلك قدّمت الجزائر مساعداتٍ متنوّعة لبلادنا سواءً على مستوى البنية التحتية أم التدريب أم التنمية البشرية. على أية حال إنه تعاون متعدّد الأبعاد لأننا حقّقنا استقلالاً قد نعتبره ممنوحاً، ولكن ثمّة شعوب أخرى في أفريقيا الجنوبية على نحوٍ خاص قاتلت والسلاح في أيديها واستوحت من نضال الشعب الجزائري. وبهذا المعنى فإن المساهمة التي قدّمها الشعب الجزائري لشعوب هذه المنطقة المناضلة بالسلاح لتحقيق استقلالها لا تُقدّر بثمن.

 

لعلّ أوضح الأمثلة على العلاقة الجزائرية الأفريقية هي تلك التي نشأت مع المناضل الأممي نيلسون مانديلا. 

بين نيلسون مانديلا والجزائر علاقةٌ طويلة وعميقة، هذا الملعب أنشأته الجزائر وهو من أجمل المنشآت في أفريقيا وأسمته تيمّناً بالزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا. هذه محطةٌ من محطات العلاقة ولكن كيف كانت بدايتها؟

غادو بوبكر: وليس من قبيل الصدفة  أن يسمّى الملعب الرئيسي في الجزائر ب "ملعب مانديلا"، هو ليس من قبيل الصدفة فحسب إنما الجزائر تعترف بالفعل بأن هذا الرجل يتحلّى بالقيم السياسية الحقيقية نفسها التي يتحلّى بها الشعب الجزائري على نحوٍ عام. لم أتفاجأ أن إسم هذا الملعب هو ملعب مانديلا، فهو يمثّل اعترافاً بالرابط بين نضال الشعب الجزائري من أجل التحرّر والنضال الذي خاضه شعب جنوب أفريقيا من أجل نَيْل استقلاله وسيادته.   

 

كان مانديلا محارباً شرساً من أجل الحرية في بدايات مسيرة نضال جنوب أفريقيا، وقد أرسله المؤتمر الوطني الأفريقي إلى مختلف بلدان القارة السمراء بحثاً عن الدعم والمساندة ضد نظام الأبارتايد العنصري.

 

أحمد كاتب: في جنوب آفريقيا كان يسود نظام الفصل العنصري وبالتالي الغالبية السوداء الأفريقية الأصلية كانت تعاني من وطأة هذا النظام العنصري الذي كبّد الأفارقة خسائر كبيرة بسبب تعجرفه وغطرسته. المؤتمر الوطني الأفريقي قام بإرساء علاقات مع جيش التحرير وإرسال أول فوج للتدريب، وضمن هذا الفوج كان الزعيم نيلسون مانديلا الذي تلقّى تدريبه في المعسكرات على الحدود ثم داخل التراب الوطني الجزائري بعد الاستقلال. 

 

زار مانديلا قوات جبهة التحرير الوطنية في المغرب في وقتٍ مبكّر من عام 1961، ثم في وقتٍ لاحق من ذلك العام سافر إلى الجزائر للمشاركة في تدريباتٍ مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية.

 

التقينا نور الدين جودة الذي كان مسؤولاً عن التنسيق مع مانديلا في الجزائر، وكان الضابط الذي رافقه وأشرف على تدريبه ورعايته في الجزائر. 

 

نور الدين جودة: اتّصل بنا جيش التحرير في العام 1962 وكنا لا زلنا في الحرب، وجاء مانديلا بعدما خرج سرّاً من جنوب أفريقيا لأنه كان ممنوعاً من المغادرة إلى الخارج، فجال في عدد من البلدان الأفريقية لكي يوجِد مثالاً لبناء حرب التحرير في بلاده، فتبيّن له أن المثال الأفضل هو الثورة المسلحة في الجزائر، فجاءني أمر من القيادة لكي نأخد مانديلا إلى ميدان الحرب لكي يرى بعينيه ما هي حقيقة الحرب. فكّرنا أنه لا يمكننا إخضاعه لتدريب عادي مثل باقي المجاهدين لأن هذا قائد أركان فيجب أن نسند إليه مسؤوليات قائد الأركان، ولهذا بقيتُ معه لفترةٍ من الزمن ليتدرّب في هذا الميدان. حين رأى مانديلا القيادة قال أنتم لا زلتم أطفالاً، فقلنا له أن الشبيبة هي مَن حملت السلاح.

 

في مذكّراته بعنوان "الدرب الطويل نحو الحرية" يكتب مانديلا أنه استلهم قِيَم الحرية من الثورة الجزائرية، وأن هذه الأخيرة هي مَن صنعت منه رجلاً. 

مذكرات مانديلا:

الثورة الجزائرية هي النموذج الأقرب إلى ثورتنا لكون المجاهدين الجزائريين واجهوا =جاليةً مهمة من المستعمرين البيض الذين كانوا يحكمون أغلبية الأهالي. كان الجزائريون جيشاً مغواراً يضمّ محاربين كسبوا رُتَبِهم في خضمّ الحروب، وكانوا مولعين بالحرب والاستراتيجية القتالية أكثر منها بالزيّ العسكري والاستعراضات العسكرية. كنتُ أعلم أن قواتنا تشبه أكثر جنود الجزائر وكنتُ آمل أن يحاربوا بمثل هذه البسالة.

 

والحقيقة أن الجزائر أول بلد يزوره مانديلا بعد إطلاق سراحه من السجن عام 1990، كانت هذه الزيارة بادرة عِرفانٍ رمزية أراد من خلالها الاعتراف بالإلهام الذي منحته إياه ثورة الشعب الشمال أفريقي وبالدعم الذي قدّمه ضد نظام الفصل العنصري.

 

 

نور الدين جودة: كنا ندرّب الإخوان الأفارقة حتى بعد انتهاء التدريب خلال فترة الحرب، بعد الاستقلال زدنا أعداد المتدرّبين الأفارقة في الجزائر المستقلة ومنهم بعض الرجال الذين أصبحوا بعد الاستقلال رؤساء دول. 

 

أحمد كاتب: كل هؤلاء الثوريين الأفارقة كانوا يأتون إلى الجزائر ويتلّقون الدعم العسكري والدبلوماسي والسياسي من القيادة الجزائرية. هذا الزُخم الثوري كان طبيعياً بالنسبة للقيادة الجزائرية لأنه لا يمكن أن تكون الجزائر مستقلة حقيقياً إذا لم تستقلّ دول القارة. بفضل الدعم الجزائري للمستعمرات البرتغالية قام الجيش البرتغالي بالانقلاب على الديكتاتورية في العام 1975، ثورة القرنفل كانت بسبب ثورة هذه الشعوب الأفريقية بدعمٍ مباشر من الجزائر.

 

نور الدين جودة: السيّد شريف بلقاسم رحمه الله عندما التقى مانديلا قال له إن نجاح الثورة الجزائرية كان مبنياً على بعض الخطوات وهي أولاً السلاح بيد جيش التحرير، ثانياً تجنيد الشعب الجزائري كله، وثالثاً وهذا شيء مهم جداً خرق السلك الدبلوماسي ما أسميناه "دبلوماسية الحرب" لأنه آنذاك كان العالم كله يعترف بالمغرب أو بتونس كدول تحت حماية فرنسا، ولكنهم كانوا يعتبرون الجزائر جزءاً لا يتجزّأ من فرنسا، وكان علينا أن ننبّه العالم كله بأن هناك شعباً ثائراً يريد استعادة الحرية والكرامة، ولهذا عليكم أن تبيّنوا للعالم كله ما هو الأبارتايد.

 

يقول السيد جودي إن الكفاح المسلّح كان إحدى الركائز التي قامت عليها الثورة الجزائرية فيما كانت المقاومة المنظّمة للشعب الركيزة الثانية، وكان التنظيم الدبلوماسي للثورة الركيزة الثالثة، معادلةٌ ثلاثية حرصت الجزائر على نقلها إلى نضال جنوب أفريقيا. 

 

نور الدين جودة: كل الدبلوماسيات في السفارات الجزائرية تلقّت أمراً بإدراج قضية القُطر الأفريقي كأولوية وبالخصوص في جمعية الأمم المتحدة، وكان لزاماً على العالم كله أن يساعد الثوار الأفارقة ليستعيدوا الحرية والكرامة. حين جاء دور الجزائر لترؤّس جمعية الأمم المتحدة، الرئيس بومدين آنذاك قال لوزير الخارجية هذه الفرصة الوحيدة لكي نطرح مشكلتين أساسيتين هما فلسطين وأفريقيا الجنوبية، حاولنا أن نجد الحل لكي نطرد ممثلي جنوب أفريقيا أو ممثلي التمييز العنصري من اجتماع الأمم المتحدة، ولهذا حصلنا على عددٍ كافٍ لمنع جنوب أفريقيا من الحضور. وانطلاقاً من هذا بدأ هذا الكيان العنصري يُمْنَع في عددٍ من المجموعات مثل اليونسكو والمجموعة الأولمبية وإلى آخره، هذا كان بفضل الدبلوماسية الجزائرية وهذا ما يعترف به الإخوان الأفارقة.

 

أحمد كاتب: الثورة الجزائرية أثّرت في عقيدة مانديلا السياسية والعسكرية، ثورة من أجل استقلال الإنسان كإنسان، هذه الإنسانية هي الفكرة الأساسية التي تشرّبها منديلا في الجزائر.

 

نور الدين جودة: هذا أمرّ مقدّس لدينا ولهذا فإن الجزائر لم تتزحزح عن موقفها الداعم للشعب الفلسطيني، لا نقبل أبداً بالتخلي عن هذه المبادئ، ولهذا فإن موقفنا من مقاومة احتلال فلسطين هو كفاح مقدّس. نظنّ بأن أي شعب في العالم له حق الكرامة والحرية وله حق تقرير المصير. الاتحاد الأفريقي اليوم يعتبر الجزائر دولة على رأس تنمية أفريقيا حيث شرعنا ببناء طريق الوحدة الأفريقية التي تمتدّ من عاصمة الجزائر إلى عاصمة نيجيريا في ليغوس في =ما يتعلق بأنابيب الغاز أو بالنسبة إلى العلاقات البحرية والجوية وآلى آخره، كلها تجعل من أفريقيا قُطراً هاماً يستحق الكرامة والاحترام.

 

أحمد كاتب: أفريقيا اليوم محل أطماع قوى عالمية، لدينا المستعمر السابق وهي فرنسا التي لا تزال لديها استراتيجيات من خلال شبكات، رجال أعمال، من خلال رجال السياسة في بعض الدول الأفريقية. الشيء الأهم هو أن هناك فواعل جديدة تريد الولوج إلى القارة الإفريقية واستغلال ثروات هذه القارة من بينها إسرائيل. وكانت الجزائر مع جنوب أفريقيا، مع نيجيريا، مع موزمبيق، مع مجموعة من الدول قد منعت منح مقعد دولة للكيان الصهيوني.  

 

هبة محمود: ما الذي تحتاجه أفريقيا لتشكيل كيانٍ سياسي واقتصادي فعّال وحقيقي؟ وهل هي على هذا الطريق الآن؟

 

جزيء السيمو هداك تركّز الجزائر في شخصيتها على ثلاث: الأفريقية والعربية والإسلامية. الجزائر لطالما نظرت الى الجنوب وليس نحو الشمال إحنا حارصين على شخصيتنا الأفريقية غادو بوبكر: أفريقيا تحتاج لأن تُعامَل باحترام وتحتاج إلى تفهّم أوضاعها وأن تكون سيّدة ثرواتها. قلت إننا لا يمكن أن نفهم كيف أن أفريقيا التي تتمتّع بمواد التعدين وبمصادر طاقة وبوسع غاباتها وبمجتمعها الفتيّ الذي يتمثّل بالقوة وغيرها من الأصول المهمة لا زالت تعيش في حال من الفقر. هنا تكمن المفارقة وهو أمرٌ غير طبيعي وغير مقبول، يجب أن تحارب أفريقيا بالأسلحة التي تمتلكها وتبذل قصارى جهدها لضمان أن تكفي هذه الموارد أبناءها. ومن وجهة النظر هذه أعتقد أنه من الضروري التمسّك بالأمل، أعتقد أن أفريقيا الغد ستشرق من شباب اليوم.

تركّز الجزائر في شخصيّتها على ثلاث: الأفريقية والعربية والإسلامية، الجزائر لطالما نظرت إلى الجنوب وليس نحو الشمال.

     

نور الدين جودة: نحن حريصون على شخصيّتنا الأفريقية، نحن أفارقة ليس من وقت الاستقلال وإنما منذ زمن، بالنسبة إلى الجزائر فإن شخصيّتنا الأفريقية هي أمرٌ لا رجعة فيه، ونحن نريد أن تعود أفريقيا إلى مستوى عالٍ لكي تكون العلاقات بيننا وبين الشمال علاقات مصلحة مشتركة، هم يربحون ونحن أيضاً. الشبيبة بالخصوص تعي بأنه عيلها أن تكون حرة وعلى مستوى الدول الغنية وألا يكون هناك طرف قوي وطرف ضعيف. 

 

أحمد كاتب: من خلال مواقفها ونضالها وتاريخها ومساعدتها ومن خلال هذا الزخم الذي نعرفه هنا في الجزائر فإن الجزائر بحق هي مكّة الثوار، ومن دون نرجسية ومن دون نوستالجيتا لا تزال الجزائر قبلةً للثوار كما هي الفاتيكان قبلة المسيحيين ومكّة المكرّمة هي قبلة المسلمين فإن الجزائر هي قبلة الثوار كما قال الزعيم أميلكار كابرال. هذا ما حدث....