سياسة الـ"كاو بوي"... أميركا عود على بدء

امبريالية بلا قناع ورئيس دولة يخطف رئيس دولة، ثمّ "محاكمة" غير قانونية في عاصمة القانون الدولي... خلف ذريعة المخدرات، عدوان وتحرك حيث النفط والثروات: واشنطن تعيد زمن البلطجة، مادورو يواجه، العالم يشهد والعدالة الدولية تسقط... هل هو نظام بلا قواعد، أم عالم بلا نظام؟ وهل تعاد هندسة العلاقات بمنطق القوة؟

نص الحلقة

 

مايا رزق: كلا، ترامب ليس مُرسلاً ولا مُبدعاً ولا خلاّقاً ولا فريداً من نوعه كما يعتقد كثيرون.

لا كلماته مُبتكرة، ولا سياساته استثنائية، ولا قراراته خارج المألوف. حتى صدماته "ديجافيو". وإن بحثنا عن فارق، فوحيد في عهده سقوط لغة الدبلوماسية من دون المساس بالسياسة.

لذا مُخطئ مَن يصنّف ما فعلته الإدارة الأمريكية في فنزويلا جنوناً ترامبياً. فما جرى ويجري وسيجري مجرد استمرارية لما أسّس منذ عقود طويلة وخضع لتجارب عديدة، لا تبدأ من اختطاف الرئيس مانويل نورييغا في بنما عام 1989، ولا تنتهي بفنزويلا.

 

 

=مايا رزق: إذًا هي العبارات نفسها التي سمعناها كثيراً في العراق تعود اليوم، لكن الوجهة تغيّرت من بغداد إلى كراكاس، من صدّام حسين إلى نيكولاس مادورو. الشيطنة واحدة، حتى بعض الوجوه لم تتبدّل، ولم تتبدّل كلماتها.

 

مايا رزق: حتى عناصر شيطنة الرئيس نيكولاس مادورو والتي استخدمتها إدارة ترامب لتبرير اختطافها له لم تكن مُبتكرة.

 

مايا رزق: إذًا لا جديد تحت الشمس حتى الآن في العدوان الترامبي على فنزويلا. وإن برّره بعقيدة مونرو — وهي نسخة طبق الأصل أصلاً عن عقيدة مونرو — إلا أن ترامب لم يكلّف نفسه عنصر الإخراج، لم يبحث عن إجماع دولي ولا عن غطاء أخلاقي مُتقن. حتى الهدف كان معلوماً مسبقاً ولا يمتّ بصلة إلى هوية الرئيس ولا المخدّرات ولا إلى حماية الفنزويلي؟

 

مايا رزق: إنه النفط، الكثير منه. كيف لا، وفي فنزويلا أكبر احتياطي من الذهب الأسود على هذا الكوكب.

 

مايا رزق: إذًا هي ليست مؤامرة ولا قراءة أيديولوجية ولا افتراض حُسن النية. إنها وقائع تقال على الهواء في الإعلام وعلى لسان القادة في إدارة ترامب الذين أكّدوا أن المطامع لا تقف عند النفطي الفنزويلي.

 

مايا رزق: ففي أروقة القرار الأمريكي، قبل أن يُقال "ديكتاتور" عن شخصية ما، وقبل أن تُفرَع شعارات حقوق الإنسان، تُفتح الخرائط وتُحسب الأرقام والمصالح، وتبدأ خطط الاستعمار بالسردية الإعلامية، وصولاً إلى العمل العسكري. والأولى هنا لا تقل أهمية عن الثانية.

إذًا ترامب ليس مبتكراً لهذا المسار، حتى إنه لم يكّلف نفسه عناء تجميله لإخفاء النوايا الحقيقية الاقتصادية والسياسية.

 

مايا رزق: روبيو الذي يُلقّب =اليوم في واشنطن بإمبراطور أمريكا اللاتينية المقبل، وربما أيضاً الرئيس الأمريكي المقبل، يُقال إنه يلعب دوراً أساسياً في رسم سياسة الاستعمار الأمريكية تحت مسمّى عقيدة مونرو التي لن تقف عند الجغرافيا الفنزويلية.

 

مايا رزق: ولكن قبل أن تصل اليد الأمريكية إلى كوبا وكولومبيا والمكسيك، وحتى أن تتخطّى المجال الجيوسياسي الأمريكي لتصل إلى أوروبا حيث غرينلاند أكبر جزر العالم العائمة على النفط والفحم والمعادن والألماس والذهب، واللائحة هنا تطول، قبل كل ذلك نسأل: ما هي خطوة أمريكا التالية في فنزويلا؟

 

مايا رزق: قد يبدو ستيفان مولر الذي تتوسّع مهماته في الإدارة الأمريكية بشكل ملحوظ بالمناسبة، واثقاً من خطة بلاده في فنزويلا، إلا أن هذا يذكّرنا تماماً بفيض الثقة التي عبّرت عنها إدارة الرئيس جورج بوش الإبن عندما غزت بلاده العراق، =ليتبيّن لاحقاً أنه لا خطة استراتيجية واضحة، إنما عبارة ملخّصة بثلاثة أحرف: T.B.D. — To Be Determined — أي سيتم تحديده لاحقاً.

فهل تقع إدارة ترامب في الفخّ نفسه؟

 

مايا رزق: لا استراتيجية إذًا. =فنزويلا اليوم ليست استثناء، إنما مرآة تعكس ما فعلته أمريكا أمس في أكثر من دولة، وما قد تفعله غداً في أية بقعة أخرى من دون الاكتراث بقانون أو برادع أخلاقي. هي سياسة استعمارية لا تتغيّر بتغيّر الرؤساء ولا بتبدّل التسميات، وأهم مداميكها دَهْس منظومة القوانين الدولية.

سياسة الكاوبوي: أمريكا، عودة على بدء. اذهب أعمق، تفهم أكثر.

 

مايا رزق: أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام. يسرّني أن ينضمّ إلينا أستاذ العلوم السياسية ومدير دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة كين في نيوجيرسي، البروفيسور نزيه ريشاني. أهلاً ومرحباً بك.

سنبدأ معكم النقاش، على أن ينضمّ إلينا بعد قليل الكاتب والمحامي المختصّ بحقوق الإنسان، دانيال كوفاليك.

إذاً، أبدأ معك أستاذ نزيه. يقول المفكّر الأمريكي جون ميرشايمر إن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في فنزويلا ليست له أية علاقة بعقيدة مونرو — على خلاف ما نسمعه كثيراً — بل يقول إنه مِثال قوي على الإمبريالية التقليدية. أنتم كيف تصفونه اليوم؟

 

نزيه ريشاني: يمكن أنا أختلف مع ميرشايمر. بالحقيقة، هو تكملة للنظرة وليس خلافاً لمونرو. إنه تاريخياً منذ عام 1823 — وليس 1812 — حتى 2026، سياسة مونرو: التدخّل بأمريكا اللاتينية مستمر ولم ينقطع. وكان هناك صعود وهبوط أحياناً في هذه السياسة التدخّلية في كل شاردة وواردة في أمريكا اللاتينية.

فبالتالي، ربما لأن الخطاب الترامبي مرتفع قليلاً، لكن التدخّلات بأمريكا اللاتينية من قِبَل الولايات المتحدة — نيكاراغوا والسلفادور وجمهورية الدومينيكان — بالأدوات العسكرية، وأيضاً في تشيلي والأرجنتين والأوروغواي والباراغواي والبرازيل وكولومبيا وغرينادا — على مستوى كلها — هذه تدخّلات لم تتوقّف. فترات هبوط وصعود في هذا التدخّل.

بالتالي، أنا أعتقد أنه أعطي ترامب أكثر مما هو يستحقّ بالنسبة للسياسة الإمبريالية العامة من القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة. يكون تضخّم قليلاً.

ربما ما اختلف هو الواقع الداخلي في أمريكا والتغيّرات في موازين القوى الدولية. هذه التغيّرات يجب أن نرى هذا التدخّل السافِر في فنزويلا هو للتغيّرات الدولية.

 

مايا رزق: انضمّ إلينا السيّد دانيال كوفاليك. يسرّني أن تكون معنا أيضاً، سيّد دانيال. أنتم ممّن راقبتم عن كثب ما يحدث في فنزويلا، تحديداً الأداء الأمريكي في فنزويلا.

فقد كتبتم عام 2019 كتاباً يحمل عنوان "المؤامرة للإطاحة بفنزويلا"، تقولون فيه: "إن واشنطن لم تعد تسعى لتغيير النظام في كاراكاس، بل لتجريم وجوده". هل هذا ما حصل؟

 

دانيال كوفاليك: هذا ما حاولوا القيام به، ولكنهم لم ينجحوا في هذا السياق. إذ إنه وبينما اختطفوا الرئيس مادورو، وزوجته نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز هي التي أخذت الحُكم — هي الرئيس الآن — ولديها نفس القِيَم السياسية كما نيكولاس مادورو، والحكومة لا تزال تعمل. وبالتالي، ما الذي تغيّر في الواقع؟ لم يتغيّر شيء. تغيير في الأوجه، ولكن ليس تغييراً في الحكومة.

وبالتالي، السؤال المطروح هو: ما الذي ستقوم به الولايات المتحدة الآن؟ هل ستخطف ديلسي رودريغيز؟ بالطبع يحاولون الآن تجريم ديلسي رودريغيز.

لكن هذا يُعيدنا إلى النقطة التي طرحت سابقاً في هذا البرنامج: أي لم يكن لدى ترامب السردية، لم يكن لديه خطة. لا يبدو أنه يقوم بالأمر بالتدرّج، وهو لم ينجح على صعيد ما كان يحاول أو يريد القيام به على صعيد تغيير النظام.

إذاً، ما هي الخطوة المقبلة؟ لا يمكن أن نعرف؟

 

مايا رزق: قبل أن نذهب إلى الخطوة المقبلة — وهي سنخصّص لها الوقت بعد قليل — أريد أن أسألك عما حدث تحديداً في ما يخصّ طريقة هذا العدوان الأمريكي على فنزويلا.

هل كان متوقّعاً بالنسبة لكم، علماً بأنكم متابعون عن كثب في ما يخصّ ما يحدث في فنزويلا؟

 

دانيال كوفاليك: أعتقد أنني تفاجأت بعض الشيء بأنهم أقدموا على هذا العمل. هو عمل كبير، وسبق أن شاهدنا ذلك. يجب أن نشير إلى ذلك في التاريخ المعاصر. نتذكّر في عام 2004، الولايات المتحدة وكندا وفرنسا انضمّت معاً من أجل اختطاف رئيس هايتي السيّد أريستيد، وضعوه على متن طائرة وأرسلوه إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.

هذا لا أذكر منذ زمن طويل. هناك عام 89، جورج بوش الأب هاجم بنما وقام بقتل المئات، إن لم يكن الآلاف، في الأحياء حيث طبّق "العدل"، وقاموا باختطاف ونقل الرئيس مانويل نورييغا إلى الولايات المتحدة.

وبالتالي، هناك سابقة حتى خلال هذه الفترة المعاصرة. ولكن هو إجراء متطرّف، وأنا تفاجأت نعم، أولاً لأنه أقدم على هذا الأمر أو حاول القيام بالعمل ونجح على الأقل في اختطاف مادورو، وأعتقد أننا جميعاً تفاجأنا بذلك.

 

مايا رزق: أذهب إليك مجدّداً، بروفيسور نزيه، لأسألك في ما يخصّ عملية الاختطاف هذه: ماذا يمكن أن نقول حتى الآن؟ ما حقّقته الولايات المتحدة الأمريكية؟

 

نزيه ريشاني: الحقيقة، ما حاولت القيام به — أنا أتّفق مع الزميل — المشكلة ليست نظاماً ولا حقوق إنسان ولا شيء من نوع هذه الشعارات القديمة المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والليبرالية. سقطت.

عصر ترامب يمثل حالة مختلفة، شبه فاشية على المستوى ليس فقط الداخلي والخارجي.

فبالتالي، المنطق المتعلّق بالسياسة الأمريكية هو منطق القوّة والسيطرة على المعادن الاستراتيجية التي هي بحساب التوازن الاستراتيجي الدولي تعتبره الولايات المتحدة أساسياً.

وبالتالي، قلب الموازين — أو على الأقل الموازين الدولية — تكون لصالحها وليس لصالح الصين ولا خصومها الآخرين.

فبالتالي، التغيير في فنزويلا هو تغيير شكلي: أخذ مادورو، يفرض على الحكومة الفنزويلية الحالية — على رودريغيز — تنازلات. تنازلات بشكل محدّد: ما هي التنازلات؟ يريد إعادة دخول الشركات الأمريكية النفطية إلى فنزويلا من دون شروط، تعويضات على التأميم الذي جرى في فنزويلا.

ما قبل تشافيز، عندما كان أندريس بيريز رئيساً للجمهورية سنة 76. فبالتالي، عادوا للخصخصة في التسعينات، لكن سنة 2007، تشافيز أعاد توزيع وقال للشركات الأمريكية: "نحن نريد أخذ 60 في المئة من العائدات من النفط". قسم، شيفرون وإكسون موبيل رفضت وخرجت.

فبالتالي، عملياً ما يحدث بالتحديد — من دون شرح كثير — هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى للسيطرة على مخزون النفط في فنزويلا، وهو مخزون النفط الأهمّ في العالم.

=وبالتالي، أهمية هذا النفط بالنسبة للولايات المتحدة هو إعادة نوع من التوازن مع الصين وخصومها الدوليين، لأنها سيطرت على النفط بالمنطقة العربية والخليج العربي.

وتسيطر على النفط في فنزويلا معناها أن ترامب والولايات المتحدة شكّلت إمبراطورية نفطية جديدة لخلق واقع جيوستراتيجي جديد.

 

مايا رزق: سنتحدّث عن هذا الواقع تحديداً، سيّد دانيال. أعود إليك.

سبق أن تولّيت الدفاع عن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو أثناء وجوده في نيويورك منذ أشهر قليلة.

من موقع تجربتك المباشرة مع المنظومة القضائية الأمريكية، أي مسار برأيك ستتّخذه محاكمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؟ أصلاً، هي غير قانونية في ما يخصّ محاكمته على الأراضي الأمريكية.

 

دانيال كوفاليك: وهذا هو السؤال: مَن الذي يعطي الولايات المتحدة السلطة القضائية لاختطاف زعيم دولة أجنبية ونقله للولايات المتحدة والمحاكمة؟

هذا السؤال الأول: هل لدى المحاكم سلطة قضائية؟ ونيكولاس مادورو، هل يتمتّع بالحصانة السيادية؟ وأنا أعتقد أنه يتمتّع بهذه الحصانة.

ولكن عندما ننظر إلى ما حصل مع نورييغا عام 89، جرت محاكمة نورييغا بشكل ناجح في الولايات المتحدة وتمّ زجّه في السجن. وبالتالي، أعتقد أن هناك سابقة.

ولكن يجب أن نميّز بين الحالتين: مانويل نورييغا من بنما كان في الواقع متورّطاً بتجارة المخدّرات، ولكن كان يقوم بذلك بالنيابة عن الـCIA. كان وكيل للـCIA. وبالطبع، الـCIA كانت تتاجر بالكوكايين حينها من أجل دعم الكونترا.

ونورييغا الذنب الكبير الذي ارتكبه هو أنه لم يسمح لبنما بأن تكون مسرحاً للحرب ضدّ نيكاراغوا.

بالنسبة لنيكولاس مادورو، هو ليس متورّطاً بالمخدّرات. هذه أكذوبة.

وكما أشرت في بداية البرنامج، المزاعم التي تقول أنه قائد ما يسمّى بهذه الكارتلات تبيّن بأن هذه المزاعم غير صحيحة، لأن هذه الكارتلات غير موجودة، والولايات المتحدة اعترفت وسحبت هذه المزاعم.

وبالتالي، سيكون من الصعب للمحاكم أن تجد بأنها تتمتّع بالسلطة القضائية على هذا الرجل وعلى زوجته.

ولكن سننتظر. كله يعتمد على القاضي.

للأسف، يجب أن لا تستند المسألة إلى القاضي بل إلى القانون. ولكن الحقيقة غير ذلك.

 

مايا رزق: بما أننا نتحدّث عن القانون، مشاهدينا: العدوان على فنزويلا، واختطاف الرئيس مادورو، المحاكمة غير القانونية... هل هو اختبار جديد للعدالة الدولية أم تكريس لانتفائها؟

وعندما تصبح القوانين رهناً منطق القوي، أيّ نظام عالمي؟ وهذا هو السؤال الذي يؤرِق الجميع اليوم.

بموجب المادة 42 من ميثاق الأمم المتحدة، يحظّر على الدول استخدام القوّة ضدّ السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى، إلا في حال الدفاع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن.

العدوان الأمريكي جاء خارج هذا الإطار. كذلك، يعترف القانون الدولي بسيادة الدول واستقلالها السياسي، ما يعني أن ما سمّي العملية الأمريكية في فنزويلا هو تدخّل غير قانوني في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.

مسؤولون أمريكيون حاولوا تقديم العملية أنها إنفاذ للقانون لتوقيف شخص مطلوب وفق مصطلحات. ومع ذلك، فإن إجراءات إنفاذ القانون لا تجيز التوغّلات العسكرية الأجنبية على الأراضي السيادية من دون موافقة.

هيئات دولية حذّرت من أن هذه السابقة الخطيرة قد تدفع الدول القوية إلى التدخّل عسكرياً ضد قادة دول أخرى وفقاً لشروطها الخاصة.

لكن هل سقف المؤسّسات الدولية هو التحذير؟ ومَن المعني بحماية العدالة؟

مجلس الأمن الدولي من جهته يعدّ الهيئة الرئيسية المسؤولة عن صون السلم والأمن الدوليين، ويملك صلاحيات إصدار قرارات تطالب بسحب القوات أو وقف استخدامها، وإحالة القضايا إلى المحاكم الدولية.

مع ذلك، لدى الولايات المتحدة حقّ الفيتو، ما يعني إمكانية منعها من اتخاذ إجراءات مباشرة.

أما الأمانة العامة للأمم المتحدة وآليات حقوق الإنسان، فدورها محصور بإصدار تقارير وتوجيه دعوات لاحترام القانون فقط، من دون إلزام الجهات بأيّ شيء آخر.

وفي ما يتعلّق بمحكمة العدل الدولية، فيمكن رفع النزاعات إليها، لكن ذلك يعتمد على موافقة الدول المعنية أو المعاهدات السارية.

الهيئات الإقليمية مثل منظمة الدول الأمريكية لها دور نظري، ويمكنها التوسّط أو إحالة المسائل إلى المحافل الدولية.

الهيئات الوطنية والدولية لحقوق الإنسان تكتفي بالتحقيق في الانتهاكات وإصدار النتائج والتفسيرات القانونية.

باختصار، القانون الدولي غالباً ما يعتمد على امتثال الدول، والقرارات إن صدرت تفتقد لآليات تنفيذية. وهنا بيت القصيد في ما يخصّ ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية من خلال هذا العدوان على فنزويلا من دون أي حساب.

أذهب إليكما دائماً، ضيفي. أذهب إليك، أستاذ نزيه ريشاني. The Guardian البريطانية تقول: "لا تطلق على ترامب صفة النظام العالمي الجديد. فليس هناك شيء جديد أو منظّم في هذه الفوضى. هذا ليس نظاماً عالمياً جديداً ولا إمبريالية جديدة، بل استيلاء فوضوي على الموارد والعقود".

ربما هذا ما تتّفق عليه حضرتك في ما يخص توصيف ما قامت به أمريكا في فنزويلا؟

 

نزيه ريشاني: أتفق مع The Guardian.

وملاحظات حول المضمون: بالحقيقة، عملياً إشارة لمسألة احترام القانون الدولي. بالأمس، الرئيس ترامب حدّد بوضوح علاقته بالقانون الدولي وقال: "أنا القانون". وبوضوح قال: "أنا القانون، وأنا أحدّد متى وأخلاقي أنا تحدّد".

هو كأنه يتعاطى مع الشأن الدولي كأنه إمبراطور على المستوى العالمي، وهو يحدّد أي قانون يمتثل إليه وأي قانون لا يمتثل له.

وما جرى في فنزويلا وما يحدث في غزّة — بالحقيقة — نفس منطق القوّة. القوةّ هي الحاسمة، هي العامل الحاسم في العلاقات الدولية.

فبالتالي، سقط النظام الذي كان قائماً عليه النظام الدولي من سنة 45 لترامب. بمعنى أنه كان هناك قانون دولي وأمم متحدة وأصول للتعامل الدولي. هذا النظام سقط.

النظام الجديد القائم حالياً — حتى إشعار آخر — هو نظام مرتكز على القوى، والقوى الإمبريالية بالتحديد، بمعنى فرض إرادة الأقوى على الأضعف على المستوى الدولي.

وهذا هو التصرّف الخارجي للولايات المتحدة. وما حصل في فنزويلا وما يحدث في غزّة هو — بالحقيقة — مثالان بمكانين مختلفين، لكن نفس المنطق.

 

مايا رزق: وهنا مكمَن الخطورة بطبيعة الحال، سيّد دانيال، في ما يخصّ القانون أيضاً.

في كتابك، تصف فنزويلا بأنها "مختبر قانوني". بعد كل ما حصل، ما الذي جرى اختباره تحديداً؟ حدود القانون؟ أم صمت العالم؟ أم اللا قانون؟

وربما اختصرها بروفيسور نزيه عندما نقل عن ترامب عندما قال إنه هو القانون؟

 

دانيال كوفاليك: نعم، نحن نعيش في عالم أعتقد أنه عالم ما بعد النظام العالمي، وأعتقد أن هذا العالم بدأ بالفعل في عام 89 مع غزو بنما، وحصل هذا العمل بينما كانت تنهار الكتلة السوفياتية ومع سقوط جدار برلين.

ونحن نتذكّر حينها الرئيس بوش الأب قال: "إن هذا نظام عالمي جديد يقوم بتأسيسه".

وهذا النظام العالمي يعني أن تتصرّف الولايات المتحدة كما تشاء، وعلى كل الأطراف الأخرى أن تتعايش مع ذلك. ومرة أخرى، هو أظهر أنه يمكن القيام بذلك من خلال غزو بنما.

بعد ذلك، في عام 92، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بيل كلينتون وصل إلى الحُكم، وهو أيضاً أراد أن يثبت بأنه يمكن للولايات المتحدة أن تتصرّف من دون تفويض من مجلس الأمن.

ومغامرة كلينتون الكبرى كانت في يوغوسلافيا السابقة، حيث قام باجتياح هذه المنطقة مع حلف الناتو في عام 99 — وليس 98 — من دون تفويض مجلس الأمن. حتى إنهم لم يبحثوا عن هذا التفويض، وكان بإمكانهم أن يقوموا بذلك. هذه رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد محكومة بميثاق الأمم المتحدة.

ومنذ ذلك الحين، شهدنا حروباً اختيارية مختلفة من قِبَل الولايات المتحدة في أماكن مثل العراق عام 2003، ومرة أخرى لم يكن هناك أي تفويض لهذا العمل، وقصف لعدة دول من دون تفويض من مجلس الأمن.

ولدينا فنزويلا، حيث فرضت الولايات المتحدة هذه العقوبات الاقتصادية ضد هذا البلد، وهذه العقوبات أيضاً غير قانونية من دون تفويض من مجلس الأمن. 

وحتى الولايات المتحدة لم تحاول البحث عن تفويض من مجلس الأمن. والآن قامت باجتياح البلد وقامت باختطاف رئيس بلد أيضاً من دون تفويض مجلس الأمن. ومرة أخرى، كل هذا متعمّد.

والآن، ترامب يتحدّث بشكل صريح: هو لا يبالي بالقانون الدولي. رئيس الولايات المتحدة سيقوم بما يشاء، وهم يثبتون ذلك.

 

مايا رزق: هذا النقاش سنواصله ونتعمّق فيه أكثر، ولكن بعد الفاصل، مشاهدينا. ابقوا معنا.

 

مايا رزق: من جديد، أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام إلى "اذهب أعمق".

التوسّع والتدخّل والضمّ: ثلاثية حاضرة صراحة وعلناً في خطابات ترامب بشأن دول عديدة من نصف الكرة الغربي، سواء كانت حليفة لواشنطن أم معارضة لسياسات الهيمنة والإمبريالية.

العدوان على فنزويلا أعاد التركيز على الطموحات المعلنة للرئيس الأمريكي.

غرينلاند "أساسية للأمن القومي"، هذا ما يروّج له دونالد ترامب. الجزيرة تتمتّع بموقع جيوستراتيجي حيوي في القطب الشمالي، ما تراه الإدارة الأمريكية أساسياً في المواجهة مع روسيا والصين، هذا بالإضافة إلى مواردها الطبيعية والمعادن النادرة.

=في إطار سياسته الموجّهة بشأن غرينلاند، عيّن ترامب مبعوثاً خاصاً للمصالح الأمريكية فيها. الأخير قالها صراحة: "إنه لشرف لي أن أخدم في هذا المنصب التطوّعي لجعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة".

الخيارات كلها مطروحة، وفق المتحدّثة باسم البيت الأبيض، بما فيها القوّة العسكرية.

والإشارات الزمنية موجودة أيضاً: قالها ترامب: "لنتحدّث عن غرينلاند بعد عشرين يوماً".

الولاية الحادية والخمسون، هكذا وصف ترامب كندا في أكثر من مناسبة. رفع الرسوم التجارية عليها إلى 35 في المئة، هدّد بوقف المفاوضات معها بعد نشر أونتاريو إعلاناً منتقداً الرسوم بصوت رونالد ريغان.

عِلماً أن ترامب لم يأتِ على ذِكرها بعد على فنزويلا، إلا أن المسؤولين والمحلّلين — =بعضهم في كندا — أكّدوا ضرورة الاعتراف بما سمّوه "ضغطاً أمريكياً مستمراً على سيادة كندا وسلامتها الاقتصادية وازدهارها والرد عليه"، ولا سيما في ضوء السياسات الخارجية الأخرى التي انتهجتها الإدارة الأمريكية.

قناة بنما: رأى الرئيس الأمريكي في وقت مُبكّر من ولايته أن على بلاده استعادة السيطرة عليها. هي ممر مائي يربط المحيط الهادئ مع المحيط الأطلسي، وتعدّ من أهمّ طرق التجارة البحرية عالمياً.

ترامب يرى أن الولايات المتحدة أعطت بنما القناة بشكل خاطئ بعد إنهاء حكمها في 1999. تصريحاته تركّز على الرسوم التي تضطر بلاده لدفعها.

بذرائع مختلفة، كوبا أيضاً حاضرة على الأجندة الأمريكية. عقب العدوان على فنزويلا، تبنّى الخطاب الأمريكي أسلوب الربط بين كاراكاس وهافانا.

أما كولومبيا، فترامب يشمل رئيسها بذرائع المخدّرات أيضاً، وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

غوستافو بيترو ردّ على التهديدات الأخيرة لترامب بالقول: "أقسمت على عدم لمس السلاح بعد الآن، لكن من أجل الوطن سأحمل سلاحاً مجدّداً".

بدوري، أجدّد الترحيب بأستاذ العلوم السياسية ومدير دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة كين في نيوجيرسي، بروفيسور نزيه ريشاني. أهلاً وسهلاً بك.

والكاتب والمحامي المختصّ بحقوق الإنسان، الأستاذ دانيال كوفاليك.

أذهب إليك، سيّد دانيال، مباشرة. الكثير من المحلّلين قاموا بمقارنات بين ما يقوم به ترامب وهذه الحقبة الآن التي يتزعّمها، وبين ما قام به أسلافه.

البعض عاد إلى جورج بوش الإبن، والبعض الآخر إلى جورج بوش الأب، ولكن بعضهم عاد إلى الفترة التي كانت تحت حكم وليام ماكنلي، الذي يعدّ أحد مُلهمي ترامب، وهو الذي أسّس الإمبراطورية الأمريكية الحديثة التي وقتها وضعت يدها على الفلبين وبورتوريكو وغوام وكوبا وغيرها.

هل ترى هنا ربما المقارنة صحيحة؟ لماذا نعود إلى الماضي علناً ربما نفهم السياق الذي سيذهب به العالم؟

 

دانيال كوفاليك: نعم، أنا في الواقع أعتقد أن مقارنة ترامب بوليام ماكنلي وأيضاً ثيودور روزفلت، أعتقد أن هذه المُقارنات في محلّها.

لأنهم استخدموا ما يسمّى بسياسة "إطلاق النار على القوارب" من أجل السيطرة على نصف الكرة الأرضية.

عقيدة مونرو في عام 1823 تعني أن لدى الولايات المتحدة فقط النفوذ في نصف الكرة الغربي.

وبعد ذلك، ثيودور روزفلت ألحق عقيدة وقال: "بإمكان الولايات المتحدة أن تستخدم القوّة العسكرية وذلك من أجل بسط النفوذ والتحكّم بنصف الكرة الغربي".

وهذا ما يفعله ترامب بالضبط، وهو يتحدّث بشكل صريح إزاء هذا الموضوع.

غالبية عمليات تغيير النظام التي شاركت فيها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية وشاركت بالكثير، غالبية هذه الأعمال كانت بشكل سرّي عبر الـCIA.

مرة أخرى، ترامب هو أشبه بما شاهدناه في أحداث أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين: يستخدم القوّة العسكرية من أجل التهديد بالفعل المعلن والإطاحة بالحكومات بشكل مُعلن في نصف الكرة الغربي.

وبالتالي، أعتقد أننا نعود إلى هذه الأوقات القديمة.

 

مايا رزق: وبالتالي، نحن أمام توسّع الإمبراطورية الأمريكية، وليس فقط الهيمنة والحُكم عن بُعد، بل أيضاً السيطرة على أراضٍ والحُكم الفعلي؟

 

دانيال كوفاليك: نعم، بكل تأكيد.

على الرغم من أن هناك مفارقة هنا: المسألة تبدو وكأنها توسّع للإمبراطورية الأمريكية، ولكن هذا الاستخدام المُعلن للقوّة العسكرية في نصف الكرة الغربي يشير إلى انحدار الإمبراطورية.

الولايات المتحدة تخسر في العالم، لا تحظى باحترام العالم، لا تحظى بالاحترام كما في السابق.

ليس لدى الدولار تلك القوّة التي كان يتمتّع بها في السابق، والولايات المتحدة اقتصادياً ليست قوية كما كانت، خاصة بالمقارنة مع الصين على وجه التحديد.

وبالتالي، أنا أرى أن هذه محاولات يائسة تعكس إمبراطورية تموت، تحاول أن تحتفظ بآخر القوّة.

بينما يبدو بالتالي الوضع وكأن الولايات المتحدة توسّع الإمبراطورية، ما نراه في الواقع انهياراً للإمبراطورية.

وأعتقد أنه في غضون بضعة عقود، الولايات المتحدة لن تتمتّع بالقوّة، حتى القوّة التي تمتلكها اليوم.

 

مايا رزق: هذا موضوع قابل للنقاش بالمناسبة، إذا تسنّى لنا الوقت. أذهب إليك مجدّداً، بروفيسور نزيه.

في كتابكم "أنظمة العنف" الذي خصّصتموه لقراءة الأحداث في كولومبيا، تكتب أن الولايات المتحدة لا تتدخّل حين تفشل الدولة، بل تصنع الفشل أولاً، ومن ثم تتدخّل.

ربما ترامب حتى لا يحتاج إلى تعريف الفشل، يكفي أن يُلقي التّهم في ما يخصّ المخدّرات كي يفعل فعلته بالنسبة لكولومبيا. برأيك، أيّ سيناريو علينا أن نتوقّع؟

 

نزيه ريشاني: بالحقيقة، جرت مُكالمة هاتفية بين الرئيسين ترامب وبيترو الأربعاء الفائت.

 

مايا رزق: صحيح.

 

نزيه ريشاني: بالتالي، عملياً، الأزمة والتدخّل الأمريكي في كولومبيا — بتقديري — مُستبعد في الوقت الحاضر، لأسبابٍ متعدّدة.

الولايات المتحدة لها نفوذ قوي جداً في كولومبيا من خلال علاقتها الاستراتيجية مع المؤسّسة العسكرية الكولومبية، الذي تجاوز عُمر العلاقة 70 سنة.

هذه علاقة متجذّرة، متأصّلة وموجودة، والتعاون ما بين المؤسّسة العسكرية الكولومبية مع المؤسّسات الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية قوي جدّاً. والرئيس بيترو لا يستطيع أن يغيّر في هذه المعادلة.

هناك وضع خاص: كولومبيا علاقتها خاصة من حيث التعاون الاستراتيجي والجيوبوليتيكي.

وضع كولومبيا على المحيطين الأطلسي والهادئ يجعل موقعها خاصاً جداً بالنسبة للأمريكان. وبقي لبيترو عدّة أشهر في الحُكم — عملياً انتهت مدّته — وهناك انتخابات جديدة في كولومبيا. أستبعد جداً التدخّل العسكري كما حدث في فنزويلا.

بالحقيقة، ما جرى هو عرض عضلات.

 

مايا رزق: ماذا عن كوبا، بروفيسور؟

 

نزيه ريشاني: كوبا، وضعها انعكاس ما جرى في فنزويلا، خطير جداً.

بمعنى أن الوضع الداخلي الكوبي من الناحية الاقتصادية دقيق جداً، وبات هناك خطر على التجربة الكوبية نفسها، إلا إذا استطاعت كوبا أن تجدّد نوعاً من العلاقات مع الصين لتعويض مشكلتها الأساسية.

كوبا اعتمادها على النفط الفنزويلي لتأمين مصادر الطاقة. أمام الكوبيين خياران: إما تكثيف الاعتماد على الطاقة النظيفة — هوائية وشمسية — كبديل، لتعزيز القطاع الزراعي. وبالتالي، أعتقد أنهم يتّجهون في هذا المسار.

المشكلة الأساسية: كم ستستغرق هذه النقلة؟ وكم فعالية الحكومة الكوبية بأن تتعاطى مع الأزمة بطريقة سريعة؟ وبالتالي، أستبعد انهيار النظام.

السياسة الأمريكية حسبما وضّحتها وثيقة الأمن القومي التي نُشرت قبل ثلاثة أسابيع، الولايات المتحدة ليس لديها توجّه بالحُكم، بل توجُه بالسيطرة.

ركّزت على مواقع استراتيجية =أساسية في أمريكا اللاتينية، وحددوها بوضوح منذ ثلاثة أسابيع: "لهذا التوسّع الاستراتيجي، هذه أهدافنا في نصف الكرة الغربي من الكرة الأرضية.

وبالتالي، نحن نريد علاقات مع هذه الدول مهما كانت طبيعتها، والمهمّ أن يكون لشركاتنا الأمريكية دخول إلى هذه الأسواق، واستخراج المواد التي يحتاجونها من دون أيّ تدخّل سياسي لهذه العملية. طالما هذا الأمر متوافراً، نحن ليس لدينا مشاكل مع الحكومات في أمريكا اللاتينية".

 

مايا رزق: بما أنك أتيت، بروفيسور، على ذِكر استراتيجية الأمن القومي الأمريكية وهي ركّزت على نصف الكرة الغربي، أذهب بذلك إليك، سيّد دانيال كوفاليك.

إذا كان التركيز على النصف الغربي من الكرة الأرضية، وبذلك ربما نفهم الحديث عن أمريكا اللاتينية: كوبا، كولومبيا، فنزويلا، وحتى الوصول إلى المكسيك في الخطابات الرسمية الأمريكية.

غرينلاند اليوم تُطرح كقضية أمن قومي أمريكي. ماذا يعني هذا الأمر؟ هل يعني ربما العودة إلى منطق ما عُرِف سابقاً بالمساحات العظمى، كما طرحها المفكّر الألماني الذي لُقّب بالعقل الخطر كارل شميت؟ وإن كان كذلك، هل بتنا اليوم في عالم مُقسّم بحسب هذه المساحات العظمى: هذه تحت سيطرة أمريكا، هذه تحت سيطرة الصين؟ ربما لذلك قال ترامب مؤخّراً: "بأن هذه الجزيرة ستكون من حق الصين أو الصين تتصرّف فيها"، وهناك دفعة تبقى لروسيا، قسط تايوان؟

 

دانيال كوفاليك: أنا أرى أنه عالم تحت سيطرة الرأسمالية الغربية والإمبريالية الغربية.

وبالطبع، الطبقة الحاكمة الرأسمالية لا تكون بذاتها الولاء لأي بلد. هم يتعاملون على أساس المعاملات، ينقلون الأموال وفقاً لما تدّعيه الضرورة. وبالتالي، لا أرى أن المسألة هي مسألة نزاع بين القوى العظمى. وفي الواقع، الدولة الوحيدة التي أراها دولة العداء في العالم هي الولايات المتحدة. لا أعتقد أن الصين ترغب في الحرب، وكذلك روسيا. روسيا لم تكن تريد الحرب في أوكرانيا، أعتقد أنها أُجْبِرت على هذه الحرب.

وأعتقد أن المسألة تتعلّق مجدّداً بالرأسمالية الغربية التي تفشل، ودول مثل الولايات المتحدة تحاول أن تحافظ على الرأسمالية وذلك من خلال استخراج الموارد قَدْر الإمكان بينما تستطيع القيام بذلك.

واللافت أن الأسلوب الجديد للولايات المتحدة في هذا السياق ليس بوضع حكّام أقوياء في الدول يمكن الاعتماد عليهم، بل تدمير الدول التي فيها الموارد التي تريدها الولايات المتحدة.

يبدو أن نموذجاً جديداً من الإمبريالية: نموذج يضع أولوية على الفوضى بدل الاستقرار. وهذا ما تبيعه الولايات المتحدة حول العالم: الفوضى العارِمة.

 

مايا رزق: إذا كنا نتحدّث عن هذا النموذج، أذهب معك، بروفيسور نزيه.

إذا ما أردنا إسقاطه على منطقة غرب آسيا، عندما نتحدّث عن أن ما يحصل الآن في أمريكا هو حنين وتطبيق لأحلام إمبراطورية كبيرة تضمّ الأراضي وتضمّ كل الموارد الثقيلة والثريّة في عالمنا، هناك إسرائيل. أين موضِع إسرائيل بالنسبة لهذه الإمبراطورية الأمريكية التي يسعى إليها ترامب؟

 

نزيه ريشاني: سؤال مهم جداً. تشخيص للإمبريالية بهذه المرحلة.

الإمبريالية الأمريكية اليوم أضعف مما كانت قبل 15 سنة، وحتى قبل عشر سنوات. عملياً، الإمبريالية وضعها اقتصادياً: هناك قوى صاعدة هي الصين. وبالتالي، الإمبريالية الأمريكية اليوم هي أضعف بكثير مما كانت قبل عشر سنوات. وما تحاول القيام به الإمبريالية الأمريكية اليوم هو نوع من التموضُع وإعادة السيطرة عسكرياً واقتصادياً. هم فقدوا المبادرة. عملياً، الصين هي القوّة الاقتصادية الصاعدة في العالم. والإمبريالية الأمريكية تحاول أن تعوّض عن خسارتها الاقتصادية بالعَسْكرة عبر سياستها الخارجية. هذا التحليل — بتقديري — يستطيع أن يفهمنا أكثر العَسْكَرة.

 

مايا رزق: لكن، بروفيسور، هناك مَن سيسألك الآن وسيقول لك: عندما تستطيع بالعَسْكر وبكل هذه الإمكانيات الخارقة — غير الموجودة في أية دولة أخرى — بالتالي هي ستسيطر على الموارد وعلى الأموال. هناك مَن يقول: إن فنزويلا لديها مليارات من البيتكوين التي تساوي الكثير من الأموال — هذا مثال على ذلك — وبالتالي هي ستصبح إمبراطورية كبيرة بالحجم وثريّة في ما يخصّ الموارد والأموال؟

 

نزيه ريشاني: هذا هو الهدف. هل تستطيع أمراً آخر؟ عملياً، يمكنني أن أقول لك: العَسْكرة هي نتاج الضعف الاقتصادي. لكن العَسْكرة أيضاً قد تؤدّي إلى مزيد من الحروب، وهناك خطر على النظام العالمي بأسره هذه الخطورة.

لكن هل تستطيع بالبيتكوين أن تستعيد موقعها؟ أنا أشكّ بذلك. لكن لا يمكنني الجزم، لأنه بالسياسة كل شيء ممكن. هناك ما يسمّى بالطارئ غير المحسوب.

نعود لموقع إسرائيل: موقع إسرائيل بالخريطة هذه العَسْكرة الدولية واضح.

حرب غزّة وحروبها على لبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن، وتدخّلها بأرض الصومال، وتموضُع قواتها العسكرية بأرض الصومال، قواعد عسكرية إسرائيلية بالقرن الإفريقي، تدخّل سافِر حتى في إفريقيا.

بالتالي، هذا يعني أن للإمبريالية موقعين أساسيين: الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وبالتالي، إذا تموضع بين الإثنين، سيطرت على مصدر النفط الأساسية وعلى الطرق: المندب وهرمز والمناطق الاستراتيجية. هذا التموضع — وهذا هدفه — تكريس سيطرتها العسكرية الاقتصادية على المواد النفطية بالشرق من خلال إسرائيل — هو رأس حربتها — ومثل غزّة هو عملياً، نحن مستعدّون للقيام بأبشع المجازر لتثبيت هذا الوضع والاستراتيجية في الشرق الأوسط من خلال استخدام إسرائيل كحربة. هذا ما تمّ تكريسه من خلال حرب غزّة.

وبالتدخّل في فنزويلا أخيراً، هذان المثالان يعطيانك التوجّه الأمريكي.

 

مايا رزق: شكراً جزيلاً لك، البروفيسور نزيه ريشاني.

ربما لولا الصمت الدولي حول ما حصل من إبادة في غزّة، لما تمادت القوى في ما يخصّ تخطّي القانون الدولي وتخطّي الأعراف، وبالتالي الاستمرار في الحروب أكان ذلك في غرب آسيا أو حتى ما يُقال من أن افتعال الحروب في الشطر الآخر من هذا الكوكب.

أشكرك، أستاذ العلوم السياسية ومدير دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة كين في نيوجيرسي.

شكراً لك، وشكراً لكم، السيّد دانيال كوفاليك، كاتب ومحامٍ مختصّ بحقوق الإنسان، كنت معنا من ميامي.