حوار خاص مع ألييدا غيفارا | حكاية الصراع كما يرويها المناضلون
أعلنوها حرباً على المخدرات ليتبيّن أنها قرصنة ومصادرة للثروات. العدوان الأميركي على فنزويلا… حرب مبيتة لنوايا خبيثة. لماذا تُستهدف فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو؟ وأين تقف واشنطن من أحلام شعوب الجنوب؟ وهل مقاومة الإمبراطورية… خيار أم قدر؟
نص الحلقة
ببساطة مع ألييدا غيفارا- حوار خاص
محمد فرج: مساء الخير، أن يُختطَف رئيس دولةٍ انتُخب ديمقراطياً ويحظى بالشرعية فهذا يستأهل تأبيناً للقانون الدولي ومنظومة العلاقات الدولية، لقد خلقت العولمة شوقاً فضولياً للحظات الغريبة ومتعةً بقصص الإثارة الهوليودية، يريد الإعلام الغربي التركيز على جانب النجاح الاستخباري والعسكري في هذا الاختطاف كي ينسى العالم أنّ ما حدث ببساطة هو بلطجة سياسية، بلطجة سياسية اكتست بثوبٍ جديد هذه المرة لا تختلف عن احتلال العراق ولا عن تدبير الانقلاب العسكري في تشيلي ضد سيلفادور الليندي عام 1973، ولا تحريك العصابات ضد ثورة الساندينيستا في نيكاراغوا في الثمانينات، ولا السارقة الأميركية لشحنات الكمامات أثناء وباء كورونا عام 2020، ولا قصف المنشآت النووية الإيرانية في الحرب على إيران عام 2025، لم يختلف شيء سوى أننا أمام مشهد جديد في شكله وسينمائيته وطريقة إخراجه.
في هذه الحلقة الخاصة من برنامج ببساطة مع ألييدا غيفارا نحاور المناضلة الأممية إبنة الأيقونة الثورية العالمية أرنيستو تشي غيفارا ونسألها عن تبعات الاختطاف، كيف استيقظت فنزويلا على هذا الخبر وكيف تواصل الحكومة البوليفارية عملها وما الذي تستشعره أميركا اللاتينية بعد الاختطاف، وما الذي ينتظره العالم من مغامرات أميركية عابثة بأسس النظام الدولي.
مساء الخير دكتورة ألييدا ومرحباً بك معنا مجدداً.
شُكرًا جزيلًا.
نبدأ معك بالسؤال الأول كيف تصفين ما حدث في فنزويلا في هذه العملية، عملية الاختطاف هذه، هذه الجريمة الكبرى في الثالث من يناير؟
ألييدا غيفارا:
حقًّا، هذا أمرٌ غيرُ مقبولٍ على الإطلاقْ. لا يجِدُ المَرءُ الكلماتِ ليُعبِّرَ عن مشاعرهِ، لأنَّ هناك سخَطًا هائلًا في نفوسِنا، في نفوسِ كلِّ شعوبِ أميركا اللاتينيّة.
لقد أظهرتِ الولاياتُ المتحدةُ مرّةً أخرى، وبكلِّ وُضوحٍ، القوّةَ التي تُديرُ بها سياستَها الخارجيّة: سياسةَ العصا الغليظةِ، وكلَّ شيءٍ بالقوّة.
هي بِبَساطةٍ عاجزةٌ عنِ التحلّي بالدبلوماسيّةِ، عَن إجراءِ حوارٍ على قَدمِ المساواةِ معَ شعبٍ آخرْ. هي لا تفهمُ هذا المفهومْ.
هيَ تسعى فقَطْ وراءَ ما تريدُهُ، وتفعلُهُ بالطريقةِ التي تراها الأنسَبَ لها. بالنسبةِ إلينا، هذا استخفافٌ كامِلٌ بشعوبِنا، وطريقةٌ أخرى لإثباتِ أنَّ حكومةَ الولاياتِ المتحدةِ لا تَزالُ تفعلُ ما يَحْلو لها، وللأسفِ، السببُ في ذلك هوَ أنَّنا جميعًا ما زِلْنا نسمحُ لها بذلكْ.
محمد فرج: دكتورة ألييدا الحرب على المخدرات ستار دخاني آخر، اسم مستعار للحرب على دولة ذات سياسة استقلالية وذات سيادة، وهي فنزويلا، هل أقنع هذا العنوان "الحرب على المخدرات" جمهور أميركا اللاتينية بما في ذلك مَن هم خارج حدود فنزويلا؟
ألييدا غيفارا:
في الحقيقةِ، لا يقتنِعُ بهذهِ الروايةِ إلّا مَن يريدُ أن يقتَنِعَ بِها، أي إنَّ مِنَ المستحيلِ أن يقبلَ أيُّ شَعبٍ بِمِثلِ هذا الوَضعْ.
أوّلًا، مَنِ الذي أخبرَ حكومةَ الولاياتِ المتحدةِ أنّها شُرطِيُّ العالَمْ؟ مَنِ الذي أخبرَها أنَّ لَها الحقَّ بالتحكُّمِ في العدالةِ الدوليّة؟
وفوقَ كلِّ ذلكْ، أينَ هِيَ الأدِلّة؟ لَم يُقدِّموا دَليلًا واحِدًا، ولا حتّى دليلًا واحِدًا ضِدَّ الرئيسِ (مادورو). حتّى هذه اللحظةِ، لَم نرَ شيئًا.
---
إذًا، هذا يُثبِتُ أوّلًا أنَّ كُلَّ ما يَقولونَهُ هوَ كِذبَةٌ مُطلقَة. ولَكِنْ ثانيًا، دَعونا نفكِّرْ لِلَحظة. حتّى لو كان هناك دليلٌ ضدَّ الرئيسِ (مادورو)، بأيِّ حَقٍّ تُحاكِمُهُ الولاياتُ المتحدةُ الأميركيّة؟
في كُلِّ الأحوالِ، يجبُ تقديمُ هذا الدليلِ إلى مَحاكمِ بَلدِهِ، فنزويلا، وسيكونُ الشعبُ الفنزويليُّ هُوَ صاحبَ القرارِ الوحيدِ المُمكِنِ، بِمُحاكمَتهِ أو لا.
هذا الحقُّ هو للشعبِ الفنزويليِّ وحدَهْ. مَنِ الذي أعْطى حكومةَ الولاياتِ المتحدةِ الحقَّ في فعلِ شيءٍ كَهَذا؟ هذا غيرُ مَقبولٍ بَتاتًا، غيرُ مقبولٍ على الإطلاقْ. لَكِنَّ الأسوأَ مِن كُلِّ هذا، هَل تَعرِفونَ ما هُو؟ هُوَ غِيابُ الاحترامِ لِحقِّ الشعوبْ.
لقد قالَها (بنيتو خواريز) ذاتَ مرّة: "اِحترامُ حَقِّ الفَردِ هُوَ الطريقُ إلى السلامْ". وحكومةُ الولاياتِ المتحدةِ اليومَ تُثيرُ مواقِفَ مِنَ الصَعبِ جدًّا، جدًّا قَبولُها.
محمد فرج: دعيني دكتورة ألييدا أتوقف عند هذا العنوان، عنوان الحرب على المخدرات، بدايةً بحسب التقرير العالمي بشأن المخدرات والصادر عن الأمم المتحدة عام 2025 هنالك ملاحظة أنّ زراعة الأفيون في أفغانستان على سبيل الامثال تراجعت من عام 2022 إلى 2024 بمعنى أن عام 2024 تراجعت بنسبة 95% عن عام 2022 وما الفاصل بين كل هذا هو الانسحاب الأميركي، بمعنى أن الوجود الأميركي كان يرفع من نسبة زراعة الأفيون في أفغانستان وأنّ هذه النسبة تراجعت بعد الانسحاب الأميركي، لا أعلم من أين تأتي الولايات المتّحدة الأميركية بهذه الجرأة للحديث عن حرب على المخدرات في ظل هذه الإحصائيات، ولا سيّما بأن الرئيس الثوري في فنزويلا نيكولاس مادورو، الرئيس الشرعي، كان يقول دائماً بأنّ إيفان دوكي في كولومبيا يحوّل كولومبيا إلى دولة مخدرات وهو الرئيس الذي كان قبل غوستافو بيترو، آنذاك كان يقول ترامب بأن إيفان دوكي صديق له وكان هنالك علاقة تجمعه به بشكل مباشر، عندما كان يحذّر نيكولاس مادورو من الدور الكولومبي مع إيفان دوكي في المخدرات كان ترامب يتقرّب من إيفان دوكي. في جانب آخَر أيضاً يمكن الحديث عن أن 2.7% من الفئة العمرية من 15 سنة إلى 64 عام في الولايات المتّحدة الأميركية تتعاطى الكوكايين، قبل أن تذهب الولايات المتّحدة الأميركية للبحث عن مصادر العرض وتكذّب فيها أيضاً فلتبحث عن الطلب، ما هي أسباب الطلب في الولايات المتّحدة الأميركية على هذا الكَم الهائل من المخدرات؟ ما الذي خلقته الثقافة الأميركية بنسختها وطبعتها الامبريالية لتُنتج مجتمعاً يستهلك المخدرات إلى هذا الحد؟ ما رأيك في ذلك دكتورة ألييدا؟
ألييدا غيفارا:
أعتقدُ أنّك على حقٍّ تمامًا في هذه النقطة. الأمرُ واضِحٌ جِدًّا، أيْ إنَّ حكومةَ الولاياتِ المتحدةِ يجبُ أن تُرَكِّزَ على السيطرةِ على مُستَهلِكي المخدِّراتِ داخِلَ بَلَدِها.
وليستِ الولاياتُ المتحدةُ فقط، فأوروبا "العجوزُ" هِيَ أيضًا مُستهلِكٌ كبيرٌ لهذِهِ الأنواعِ مِنَ المَوادِّ، ليس الكوكايينُ فقَطْ، بَل كلُّ شَيءْ.
مِن هذِهِ الناحية، كلامُك واقعِيّ. أيْ إنَّهم إذا كانوا يُريدونَ حقًّا القضاءَ على المخدِّراتِ، فأوّلُ ما يَجِبُ عَليهِم النظَرُ إليهِ هُوَ: أينَ يَكمُنُ هذا البِزْنِسْ؟
مَن هُمُ الذينَ يَستهلِكونَ هذهِ المخدِّراتْ؟ نحنُ في شعوبِ أميركا اللاتينيّةِ لا نَملِكُ المالَ عمليًّا لِشراءِ هذه الأشياءْ. لا بُدّ مِنْ أن يكونَ المستهلكونَ في البلدانِ الغنيّةِ، أولئك الذين يَملِكونَ المالَ لِيُدَلِّلوا أنفسَهُم باستهلاكِ مِثْلِ هذه القذارة.
اُعْذُروني على الكلمة، لكِنَّ هذا هُوَ واقِعُها. إنّها تدمِّرُ عَقْلَ الإنسانِ، تَقْضي على إرادتِهْ.
أتذكّرُ عندما كنتُ في نيكاراغوا بعدَ انتصارِ الثورةِ، رأيتُ للمرّةِ الأولى أطفالًا يتعاطَوْنَ المُخَدِّراتْ. لَكِنْ هَلْ تَعرِفونَ لِماذا؟ بِسبَبِ الجوعِ. نعَمْ، بِسَببِ الجوعْ.
لأنّهم كانوا جائعينَ، كانوا يستخدمونَ ورنيشَ الأحذيةِ (مُلمِّعَ الأحذيةِ مِثلَ الشُعلةِ وما شابَهَ)، يُشعِلونَهُ ويَستَنشِقونَ دُخانَهُ لِيَنامُوا ويَنْسَوا جُوعَهُم.
لَكِنْ، أيُّ جُوعٍ يمكِنُ أن يشعرَ بِهِ هؤلاءِ الذين يَملِكونَ المِلياراتِ في جيوبِهِمْ؟ أيُّ حاجةٍ تدفعُهُم إلى استخدامِ شَيءٍ كهذا؟ الأمرُ بِبَساطةٍ بِزْنِسْ. مُجرَّدُ بِزنِسْ. والولاياتُ المتحدةُ ليسَتْ مُستهلِكًا كبيرًا فحَسبْ، بَل هيَ شريكةٌ في هذه الجريمة.
هناك شاعرةٌ مِكسيكيّةٌ عظيمةٌ مِن قرونٍ مضَت، (سور خوانا إينيس دي لا كروز)، قالَت ما مَعناهُ: "يا رجالًا حَمْقَى تَلومونَ المرأةَ مِن دونِ سَبَبٍ، وأنتُم تَعلمُونَ أنَّكُم أنتُم مَن هَيَّأَ لَها الظروفَ لِتَقَعَ في الخَطأِ نَفسِهِ الذي تَلومونَها عَلَيْهْ". وهذا بِالضَبطِ ما يَحدُثُ هُنا.
هُم حَمْقَى، حَمْقَى حَقًّا، عندما يلومونَ شعوبَنا على أمْرٍ هُم وَحدَهُم المسؤولونَ عنهْ. لَو لَم يدفَعوا هُم ثمَنَ هذِهِ المُخدِّراتِ، لما وُجِدَتْ أصْلًا.
محمد فرج: دكتورة ألييدا هنالك ما يثير المقارنة بين ما حدث في خليج الخنازير في كوبا سابقاً في الستينيات وفي المرتين كان الهدف الأميركي هو التخلص من النظام الثوري في البلاد، في المرتين كان هنالك دور كبير أيضاً للCIA، من روح هذه التجربة الثورية الكبيرة في كوبا التي كان الثائر الأممي الكبير أرنيستو غيفارا جزءاً منها كيف تقرئين المقارنة أن المطلوب أنّ الهدف، أن العين، أن التصويب هو بالأساس على النظام الثوري لما له من إيجابيات وليس لأي سبب آخَر؟
ألييدا غيفارا:
لاحِظوا أنّنا لا نَستخدِمُ هذا المصطلحْ. نحنُ لا نقولُ "نظامْ"، بل نستخدِمُ مصطلحَ "حكومة"، "منظومة ثوريّة"، "دولة ثوريّة". مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ تَنْتبِهوا إلى هذا، لأنَّ تلكَ هيَ لغةُ العدُوِّ، ولا يجوزُ لنا استخدامُها.
الآنَ، مِنَ المُهمِّ جِدًّا أن تُدرِكوا أنّه قد تكونُ هناك أوجُهُ تشابُهٍ، وهذا طبيعيٌّ، لأنّ الولاياتِ المتحدةَ ليست مبتكِرةً أبدًا. هيَ تُكرِّرُ الأساليبَ نفسَها التي استخدمَتْها لِقرونْ. لكِنْ في (بلايا خيرون) {خليج الخنازير}، كان هناك فَرقٌ، وهوَ أنّهُم اِستخدَموا مُرْتَزِقةً كوبيّينَ لِبَدءِ الهجومْ.
وبمجرّدِ أن يُحقِّقَ هؤلاءِ المرتَزِقةُ تقدُّمًا نِسبِيًّا، كان بإمكانِهِم طلبُ الدعمِ الرسميِّ مِن حكومةِ الولاياتِ المتحدة. في الحالاتِ الأخرى، لم يحدُثْ ذلكْ. كانتِ القوّاتُ الأميركيّةُ هيَ التي تتدخَّلُ مباشَرةً لاعتقالِ القادةِ أو سَحقِ الشعوبْ.
خُذوا بنَما على سبيلِ المِثالِ، معَ الرئيسِ (نورييغا)، الذي، للمُفارقةِ، كانتْ وِكالةُ الاستِخباراتِ المركزيّة هِيَ مَن نصَّبَتهْ. وعندما لم يَعُدْ يَخدُمُ مَصالِحَهُم وأصبحَ مُزعِجًا، قاموا بعمليّةٍ عسكريّةٍ داخِلَ بنَما، قَتلوا مَدنيّينَ مِن رجالٍ ونساءٍ، واغْتالوا جُزءًا مِن ذلكَ الشعبِ، ثمَّ وَصَلوا إلى (نورييغا) وأسَروهْ. هذا بالضَبطِ ما حاوَلوا تَكرارَهُ الآنَ في فِنزويلا، وإن كانَ بطَريقةٍ أكثرَ "تطوُّرًا" كما يَزعُمونْ.
لكنّهُ نمَطُ السُلوكِ نفسُهُ، الأمرُ نَفسُهُ فَعَلوهُ في العراقْ. هل تذكُرونَ العراقْ؟ كيف دخَلوا وأسَروا (صدّام حُسَين). إنّها الحالةُ نفسُها.
ما أَعْنيهِ هوَ أنَّ حكومةَ الولاياتِ المتحدةِ تُكرِّرُ مخطّطاتِها باستمرارْ. هُم ليْسوا مبتَكِرينَ على الإطلاقْ. والمشكلةُ الحقيقيّةُ، كما قلتُ منذُ البدايةِ، هِي أنّهُم يواصِلونَ تَكرارَ هذهِ المخطّطاتِ، لأنَّنا، للأسفِ، نَسمَحُ لَهُم بذلكْ.
وبالطبعِ، يَستخدِمونَ ذرائعَ واهيةً مِثلَ مكافحةِ المخدِّراتِ، أو أيِّ شَيءٍ آخَرَ يَخطُرُ بِبالِهِم في تلكَ اللحظةِ، لِتَبريرِ هذهِ الاعتداءاتِ على شعوبِنا.
ومتى يحدُثُ هذا؟ يحدُثُ عندما ترفضُ الحكوماتُ الخضوعَ، عندما يَرفضُ الرؤساءُ ببساطةٍ أن يُطَأطِئُوا رؤوسَهُم، ويَرفُضونَ أوامِرَ الولاياتِ المتحدةِ، ويَمنَعونَ سَرِقةَ ثَرَواتِهِم التي هيَ ملْكٌ لِشُعوبِهم. هذهِ هِيَ المُشكلةُ الحقيقيّة.
أيْ إنَّ وراءَ كُلِّ غَزوٍ مِن هذا النوعِ، هناكَ دائمًا هدفٌ اقتصاديٌّ واضِحْ. بنَما مَثلًا، ما القضيّة؟ إنّها المَمَرُّ المائِيُّ، قناةُ بنَما.
كانوا يُريدونَ السيطرةَ على تلكَ القناةِ بأيِّ ثمَنْ. حَسَنًا، قاموا بِغَزْوِ بَنَما. ثمَّ العِراق،
ماذا أرادوا مِنَ العراقْ؟ النِفطَ، الماءَ، والموقِعَ الجغرافيَّ المُهِمْ.
والآنَ فِنزويلا، ماذا يريدونَ مِنها؟ فِنزويلا تَمتَلِكُ أكبرَ احتياطِيٍّ نِفطِيٍّ مُؤَكَّدٍ عِلمِيًّا في العالَمْ.
وليسَ هذا فقط، فنزويلا غنيّةٌ بالماءِ، وبالمعادنِ النادرةِ الضَروريّةِ للتكنولوجيا الحديثة. هذه هيَ الأهدافُ الحقيقيّةُ التي يسعَوْنَ إليها.
وعندما ترفضُ الحكوماتُ أن تبيعَ نفسَها، عندما ترفُضُ أن تخضَعَ، يأتي هجومُ الولاياتِ المتحدةِ ضدَّ شعوبِنا.
محمد فرج: دكتورة ألييدا ما حدث كان اختطافاً، أو طبعاً كما يعبر عنه بطريقة صحيحة اختطاف عسكري لرئيس دولة، عبّر الرئيس مادورو عن ذلك بقوله أنا رئيس فنزويلا وأنا أسير حرب واختُطفت من منزلي، ما الذي يعنيه ذلك لمعنى النظام الدولي، صورة النظام الدولي، شكل النظام الدولي، دور الهيئات الدولية في العالم؟ ما الذي يعنيه وجود مجلس الأمن والأدوار التي يؤديها، ما الذي يعنيه وجود الهيئات الدولية القضائية؟ وكيف ترى الحكومات الثورية في أميركا اللاتينية كيف تنظر إلى هذه الجريمة الكبرى جريمة الاختطاف؟ إذاً نحن نتحدث عن زوايا نظر مختلفة، زاوية النظر المتعلقة بكيف نقرأ وكيف نشاهد اليوم هذه الهيئات الدولية مجلس الأمن والهيئات القضائية وغيرها وكيف تنظر الحكومات الثورية في أميركا اللاتينية إلى هذه الجريمة الكبرى؟
ألييدا غيفارا:
حسنًا، أوّلًا وقبلَ كلِّ شيءٍ، نحنُ نُعرِّفُ ما حدثَ بأنَّه جريمة. إنَّ اختطافَ رئيسٍ واغتيالَ رِجالٍ ونِساءٍ لتَحقيقِ هذا الهدفِ هُما مِن أكثرِ الأمورِ التي تَجرَحُنا وتُؤلِمُنا كشَعبْ. هذا قاسٍ، قاسٍ جدًّا، لكنْ لا بُدَّ مِنَ الردّ.
والشعوبُ الثوريّةُ، والحكوماتُ التي تحترمُ شعوبَها حقًّا، قد رفعَتْ صَوتَها بالفِعلْ.
لاحِظوا ردَّ الفعلِ الفوريَّ لكوبا مثلًا. في أقلَّ مِن ساعتَينِ، كانَ الشعبُ قد نَزلَ إلى الساحةِ أمامَ السِفارةِ الأميركيّةِ، وهناك تجلَّتْ أسْمى معاني الوَعيِ، بأنَّ شعبًا بأكملِهِ على أُهبَةِ الاستعدادِ للقتالِ، ومُستَعِدٌّ لمقاومةِ أيِّ شَيءٍ قادِمْ.
نحنُ لا نخافُ، لا نشعرُ بأيِّ نوعٍ من الخَوفْ. وانظروا إلى الشعبِ الفنزويليِّ نفسِهِ، كيف يملأُ الشوارعَ مُطالبًا برئيسِهْ.
كيف يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يتحدّثَ عن "طاغيةٍ" أو "مهرِّبِ مخدِّراتٍ" وشعبُه يُدافِعُ عَنهُ، وقدِ انتَخبَهُ ديمقراطيًّا أكثرَ مِن ثلاثِ مرّاتٍ، وهوَ اليومَ يُطالِبُ بعَودتِهْ؟ هذا الموقِفُ وَحدَهُ يتحدَّثُ بالنِيابةِ عنّا جميعًا.
البرازيل، المِكسيك، الأوروغواي، بوليفيا، وحتّى كولومبيا، جميعُهُم رَفعُوا أصواتَهُم مُطالبينَ بعودةِ الرئيسِ واحترامِ القانونِ الدوليّ.
لكِنْ، ماذا عنِ المنظّماتِ الدوليّة؟ ما الذي يحدُثُ معها؟ الأممُ المتحدةُ بطيئةٌ، بطيئةٌ جدًّا. ولماذا؟ لأنّنا يجبُ أن نضَعَ حدًّا لهذا الوَضعِ وندفَعَ نحوَ دَمقرَطةِ هذه المنظّمة.
لا يمكِنُ أن تبقى رهينةً في (نيويورك)، في قَلبِ الولاياتِ المتحدة. هذا ليس عدلًا. أين يجبُ أن يكونَ مقرُّ الأممِ المتحدة؟
يجبُ أن يكونَ في قلبِ أفريقيا مثلًا، إحدى أكثرِ القارّاتِ مُعاناةً وفَقرًا على هذا الكوكَبْ.
هناك يجبُ أن تكونَ، ولا يُمكِنُ أن تظلَّ معتمِدةً على أموالِ الولاياتِ المتحدة. يجبُ أن تُموَّلَ مِن قِبَلِ جميعِ الدولِ الكُبرى والعالَمِ بأَسْرِهْ.
حتّى لو كانَت إسهاماتُنا صغيرةً، يجبُ أن تكونَ ديمقراطيّةً وإنسانيّةً بحَقّ. المالُ هو المُتحَكِّمْ. تخيّلوا، الولاياتُ المتحدةُ، بوُجودِها في مَركزِ كلِّ شيءٍ وتمويلِها للمنظّمةِ، هيَ التي تأمُرُ وتقرِّرُ، وتمتلِكُ حَقَّ النَقضِ (الفيتو) الدائِمْ.
ما هذا الهُراءْ؟ لَم نتمكّنْ مِن معاقبةِ إسرائيلَ مثَلًا. لِماذا؟ لأنَّ الولاياتِ المتحدةَ تستخدِمُ الفيتو دائمًا. لا يُمكِنُنا ممارسةُ حقوقِنا كشعوبٍ في الأممِ المتحدة. لماذا؟ لأنَّ الولاياتِ المتحدةً تَستخدِمُ الفيتو.
إلى متَى؟ حقًّا، إلى متَى؟ إذا أرَدْنا أمَمًا مُتَّحِدَةً ديمقراطيّةً بِحَقٍّ، تَفي بِالدَورِ الذي أُنشِئَتْ مِن أجلِهِ بعدَ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ، يجبُ أن تَنتَقِلَ إلى مكانٍ آخَرَ، بعيدًا عَنِ التأثيرِ المباشِرِ للوِلاياتِ المتحدةِ على قراراتِها. بهذا الشَكلِ، هِيَ لا تَصلُحُ لِشَيءْ.
إذًا، علينا حقًّا أن نصلَ إلى اتّفاقٍ، ولنُفكّرْ في أنّ هناك قُوًى عُظمى جديدةً في العالَمِ، لَها صَوتٌ قويٌّ اليومْ. الصينُ وروسيا تُطالبانِ بحَقِّ (مادورو) في العودةِ إلى بلدِهْ.
لَكِنَّهُما تُراقبانِ أيضًا، لأنّه إذا سَمَحْنا بِمُرورِ هذا الموقِفِ، فإنّنا نفتَحُ البابَ أمامَ فوضَى عالميّة. سيعني ذلك أنَّ أيَّ دولةٍ تريدُ شيئًا مِن دولةٍ أخرى، يمكِنُها ببَساطةٍ أن تعتدِيَ عليها. لنَضرِبْ مِثالًا بسيطًا.
لو أنَّ روسيا أوِ الصينَ فَعَلَتا الشيءَ نفسَهُ، تخيَّلوا حَجْمَ الضجّةِ الدوليّةِ! كم كانوا سيتحدّثونَ ضدَّهُما؟ ولكن عندما تَفعَلُها الولاياتُ المتحدةُ، ماذا يحدُثْ؟ أين ردُّ فِعلِ العالَمْ؟ أينَ العقوباتُ ضِدَّ الولاياتِ المتحدة؟ أنا لا أراها.
إذًا، عن أيِّ ديمقراطيّةٍ نتحدّثُ؟ وعن أيِّ قانونٍ دولِيّ؟ إذا واصَلْنا السَماحَ لحكومةِ الولاياتِ المتحدةِ بفِعْلِ ما تشاءُ ضِدَّنا، فما هذا؟ وإلى متَى؟
محمد فرج: دكتورة ألييدا دعيني أتوقف عند الحالة الكوبية بالتحديد، المواقف، الدور الكبير الذي لعبته كوبا تاريخياً في القارة اللاتينية هي كانت نقطة إشعاع ثوري خزّان فكري، خزّان طبّي، خزّان مساعد ومساند في مشاريع محو الأمية، وقد ساعدت كل الدول التي نشأت فيها حكومات ثورية وحكومات يسارية بما فيها فنزويلا، المشهد الذي رأيناه مؤخراً باتّصال وتواصل مستمر مع كل هذه المساندة الكبيرة من كوبا إلى الحكومات الثورية في أميركا اللاتينية من مشاريع محو الأمية، الأطباء، المساعدة في المشاريع الإنمائية وما إلى ذلك، كنا أمام مشهد الشهداء الكوبيين الذين قضوا أثناء تأديتهم للواجب، كيف تعلقين على ذلك؟
ألييدا غيفارا:
نعَم، كنتُ أقولُ لكُم إنَّ هذا مِن أقسى الأمورِ التي نواجِهُها. كان رِفاقُنا هناكَ في فِنزويلا لأنَّ الأجهزةَ النظيرةَ لوِزارةِ الداخليَّةِ والقوّاتِ المسلّحةِ الكوبيّةِ هِيَ التي طلبَتِ المساعدة،
ونحنُ أرسَلْنا رِجالًا ونِساءً لأنّهُم طلَبوا ذلكْ. كوبا لا تُرسِلُ أحَدًا أبدًا لمُجرَّدِ نَزْوةٍ أو رغبةٍ مِنها. نحنُ ننتظِرُ دائمًا أن تطلبَ دولةٌ أو حكومةٌ المساعدةَ، وإذا استَطعْنا، نُقدِّمُها.
الآنَ، ما زالتْ تفاصيلُ ما حدثَ غيرَ واضحةٍ تمامًا. نحنُ كمَن يَسيرُ في ضَبابِ الحربْ. ليس لدَينا كلُّ المُعطَياتِ الدقيقةِ بعدْ، لَكِنْ هناك حقيقةٌ واحدةٌ مؤكَّدَة: لقد فَقدْنا اِثنَينِ وثلاثينَ إنسانًا، اِثنَينِ وثلاثينَ رجلًا كوبيًّا، الكثيرُ منهُم في رَيْعانِ الشبابْ.
وهذا يجرَحُ أيَّ إنسانْ. قد يكونونَ أبناءَكَ، إخوتَكَ، رِفاقَكَ، جيرانَكَ... ولَنْ نَراهُم مَرّةً أخرى يضْحكونَ ويحلُمونَ. وهذا مؤلِمٌ، مؤلِمٌ حقًّا.
ولكِنْ، هل تعرِفونَ ما قالَهُ (فيدل) ذاتَ مرّة؟ "عندما يَبكي شَعبٌ قويٌّ وشجاعٌ، يَرتَجِفُ الظُلمْ". ونَحنُ نأمُلُ، بَل نتوقَّعُ، أن يَرتَجِفَ ذلكَ الظُلمُ حقًّا، لأنّه كلّفَنا ثمَنًا باهِظًا جدًّا.
لقد كلَّفَنا حَياةَ رِجالٍ رائِعينَ كانوا يُؤَدُّونَ واجِبَهُم الأمَمِيّ.
وهذا أمرٌ لا يَنساهُ الشعبُ الكوبيُّ أبدًا، ولا يَغفِرُهُ أبدًا.
لذلكَ، نحنُ نُطالِبُ بالعدالةِ لِكُلِّ هؤلاءِ الشبابِ الذينَ فَقَدْناهُم هُناكْ. وبِطَريقةٍ أو بِأُخرَى، سيَحصُلُ الشَعبُ الكوبيُّ على هذهِ العَدالةِ، لا شَكَّ في ذلكْ.
محمد فرج: دكتورة ألييدا ترامب يقول بأن كوبا ساقطة حالياً وهي مسألة وقت قصير حتى يسقط النظام حسب تعبيره، روبيو وزير الخارجية من أصول كوبية هدد كوبا بوضوح، كيف ترين المشهد الداخلي في كوبا في ما يتعلق في هذا الجانب؟ وكيف تعلقين على هذه التهديدات؟
ألييدا غيفارا:
اُنظُروا، هناكَ شيءٌ واحِدٌ لم تفهَمْهُ الولاياتُ المتحدةُ يومًا: وَحدةُ الشعبْ. هذهِ الثورةُ الاشتراكيّةُ، على بُعدِ تِسعينَ ميلًا فقَط مِن أقوى إمبراطوريّةٍ في العالَمِ، صَمَدتْ لأكثرَ مِن ستّينَ عامًا بفَضلِ وَحدةِ شَعبِها. قد يكونُ مِنَ الصَعبِ فَهْمُ ذلكَ، لأنّنا نعيشُ أوضاعًا اقتصاديّةً قاسيةً جدًّا.
تَنقُصُنا الطاقةُ، تَنقُصُنا الأغذيةُ التي أصبحَتْ باهظةَ الثمنِ، وتنقُصُنا الأدوية. كلُّ هذا بسبَبِ الحِصارِ، ذلكَ الحِصار الذي هوَ إبادةٌ جَماعيّةٌ، والذي يمنَعُ كوبا مِن شراءِ حاجاتِها الغِذائيّةِ والدَوائيّةِ بِحُرّيّة.
لقد وضَعونا في قائمةِ رُعاةِ الإرهابِ، ما يَمنَعُ أيَّ بَنكٍ محترَمٍ مِنَ التعامُلِ مَعَنا. إنّها ظروفٌ قاسِيةٌ جِدًّا، ولَكِنْ هَل تَعرِفونَ ماذا؟ يُثبِتُ الشعبُ الكوبيُّ مرّةً تِلْوَ الأخرى أنّه لا يُمكِنُ القَبولُ بالإمبرياليّةِ الأميركيّةِ، ولا حتّى "بِذَرّةٍ صغيرةٍ" منها، كما كان يقولُ والدي. وهذه حقيقةٌ مطلقَة.
الشعبُ الكوبيُّ مُستَعِدّ. أنا طبيبةٌ، وقد شابَ شعري، لكِنَّني ما زِلتُ أُجيدُ إطلاقَ النارِ، ومِن أجلِ الدفاعِ عَنْ كُلِّ شِبْرٍ مِن أرضي، أنا مُقتَنِعَةٌ بأنَّني ما زِلتُ أستطيعُ فِعْلَ الكثيرِ، وسأفعَلْ.
فلا يُخطِئَنَّ أحدٌ الظنَّ، ولا تَعتقدِ الإمبرياليّةُ الأميركيّةُ أنّها تستطيعُ تهديدَنا. لقد ألحقَتْ بِنا أضرارًا جَسيمةً، هذا صحيحٌ، لكِنّها لَم تُخْضِعْنا يومًا، ولم نُطَأطِئْ رؤوسَنا، ولَن نفعلَ ذلكَ الآنْ. سَنُناضِلُ حتّى آخِرِ رَمَقٍ، أضمَنُ لَكُم
محمد فرج: دكتورة ألييدا أريد أن أستطرد معك أكثر في ما يتعلق بالمشهد الدولي، الموقف الدولي، الموقف ولرؤية الشعبية العامة لطبيعة الاستجابة الدولية تحديداً مع روسيا والصين ولكن بعد هذا الفاصل، تفضلوا أعزاءنا المشاهدين بالبقاء معنا.
فاصل
محمد فرج: أعزاءنا المشاهدين نجدد التحية لكم في حوارنا الخاص وفي هذه الحلقة الخاصة مع المناضلة الأممية ألييدا غيفارا ونستكمل في ما يتعلق بالمشهد الدولي دكتورة ألييدا، كنّا قد تحدثنا بشكل سريع ومختصر عن الموقف الروسي والموقف الصيني، كيف يمكن أن تصفين لنا المزاج الشعبي العام في دول أميركا اللاتينية سواء في فنزويلا أو في كوبا في ما يتعلق بالموقف الروسي وفي ما يتعلق بالموقف الصيني؟ هل كان هنالك آمال بموقف وباستجابة أسرع وأقوى من الروس والصينيين ولم تتحقق؟ هل خلق هذا حالة إحباط عند شعوب أميركا اللاتينية في ما يتعلق بطبيعة الاستجابة الصينية؟ الصين قبل أسابيع أو قبل شهر تقريباً نشرت ورقة سياسية مطولة جداً تصف فيها السياسة الخارجية الصينية في التعامل مع دول أميركا اللاتينية والكاريبي، كان لسان حال هذه الورقة يقول بأنّ الصين مستعدة لكل شيء من البنية التحتية البسيطة وصولاً إلى نظام الاتّصالات والفضاء ونظام بيدو واستبدال كل الأنظمة الأميركية، الأميركي سبق وباغت في ما يتعلق بهذه الجريمة داخل فنزويلا، الصيني ما زال متمسك بحكمته التقليدية قطرة قطرة يشق الماء الصخر، هنالك ترقّب عالمي من شعوب كثيرة في العالم تقول نريد استجابة أسرع، نريد استجابة أقوى، نريد تضامن أعلى مستوى لمنع الأميركي من هذه الخطوات المغامِرة ضمن ذهنية ترامب التي تعمل كما يقول بوب ودورد في كتاب الحرب تعمل بالغريزة، فلا بد من مواجهة هذه الغريزة التي تتحرك فيها الولايات المتّحدة الأميركية بمنطق استجابة أسرع وأقوى، هل هذا هو المزاج العام لدول أميركا اللاتينية وشعوبها في ما يتعلق بالموقف الصيني والروسي؟
ألييدا غيفارا:
بالطبعِ، نَوَدُّ أن نَرى روسْيا والصينَ تتحرّكانِ بحَزمٍ أكبرَ، لكِنَّنا لا نَدعو إلى حربٍ عالميّةٍ ثالثَة. ليس هذا هو الحَلّ.
ما نُريدهُ هو رَدُّ فِعلٍ حقيقيٌّ منَ الشعوبِ، أن يُدرِكوا أنَّه لا يُمكِنُنا الاستمرارُ في السَماحِ بِمِثلِ هذهِ الأعمالِ، وأنَّهُ يَجِبُ وَضعُ حَدٍّ لِغطْرسةِ الولاياتِ المتحدة. وهناكَ طُرُقٌ لذلكْ.
على سبيلِ المِثالِ، فَكِّروا معي: ماذا لو أوقفَتْ جميعُ الدولِ المُنتِجَةِ للنِفطِ بَيْعَ قَطْرةٍ واحِدةٍ لِلولاياتِ المتحدةِ حتّى تُعيدَ الرئيسَ (مادورو) إلى فِنزويلا؟
سيكونُ ذلك ردًّا فعّالًا جدًّا، أليس كذلكْ؟ ولا يتطلَّبُ ذلكَ تدخُّلًا مِنَ الصينِ أو روسْيا، بل مِن جميعِ الدولِ المُنتِجَة. الآنَ، الصينُ وروسيا لهُما دَورٌ مُهِمٌّ في مَجلسِ الأمنِ، وعليهِما استِخدامُ قوّتَيْهِما للمطالبةِ بتَطبيقِ القانونِ الدَوليّ. فالمُهِمُّ هو أنْ يَفهَمَ العالَمُ كُلُّهُ، كما قال شاعِرُنا (خوسيه مارتي): "أن تَرى جريمةً بِصَمتٍ هُوَ أنِ تَرتَكِبَها".
هل تفهمونَ معنَى ذلكْ؟ "أن ترى جريمةً بصَمتٍ هو أن تَرتكِبَها". هذا ما يحدُثُ مَعَ فِلسطينَ اليومْ. ما زالَ يحدُثُ مَع كُلِّ ما يَجري في غزّةَ، ونحنُ لم نتمكَّنْ مِن كَبْحِ جِماحِ إسرائيلْ.
إذًا، علينا أن نفكِّرَ في هذا كشعوبٍ، وأن نتحرَّكَ كشعوبٍ، بوَحدةٍ، مُطالبينَ حكوماتِنا بأنْ تؤدِّيَ دَورَها الحقيقيّ.
إذا كانَتْ تُمثِّلُ مَصالِحَنا، فَعَلْيْها أن تُدافِعَ عَنْها. وما هِيَ أهَمُّ مَصلحةٍ لأيِّ شَعبْ؟ كرامتُهُ، ثقافتُهُ، سيادتُهْ. هذا هوَ الأهمّ.
علينا أن نعملَ كوَحدةٍ واحِدةٍ، نسعى دائمًا للسلامِ، ولكِنْ معَ المطالبةِ بحقوقِنا واستخدامِ قوّتِنا كشعوبٍ لتَحقيقِ أهدافِنا التي نَنْشُدُها.
محمد فرج: دكتورة ألييدا كيف تقيمين موقف الدول الأوروبية؟ القارة الأوروبية لطالما صدّرت صورة بأنّ كل نظريات العقد الاجتماعي، كل نظريات العقد السياسي وكل نظريات منظومات الحكم أو النظريات المؤسسة لأشكال الحكم في العالم في ما يتعلق بحقوق الإنسان والعلاقة بين الحاكم والمحكوم وما إلى ذلك، صدّرت القارة الأوروبية نفسها بأنها مرجعية أساسية في هذا الاتّجاه تحديداً في القرنين العشرين والحادي والعشرين وأيضاً حتى القرن التاسع عشر، برأيك المواقف الأوروبية الرسمية بالتحديد في ما يتعلق بجريمة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كيف نقرأها اليوم؟ هل تجد القارة الأوروبية نفسها محرجة، هل تجد نفسها على فجوة مع طريقة التعاطي الأميركي، هل كشفت عن وجهها الحقيقي، كيف تنظرون إلى طبيعة المواقف الأوروبية؟
ألييدا غيفارا:
أعتقدُ أنّ الحكوماتِ الأوروبيّةَ تحرّكتْ قليلًا جدًّا، لكنَّ الشعوبَ قِصّةٌ أخرى. لقد خرجتِ الشعوبُ في إيطاليا، وإسبانيا، و(بروكسِل)، وفي أماكِنَ مختلفةٍ من أوروبا. لقد تفاعَلوا، وهذا هوَ المُهِمّ.
ربّما هذا هو الأهمُّ على الإطلاقْ. أقولُ دائمًا: الحكوماتُ تأتي وتذهبُ، لكِنَّ الشعوبَ باقيةٌ، وهِيَ صاحبةُ الكلمةِ الأخيرةِ، كلمةِ النصرْ. عندما يتَّحِدُ شعبٌ، لا يُمكِنُ لِأيِّ قوّةٍ أن تَهزِمَهْ.
لذلكَ، يجبُ أن تستمِرَّ التعبئةُ، يجِبُ أن نستمِرَّ في الشوارعِ مطالبينَ بعودةِ الرئيسِ الفنزويليِّ إلى أرضِهْ. هذا واجِبٌ علَينا جميعًا، ويجِبُ أن تستمِرَّ هذه التحرّكاتُ، وأن ترتفِعَ أصواتُنا أعلى وأقوى، وبِوَحدةٍ أكبَرْ. لا تَنسَوْا هذهِ الكلمَة: الوَحدة. إنّها أساسيّةٌ لتَحقيقِ أهدافِنا.
محمد فرج: نحن تحدثنا إذاً عن طبيعة الموقف الأوروبي، تحدثنا عن الجريمة الأميركية، تحدثنا أيضاً عن مواقف دول أميركا اللاتينية وتحدثنا أيضاً عن الموقف الروسي والصيني، نحن نتحدث إجمالاً دائماً عن فكر التكتّلين في العالم، تكتّل دول الجنوب أو الجنوب العالمي، ونتحدث أيضاً عن تكتّل القوة الغربية المتمثلة عسكرياً بالناتو، هنالك حوار فلسفي وسياسي معمَّق باتّجاه هل الكتلة الغربية التي تاريخياً كانت كتلة متماسكة بشكل أو بآخَر، هل بدأت تضعف؟ أم أنّ تكتّل الجنوب العالمي لم يتبلور بعد؟
ألييدا غيفارا:
صحيحٌ أنّ الولاياتِ المتحدةَ في حالةِ انحطاطٍ، لا يُمكِنُنا إنكارُ ذلكَ، ولَكِنْ هذا هوَ ما يَجعَلُها أكثرَ خطورة. الأمرُ يُشبِهُ حَيوانًا مُحاصَرًا، كيف يُهاجِمُ ويَعَضُّ بذيلِهِ في محاولةٍ يائسةٍ للدفاعِ عن نفسِهْ. هذا ما تفعلُهُ الولاياتُ المتحدةُ اليومْ.
لدَيها مشاكلُ اقتصاديّةٌ خطيرةٌ، وفقدَتْ هيمنتَها الاقتصاديّةَ على العالَمِ، وأصبحَتْ تعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على دولٍ أخرى مثلِ الصينْ.
لذلكَ، هُم يشعُرونَ بخَوفٍ شديدٍ مِن فِقدانِ تلكَ الهيمنَةِ التي استخدَموها لقُرونٍ ضِدَّنا.
تخيَّلوا، الولاياتُ المتحدةُ تُعتبَرُ من أكبرِ مُنتِجي النفطِ في العالَمْ. إذًا، لماذا تحتاجُ إلى سرقةِ نِفطِنا؟ ببساطةٍ، لأنّها معتادةٌ ذلكْ. تريدُ استنزافَ مواردِنا والاحتفاظَ بمواردِها كاحتياطيّ.
ما لَم تُدرِكْهُ الولاياتُ المتحدةُ بَعْدُ هُوَ أنّها لا تستطيعُ البقاءَ مِن دونِنا، لأنَّ الجَنوبَ العالميَّ هُوَ الذي يَمتلِكُ الثَرواتِ الحقيقيّةَ للكَوكبْ: النِفطَ، الماءَ، المعادنَ الاستراتيجيّةَ.
والغِذاءَ أيضًا. انظروا إلى البرازيلِ والأرجنتينْ، مُنتِجَتيِ الحبوبِ العَظيمَتينْ، كِلتاهُما مِنَ الجَنوبْ.
اُنظُروا إلى الكونغو وثَرواتِها. إذًا، نحنُ ضَروريّونَ جِدًّا لِذلكَ الشَمالِ المُضطَربِ والوحشِيّ. ما يَجِبُ أن يحدُثَ هوَ أن تَعِيَ الشعوبُ القوّةَ الحقيقيّةَ التي تَملِكُها.
يجبُ أن يُدرِكوا أنّنا قادِرونَ على تَغييرِ تاريخِ البشريّة. إذا اتّحدَتِ الشعوبُ، إذا ناضَلتْ مِن أجلِ حُقوقِها، كما يحدُثُ الآنَ معَ مجموعةِ (بريكس) مَثلًا، فنحنُ أمامَ تغييرٍ حقيقيٍّ في موازينِ القُوى العالميّة.
يجِبُ أن نَستَغِلَّ هذهِ القُوّةَ، وهذهِ الوَحدة. أعتقِدُ أنَّها لحظةٌ تاريخيّةٌ ومُهِمَّةٌ جدًّا.
محمد فرج: دكتورة ألييدا واحدة من سمات الثورة الكوبية تاريخياً هي التماسك داخل بنية الحكومة، وكان ذلك أحياناً يُصدَّر أو يُعنوَن أو تكون أيقونته الأساسية ثنائيات، على شكل ثنائيات، ثنائية غيفارا كاسترو كانت التماسك في العلاقة بين الشخصيتين كان صورة للتماسك الداخلي في داخل الحكومة في كوبا، ثنائي هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو أيضاً كان تعبيراً عن تماسك الحكومة البوليفارية في فنزويلا، هوغو تشافيز قد رحل، نيكولاس مادورو الآن مختطف في الولايات المتّحدة الأميركية، هل هنالك من إشارات لتماسك النظام، لتماسك الحكومة في فنزويلا تمنع وتعرقل المشروع الأميركي في تحويل فنزويلا إلى شيء آخَر؟ هل النصف الآخَر من شكل الحكومة كما كنّا نتحدث عن الحكومات الثورية في أميركا اللاتينية هل النصف الآخر لنيكولاس مادورو يمكن القول أنه ما زال موجوداً في كراكاس؟
ألييدا غيفارا:
لقد كنتُ في فِنزويلا أخيرًا ورأيتُ تماسُكَ الشَعبِ، والهدوءَ الذي يعيشونَهْ. إنَّهُ أمرٌ مُدهِشْ.
ومُدهِشٌ أنّه حتَّى بَعْدَ القَصفِ الذي تعرَّضُوا لَهُ، هذا الشعبُ يَملأُ الشوارعَ مُطالِبًا برئيسِهْ.
هناكَ وَحدةٌ قويّةٌ جِدًّا اليومَ في الشَعبِ الفنزويليّ. لَقَدْ أَدرَكوا أنَّهُم أسيادُ أرضِهِم، وأنَّ هذهِ الموارِدَ ملكٌ لَهُمْ وَحدَهُمْ. وهذا وَعيٌ مُهِمٌّ جدًّا.
لديهِمْ شعورٌ عميقٌ بأنَّ "هذا مُلكي، وسأدافعُ عنهْ". هذا شعورٌ جميلٌ، وهو بالضَبطِ ما يحدُثُ عندما تَعِي الشعوبُ قوَّتَها، وعندما تعلَمُ أنّ أمامَها مستقبلًا. هناكَ أمانٌ لهذا الشعبْ.
لَن يَفقِدوهُ، وسيُدافِعونَ عَنهْ. هُم مُستَعِدّونَ، ونحنُ كذلكْ.
محمد فرج: دكتورة ألييدا مندوب الولايات المتّحدة الأميركية في الأمم المتّحدة قال أنّ واشنطن لن تسمح بتحويل نصف الكرة الغربي إلى مسرح عمليات لأعداء الولايات المتّحدة الأميركية، وجاء الذكر بالتحديد على إيران وحزب الله، كيف تعلقين على ذلك؟
ألييدا غيفارا:
هُم أغبياءُ حقًّا عندما يقولونَ شيئًا كَهذا. إنّه كلامٌ سخيفٌ تمامًا.
الشعوبُ المستقلّةُ وذاتُ السيادةِ يمكِنُ أن تكونَ صديقةً لِمَنْ يَحترِمُها. ونحنُ، لَطالَما احْترَمونا.
لذلكَ، نحنُ أصدقاءُ لكلِّ الشعوبِ التي تتحدَّثُ باللغةِ نفسِها، لُغةِ الاحترامِ المُتبادَلِ في العَلاقاتْ.
إذا كان الأمرُ كذلكَ، يمكِنُ أن تكونَ لدَينا أيديولوجيّاتٌ مختلفةٌ، لكِنَّ الاحترامَ موجودْ. وعندما يوجَدُ الاحترامُ، يُمكِنُنا المُضِيُّ قُدُمًا مِن دونِ مشاكِلْ.
نحنُ نؤمنُ بأنّ (حزبَ اللهِ) وجميعَ قُوى المقاومةِ في العالَمِ العربيِّ هُم جزءٌ مُهِمٌّ مِن هذهِ المُعادلة، ونشعرُ بالفَخرِ بأنَّهُم أصدِقاؤُنا. لأنّنا تعلَّمْنا أن نُقَدِّرَ شَجاعةَ الإنسانِ، ونزاهَتَهْ.
وعندما يناضِلُ الناسُ مِن أجلِ قضيّةٍ عادلةٍ، مِن أجلِ مصلحةِ شعوبِهِم، فإنّنا نحترِمُهُمْ، وسِنَظَلُّ أصدِقاءَ لِكُلِّ الرِجالِ والنساءِ الذين يناضِلونَ مِن أجلِ الحرّيّةِ، في أيِّ مكانٍ في العالَمْ.
محمد فرج: دكتورة ألييدا نحن الآن أمام معركة إعلامية كبرى، الإعلام التضليلي، جزء كبير من الإعلام الغربي يريد تصدير صورة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في ظل جريمة الاختطاف هذه لتعزيز وتصدير صورة القوة الأميركية، ومن جانب آخَر طبعاً كيل الاتهامات للرئيس الفنزويلي وما إلى ذلك، وفي الجانب الآخر هنالك موجة إعلامية تتضامن مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تريد أن تكسر صورة القوة الأميركية وصورة البلطجة السياسية التي تمارسها الولايات المتّحدة الأميركية، كيف تقيمين حالة الإعلام في الطرف الثاني من المعادلة وهي التي تعزز صمود وثبات الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؟
ألييدا غيفارا:
أعتقدُ أنَّ دورَ الإعلامِ حاسِمٌ، فالمعلومةُ يجِبُ أن تكونَ مباشِرةً، وصحيحةً، وواضحةً جدًّا لِتَصلَ إلى كلِّ الناسِ في العالَمْ. لذلكَ، أيُّ صِحافيٍّ يحترِمُ نفسَهُ يجِبُ أن يقولَ الحقيقة. هذا مبدأٌ أساسيّ.
ثانيًا، إذا سمحْتَ للعَدوِّ بأنْ يَشتَرِيَكَ، فإنَّكَ تتحوَّلُ إلى مُجرَّدِ دُمْيَة. لَمْ تَعُدْ إعلاميًّا، بَل أصبحتَ أداةً في أيدي المَصالِحِ التجاريّةِ الكُبرى، لا مَصالِحِ شعبِكْ. لذلكَ، وُضوحُ الأمورِ في هذهِ اللحظةِ هوَ الأهَمّ.
يجِبُ أن نَصِلَ إلى أكبرِ عددٍ مُمكنٍ مِنَ الناسِ بهذهِ الحقيقة. هذا مُهِمٌّ جِدًّا، لأنّ الناسَ الذين لا يعرفونَ الواقعَ لا يُمكنُهُم التفاعلُ معَهُ، ونحنُ بحاجةٍ ماسّةٍ إلى هذا التفاعُلْ.
أتذكّرُ دائمًا الشاعرَ اللاتينيَّ (سيزار باييخو) وقصيدتَهُ عنِ "الجثّةِ التي تُحتَضَرْ". يأتي الناسُ فُرادَى، والجثّةُ تَستمِرُّ في الاحتِضارْ. يأتونَ جَماعاتٍ، والجثّةُ تَستمِرُّ في الاحتِضارْ.
ثمّ تأتي الإنسانيّةُ كلُّها، فتنهَضُ الجثّةُ وتَبدأُ بالسَيرْ. وهذا هُوَ ما نحتاجُ إليهْ. إنّهُ تِلكَ القوّةُ الجَماهيريّةُ، قوّةُ الشعوبِ للمطالبةِ بحقوقِها، لكي تُحترمَ، ولِكَي لا تَتكرَّرَ انتهاكاتٌ كالتي ارتُكِبَتْ ضِدَّ الرئيسِ (مادورو).
علينا أن نُدرِكَ أنَّ لدينا قوّةً داخليّةً يجِبُ أن نُفَجِّرَها، مِن خلالِ التواصُلِ، مِن خلالِ الحقيقة. لذلِكَ، كُلُّ صِحافيٍّ في أيِّ رُكنٍ مِنَ العالَمِ يَنهَضُ لِيقولَ الحقيقةَ، لَهُ مِنِّي كُلُّ الاحترامْ.
محمد فرج: دكتورة ألييدا في سؤال أخير يتعلق بكيان الاحتلال الاسرائيلي، على سبيل المثال ماريا كورينا ماتشادو وحزب الفينتي بشكل عامو، ربما في عام 2018 أو 2019 وقّعت اتفاقاً مع الليكود أي مع بنيامين نتنياهو أي مع كيان الاحتلال الاسرائيلي الإبادي المجرم لتوطيد العلاقات، لماذا تتحمّس إسرائيل على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؟
ألييدا غيفارا:
بالضَبطِ لهذا السبَبِ، لأنَّ إسرائيلَ تعتقِدُ أنَّها يُمكِنُ أن تَجِدَ حليفًا في تلكَ السيّدةِ التي لا يَستَحِقُّ اِسمُها الذِكرْ.
قالَتْ لي رفيقةٌ في فنزويلا إنَّ اِسمَها (ماريا)، مِثلَ السيّدةِ العذراءِ، وتساءَلْتُ كيفَ يُمكِنُ لامرأةٍ مِثلِها أنْ تَحمِلَ هذا الاِسمْ. ثمّ أضافَ مثقّفٌ لدَيْنا: واسمُها أيضًا (كورينا)،
ونحنُ في كوبا كانتْ لدينا ممثّلةٌ ثوريّةٌ عظيمةٌ بهذا الاِسمْ. إنَّ مِنَ العارِ أنْ تَجمَعَ هذهِ السيِّدةُ هَذَيْنِ الاِسمَينْ. لا، لا يَستَحِقُّ الأمرُ إضاعةَ الوقتِ في الحديثِ عَن مِثلِ هذهِ الشخصيّاتْ.
إنّه أمرٌ مُخْزٍ حَقًّا. مِنَ المُخزي أنْ يُولَدَ شَخصٌ في وَطنٍ عَظيمٍ ثُمَّ يُطالِبُ بِغَزْوِ شَعبِهِ وأَهلِهْ. مِنَ الأفضلِ ألَّا نَتَحدَّثَ عَن هؤلاءِ وألَّا نُضَيِّعَ الوقتَ فيهِمْ.
الآنَ، إسرائيلُ قِصّةٌ أخرى. لقد أثبتَتْ حُكومتُها أنّها تِلميذٌ نَجيبٌ للولاياتِ المتحدة.
وللأسَفِ الشَديدِ، نحنُ سَمَحْنا باستمرارِ هذا. إنّه شعورٌ يَصعُبُ التَعبيرُ عنهُ بالكلماتِ، شعورٌ بِسَخَطٍ عظيمْ. عندما ترى صُوَرَ ما أصبحَتْ عليهِ غزَّةُ اليومَ، عندما ترى هؤلاءِ الأطفالَ، مِنَ المستحيلِ أن تَبقَى هادِئًا.
الشعورُ الذي يَعْتَريكَ مِنَ الداخِلِ قَوِيٌّ بشكلٍ لا يُصدَّقُ، وتشعرُ بِعَجزٍ هائِلٍ لأنَّنا غَيْرُ قادِرينَ على توحيدِ قُوانا.
غيرُ قادرينَ على هزيمةِ عَدُوٍّ كَهذا. إذًا، أيُّ مستقبلٍ ننتَظِرُهُ للإنسانيّة؟ عندما تَفقِدُ الإنسانيّةُ أخلاقَها، تَفقِدُ حَقَّها في الوُجودْ. لا يُمكِنُنا تَجاهلُ هذا.
يجبُ على إسرائيلَ والولاياتِ المتحدةِ أن تَتوَقَّفا فَورًا. لا يُمكِنُ أن يستَمِرَّ هذا الوَضعُ بأيِّ شَكلٍ مِنَ الأشكالْ. ونَحنُ فقَط، الشعوبَ، مَن يَستَطيعُ إيقافَهْ.
أنا أثِقُ بذلكَ، أثِقُ بقوّةِ الرجالِ والنساءِ الشُرفاءِ، الذينَ يُحِبُّونَ الحرّيّةَ وكرامةَ شُعوبِهِمْ. علينا أن نُناضِلَ حتّى آخِرِ رَمَقْ. وكما قالَ (تشي)، حتّى النَصرِ دائمًا.
شُكرًا لَكُم أيضًا.
محمد فرج: دكتورة ألييدا شكراً جزيلاً على هذه الإحاطة الكبيرة في ما يتعلق بهذه الجريمة الكبيرة باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
أعزائي المشاهدين على لقاءٍ يتجدد مع البرنامج المهم والكبير ببساطة، وأيضاً دائماً مع ألييدا غيفارا.