كرد سوريا بين التسوية والحلم

من الجغرافيا والسياسة إلى ملفات الحدود والهوية…قضية كرد سوريا تتصدر المشهد، بين دمج سياسي محتمل وتسوية هشة تحت ضغط الواقع الميداني. لكن الأمر لا يقتصر على الداخل، بل يتداخل مع مصالح إقليمية ودولية. فهل سحبت واشنطن الغطاء عن حليف الضرورة؟ أم أن الكرد مجرد ورقة تفاوض في صفقات أخرى؟ وأين موقعهم اليوم في التحركات الكبرى؟

نص الحلقة

 

مايا رزق: يُقال إنه يكفي المرء أن يحلم ليصل إلى ما يريد. ولكن هل من حلم من دون ثمن؟ قطعاً لا. فما بالكم لو كان هذا الحلم دولة كاملة أو ما يشبهها: "روجافا" أو "أرض الغروب روجافا"؟ تجربة سياسية أقرب إلى الحلم، نشأت خارج الدولة السورية وفي قلب صراع إقليمي ودولي مفتوح.

نحو مليوني ونصف مليون نسمة في سوريا يتشاركون هذا الحلم. حلم لطالما رأت فيه دمشق — وبصرف النظر عمن يحكمها — خطة جهنمية تقسيمية تهدد وحدة البلاد.

بلادٌ يعتبر الكرد فيها ثاني أكبر مكون عرقي، يتركز وجوده في ثلاث كتل رئيسية شمال سوريا:

الأولى: منطقة الجزيرة وتشمل محافظة الحسكة.

الثانية: عين العرب (كوباني).

الثالثة: عفرين شمال غرب البلاد.

إلى جانب حضور حضاري واضح في حلب، لاسيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية.

لكن هذا الوجود ظل معلولاً، ناقصاً، نقيصاً بالمفهوم القانوني، بعد إحصاء عام 1962 في الحسكة، حرّم عشرات الآلاف من الكرد الجنسية السورية. هي معضلة قانونية سياسية امتدت عقوداً، وبقيت من دون حل جذري إلى أن دقت ساعة التحول.

مع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، تبدل كل شيء، وبدأ رسم خريطة سيطرة جديدة. انسحبت مؤسسات الدولة وقتها من أجزاء واسعة في الشمال، تاركة فراغاً أمنياً وإدارياً. إدارات محلية تشكلت كحل أمر واقع، ليس إعلان انفصال، بحسب ما يقول الكرد.

إلى أن أطل داعش برأسه عام 2014، وانقلبت الأمور رأساً على عقب.

 

مايا رزق: التنظيم تمدد بسرعة، وسيطر على مساحات واسعة من سوريا والعراق.

في 2014، بدأت معركة عين العرب (كوباني)، واستمرت أشهرًا، ومثلت نقطة تحول في الحرب على داعش.

شكلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) رسمياً في تشرين الأول 2015 كتحالف عسكري يضم فصائل كردية وعربية، بدعم مباشر من التحالف الدولي، وتحديداً واشنطن، ولكن بحدود.

 

مايا رزق: ومع ذلك، خاضت قوات سوريا الديمقراطية أشرس المعارك ضد داعش: من الجزيرة السورية إلى عين العرب (كوباني)، ومن منبج وريف حلب الشرقي، وصولاً إلى الرقة — العاصمة الفعلية لداعش — التي خيضت فيها عام 2017 أشهر الحملات العسكرية لقسد.

أما آخر معاقل التنظيم في منطقتي الباغوز والفرات الأوسط، فدُحِر عنهما مسلحو داعش عام 2019، وقيل إن المهمة انتهت، لتتزعزع مع الانتهاء شراكة وحلم.

 

مايا رزق: واشنطن سحبت قواتها من مناطق حدودية شمال شرق سوريا. قرار فُهم كردياً على أنه تخلٍ. كيف لا وقد شرب الكرد من هذه الكأس المرة أكثر من مرة.

 

مايا رزق: وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع. تركيا التي ترى في أي كيان كردي مسلح تهديداً مباشراً لأمنها القومي لم تغب يوماً عن المشهد، لا بل شاركت في بعض فصوله الدموية: من عمليات "درع الفرات" عام 2016، إلى "غصن الزيتون" عام 2017، و"نبع السلام" عام 2019.

في مناطق شرق الفرات، عشرات الآلاف من القتلى والجرحى الكرد خلال العقد الأسود الذي عرفته سوريا. سواده على الكرد بانقشاعه بعد سقوط النظام في كانون الأول من العام 2024.

بدأت المفاوضات بين الكرد وحكومة الشرع، ووقعت اتفاقيات برعاية الولايات المتحدة.

 

كمال خلف: سوريا على وقع هدنة الأيام الأربعة، يتقدم مشهد الشمال الشرقي في سوريا من جديد إلى واجهة التوتر، مع تبادل حاد للاتهامات بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، في اختبار مبكر لهشاشة وقف إطلاق النار، وسط تحركات أمريكية تطرح كثيراً من التساؤلات.

 

مايا رزق: الولادة القيصرية، والمولود ربما مشخص بهشاشة العظام، ما يتركه عرضة للكسر في أي لحظة. كيف لا وهو محكوم بتوازنات أمريكية تركية وسورية داخلية؟ فهل نحن أمام ترتيب مرحلي، أم محاولة لتثبيت واقع جديد؟ لتبقى تجربة الكرد في سوريا بعيدة عن الملائكة والشياطين، بل نتاج لحظات تاريخية وتقاطع مصالح وحسابات دول كبرى.

كرد سوريا بين التسوية والحلم. اذهب أعمق، تفهم أكثر.

مايا رزق: يسرني أن ينضم إلينا الآن هنا في الاستوديو ممثل الإدارة الذاتية في روجافا، الأستاذ عبد السلام أحمد. أهلاً ومرحباً بك، أستاذ عبد السلام. وأيضاً سينضم إلينا بعد قليل من تنسي، أستاذ العلوم السياسية والخبير بالشأن الكردي وسياسات الشرق الأوسط، السيد مايكل غنتر.

ابدأ معك مباشرة، أستاذ عبد السلام. يقول المثل الكردي المعروف: "من يعرف نفسه يعرف الدنيا"، أي معرفة النفس هي أساس الحكمة. ومن هنا، كرد سوريا: من هم؟

 

عبد السلام أحمد: مرحباً بكم بداية، وشكراً للاستضافة، وتحية لمشاهدي القناة. الشعب الكردي من المعروف بأنه شعب يعود إلى إمبراطورية ميديا، أسس في التاريخ إمبراطوريته. ميديا هو جزء من شعوب الإيرانية، لغته هند أوروبية. تم تقسيم وطنه لأول مرة بعد معركة "جال بيران" في إطار اتفاق "قصص يارين" 1639. بعد الحرب العالمية الأولى واتفاقية "سايكس-بيكو"، تم تقسيم وطنهم مرة أخرى لحسابات الدول الاستعمارية إلى أربعة أجزاء، وأنا من الجزء الغربي من كردستان.

 

مايا رزق: لكن في خبايا السؤال: كرد سوريا، هل هم أبناء هذا الوطن؟ هل هم على أرض هذا الوطن إلى حين، مثلاً، قيام ما يحلمون به؟

 

عبد السلام أحمد: موضوع الحلم هو حلم مشروع، وتحديداً بعد ظهور الدول القومية. كما أن هناك أكثر من 22 دولة عربية، وهناك أيضاً دولة تركية ودولة إيرانية فارسية وكانت إيرانية تسمى، لكنها بالطبع القومية الفارسية السائدة والغالبة. أيضاً، من حق الشعب الكردي أن يكون له كيان يحتمي فيه. للأسف، حكومات هذه الدول التي اقتسمت الوطن الكردي عارضت الكرد أن تكون لهم حتى كلمة باسم "كردستان".

نحن حسابات مصالح دولية هي التي جزّأت وقسمت وطننا. في هذه الدول، أردنا أن نعيش كمواطنين، نعيش بهويتنا محفوظة، كرامتنا. ومع ذلك، تعرضنا لسياسات عنصرية اقصائية ومجازر، وصلت إلى حد استخدام السلاح الكيميائي، ودفع الكرد تحت صورة مجازر الأنفال التي ارتكبها صدّام حسين عام 1988، وكان من نتيجتها قتل آلاف الكرد: أحياء، أطفال، نساء وشيوخ.

وللأسف، الحكومة الحالية — السلطة المؤقتة في دمشق — ووزير الأوقاف يعيدنا مرة أخرى للمآسي التي شاهدها الكرد في ظل حكم بعث صدّام حسين. أيضاً، هو أصدر تعميماً وتحت نفس الصورة، ودعا إلى "حرب الفتح"، وكأن الكرد هم كفار وملاحدة.

 

مايا رزق: الكرد اليوم في سوريا أمام نقطة تحول. لا أعرف إذا كنت تعتبرها تاريخية.

هل هي نقطة تحول على المسار السليم للمواطنة، أم حضرتك تعتبرها خديعة ربما وخسارة للحلم، انطلاقاً من تجارب عرفها الكرد، أكان ذلك في العراق كما ذكرت قبل قليل، وحتى في تركيا؟

 

عبد السلام أحمد: موضوع الكردي، بالطبع، المسعى الكردي حق مشروع. هم موجودون على أرضهم التاريخية، يريدون أن يعيشوا بكرامتهم على هذه الأرض، محفوظة حقوقهم في إطار دستور يساوي بين مواطنيه في الحقوق والواجبات من دون تمييز وتفرقة بين هؤلاء المواطنين.

=لكن للأسف، نحن لم نحظَ بهذا الدستور الذي ينصف الكرد، أو حكومات رشيدة تحقق العدالة بين مواطنيها. كنا دائماً في مواجهة سياسة قمعية، حُصرنا دائماً في زاوية ضيقة، بسياسات تهدف إلى صهر الكرد في بوتقة سواء القومية العربية أو القومية الفارسية أو التركية.

 

مايا رزق: أستاذ عبد السلام، سأتحدث بالتفصيل عن الوضع الحالي اليوم في سوريا. وبما أنك تحدثت عن الدستور، هناك اليوم المادة 13 التي وقع عليها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. سنناقشها بعد قليل.

لكن حضرتك اليوم ممثل الإدارة الذاتية في روجافا، وتقولون إن الإدارة الذاتية ليست مشروع انفصال، بل إدارة أمر واقع.

اليوم تبدلت كل الوقائع في سوريا. نتحدث عن اتفاق بين قسد ودمشق. أهي النهاية بالنسبة لقسد ومسد والإدارة الذاتية بالنسبة لعملكم مثلاً؟

 

عبد السلام أحمد: بالطبع، إن المرسوم الذي صدر — من دون التطرق إلى الإشكالات الدستورية والقانونية: هل هو يتفق مع الإعلان الدستوري الذي صدر؟ هل يعطي الصلاحية لرئيس السلطة المؤقتة أن يصدر مرسوماً بهذا الشكل؟ — هو بالنتيجة مرسوم. هذه الحقوق يجب أن تضمن ضمن الدستور، لأن ما يأتي بمرسوم قد ينتهي أيضاً بمرسوم. بالمطلق، هي لا تستجيب لتطلعات شعبنا الكردي.

نحن شركاء في الوطن السوري الذي رسم خريطته المستعمر الفرنسي. سوريا هو كيان تم رسم خريطته من قبل المستعمر الفرنسي، وتم ضم جزء من وطننا إلى هذا الكيان الذي تم تشكيله. نحن شركاء في هذا الوطن. بل، الكرد وضعوا المدماك الأول في بنيان الدولة السورية الحديثة. رجالات الدولة الأوائل السوريين بعد فترة الاستعمار الفرنسي وبعد الاستقلال كانوا هم من الكرد. قائد ثورة الشمال، إبراهيم هنانو، كان كردياً. كان لنا دور كبير في حصول سوريا على استقلالها، وقدمنا عشرات الشهداء.

لكننا في ظل حكم البعث حرمنا من كل حقوقنا، واتبعت بحقنا إجراءات استثنائية، وتم تجريد الكرد من الجنسية السورية. بالمطلق، هو مرسوم 13 خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست كافية.

 

مايا رزق: سنعمق بذلك أكثر بعد قليل. ولكن اسمح لي أيضاً أن يشاركنا في هذه الحلقة من تنسي، الأستاذ في العلوم السياسية والخبير بالشأن الكردي وسياسات الشرق الأوسط، البروفيسور مايكل غنتر. أهلاً ومرحباً بك، بروفيسور، في "اذهب أعمق".

في كتابك، سيد غنتر، "Out of Nowhere: The Kurds of Syria"، تشير إلى أن الكرد في سوريا دخلوا التاريخ السياسي فجأة. هل هذه النشأة هي سبب عدم استقرار هذا المكون الكردي في داخل سوريا؟

 

مايكل غنتر: يسرني أن أكون معكم. تحية لكم جميعاً. في الولايات المتحدة الأمريكية حيث الطقس قارس بالفعل، وربما الوضع مختلف لديكم، والطقس أكثر تسامحاً في سوريا.

بالنسبة إلى السؤال، هل كررتموه بعد إذنكم، أعتقد أنكم سألتموني: كيف بدأت كل هذه القضية؟

 

مايا رزق: كنت قد سألتك، أستاذ، بأنه في كتابك تشير إلى أن الكرد في سوريا دخلوا التاريخ السياسي فجأة. هل هذه النشأة المفاجئة وربما غير الناضجة هي سبب عدم استقرار هذا المكون الكردي في الداخل السوري؟

 

مايكل غنتر: هذا صحيح. هذا هو ما تحدثت عنه في عنوان كتابي. من حيث لا نحتسب هؤلاء أو لا ندري — بالطبع نعرف أن الأكراد منتشرون في مختلف أنحاء سوريا والعراق وتركيا وإيران — لكن قلما سمعنا عن وضع الأكراد في السابق في سوريا. ذلك لأن الأكراد في سوريا قد شكلوا تاريخياً أقلية أصغر مقارنة مع الأقلية الكردية في البلدان المجاورة.

لكن عندما بدأت الحرب الأهلية في سوريا في آذار (مارس) من عام 2011، فجأة حصل فراغ في السلطة، لأن الأسد كان مضطراً أن يسحب قواته من المناطق الكردية في شمال شرق البلاد لكي يحصل على مزيد من القوات للدفاع عن دمشق. وهذا أدى إلى فراغ في الوجود الحكومي في السلطة. هذا أدى إلى أن يتولى الأكراد الحكم والسلطة على أرض الواقع، فيما لم يكن أحد قد سمع بهم بالفعل على مستوى واسع في سوريا. كل ذلك كان بفعل الفراغ السياسي الذي سببته الحرب الأهلية.

 

مايا رزق: سيد مايكل، تفضل بالبقاء معنا، حيث سنسلط الضوء قليلاً على العلاقة المتأرجحة تاريخياً بين الكرد والحكومة السورية في دمشق، والتي مرت بمراحل مفصلية. فما هي هذه المراحل؟

سنحاول اختصارها بطبيعة الحال في هذا العرض مباشرة: هامش محدود من المشاركة السياسية عرفها الكرد بعد الجلاء الفرنسي، في غياب اعتراف رسمي بالهوية — كما ذكر ضيفنا قبل قليل — الهوية القومية الكردية. ذلك لم يمنع وصول شخصيات من أصول كردية إلى مناصب عليا، منهم حسني الزعيم، وأيضاً فوزي السلو وأديـب الشيشكلي.

التحول الأول جاء عام 1962 في إطار ما عُرف بالإحصاء الاستثنائي، حيث جُرّد نحو 60000 كردي من جنسيتهم، وصُنفوا وقتها إما أجانب أو مكتومي القيد.

ظل الوضع على حاله إلى عام 2004: أحداث عنف خلال مباراة كرة قدم تخللتها أول مواجهة بين الكرد والدولة في سوريا.

ومع اندلاع الأحداث عام 2011، دخلت العلاقة منعطفاً جديداً: القوات الحكومية انسحبت من معظم المناطق ذات الأغلبية الكردية، ولاحقاً تشكلت مؤسسات الإدارة الذاتية.

مع الحرب على داعش — وهنا كانت نقطة تحول كبيرة عام 2014 — تلقت قسد دعماً عسكرياً مباشراً من الولايات المتحدة، ما انعكس قطيعة غير معلنة مع دمشق.

ثم أطلقت تركيا عملية عسكرية في شمال سوريا، ذلك دفع نحو اتفاقيات أمنية مؤقتة، تلتها جولات حوار متقطعة، كما يظهر هنا على الشاشة.

أما بعد تولي أحمد الشرع المرحلة الانتقالية، فانتقلت العلاقة إلى مشروع دمج سياسي أمني شامل.

شهر آذار (مارس) عام 2025 شهد توقيع اتفاق مبدئي تضمن وقفاً لإطلاق النار وإدماج قسد بقوات وزارة الدفاع، بينما ظل الخلاف قائماً حول الحكم الذاتي والتمثيل الدستوري، ولم يُطبّق ربما الكثير على الأرض.

لكن الغطاء الأمريكي بدأ بالتراجع عبر تقليص الدعم ونقل معتقلي داعش ودعم مسار وحدة الدولة، بحسب ما يقول الأمريكي. وبعد انتهاء مهلة الاندماج، أطلقت الحكومة عملية عسكرية ضد مواقع قسد في حلب والرقة ودير الزور والحسكة. ومع انسحاب القوات الكردية من معظم المدن الكبرى، جاء اتفاق جديد يقضي بحل الإدارة الذاتية ودمج المقاتلين الكرد فرادى في الجيش أو بشكل تدريجي.

أعود إليك، بروفيسور غنتر. أشرت في أكثر من مؤلف إلى أن الأنظمة المركزية في المنطقة تتقن إدارة المسألة الكردية لا حلها. ما يحصل اليوم على الأراضي السورية، تصنفه على أنه فرصة ذهبية لينال الكرد حقوقهم وليندمجوا أخيراً كمواطنين؟ أم أنك، وانطلاقاً ربما من تجارب التاريخ — إن كان في تركيا أو العراق كما ذكرنا سابقاً مع ضيفنا هنا في الاستوديو — تشكك ربما بالمواد الورقية أو الدستورية التي يمكن أصلاً مسحها في مواد أخرى؟

 

مايكل غنتر: هذا سؤال جيد. لكن صراحة، لا نعرف بعد. بالنسبة للأكراد وداعميهم، ما حصل يبدو وكأنه كارثة بالفعل، حيث إن الأكراد كانوا يتمتعون بحكم ذاتي باستقلالية ذاتية إلى حد ما. اعتُقد أنهم — للمرة الأولى في تاريخهم في سوريا — حققوا الاعتراف المطلوب بالأقلية الكردية، وهم قادرون على إدارة شؤونهم، وقد حصلوا لذلك على دعم الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن مباشرةً، فجأة، انهار الوضع برمته. بالنسبة لمعظم الأكراد وداعميهم في العالم، ما حصل يشكل كارثة فعلية، وقد عادوا إلى نقطة الصفر.

من جهة أخرى، أنا شخصياً لا أثق كثيراً بالرئيس ترامب. لكن دعونا نصدق ما يقوله على مستوى سطحي على الأقل.

الولايات المتحدة الأمريكية، كما تعرفون، كانت تشكل حليفاً للأكراد في سوريا بحكم الواقع. والولايات المتحدة الأمريكية، ربما أقله من خلال ما تصرح به، لا تزال تستشعر التزاماً ما يربطها بالأكراد في سوريا.

إلا أن توحيد الأراضي السورية الذي أعلن عنه خلال هذا الشهر الرئيس الشرع أفضى إلى إرسال الحكومة السورية لمرسوم أول من نوعه يقر بوجود الأقليات الكردية كأقلية سورية، وكذلك بالعيد الكردي، أي "النيروز"، الذي بات معترفاً به بشكل رسمي، إلى جانب الكردية لغة رسمية. وكل هذا قد ضمنته هذه الحكومة من خلال المرسوم الذي أصدره الرئيس الشرع.

بالطبع، الأكراد يقولون إن هذه الإجراءات ليست كافية. فلا بد من أن تُكرّس كل هذه الإجراءات في الدستور السوري الجديد، لأنه نفسه يمكن أن يتجاهله أي مسؤول غداً.

أنا شخصياً آمل أن نرى الولايات المتحدة الأمريكية — التي تشكل القوة النافذة الأساسية خلف كل ما يحدث — تواصل فرض الضغوط على دمشق بهدف التعاطي بطريقة منصفة مع الأكراد، وأن تمتنع عن ذبحهم، وعن معاملتهم أسوأ معاملة، وأن تقر كذلك وتعترف بالحقوق الكردية في كنف دولة سوريا الجديدة التي ينشأها ويؤسس لها الشرع.

بالطبع، لابد وأن نرى ما الذي ستحمله لنا الأيام. ربما أفضل ضمانة يملكها الأكراد حالياً هي أن الولايات المتحدة الأمريكية تبقى عنصراً أساسياً حاضراً في خلفية كل ما يحدث. وربما بهذه الطريقة يمكن أن نضمن أن لا يتم تناسي الأكراد بشكل كامل. إلا أننا، بالطبع، إذا ما نظرنا إلى التجربة التاريخية، ليست مباشرة.

 

مايا رزق: سأتحدث عن العلاقة وعن الدور الأمريكي اليوم الذي تلعبه الإدارة الأمريكية، خصوصاً برئاسة دونالد ترامب. ولكن بعد الفاصل. قبل أن نذهب إلى هذا الفاصل،

أعود إليك، أستاذ عبد السلام. كنت تقول قبل قليل بأن هذه المادة هي غير كافية.

هل يشعر الكرد اليوم في سوريا إلى أنهم يحتاجون إلى ضمانات أكثر فيما يخص تقييمه لما سيأتي بعد هذا الإعلان وهذا التوقيع والاتفاقيات؟

 

عبد السلام أحمد: بالطبع، لأن كل ممارسات وسلوكيات السلطة المؤقتة لا تعطي الضمان والثقة. وحقيقة، نحن وجدنا ما جرى بحق المكونات السورية الأخرى، سواء كان العلويون أم الدروز، وأيضاً الاتفاقات التي تم التوقيع عليها معهم، حيث لم يبادروا إلى تنفيذ أي بند من بنود اتفاق العاشر من آذار.

هم كانوا يركزون دائماً على الجانب العسكري، وهو تجريد الكرد من قواتهم العسكرية الموجودة في قوات سوريا الديمقراطية. هذا كان يأتي دائماً بضغط وطلب تركي.

بموضوع الاتفاقات، نحن كنا جادين بتنفيذ كل بنود اتفاق العاشر من آذار والاندماج مع المؤسسات الرسمية. ونحن أيضاً كنا بحاجة لهذه المؤسسات — هي مؤسسات سيادية. أما التركيز فقط على الجانب العسكري، حقيقة، لم يكن يشي بأن الخطة جادة حقيقة بإيجاد حل سياسي مع ممثلي الكرد.

 

مايا رزق: الآن ستبدأون ربما بحل الإدارات الذاتية وإلى ما هنالك؟

 

عبد السلام أحمد: هو موضوع الاندماج مع مؤسسات الدولة الرسمية الموجودة. مثلاً، اليوم الرقة، لا يزال الموظفون في دوائر الإدارة الذاتية هم يمارسون عملهم، لأن السلطة حقيقة بحاجة إلى طاقات وكوادر وناس لهم خبرة وتجربة في الإدارة، وللحفاظ على هذه المؤسسات.

لكن لنرى شكل هذه الإدارات التي ستتشكل: بدءاً من الجيش ومروراً بمؤسسات أخرى. في ما يتعلق بمناطق الإدارة الذاتية، ستكون هناك تشاركية في الإدارة، وإسناد الوظائف الرئيسية — حتى فيما يتعلق بشؤون البلديات والمؤسسات الأخرى — لأبناء المنطقة، لكي يقوموا هم بإدارة شؤونهم.

العودة إلى المركزية القاسية والمطلقة حقيقة لن تجلب الحل. ونحن وجدناها في ظل النظام السابق. توزيع الصلاحيات على الأقاليم بغض النظر عن التسمية التي سنطلقها، سواء كانت إدارة ذاتية أو حكم ذاتي أو إدارات لا مركزية موسعة، لكن بالمطلق علينا أن نبحث عن صيغة مثلى وشكل أمثل لإدارة هذه البلاد وهذه المناطق.

 

مايا رزق: سأسألك إذا ما كانت دمشق ستقبل بمثل هكذا توجه. ولكن بعد الفاصل. تفضل بالبقاء معنا، أستاذ عبد السلام أحمد. الدعوة موجهة لكم، بروفيسور مايكل غنتر.

إذًا مشاهدينا، فاصل قصير، نتابع بعده "اذهب أعمق".

 

مايا رزق: من جديد، أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام.

الغرض الأصلي لقسد كقوة مناهضة لداعش قد انتهى إلى حد كبير. كلام توم باراك لا يمثل استثناء في سلسلة المواقف الأمريكية المتقلبة تجاه الحلفاء، ومنهم الكرد في سوريا.

التحالف التكتيكي يعود إلى عام 2014 مع احتلال داعش مناطق واسعة في سوريا والعراق.

الولايات المتحدة قدمت الدعم المباشر لوحدات حماية الشعب التي مثلت لاحقاً القوة الأساسية في قسد. معركة عين العرب (كوباني) اعتبرت رمزاً لهذه الشراكة.

لاحقاً، ما بين 2015 و2018، باتت الرقة ودير الزور وأراضٍ شاسعة غنية بالنفط تحت إدارة قسد، بما يوازي ثلث سوريا تقريباً.

مع ذلك، تكررت في الخطابات الأمريكية إشارات بأن هذه المكاسب هي مؤقتة.

في الواقع، خلال ولايته الأولى، اتخذ ترامب قرارات عديدة اعتبرت رفعاً تدريجياً للغطاء عن قسد. فبعد إعلان هزيمة داعش، أكد أنه سيسحب أكثر من 2000 جندي من شرق سوريا، لكن القرار لم يُنفّذ إلا جزئياً.

وفي العام التالي، أمر بسحب 1000 جندي، توازى ذلك مع عمليات تركية ضد مواقع قسد في تل أبيض.

لكن ما سُمي "الخيانة العظمى" جاء عام 2019، حين أمر ترامب بسحب القوات الأمريكية من الحدود مع تركيا. القرار كان قد سبقه اتصال هاتفي مع الرئيس التركي، وبعده بثلاثة أيام بدأت أنقرة عملية باسم "نبع السلام" مع القوات المتحالفة معها، استهدفت مناطق قسد.

إلى عام 2024، حيث بدأ ما سُمي "التخلي الاستراتيجي". فمع تولي أحمد الشرع الرئاسة الانتقالية، أعادت واشنطن توجيه سياستها نحو دمشق.

وفي بداية العام الحالي، تحديداً مع التقدم السريع لقوات وزارة الدفاع في مناطق قسد، ظلت الولايات المتحدة خارج المشهد، إلى أن صرح توم باراك حديثاً بأن أعظم فرصة متاحة للكرد هي في ظل الحكومة الجديدة. ذلك يعيد، وفق محللين، تثبيت فرضية: حل السياسة الخارجية الأمريكية عنوانها "لا حلفاء، بل مصالح مؤقتة فقط".

أجدد الترحيب بضيفينا هنا في الاستوديو. معنا ممثل الإدارة الذاتية في روجافا، الأستاذ عبد السلام أحمد، والأستاذ في العلوم السياسية والخبير بالشأن الكردي وسياسات الشرق الأوسط، بروفيسور مايكل غنتر. أجدد الترحيب بك.

بروفيسور، في كتابك "The Kurds Ascending"، تقول إن واشنطن تستخدم الكرد ثم تعيدهم إلى الجغرافيا. هل ما جرى بعد عام 2019 ثم عام 2024 يؤكد هذه القاعدة؟

 

مايكل غنتر: صحيح. واسمحوا لي أن أعطيكم بعض المعلومات المرجعية لنفهم ما الذي يحدث.

بداية، لماذا لا يحبذ الأكراد أن يعيشوا في دولة سورية مركزية؟ في عام 1963، صدرت عن الحكومة السورية مخطوطة ذائعة الصيت. ولأقرأ لكم ما جاء في هذه المخطوطة عن الأكراد: "أجراس الخطر في منطقة الجزيرة تستنهض الوعي العربي للتصدي لهذه المنطقة ولتنظيفها من وسخ الأكراد، وذلك صوناً لمقدرات هذه الأرض العربية. شعوب مثل الأكراد لا تمتلك تاريخاً، لا تملك أصولاً إثنية أو لغة، وبالتالي فهي ميالة إلى ارتكاب العنف والدمار ضد شعوبنا. الأكراد يشكلون ورماً سرطانياً على الجسد العربي. الأكراد يتعاملون مع الإمبرياليين بهدف تدمير الجمهورية العربية السورية."

وبالتالي، هذه مسألة يدعو إليها الأكراد حالياً: بدل أن نسميها "الجمهورية العربية السورية"، لا بد من تسميتها بسوريا بكل بساطة، لأنه إلى جانب المجموعات العربية توجد أقليات أخرى مثل الأكراد، ولا يعتبرون أنهم ينتمون إلى الأقليات العربية. هذا جزء من الخلفية.

أما الجزء الآخر، فيفيد بأن الأكراد السوريين قد تصدوا للجهاديين الإسلاميين في معارك مروعة، ومنها معركة كوباني الشهيرة، وقد ألحقوا الهزيمة بالجهاديين بالطبع بمساعدة أمريكية.

ولكن الآن، من الذي يعود إلى السلطة لمحاولة توحيد الأكراد أو إعادتهم إلى كنف الدولة السورية؟ نتحدث هنا عن أحد زعماء الجهاديين: الشرع، الذي مكث في سجن أمريكي على مر السنوات لأنه جهادي بشكل أساسي، ولأن التنظيم الذي ينتمي إليه هو تنظيم جهادي كذلك.

بالتالي، هل سيشعر الإنسان — إن كان كردياً — براحة إن كان سيُحكمه زعيم لتنظيم حاول أن يقتل شعبه وأن يبيده منذ سنوات قليلة؟ صراحة، لو كنت مكانهم، لما كنت أشعر بالارتياح.

هذا يعطيكم بعض من خلفية الصورة التي تفسر لماذا يستشعر الأكراد خطراً مميتاً. ولذلك، أرى اليوم أن الحكومة السورية وما تمتلكه من حلفاء جهاديين أو ما يسمى بالجيش السوري الوطني قد قاموا كذلك بقتل أقليات كثيرة.

ولذلك، من الصعب أن نتبين كم كل هذه التقارير دقيقة. لكن بناءً على سلوكها الماضي، لا شك لدي بأن الأكراد قد ذُبحوا كذلك وقُتلوا على يد هذه المجموعات. ومن الطبيعي أن لا يثقوا بما يحصل معهم حالياً، وأن يتعاملوا مع كل هذه التطورات بقدر كبير من التشكيك.

بالنسبة لأمريكا، ما الذي فعلته أمريكا مع الأكراد؟ هل تعاملت معهم كإحدى المقدرات التكتيكية المؤقتة؟ في الواقع، هذا ما أصفه بالمكونات أو الركائز الثلاث. عاملت أمريكا الأكراد في سوريا على أنهم حاجة مؤقتة انتقالية يمكن الاستغناء عنها في أي وقت. وهذا تأكد من خلال المندوب الأمريكي إلى المنطقة عندما قال إن دور الأكراد قد بلغ نهاية صلاحيته إلى حد كبير.

إلى جانب ذلك، كل هذه التطورات تذكرني بما يعرف بحوار "ثوكيديدس" — المؤرخ الإغريقي العريق — الذي قال يوماً: "مسألة بقيت عالقة". وهذا ما قاله نيابة عن أبناء أثينا للضحايا: "يَفعل الأقوياء ما يستطيعون أن يفعلوه، والضعفاء يستسلمون لما هو واجب عليهم".

وهذا هو تحديداً ما يحدث مع الأكراد حالياً في سوريا، كما يبدو. نأمل أن لا تكون الصورة قاتمة لهذا الحد، ونأمل بالطبع أن يكون الشرع قد تم إصلاحه بالفعل، وأن لا يكون عالقاً في الخلفية الجهادية.

 

مايا رزق: لكن هذه المقولة أيضاً يمكن أن نسقطها على ما يحصل في كل العالم، انطلاقاً من سياسة دونالد ترامب الخارجية.

سأعود إليك بعد قليل، أستاذ مايكل. ولكن أذهب إليكم، أستاذ =عبد السلام. في ما يخص الدور الأمريكي، هل أخطأت قسد ربما في قراءة حدود الدعم الأمريكي؟ هل بُنيت استراتيجية قسد أصلاً على افتراض استمرار الدعم الأمريكي بنفس الزخم؟

 

عبد السلام أحمد: الحقيقة، لم يكن أمامنا خيارات. عندما تُركنا في مواجهة أعتى تنظيم إرهابي متوحش، والولايات المتحدة الأمريكية قدمت دعماً، لم يكن لنا الخيار بأن نرفض هذا الدعم.

وخاصة وأن التركي — وبما يملكه من قوة وترسانة عسكرية، وهي الدولة الثانية في حلف الناتو — أدخل آلاف الجهاديين من كل أصقاع العالم إلى المنطقة، واتجه هؤلاء إلى المناطق الكردية تحديداً، وكانت لنا معهم معارك طويلة، وقدمنا مئات الشهداء في مواجهتهم.

فنحن دائماً كنا نُسأل: "هل تثقون بالولايات المتحدة الأمريكية؟" حقيقة، كنا نقول: "لا. هي دولة بالمطلق لها مصالحها، وهي ليست جمعية خيرية". سواء كانوا هم أو روسيا، فنحن لن نذهب إلى نيويورك أو واشنطن — كما قلت — للدفاع عن مدنهم. نحن كنا ندافع عن مدننا، والأمريكان جاؤوا وقدموا يد المساعدة، والتقت مصالحنا في هذا الجانب لمحاربة الإرهاب.

وحقيقة، أنجزنا إنجازات كبيرة، وكان مشروعاً ناجحاً. لكن الموقف الأخير، بتصوري أنا، ستكون له تداعياته ليس فقط على الشعب الكردي، بل على المنطقة بعمومها، وسيناله شرور هذه الجماعات الجهادية التي تتكاثر اليوم على الأراضي السورية. سينتشرون في كل أصقاع العالم، وسنشهد نحن في السنوات القادمة كيف ستقوم — سواء كان "الذئاب المنفردة" أو مجموعات منظمة — باستهداف المصالح الغربية، سواء كان في منطقة الشرق الأوسط، حتى في قلب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

 

مايا رزق: ولكن الكرد أيضاً سيكونون في قلب النار عندما نتحدث عن مثل هكذا — ليس أفق — عندما نتحدث عن مثل هكذا مستقبل قاتم في ما يخص عودة هذه الجماعات، الكرد سيكونون في قلب النار في سوريا؟

 

عبد السلام أحمد: نحن كنا دائماً في قلب النار. الشعب الكردي معروف أنه يشعل ثورة من ثورة. نحن دائماً كنا في حالة صراع وقتال مع حكومات استخدمت كل الأساليب البشعة من أجل إفناء الشعب الكردي وإنهاء وجوده.

إذا نظرنا للتاريخ الكردي في =كردستان الشمالية، نجد ثورات متتابعة. حتى في إقليم كردستان العراق، الموضوع لن يلحق الضرر فقط بالشعب الكردي. تأثير هذه الجماعات الجهادية اليوم موجود على الأراضي السورية، وأغلبها لها خلفيات جهادية. حتى السلطة المؤقتة في دمشق معروفة من أين جاءت وإلى أين هي ذاهبة. بالأصل، مطلق دول الإقليم أيضاً، المحيط لن يكون بمنأى من شرور هذه الجماعات.

 

مايا رزق: قبل قليل أشرتم إلى أن أمريكا عرضت عليكم السلاح وأنتم قبلتم هذا الأمر، وقاتلتم على أرضكم من أجل شعبكم ومن أجل أرضكم.

لكن هناك فرق بين قبول المساعدة وبين التعويل عليها والبناء عليها. في النهاية، الكرد سيطروا على ثلث الأراضي السورية. هل كانت هذه لحظة نشوة ربما تدفعون ثمنها اليوم؟

 

عبد السلام أحمد: نحن كنا ندرك تعقيدات المشهد العام الإقليمي وحتى الداخلي، وكنا نعلم بأن تركيا هي الحليف الأساسي للولايات المتحدة الأمريكية أولاً وأخيراً. الأمريكان سيقدمون مصلحة تركيا على مصلحة الكرد. ووجدناها في عام 2019، عندما انسحب الأمريكان وسمحوا للتركي باجتياح رأس العين وتل أبيض والدخول بعمق أكثر من 30 كيلومتراً.

للأسف، الكرد أحياناً يذهبون ضحية الاتفاقات الإقليمية والمتغيرات الدولية. حتى إذا جئنا للحرب العالمية الأولى، اتفاقية سايكس-بيكو وسايكس-بيكو-سازانوف — كان هناك قسمٌ هو من حصة روسيا. لكن مع مجيء البلاشفة عام 1917، انسحب الروس من اتفاقية سايكس-بيكو-سازانوف، وظفر الفرنسيون والإنكليز — لحساباتهم — تقاسموا هذه المنطقة وتقاسموا الوطن الكردي ووزعوه على أربع دول.

دائماً المتغير السياسي يأتي في غير صالح الكرد. من كان يتصور بأن ينهار النظام السوري بهذا الشكل الدراماتيكي، ويكون هناك اتفاق؟

لننظر مثلاً إلى روسيا: روسيا مثلاً تخلت عن النظام السوري. ويتضح الآن بأنه لو كان للروس دور كبير في إسقاط النظام السوري — وهو حليف استراتيجي لروسيا، معروف الاتفاقات التي وقعها حافظ الأسد مع الاتحاد السوفياتي، واستمرت العلاقة — ومع ذلك، بين ليلة وضحاها، تخلّى الروس عن النظام السوري وسقط.

 

مايا رزق: إنها المصالح مجدداً.

أذهب إليك، بروفيسور مايكل غنتر. بما أننا نتحدث عن تركيا، هل ترى أن تركيا كانت العامل الحاسم ربما في كل منعطف أمريكي تجاه الكرد، أم مجرد ذريعة جاهزة؟

 

مايكل غنتر: صحيح، هذا أمر مؤكد. وهذه العلاقة النفعية قائمة منذ فترة طويلة. بالنسبة إلى تركيا، من وجهة نظرها، لطالما استشعرت خطراً من جانب =الأكراد. أعتقد أن هذا الخطر أو هذا الخوف مبالغ به. لكن صحيح أن الأتراك يعتقدون أن الأكراد سيتسببون بانقسام تركيا، لاسيما إذا ما حصل الأكراد في سوريا على استقلال ذاتي على طول الحدود الجنوبية مع تركيا، وبذلك سيشكلون نموذجاً للأكراد داخل تركيا، وبالتالي يهددون وحدة الدولة التركية.

أتفهّم ذلك. ولا شك في أن تركيا قد استشاطت غضباً من الولايات المتحدة الأمريكية لأنها دعمت الأكراد في سوريا. وهذا أمر يحصل منذ عقد من الزمن.

ولكن بعد ذلك، رويداً وبشكل مؤكد، الأتراك بدأوا يسوقون أنهم أهم من الأكراد لأمريكا. وأتفهم ذلك. حتى كأمريكي، أتفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية من مصلحتها أن تدعم الأتراك على حساب الأكراد. فليس من المنطقي أن تدعم الأكراد ضد المصالح القومية التركية.

ولكن كذلك من المنطقي أن يحصل الأكراد في سوريا على صفقة عادلة، أن يحصلوا على الحماية التي تؤمن لهم حقوقهم، وأن تدعم أمريكا — كما تركيا — هذه الحقوق. وهذا هو ما لا يحدث حالياً.

فقط لأبرهن لكم كم يمكن لأمريكا أن تتصرف بغباء: الرئيس ترامب منذ سنة قال ما معناه: "لماذا يجدر بي أن أدعم مجموعة؟ الأتراك لم يدعمونا يوم التحرير". بالطبع، لم يكونوا حاضرين يوم التحرير. لم يكن الأكراد مشاركين عندما هاجمت أمريكا قوات هتلر في عام 1944. أي تصريح هذا سيبرر عدم مساعدة أمريكا الأكراد؟

 

مايا رزق: مضحك مبكي صراحة، بالنسبة لتصريح الرئيس ترامب، وبالنسبة أيضاً لطريقة نسج السياسة الخارجية الأمريكية.

أعود إليك، أستاذ عبد السلام. الوقت بدأ يداهمنا. هناك من يقول — وهذا الأمر أشار إليه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في سوريا — بأن انقسام الجسم الكردي ووجود أكثر ربما من رأس يشكل عقبة بالنسبة للكرد في سوريا.

كيف يمكن ربما أن نقرأ اليوم حجم التباين داخل الجسم الواحد الكردي في سوريا؟

 

عبد السلام أحمد: الكرد، جميع الفصائل الكردية، وبالأحرى غالبية الفصائل الكردية، الفصائل الرئيسية، اجتمعت في إطار مؤتمر "بنسان"، وكان من مخرجات هذا الاجتماع ورقة موحدة ومطالب واضحة، وتم تشكيل وفد من الكتلتين الأساسيتين للتفاوض مع حكومة دمشق.

لكن لم يُفتح الباب للآن لاستقبال هذه اللجنة. موضوع المراهنة على انشقاق...

 

مايا رزق: هل لأن السيد مظلوم عبدي يحتكر موضوع المفاوضات؟

 

عبد السلام أحمد: لا، لا بالمطلق. بالنسبة للمؤتمر الذي انعقد واللجنة التي تشكلت، هم فوّضوا الجنرال مظلوم عبدي بالتفاوض، باعتبار أن حكومة دمشق لم تفتح الطريق أمام هذه اللجنة لتلتقي مع الحكومة المؤقتة في دمشق.

دائماً أعداء الشعب الكردي يطرحون هذه الإشكالية بأن الكرد ليسوا موحدين ومنقسمين. ومع ذلك، تجدهم مثلاً يستخدمون هذه الذريعة دائماً للتنكر لحقوق الشعب الكردي ورفض مطالبه.

لكن اليوم، الكرد — كل الكرد في أجزاء كردستان، وفي المنافي، وفي ساحات أوروبا — هم اليوم على قلب رجل واحد، وهم خلف الجنرال مظلوم عبدي.

 

مايا رزق: في ختام هذه الحلقة، أريد أن أسألك، أستاذ عبد السلام: ماذا في اليوم التالي؟ ماذا بعد هذا الإعلان عن هذا =الاتفاق بين دمشق وقسد؟ هل انكسر الحلم، أم أنه كان حلماً — لن أقول غير مشروع — ولكن مكلفاً للغاية، وكان من الأفضل أن لا يكون؟

 

عبد السلام أحمد: نحن في منطقة جغرافية تفرض علينا أحياناً أن نحمل السلاح. ونحن حملنا السلاح دفاعاً عن وجودنا، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولسنا نادمين.

نحن اليوم بيدنا سلاح، وباليد الأخرى غصن زيتون نمده إلى السلطة المؤقتة في دمشق، ونطالبها بإيجاد حل سلمي لكل قضايا سوريا، وإشراك ممثلي كل المكونات — ليس فقط الشعب الكردي — لنبني معاً وطناً جديداً يتساوى فيه الناس جميعاً بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم وألوانهم. يكفينا حروب ومعارك.

أما إذا فُرضت علينا الحرب، فسندافع عن أنفسنا لآخر جندي.

 

مايا رزق: أذهب إليك، بروفيسور مايكل غنتر. السؤال نفسه تقريباً: هل برأيك هي النهاية بالنسبة لروجافا وبالنسبة للحلم الكردي؟

 

مايكل غنتر: صراحة، يجب أن ننتظر لنرى ما تحمله. ربما على عكس كل الأمور السلبية التي قلتها، لننتظر ونرى.

الولايات المتحدة الأمريكية، ربما عندما راقبت الشرع فيما كان يحكم إدلب، وجدت فيه التفاتة نحو الأقليات. بالتالي، المرسوم الذي أصدره الشرع يتحدث عن أن الأكراد سيتمتعون ببعض الحقوق في سوريا الموحدة الجديدة — حقوق المواطنة مثلاً — وكذلك الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية.

لذلك، دعونا نعطي الرجل فرصة. وإلا، أساساً، لا خيار آخر لنا غير ذلك.

لذلك، علينا أن ننتظر لنرى ما الذي سينم عنه هذا الرجل، ما الذي سيفعله. وربما سيظهر لنا ويبرهن لنا أنه سيكون قادراً على توحيد سوريا، ومن خلال توحيد سوريا سيوفر للأكراد حصة منصفة من الحكومة في سوريا.

أما بالنسبة إلى الانقسامات الكردية، بالطبع لا شك في وجود انقسامات عدة على مستوى الجسم الكردي. لكن انظروا إلى السوريين: لقد عرفوا إحدى الحروب الأهلية الأكثر دموية في التاريخ. الشعب السوري أساساً فيه الكثير من الانقسامات. والأمر سيان بالنسبة إلى الأتراك، حيث نجد معارضة متنوعة من الأطياف كافة تجاه أردوغان في تركيا.

بالتالي، هذا سلوك طبيعي، يجدر به ألا يكون محط انتقاد أو انتقاص من الأكراد.

 

مايا رزق: شكراً جزيلاً لك، بروفيسور مايكل غنتر، أستاذ العلوم السياسية وخبير في الشأن الكردي وسياسات الشرق الأوسط، كنت معنا من تنسي.

أشكرك بطبيعة الحال، أستاذ عبد السلام أحمد، ممثل الإدارة الذاتية في روجافا. شكراً جزيلاً لك على هذه المشاركة.

إلى هنا نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة.