نهاية عصر الجيوش التقليدية… حروب رمادية بأدوات جديدة
العالم لا يعيش سلامًا مضطربًا… ولا حربًا مكتملة الأركان. نحن في مرحلة وسطى، رمادية تتآكل فيها المفاهيم القديمة، وتسقط فيها يقينيات القوّة والحسم. عصر الجيوش الضخمة والحروب الخاطفة، والنصر السريع… يوشك على الأفول, في المقابل يولد شكل جديد من الصراع : حروب بلا إعلان، وأدوات بلا جبهات، تخاض على الاقتصاد وعلى الوعي وعلى القيم ، قبل أن تخاض على الأرض. في هذا العالم لم يعد السؤال: من يملك القوة؟ بل من يملك القدرة على الاستنزاف؟ ومن يستطيع تفكيك الخصم من دون أن يطلق رصاصةً واحدة. غرب آسيا تقف في قلب هذا التحوّل كساحة اختبار ومختبر مفتوح لحروب تدار بلا سيادة كاملة، وبقانون دوليّ انتقائيّ، ومنظومة قيم تتآكل من دون بديل واضح. فكيف نفهم هذا التحوّل؟ ومن يربح في عالم بلا حسم؟ وكيف تبنى المناعة في زمن الحروب الرمادية؟
نص الحلقة
كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا.
العالم لا يعيش سلاماً مضطرباً ولا حرباً مكتملة الأركان، نحن في مرحلة وسطى رمادية تتآكل فيها المفاهيم القديمة وتسقط فيها يقينياتُ القوّة والحسم. عصر الجيوش الضخمة والحروب الخاطفة والنصر السريع يوشك على الأفول.
في المقابل، يولَد شكل جديد من الصراع: حروب بلا إعلان وأدوات بلا جبهات، تُخاض على الاقتصاد وعلى الوعي وعلى القِيمَ قبل أن تُخاض على الأرض.
في هذا العالم، لم يعد السؤال: مَن يملك القوّة؟ بل: مَن يملك القدرة على الاستنزاف؟ ومَن يستطيع تفكيك الخصم من دون أن يطلق رصاصة واحدة؟
غرب آسيا تقف في قلب هذا =التحوّل، كساحة اختبار ومختبر مفتوح لحروب تُدار بلا سيادة كاملة وبقانون دولي انتقائي ومنظومة قِيَم تتآكل من دون بديل واضح.
فكيف نفهم هذا التحوّل؟ ومَن يربح في عالم بلا حسم؟ وكيف تُبنى المناعة في زمن الحروب الرمادية؟
نهاية عصر الجيوش التقليدية: حروب رمادية بأدوات جديدة، في دوائر القرار أهلاً بكم؟
كمال خلف: أرحّب بضيفي من الجزائر، الدكتور محمد خوجة، أستاذ مادة الحرب والسلم في العلاقات الدولية بجامعة الجزائر. دكتور محمد، حيّاك الله، أهلاً بك في دوائر القرار.
محمد خوجة: أهلاً بك، وشكراً على الاستضافة؟
كمال خلف: حيّاك الله. سنبدأ معك من الدائرة الأولى وعنوانها: "نهاية عصر الجيوش: المفهوم والتحوّل، أسبابه ونماذج عالمية".
سنبدأ هذه الدائرة، مشاهدينا، من مفاهيم أساسية حول الحرب الرمادية: ما هي الحرب الرمادية التي تُخاض اليوم أمام أعيننا؟ وكيف تعاملت معها مؤسّسات مختصّة؟ وكيف عرفتها؟ سنتابع في هذه النقاط؟
تقرير:
مفاهيم أساسية للحرب الجديدة: الحرب الرمادية.
الحرب الرمادية تُعرَف غالباً كمنافسة إكراه يقع بين السلم والحرب، إذ تحت عتبة الحرب الكبرى وبما يصعب الردّ العسكري التقليدي.
راند تصفها عملياً كإكراه من دون عتبة حرب كبرى، وتناقش كيف تُربك هذه الأفعال آليات الردع والاستجابة لدى الدول.
الحرب الإدراكية المعرفية عند الناتو تركّز على استهداف طريقة التفكير نفسها عبر استغلال الثغرات الإدراكية وتآكل الثقة والتماسك الاجتماعي، لا إقناع الجمهور بمعلومة فحسب.
الاتصال والتواصل الاستراتيجي لدى الناتو يُعرف كتنسيق استخدام أدوات الاتصال: دبلوماسية عامة، شؤون عامة، عمليات معلوماتية وغيرها، لدعم السياسات والعمليات وتحقيق الغايات.
الاقتصاد كأداة صراع: أدبيات "تسليح الترابُط الاقتصادي" تشرح كيف تتحوّل الشبكات المالية والتجارية والتكنولوجيا إلى أدوات ضغط: عقوبات، ضوابط تصدير، استهداف سلاسل الإمداد، وما ينتج منه من تفتيت تدريجي للنظام الاقتصادي العالمي.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر تناقش تهديدات الهجينة الرمادية والوكلاء، وتسأل: متى يصبح هذا حرباً بشكل قانوني؟ وتلفت إلى تحدّي الغموض المقصود الذي يتهرّب من التصنيفات القانونية التقليدية.
تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول تحديات القانون الدولي الإنساني تشير إلى أن التطوّرات الرقمية، الهجمات على البُنى المدنية، وتعذّر تحديد الأطراف والعتبة، تخلق فجوات تطبيق ومُساءلة.
على مستوى أزمة القِيَم والثقة، هناك سردية مُتنامية داخل الأمم المتحدة وخارجها حول تراجع احترام القانون الدولي وأزمة ثقة بالنظام المتعدّد الأطراف ومعايير تطبيقه.
كمال خلف: دكتور محمد، عندما نتحدّث عن الحرب الرمادية التي نعيشها اليوم — وربما في الحلقة سوف نذكر نماذج في منطقة الشرق الأوسط بشكل أساسي، والآن بالشكل المباشر ما يحصل في فنزويلا كذلك — لكن إذا أردنا أن نحدّد المفهوم بشكل دقيق: الحرب الرمادية، ما الذي يميّزها عن الحروب التقليدية أو الحروب بالوكالة أو حتى المفهوم الحديث الآخر وهو الحرب الهجينة التي أيضاً رأينا أمثلة ونماذج عليها؟ الحرب الحالية التي نراها، هل لها تعريف محدّد؟
محمد خوجة: في الحقيقة، يمكن توصيف هذه الحرب من خلال كل هذه المعايير التي حدّدتها، وهي غياب أو صعوبة توظيف الإطار القانوني للأمم المتحدة في ما يخصّ أطراف النزاع وشدّة النزاع وطبيعة النزاع بشكل عام. هذا الشكل من الحروب يمكن النظر إليه من ثلاثة مستويات؟
أما المستوى الأول فهو مستوى تطوّر الحروب تاريخياً. الحروب دائماً كانت تعرف تطوّراً، إما بسبب التطوّر التكنولوجي أو بسبب تطوّر شكل تنظيم القوّة العسكرية. مثلاً، ألمانيا النازية وظّفت الحرب الخاطفة، بالرغم من أن نفس الدبابات كانت موجودة عند الفرنسيين وموجودة عند البريطانيين، لكن استخدام الدبابات بالنسبة إلى الألمان ضمن الحرب الخاطفة كان تطوّراً في شكل تنظيم قوّاتهم أو في ما يخص العقيدة العسكرية المُستخدمة. فنلاحظ بأن ما يحدث الآن، التحوّلات أو التشتّت في شكل صورة الحرب النمطية التي عرفناها على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الآن ما يحدث في طبيعة الحرب هو شكل تطوّر آخر من مراحل تطوّر عقدها الحربي.
كمال خلف: دكتور، هنا لماذا تفضّل — أو فضّلت — القوى الكبرى، هنا أتحدّث عن الولايات المتحدة الأمريكية بشكل واضح، لماذا تفضّل العمل فيما يسمّوه "تحت العتبة" أو بهذا الشكل من الحروب؟ هل انتهجوه لتقليل الكلفة المادية؟ تقليل الكلفة البشرية؟ لأن مسألة الجنود ومقتل الجنود الأمريكيين كما جرى في أفغانستان وفي العراق أحدثت جدلاً وأثّرت في الولايات المتحدة في الداخل؟ أم أيضاً المسألة القانونية والسياسية، تقليل المُساءلة القانونية؟ هل هذا النوع من الحروب يحلّ هذه الإشكالات، ولهذا تلجأ إليه القوى الكبرى؟
محمد خوجة: خيار هذا النوع من الحروب هو نتيجة للبيئة الاستراتيجية الجديدة التي ظهرت على الأقل بعد نهاية الحرب الباردة، وبالتحديد كما ذكرت مع تجربة حرب العراق — حرب احتلال العراق وأفغانستان — أظهرت التكلفة البشرية والتكلفة السياسية وحتى التكلفة القانونية في مجالات كثيرة. ولذلك فالخيار باللجوء إلى هذا الشكل من الحروب إنما هو في الحقيقة لتجنّب هذه التكاليف: التكلفة الاقتصادية، والتكلفة البشرية، والتكلفة السياسية.
ولأن اللجوء إلى هذا الشكل يُبعد الطرف المنخرط فيه لأنه لديه وكلاء، لأنه لديه أطراف، لأن الشكل الذي يستخدمه في إطار المنافسة أو في إطار الصراع لا يحمله مغبّة الانخراط المباشر أو التورّط المباشر، والذي يؤدّي به إلى المُسائلة القانونية ويؤدّي به كذلك من الناحية السياسية أمام برلماناتهم، أمام الإعلام، أمام شعوبهم لتقليل التكلفة.
وأثبتت سلسلة من الحروب — التدخّل الأمريكي في الصومال والعراق وأفغانستان — أثبت بأن التكلفة، وخاصة إدارة مرحلة ما بعد الانتصار العسكري، مكلفة جداً. وبالتالي بدا اللجوء إلى هذا الشكل من الحروب.
العامل الآخر هو عمليات التفتّت أو عمليات الانهيار أو عملية الضعف للدول في مناطق كثيرة في العالم، والتي تشكّل هذه المنطقة الرمادية، أظهرت وأنتجت فواعل جديدة. هذه الفواعل هي غير الدولة: أحزاب مسلّحة، ميليشيات مسلّحة، كارتيلات المخدّرات، تسليح طائفي، وقوى أو شركات خاصة.
كمال خلف: قوى من غير الدول.
لكن دكتور، عندما نتحدّث عن الحرب الرمادية، دائماً يلازمها مفهوم الحرب الإدراكية أيضاً. والحرب الإدراكية وفق المفهوم وكأنه صار السيطرة على العقل قبل السيطرة على الأرض أو أصبحت السيطرة على العقول هدفاً استراتيجياً مثل السيطرة على الأراضي. وهنا رأينا بأن هذا النوع من الحروب — الحروب الرمادية — تحاول عدم الاحتلال المباشر فقط وإطاحة الحُكم، بل النفاذ إلى عمق المجتمعات. ما فعلوه مثلاً في العراق أو في أفغانستان لن يكرّروه لأنه ارتدّ فيما بعد واضطروا للخروج، لأن قِيَم المجتمع وما يتبناه المجتمع موجود، وبالتالي أنتج مقاومة. الآن تبدو الأمور مختلفة. عندما أتحدّث عن دول معينة هنا — على الأقل في منطقتنا — تجد أنه لا، النفاذ إلى عمق المجتمع أصبح بأهمية احتلال الأرض أو الدخول إلى الأرض؟
محمد خوجة: هو هدف الحرب دائماً هو التأثير في العقول والتأثير في القلوب. ونظراً للتطوّر التكنولوجي لاسيما الإنترنت ووسائط التواصُل الاجتماعي، والآن مع الذكاء الاصطناعي أظهرت هذه الأبعاد، والبُعد السيبراني أظهر إمكانية النفاذ إلى القلوب والعقول بتكلفة تكاد تكون مُنعدمة. ولذلك فخيار اللجوء إلى هذا الشكل من الحروب إنما أفرزه هذا البُعد التكنولوجي المتسارع في التطوّر.
والجانب الآخر، كما ذكرت، هو نتيجة الدروس المُستنتجة من حرب العراق وحرب أفغانستان، أظهرت التكلفة البشرية والتكلفة السياسية. وبالتالي، إمكانية التأثير في المجتمعات، لأن حروب المعرفة تستهدف مركز ثقل المعلوماتية وتستهدف التأثير في التفكير المجتمعي، باعتبار أن التأثير في الإدراك المجتمعي يؤدّي إلى قلاقل، ويؤدّي إلى فوضى، ويؤدّي إلى عرقلة أهداف أو مسار أو الخطط السياسية والعسكرية والأمنية بالنسبة للخصم.
وكما تعلم، فإنه منذ نهاية الحرب الباردة هناك مفهوم يسمّى "الأمن المجتمعي". الأمن المجتمعي هناك تأثير كبير جداً لاستقرار المجتمعات واستقرارها القِيَمي واستقرارها الثقافي ومؤسّساته. وكل هذه العوامل تجعل من القوى الكبرى إمكانية النفاذ إلى المساس بالأمن المجتمعي للدول يؤدّي إلى قدرة عالية على التأثير والإرباك وضرب استقرارها.
كمال خلف: هنا صار النقاش دكتور، وأصبح نقاشاً حول الهوية الوطنية، حول الحدود الوطنية أيضاً، وحول القِيَم الاجتماعية للمجتمعات. وأصبح النقاش — تعرف — هذا النوع من النقاش يؤدّي لتفتيت داخل المجتمعات، لأنه يصبح هناك تبايُن في الهويات، تبايُن في السرديات، تبايُن في النظرة إلى الوطن وإلى حدوده... الخ. وبالتالي يصبح هناك نوع من التفتيت والضعف في المجتمع.
لكن سؤالي أيضاً دكتور: أين تقف القوّة الصلبة العارية التقليدية من الحرب الرمادية؟ هل تمّ الاستغناء عنها؟ أصبحت خلفية للحرب الرمادية، أي ما تستند إليه القوى الكبرى لممارسة الحرب الرمادية؟ أيّ دور للقوى العارية، القوى الصلبة التي نعرفها، قوّة الحروب؟
محمد خوجة: في الحقيقة، لا يمكن الحديث عن نهاية عصر الجيوش بشكل عام. هو حديث سابق لأوانه. الجيوش تغيّرت من حيث شكلها، تغيّرت من حيث وظيفتها، تغيّرت من حيث البنية. فالآن الاتجاه الأكثر هو نحو الجيوش الأقل من حيث العدد، والأكثر من حيث الفاعلية، والأكثر من حيث التجهيز بأحدث التكنولوجيا، وكذلك عدم الاعتداد على النصر العسكري البحت.
فأذكر سنة 2005 كان هناك كتاب أحدث ضجّة، لأنه كان كتاباً نشره الجنرال البريطاني بيتر سميث وكان اسمه "جدوى القوّة"، وكان يقول بأن العالم لن يشهد حرباً بالدبابات مثل التي عرفها العالم سنة 73 بين الجيش المصري والكيان الإسرائيلي، ويقول بأن عصر الجيوش التي تعتمد على التعبئة الكبرى وعلى الدبابات والطائرات هذا العصر يتلاشى مقابل مفهوم آخر في شكل الجيش وفي فعاليّته وفي قُدرته على التأثير من حيث عن بُعد، ومن حيث التوظيف الكامل للمعلومات، أو ما يسمّى بالأدبيات بعد حرب الخليج الثانية بعد سنة 1991 — بعد حرب إخراج العراق من الكويت — "الثورة في الشؤون العسكرية"، والتي كانت تعني أنه هناك شكل جديد من الحروب الذي لا يعتمد على كثافة النيران بقدر ما يعتمد على دقّة التصويب، وبقدر ما كان يعتمد على توظيف الفضاء، وبقدر ما كان يعتمد على القدرة على تشبيك الوحدات القتالية.
وأحدث الشكل هذا من الحرب أحدث ما سُمّي بالتحوّل العسكري. ومنذ ذلك الوقت انتقل هذا المفهوم إلى الحلف الأطلسي وإلى روسيا وإلى الصين، وتعتمده الدول على أساس أن هناك تمييزاً ما بين الأسلحة الصمّاء والأسلحة الذكية. وهنا يأتي دور المعلوماتية.
كمال خلف: اسمح لي، أنتقل من المفاهيم النظرية إلى النموذج، حتى يكون لدى المشاهدين نموذج واضح، ونتحدّث عن آخر هذه الحروب، آخر ساحاتها: فنزويلا.
تُشنّ الحرب على هذا البلد اللاتيني من دون حرب كما نعرفها، في أدوات تستخدم، رأينا استخبارات، ورأينا قوى محلية، معارضين مثل ماتشادو وغيرها، رأينا الاقتصاد، العقوبات. هل هذه هي أدوات الحرب الرمادية؟ ومدى فعاليتها؟ هل فعلاً أدوات الحرب الرمادية طويلة الأجل أو الأمد، لكنها أكثر فتكاً من المعارك الخاطفة أو الحروب الخاطفة؟
محمد خوجة: الحروب الرمادية هي الأكثر فتكاً وتعتمد على الاستنزاف، لأنها تعتمد على استنزاف الخصم من الداخل ومحاصرته من الخارج، وفرض عقوبات عليه وحصاره على مستويات كثيرة.
والملاحظ بأن العملية الأخيرة لاختطاف الرئيس مادورو كانت نتيجة توظيف واستنتاج كل الدروس المتعلقة بالحروب السابقة، لا سيما حرب روسيا مع أوكرانيا، ولا سيما تبيّن مدى تكلفة الهجوم المباشر على دولة، وأن هذه العملية سيكون لها العنصر الزمني والتكلفة الداخلية السياسية وما إلى ذلك.
=نلاحظ الآن تمّ توظيف التفوّق الأمريكي: السيطرة على فضاء فنزويلا، والسيطرة على الفضاء السيبراني الفنزويلي، على ما يسمّى بالأصول السيبرانية، محاصرتها بحرياً، محاصرتها جوياً، وبالتالي وضع بيئة فنزويلا في وضع مضطرب جداً. ثم تمّت عملية اختطاف الرئيس بقوّة نارية وقوّة تكنولوجية كبيرة جداً، وتمثل عملية "قطع الرأس".
هذا في الجانب العسكري يستخدمون مفهوم "قطع الرأس": الاستيلاء وضرب القيادة العسكرية. وكان في محاولة سنة 2003 في هذا النموذج مع صدّام حسين، لكن لم تنجح، حيث استُهدف في بداية الهجوم بضربة جوية.
كمال خلف: هنا دكتور، عندما نتحدّث عن فنزويلا، نقول إن الحرب على فنزويلا مكتملة أدوات الحرب الرمادية: عندنا المواجهة السيبرانية، قطع سلاسل الإمداد، العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي، العمل الاستخباري، حرب إعلامية على السردية — قصة المخدّرات والدكتاتورية وغيرها — وأيضاً حرب نفسية وإعلامية.
هل نعتبر فنزويلا نموذجاً واضحاً لنوع الحروب الرمادية؟ وهي حروب العصر القادم ربما؟
محمد خوجة: هي ليست النموذج الأول، لأنه هناك نماذج ما قبل الحروب الرمادية في مناطق كثيرة. مثلاً، في ليبيا، في جوارنا، في الجزائر كانت حرب رمادية، تُلاحظ منذ العام 2011 يتم ترك ليبيا مقسّمة وتعيش ظروفاً معينة.
لكن ما هو مثير، ما هو جدير بالملاحظة والتأمّل والدراسة، أنه في هذه الحرب كان الهدف هو خلق حال من الارتباك داخل فنزويلا تتمثّل في اختطاف رئيس، وإدخال البلد، أنت تأخذ رئيس الدولة الذي هو القائد الأعلى للقوات، وهو رئيس الدولة وممثل الدولة، هنا البلد يكون مشتّتاً ما بين إعادة بناء القيادة الجديدة، ويكون هناك وضع داخلي مضطرب.
هذا النموذج إنما يظهر لنا بأن هذا الشكل من الحروب تكلفته أقل بكثير، لكنه من حيث التأثير الذي أحدثه في المجتمع الفنزويلي، ومن حيث توظيفه إقليمياً ودولياً، إنما هو يبشّر بنموذج خطير وبنموذج يدعو إلى الاضطراب ونشر الفوضى. لأنه عادة النزاعات بين الدول كانت تتمّ دائماً في ميدان قتال.
كمال خلف: هم أيضاً دكتور يحاولون تعميمه بشكل واضح تجاه غرينلاند وتجاه كوبا وتجاه كولومبيا. واضح أنه بنفس الطريقة، من دون حرب مباشرة، إنما عبر هذا النوع من الحروب؟
محمد خوجة: تسويقه، التهديد به مباشرة.
كمال خلف: دكتور، سأنتقل للدائرة الثانية. في الدائرة الثانية من دوائر القرار سنسلّط الضوء على منطقتنا هنا. عنوان الدائرة: "غرب آسيا: المختبر المفتوح".
مشاهدينا، دكتور محمد، سأعرض تقريراً يتحدّث عن الحروب في هذه المنطقة، وكيف استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية هذا النمط من الحروب في هذه المنطقة. ثم نتحدّث أيضاً عن نماذج لهذه الحروب هنا. نتابع التقرير.
تقرير:
في غرب آسيا، لم تعد الحروب تُخاض كما كتبت في كتب الاستراتيجية الكلاسيكية. هذه المنطقة لم تعد ساحة مواجهة مباشرة، بل تحوّلت إلى مختبر مفتوح لاختبار أنماط جديدة من الصراع، حيث لا جبهات واضحة ولا إعلان لحرب ولا نهاية معلنة.
دول تمتلك جيوشاً نظامية، لكن سيادتها مُجتزأة. وثمة حدود مُعترف بها دولياً، لكنها مُخترقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. المعركة هنا لا تُدار بالدبابات وحدها، بل أيضاً بتفكيك المجتمعات من الداخل وإضعاف الدولة قبل إسقاطها أو إبقائها في حال إنهاك دائم.
في هذا الإقليم تُستخدم الحروب الرمادية بأقصى تجلّياتها: اقتصاد يُضغط عليه حتى الانهيار من دون طلقة واحدة، عملة تُستهدف لتقويض الثقة، مؤسّسات تُشلّ، وسرديات تُفرض لإعادة تعريف العدو والهوية وحتى معنى الوطن.
غرب آسيا هو المكان الذي تلتقي فيه الحروب بالوكالة مع الحروب الإدراكية. فاعلون غير دوليين يتحوّلون إلى أدوات استراتيجية، والنزاعات المحلية ترتبط بشبكات صراع إقليمية ودولية أوسع، حيث لا أحد يسعى إلى نصر حاسم، بل إلى منع الآخر من الاستقرار.
هنا لا يُراد للدولة أن تسقط كلياً، ولا يُسمح لها بأن تتعافى.
الهدف هو إدارة الفوضى وليس إنهاؤها، وتحويل الصراع إلى حال دائمة أقل تكلفة من الحرب الشاملة، وأكثر فتكاً في المدى الطويل.
وفي ظلّ هذا الواقع، يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء مناعة حقيقية في إقليم تُدار حروبه بلا جيوش، وتخاض معاركه على الوعي والاقتصاد والهوية قبل أن تخاض على الأرض؟
كمال خلف: دكتور، استمعنا للتقرير. سؤالي الأول في هذه الدائرة: لماذا تبدو هذه المنطقة — منطقة غرب آسيا أو حتى ما يُعرف بمفهوم الشرق الأوسط — لماذا يبدو بيئة مثالية لهذا التنوّع من الحروب؟
محمد خوجة: منطقة الشرق الأوسط بشكل عام تظهر بأنها بيئة مثالية لتجريب هذا النوع من الحروب غير المُكلفة بالنسبة للقوى الكبرى والقوى الإقليمية المجاورة، لأن هذه المنطقة أولاً: شكل الدولة، شكل المؤسّسات السياسية لهذه الدولة ضعيف، وتقوم على أسس قبلية وأسس مذهبية وتقوم على أسس طائفية. وهذا يجعلها دائماً في حال من الهشاشة وبحال من الضعف وبحال من عدم التماسك، بحيث أنه يسهل اختراقها.
الجانب الآخر: تبعيتها الاقتصادية للخارج، بحيث إن أغلبها عبارة عن دول ريعية تبيع النفط وتبيع الغاز، وبالتالي هي مرتبطة بالاقتصاديات الخارجية.
الجانب الثالث: أن هذه الدول فيما بينها أو داخل مجتمعاتها هناك عدم استقرار، وهناك الكثير من الثغرات التي يمكن توظيفها أو نقاط الضعف التي يمكن توظيفها بالنسبة للقوى الإقليمية والقوى الدولية.
=الجانب الآخر: أن هذه المنطقة مهمة من حيث الطاقة، ومهمة من حيث موقعها الجغرافي، فهي لديها كثير من المضائق الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب، وهي كلها مهمّة بالنسبة إلى سلاسل إمداد الطاقة.
الجانب الآخر: بأن هذه المنطقة مهمّة كذلك في التنافس الدولي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
وتلاحظ هذه العوامل جعلت من منطقة الشرق الأوسط منطقة بامتياز التي يمكن توظيفها في هذا النوع من الحروب.
الجانب الآخر: أن هذه الدول لم تستطع ضمن مسار تشكّلها التاريخي أن تصل إلى مرحلة من بناء قُدرات مُعبّأة داخلياً وتماسُك المؤسّسات السياسية بالشكل الذي يجعلها مُحصّنة ضدّ هذا النوع من الحروب.
كمال خلف: لكن هنا، دكتور، تبدو هذه الحروب قبيحة أكثر من الحروب التقليدية. لأن في الحروب التقليدية التي عرفها التاريخ، الهجوم على القوى العسكرية وكسرها هو الهدف، وبالتالي احتلال الدولة والسيطرة على ثرواتها... الخ.
وهذا عمل قبيح، غزو قبيح، لكن الأقبح في الحروب الرمادية أنها تبدأ من المجتمعات من الداخل: تفتيت المجتمع وإرهاقه وإذلاله وتقسيمه هو الذي يوصِل إلى ضرب القوى العسكرية والسلطة في البلد.
تعليقك دكتور هنا: نحن نتحدّث عن حرب فيها رداءة أخلاقية غير مسبوقة، وتتجاوز الحروب التقليدية. أليس كذلك؟
محمد خوجة: الحقيقة هي أن الحروب نَقْد الحضارة، نَقْد كل ما هو أخلاقي. لأن هدف الحرب هو تدمير الإنسان، قتل الإنسان، تدمير العمران بشكل عام. الحرب قذرة بالتعريف.
وكل المحاولات التي قام بها المجتمع الإنساني والمؤسّسات وحتى الأمم المتحدة هي وضع القانون الدولي الإنساني، وهي التقيّد بجملة من القواعد القانونية متى كانت العمليات العسكرية قد انطلقت.
=لكن في ما يخصّ منطقة الشرق الأوسط، تلاحظ بأن التقاء أهميتها الاستراتيجية وأهميتها في ما يخصّ معادلات الطاقة وأهميتها في ما يخصّ التنافس الدولي والإقليمي يجعل من أن اللجوء إلى هذا النوع من الحرب القذرة، وصحيح، هي حرب قذرة لأنها لا تستهدف على الأقل في القرون الوسطى كان في أخلاقيات وشرف المُحارِب، كان في حدّ أدنى من الاحترام الفروسي.
لكن نلاحظ في هذا النوع من الحروب تستهدف خَنْق المجتمعات وقتل الأطفال والمساس بكل ما هو اجتمعت عليه كل الفلسفات وكل الحضارات على أنه يُجنّب فيه الحرب.
فلنلاحظ أن المُراد الحفاظ على نوع من التماسُك بالنسبة إلى البُنى الموجودة في هذه الدول بالشكل الذي يسمح للقوى الإقليمية والقوى الدولية باستنزاف خيرات هذه الدول وتوظيفها واستغلالها.
لكن في نفس الوقت، منعها عن طريق هذه الحرب القذرة من أن تستطيع أن تبني مجتمعاً قوياً وتكون مستقرّة بالشكل الذي يؤدّي بها إلى أن تبنّي مصالحها الخاصة وتستطيع أن تتحصّن وأن تمنع التدخّلات الخارجية وأن تبني مقوّمات القوّة وتبني العناصر التي تسمح لها بأن تكون بخدمة الاستقرار في المنطقة.
كمال خلف: سنتحدّث دكتور عن المناعة والمقاومة، لأنه نحن أمام حروب جديدة أو جيل جديد من الحروب يستلزم أيضاً جيلاً جديداً من المقاومة أو قدرة آليات جديدة للمقاومة غير المقاومة التقليدية.
لكن أحبّ أن أركّز على نقطة دكتور، نسألك حولها: موضوع السرديات. عندما نتحدّث، وواضح أن الحرب الرمادية تعتمد عليها بشكل كبير، وميدانها طبعاً وسائل الإعلام ووسائل التواصُل الاجتماعي، بالاعتماد على شبكات محلية لتسويق الرواية.
لكن كان سابقاً ما نعرفه بالحروب التقليدية أن السردية تبرّر جرائم الحرب. اليوم مهمّة السردية تغيّرت مع الحروب الجديدة. هل باتت أو انتقلت السردية من تبرير الحربِ فقط إلى مهمّة أخطر: إعادة تشكيل المجتمعات ككل؟ قبل قليل كنت أقول إنهم لا يكتفون بالدخول إلى الأرض، يريدون أيضاً النفاذ إلى عُمق المجتمعات؟
محمد خوجة: السردية الآن أصبحت بُعداً من أبعاد الحرب، لأن السردية هي التي تضع في المعادلة مَن الضحية ومَن المعتدي.
والحقيقة أن التوظيف الآن في الحروب الرمادية — توظيف السردية — يجري بشكل قوي جداً، لأن هذا التوظيف يسمح لهذه القوى المُتدخّلة، القوى التي تنفّذ هذا الشكل من الحروب، من إعادة بناء، إعادة هندسة هذه المجتمعات.
هذه المجتمعات التي كانت على الأقل دعنا نقول بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أو قبلها بقليل، كان هناك في معادلة الدولة-الأمّة طوائف منسجمة والحدّ الأدنى من التماسُك الوطني.
فبناء السرديات وتقسيم هذه المجتمعات إنما يؤدّي إلى إعادة تفكيك هذه المجتمعات وإعادة هندستها وإعادة رسم العدو من الداخل.
عندما تبدأ السردية توصَف بأن الخطر الحقيقي إنما يكمُن في الفصيل الفلاني أو الطائفة الفلانية أو تتمثّل بالعرقية الفلانية، فأنت تصنع عدواً داخل هذه الدولة التي يجعلها بدل من أن تواجه الاعتداء الخارجي أو تواجه المخاطر الخارجية، تجد أنها...
كمال خلف: تحاول أن تتماسك وتبذل جهداً للحفاظ على وحدتها؟
محمد خوجة: وتتحصّن وتبني مقوّمات الدولة التي هي أول مقوّمات الدولة: التماسُك الوطني، وهي القدرة على العيش المشترك والعيش ضمن بيئة وضمن مؤسّسات مشتركة.
كمال خلف: السردية تقوم بمهمّة؟
محمد خوجة: أردت أن أقول إن أخطر وظيفة تؤدّيها السردية الآن هي تمزيق المجتمعات، وإدخال العدو، بدل من أن يكون العدو هو الموجود خارج الحدود، يصبح العدو هو الموجود داخل الدولة الواحدة. بالتالي تجعل من التحالف والمساعدة عنصراً إيجابياً.
كمال خلف: أنا وأنت نتابع وسائل التواصُل وآراء الناس. هناك نجاح لهذا النوع من الحروب: نجح في ساحات، ولم ينجح أو إلى الآن، لكن هناك نجاح.
اليوم، عندما تراقب — دعنا نتحدّث بالنماذج — قبل أن ننتقل للدائرة الثالثة، عندما تراقب النقاش العام، الفضاء العام، في =دولة مثل سوريا مثلاً، العداء أصبح بين المكوّنات نفسها، والخوف أصبح بين المكوّنات نفسها، والطموح أصبح على تمزيق الجغرافيا إلى هويات وإثنيات وطوائف. واضح أن هذا النوع من الحروب ينجح.
لكن أريد أن أتحدّث عن نموذج آخر دكتور: ما يُشنّ الآن ضدّ إيران. هل تضعه في إطار الحرب الرمادية الصرفة؟
محمد خوجة: أنا أعتقد بأن محاولة إضعاف إيران بالشكل التقليدي، لاحظ بأنه ابتداء من سنة 79، نموذج الحرب العراقية الإيرانية كانت هذه هي أول موجة من محاولة احتواء إيران، احتواء النظام الإيراني الجديد.
ثم جاءت الموجة الثانية، وأقصى حدّ تمثل بالحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة. وإن كانت المواجهة بالأسلحة الثقيلة والمواجهة بالجانب العسكري، لكن تبيّنت قدرة إيران على الصمود، وقدرتها على الردّ، وقدرتها على الردّ بقسوة، والكشف عن نقاط ضعف قاتلة داخل الكيان الصهيوني، لاسيما في ما يخصّ طول مدة الحرب.
هذا أظهر بعد أيام، تبيّن أن الإسرائيليين لا يمكن لهم مواصلة هذه الحرب من دون الدعم الأمريكي.
كمال خلف: ربما لهذا السبب تُستخدم الحرب الرمادية. نجد أدواتها واضحة: السيبرانية والاستخبارية والسردية والحرب النفسية. كل هذا والعقوبات — كل عناصر الحرب الرمادية — بدأت بكثافة ضدّ إيران هذه الأيام؟
محمد خوجة: المُلاحظ أن إيران تتعرّض لحرب رمادية واضحة المعالم ومُكتملة الأركان. بل أنه تمّ تقديم مثال هو النموذج الفنزويلي. قال: "ها هو النموذج الفنزويلي". لاحظ التهديدات للرئيس ترامب في ما يخصّ إيران: "إذا تمّ قمع المُتظاهرين، فأمريكا لن تسكت". فتلاحظ أنه تمّ تقديم مثال الفنزويلي للتلويح به كخيار ممكن أن يُطبّق على إيران.
لكن في المقابل، يمكن لنا أن نلاحظ بتمعّن وكأن النموذج الفنزويلي، بغضّ النظر عن توظيفه الإقليمي وعلى المستوى الداخلي في ما يخصّ معادلة الطاقة وفي ما يخص عودة أمريكا إلى الجانب الإقليمي وممارسة النفوذ ضمن عقيدة مونرو، نلاحظ كذلك أنها عبارة عن تسويق لهذا النموذج في منطقة الشرق الأوسط، والقول بأنه يمكن لنا كذلك التلويح به كخيار، بعدما كان الخيار العسكري هو الورقة الأولى.
على أساس أنه دائماً إيران منذ أكثر من عشرين سنة على الأقل احتمال ضربها ممكن. إيران تتلقّى ضربة عسكرية، وممكن تتعرّض لهجوم جوي أمريكي وإسرائيلي أو الإثنين معاً. المشهد واضح في ما يخصّ إيران.
كمال خلف: حتى التلويح بالعدوان المباشر بشكل دائم، والتهديد بالقوّة بشكل دائم، يبدو نوعاً أو أداة من أدوات الحرب النفسية وضمن الحرب الرمادية.
سأتوقّف مع فاصل، دكتور، ثم نتحدّث في الدائرة الثالثة، وهي دائرة مهمّة للغاية لأنها تشير إلى الحاضر الغائب، أو الغائب الغائب، وهو القانون الدولي. فاصل ونعود.
كمال خلف: تحية من جديد مشاهدينا في دوائر القرار: "نهاية عصر الجيوش التقليدية: حروب رمادية بأدوات جديدة".
أعود وأرحّب بضيفي الدكتور محمد خوجة، أستاذ مادة الحرب والسلم في العلاقات الدولية في جامعة الجزائر. ووصلنا إلى الدائرة الأخيرة التي نتحدّث فيها عن الغائب الغائب، القانون الدولي، أصبح محلّ انتقاد، تندّر — إذا جاز التعبير — ومحلّ احتقار.
عنوان الدائرة الثالثة: "القانون بلا عدالة: انهيار القِيَم، انتقائية القانون، وأزمة الثقة بالنظام الدولي".
كمال خلف: دكتور محمد، في هذه الدائرة اعتدنا في بعض الحلقات أن نطرح أسئلة سريعة، وموجودة تظهر أمامك على الشاشة. وأيضاً أريد إجابات سريعة عليها في الوقت المتبقّي.
سأعرض كل الأسئلة أولاً على المشاهدين، ثم نمرّ عليها سؤالاً بسؤال.
ورقة أسئلة هذه الحلقة، مشاهدينا:
هل احتقار القانون الدولي ومنظومة القِيَم العالمية غير مسبوق في التاريخ المعاصر؟
هل نحن أمام أزمة قانون دولي أم أزمة تطبيق وانتقائية؟ وكيف نقيس ذلك؟
كيف تخدم الحرب الرمادية هذا الانهيار القِيَمي، لأنها تعمل في مناطق الغموض التي تُربك التصنيف والمُسائلة؟
هل حقوق الإنسان وفق الجغرافيا والهوية توصيف سياسي فقط، أم أنها واقع بنيوي في توازنات مجلس الأمن؟
كيف يستخدم الخطاب الحقوقي أداة من أدوات الصراع الرمادي: تجريم، شَرْعَنة، أو نزع شرعية عن نظام ما؟
ما أثر هذا كله على سلوك الدول المتوسّطة والصغيرة؟ هل تتّجه لبدائل: تكتّلات، توازُنات جديدة؟ أم ستدخل دائرة الفوضى؟
إذا كان البديل غير ناضج بعد، فما السيناريو الأقرب: إصلاح المنظومة أم استمرار التفكّك؟
والسؤال الأخير: ما الذي يوقِف الانحدار القِيَمي عملياً؟
دكتور، سأطرح الأسئلة. أريد إجابات أيضاً سريعة ومُختصرة في الوقت المتبقّي.
سؤالنا الأول دكتور: هل احتقار القانون الدولي ومنظومة القِيَم العالمية فعلاً غير مسبوق في التاريخ؟
إسرائيل — عرفنا، نعرف — إسرائيل منذ نشأتها تحتقر القانون الدولي، لا تنفّذ القرارات الدولية. لكن على المستوى العالمي، هل نحن فعلاً أمام مرحلة غير مسبوقة في احتقار القانون الدولي؟
محمد خوجة: نحن الآن في مرحلة غير مشهودة. لم يعرف القانون الدولي انهياراً في ما يخصّ إضعافه من طرف دولة هي عضو في مجلس الأمن، ودولة تحتضن مقرّ الأمم المتحدة، بل هي من الدول التي وضعت بشكل أساسي ميثاق الأمم المتحدة.
ما يحدث الآن هو تسريع إضعاف القانون الدولي. هناك عملية تسريع إضعاف القانون الدولي، والمتمثّلة في عدم احترام أبسط أبجديات هذا القانون، المتمثّلة في حصانة واحترام سيادات الدول على الأقل بالجانب الرمزي في ما يخصّ المفاوضين.
عندما ضُرِبَت قطر ورئيس الدولة في فنزويلا...
كمال خلف: دكتور، نحن أمام أزمة؟
محمد خوجة: لا، نحن ليس بأزمة قانون. هناك أزمة في تطبيق القانون، في إنفاذ تطبيق القانون، في ما يخصّ الانتقائية والازدواجية، في ما يخصّ توظيف الإجراءات الدولية وتوظيف مؤسساتها، لاسيما مجلس الأمن، لصالح المصالح الوطنية للقوى الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية. المنظومة القانونية أثبتت...
كمال خلف: هذه الفقرة أحاول قَدْر الإمكان أن نكون سريعين فيها.
هل تخدم الحرب الرمادية هذا الانهيار القِيَمي؟ أي أن الحرب الرمادية لا يمكن أن تقوم من دون أن يكون هناك احتقار للقانون الدولي وتجاهُل تام له؟
محمد خوجة: الحرب الرمادية تؤدّي لمزيد من ضعف القانون الدولي، لأن الحرب الرمادية تظهر عجز القانون الدولي في المساءلة وفي العقوبة وفي طرح مسؤولية مَن ينتهك هذا القانون الدولي.
نظراً لأن الحرب الرمادية لا تظهر فيها الأطراف بشكل واضح، ولا تظهر فيها مناطق الصراع، مناطق السِلم من مناطق الاستقرار.
بالتالي، الحرب الرمادية تؤدّي إلى إضعاف، إلى مزيد من إضعاف وإرباك القانون الدولي.
كمال خلف: هل حقوق الإنسان أصبحت وفق الجغرافيا والهوية؟
هنا لا حقوق للإنسان لأنه يسكن في هذه المنطقة أو هويّته كذا. هنا تطبيق حقوق الإنسان يجب أن يحافظ على مكانته.
هل أصبح تطبيق حقوق الإنسان يتبع المنطقة والهوية؟
محمد خوجة: أصبح توظيف ورقة حقوق الإنسان واضحاً بشكل جيّد في ما يخصّ الانتقائية، وفي ما يخصّ توظيفها للمصلحة الاستراتيجية والمصلحة السياسية للقوى الكبرى بشكل لم يحدث من قبل.
لا يستطيع الغرب أو لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية إقناع العالم أو إقناع المواطن الأمريكي في ما يخصّ حقوق الإنسان في فنزويلا، بعدما كان المواطن الأمريكي يتظاهر ضدّ إسرائيل للفظاعات التي كانت تحدث في غزّة.
لكن يجري — كما قلت — استخدام توظيف الصلاحيات التي يملكها حقّ الفيتو، وصلاحيات في ما يخصّ تسجيل حقوق الإنسان في ما يخصّ اجتماعات مجلس الأمن. كل هذه الآليات تُستخدم لتوظيف ولشَيْطَنة أطراف معيّنة، ولاستخدامها في ما يخصّ التدخّل لمناطق معيّنة.
كمال خلف: دكتور، الخطاب الحقوقي يتناقض تماماً مع الحرب الرمادية غير الأخلاقية — كما اتفقنا على ذلك — لكن هل تستخدم الحرب الرمادية الخطاب الحقوقي كأداة من أدواتها؟
لاحظنا ذلك: نزع شرعية عن هذا النظام. خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدّث عن الشعب الفنزويلي الذي يريد أن يفرح، يتحدّث عن غزّة: "شعب غزّة عليه أن يعيش"... الخ.
بالتالي، هل الخطاب الحقوقي هنا يُستخدم أو يُوظّف في الحرب الرمادية؟
محمد خوجة: هو أداة من أدوات الحرب الرمادية. لاحظنا ذلك في حرب العراق سنة 2003، عندما قال الرئيس بوش بأنه جاء للشعب العراقي بالأجهزة والتنمية وما إلى ذلك. لكن رأينا ثمن الخسائر التي دفعها العراق في الأرواح وفي بُناه التحتية.
فالخطاب الحقوقي هو أداة من أدوات الحرب الرمادية، والمقصود بها هو تشويه الآخر، والمقصود بها شَيْطنة الآخر، والمقصود بها توظيف هذه الورقة لصالح إضعاف الطرف الآخر.
كمال خلف: ما أثر هذا كله على سلوك الدول الآن؟ الدول ستتّجه لتتكتّل، لتستسلم، لتخضع؟ ما هي الخيارات، خاصة الدول الصغيرة؟
محمد خوجة: لا، في الحقيقة هذا =المشهد بشكل عام إنما هو يعطي انطباعاً بأن هناك ثمة انهياراً للنظام سيطر عليه الغرب، على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن هناك طلباً وشبه إجماع، خاصة في ما يسمّى دول الجنوب الكبير، للتكتّل لبناء مؤسّسات دولية، وللتعاون والتكتّل لمواجهة المنظومة الظالمة التي يمثلها الغرب، لاسيما ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية.
كمال خلف: دكتور، المستقبل البديل الآن: إصلاح هذه المنظومة؟ سنذهب إلى إصلاحها، أم أننا لا أمام مزيد من التفكّك لهذه القِيَم وهذه المنظومة العالمية؟
محمد خوجة: أنا أعتقد بأنه من الصعب جداً الحديث حول منظومة الأمم المتحدة ومؤسّسات النظام الدولي. لأنه منذ سنة 1991 وهناك الحديث عن دَمَقْرَطة الأمم المتحدة وإصلاح مجلس الأمن.
آخر ما توصّل إليه هذا المسار هو ما يسمّى بالمفاوضات ما بين الحكومات. فكل سنة يجتمع مجلس الأمن وفي الأمم المتحدة للحديث حول مَن هي الأطراف الجديدة.
هناك نوع من المساومات على مَن هي الأطراف التي ينبغي أن تكون لديها عضوية دائمة، وهل يكون عندها حق الفيتو أو لا يكون لديها حق الفيتو.
وهي كلها اجتماعات لأن الدول الخمس الأعضاء أغلقت الأبواب من خلفها. هناك إجماع للدول الخمس — بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا والصين — على منع دخول دول جديدة. تبدو عملية شبه صعبة في ما يخصّ الزيادة.
كمال خلف: حتى هذه الخُماسية الدولية دكتور غير فاعلة. بدأت كل دولة تتصرّف خارج إطار منظومة الدول الخمس.
السؤال الأخير دكتور — لأن الوقت انتهى — ما الذي يوقف الانحدار القِيَمي عملياً وعالمياً؟
والمناعة الآن: ما المطلوب؟ نحن تحدّثنا عن حرب رمادية غير أخلاقية، أدواتها، نماذجها. لكن الآن المقاومة الكلاسيكية فاعلة؟ الدول كيف ستحافظ؟ المجتمعات على خصوصيّتها، على استقرارها، على وحدتها الجغرافية، على هويّتها؟ الآن، ما الذي يوقِف كل ذلك؟
محمد خوجة: حتى في أسوأ الحالات والظروف، الدول، لاسيما في الشرق الأوسط أو في إفريقيا أو في آسيا، المجتمعات استطاعت أن تبني مقوّمات، واستطاعت أن تواجه الاستعمار وهي لا تملك دولاً ولا تملك جيوشاً ولا تملك مقوّمات المواجهة.
أنا أعتقد أنه الآن في عصر التكنولوجيا السريعة التطوّر، وفي عصر الوعي، يجب العودة إلى الإنسان.
من المهم جداً أن الإدراك بأن العودة إلى بناء الإنسان هو المحور الأساسي في معادلة المواجهة.
ففي نهاية الأمر، بناء الجيوش وشراء الأسلحة والتحالفات لن تكون مُجدية ما لم يكن هناك إنسان غير مهزوم، وإنسان قوي، إنسان لديه سردية وطنية يؤمِن بها، وسردية تقوم على بناء الأوطان وبناء الاقتصاد ونشر مؤسّسات سياسية تأتي من خضمّ الشعوب.
والعودة إلى إدراك بأن الخطر هو في الحقيقة خطر التدخّلات الخارجية وخطر الأطماع الاستعمارية.
ما لم تُعاد هذه السردية بقوّة، وما لم تكن متوهّجة عند المجتمعات وعند الإعلاميين وعند الكتّاب وعند الوعي الجماعي بشكل عام، هو الذي يصنع مناعة.
كمال خلف: أن يكون المواطن العربي شريكاً في القرار، لا يكون مهمّشاً في وطنه؟
محمد خوجة: نعم، إحساس المواطن — كما قلت — بأنه جزء من معادلة القوّة هو الذي يجعل أن هذا المواطن سينتصر، وأن هذه الدولة ستنتصر، وأن انتصر.
كمال خلف: دكتور محمد خوجة، أستاذ مادة الحرب والسلم في العلاقات الدولية في جامعة الجزائر، أشكرك جزيل الشكر على هذه المشاركة معنا. شرّفت دوائر القرار.
نبارك أيضاً لمنتخب الجزائر، أمتعنا يوم أمس في انتقاله إلى ربع النهائي. ننتظره يوم السبت في لقائه مع نيجيريا. أيضاً مبروك للشعب الجزائري من خلالك دكتور.