مجلس السلام العالمي: من مهمة غزة إلى إنهاء مهام الأمم المتحدة

ليس السؤال اليوم كيف انتهت حرب… بل كيف تغيّر معنى السلام. في عالمٍ يفقد توازنه، لم تكن غزّة مجرّد ساحة لما بعد الحرب، بل مختبرًا لنموذج جديد في إدارة النظام الدولي، حيث سُحقت قواعد القانون الدولي الإنساني تحت أنقاض البيوت. من هنا، وُلد ما يُسمّى بـ«مجلس السلام»؛ كيان صيغ ميثاقه خارج الأمم المتحدة، وتُدار قراراته بإرادة سياسية واحدة، ويمنح نفسه صلاحيات تتجاوز الجغرافيا… والقانون. قرارٌ أمميّ لمهمّة محدّدة، يتحوّل إلى هيكل دائم بمهام بلا حدود. فهل نحن أمام نعيٍ فعليّ لنظام دولي مأزوم؟ وهل نشهد لحظة فاصلة تُستبدل فيها قواعد ما بعد عام 1945 بمنطق جديد: القوّة قبل القانون، والصفقة قبل العدالة، والاستثناء بدل القاعدة؟ من «مجلس السلام»، إلى تغيّر مفهوم السيادة، وصولًا إلى عالم تُدار أزماته خارج المؤسسات الدولية… أسئلة كبرى في حلقة تكشف ما يُراد فرضه كنظام عالمي جديد.

نص الحلقة

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا. 

ليس السؤال اليوم كيف انتهت حرب، بل كيف تغير مفهوم السلام ومفاهيم كثيرة تغيرت في عالم يفقد توازنه. من غزة، حيث سُحقت قواعد القانون الدولي الإنساني تحت ركام البيوت، لم يُولد فقط مشهد ما بعد الحرب، بل وُلد نموذج جديد لإدارة العالم.

مجلس السلام — هكذا يُنعت — صيغ ميثاقه خارج الأمم المتحدة، وتُدار قراراته بإرادة سياسية واحدة، ويمنح نفسه صلاحيات تتجاوز الجغرافيا والقانون. قرار أممي لمهمة محددة يتحول إلى هيكل بمهمات بلا حدود.

هل نحن أمام نعي لنظام دولي مأزوم، وأمام لحظة فاصلة تستبدل فيها قواعد ما بعد عام 1945؟

منطق المجلس: القوة قبل القانون، والصفقة قبل العدالة، والاستثناء بدل القاعدة. فهل يصمد العالم أمام هذا المنطق؟ من ميثاق مجلس السلام إلى تغيّر مفهوم السيادة، إلى عالمٍ =تدار أزماته خارج المؤسسات الدولية.

مجلس السلام العالمي من مهمة غزة إلى إنهاء مهام الأمم المتحدة في دوائر القرار اليوم، حياكم الله.

 

كمال خلف: يرافقني في هذه الحلقة من أوهايو ضيف مهم جداً، من أفضل خبراء القانون الدولي في العالم، البروفيسور جون كويغلي، أستاذ القانون الدولي في جامعة أوهايو.

بروفيسور، حياك الله. أتشرف بك في دوائر القرار. سننتقل معك من دائرة إلى أخرى، وكل دائرة سيكون لها عنوان ومضمون.

الدائرة الأولى: عنوانها "شرعية من دون تفويض أم تفويض من دون شرعية".

 

كمال خلف: مشاهدينا، قبل أن نبدأ الحوار مع ضيفنا، مجلس السلام العالمي كيف أُنشئ هذا المجلس من دون حدود واضحة لمهامه، من دون تفويض أممي؟ سنرى أنه اعتمد على قرار مجلس الأمن، لكن المسألة تحتاج إلى نقاش.

سنتابع كيف نشأ هذا المجلس، ما هي مهمته، ما هي هيكلته في هذا العرض.

 

تقرير:

نشأة مجلس السلام العالمي: طُرح مجلس السلام للمرة الأولى ضمن خطة السلام لغزة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التاسع والعشرين من أيلول 2025. الهدف المعلن: وقف الحرب، إدارة المرحلة الانتقالية، إعادة الإعمار.

الغطاء الأممي: في نوفمبر 2025، مجلس الأمن يعتمد القرار 2803، يدعم خطة السلام لغزة. القرار يقر آلية تنفيذية مرتبطة بغزة فقط. التفويض محدود جغرافياً، محدد زمنياً.

إنشاء المجلس: في الثاني والعشرين من كانون الثاني 2026، في داغوس، إعلان مجلس السلام ككيان تنفيذي برئاسة دونالد ترامب. آلية القرار: تصويت الدول الأعضاء، لكن القرار النهائي بيد الرئيس. مدة العضوية: ثلاث سنوات. شرط العضوية الخاصة: مساهمة مالية بمليار دولار.

المقعد الدائم مقابل تمويل، الأعضاء والنواة القيادية: البيت الأبيض سمّى أعضاء مؤسسين: ماركو روبيو، ستيف واتكوف، جارد كوشنر، وطوني بلير. إنشاء مجلس تنفيذي من 35 دولة من أصل 50 دعوة. وفق البيت الأبيض، قاطعت المجلس دول أوروبية وازنة، إضافة إلى أربعة أعضاء دائمين في مجلس الأمن.

مهام المجلس المعلنة: 

الإشراف على وقف إطلاق النار.

إدارة المرحلة الانتقالية.

ترسيخ الأمن والاستقرار.

إدارة التمويل وإعادة الإعمار.

اقتراح ترتيبات حكم ما بعد النزاع.

التحول الإشكالي: توسيع دور المجلس من غزة إلى مناطق نزاع أخرى. الخطاب يتحول من مهمة خاصة إلى آلية سلام عملية.

الجدل القانوني والسياسي: الميثاق الموسع لا يذكر غزة صراحة. لا يخضع المجلس للأمم المتحدة. لا تفويض أممي عالمياً واضحاً. اتهامات بتهميش الأمم المتحدة، وإبدال القانون الدولي بآلية قوة، وشرعية سياسية من دون مرجعية قانونية.

 

كمال خلف: بروفيسور جون كويغلي، مرحباً بك مرة أخرى. الجدل الذي عرضناه، الهيكل الذي شُكل مجلس السلام من خلاله: السؤال قانوني أو غير قانوني؟

 

جون كويغلي: ما من أساس قانوني بطبيعة الحال في القانون الدولي يسمح بإنشاء هذا المجلس، أو ربما بُني عليه هذا المجلس. إن القرار الذي توافق عليه أعضاء مجلس الأمن فيما يتعلق بإنهاء الحرب في غزة محدود زمنياً وجغرافياً. أما مجلس الأمن هذا، فإنه ليس محدوداً لا زمنياً ولا جغرافياً أيضاً. وبالتالي، اليوم يعد قادراً على النشاط في مختلف أنحاء العالم وفي مختلف المناطق الجغرافية. بالتالي، هذا المجلس أيضاً قد تم إنشاؤه، كما قلتم من قبل، البيت الأبيض، والبيت الأبيض لم يحدد الغاية والهدف الرئيسي الكامن وراء إنشاء هذا المجلس. وبالتالي، هم يقولون إن هذا المجلس يهدف إلى الحفاظ على السلام، ولكن ما من آلية واضحة تم اعتمادها غير تلك الآلية التي تمنح القيادة — قيادة هذا المجلس — قوة غير محدودة وصلاحيات غير محدودة. وبالتالي، هذه القيادة أو هذا الرئيس الذي سوف يترأس، سوف تتم تسميته من قبل رئيس البيت الأبيض، أي من قبل الرئيس ترامب. وبالتالي، هذا أمر غير مسبوق على المستوى القانوني. وفي تاريخ التشريع الدولي أيضاً، لم يسبق لنا أن نشهد أيضاً إنشاء وكالة أو ربما مجلس يمتلك صلاحيات وقوى تطال مختلف دول العالم، يترأسه شخص واحد، وهذا الشخص لا توافق عليه القوى الدولية المختلفة. وبالتالي، إن هذا الرئيس أيضاً يقدر على تسمية ربما الرئيس التالي. وبالتالي، هذا الأمر سوف يشكل سابقة قانونية. وحتى إذا ما توفى الرئيس ترامب أو خرج من السلطة، فإن هذا المجلس سوف يبقى قائماً وسوف يستمر بنشاطه على المدى البعيد. وبالتالي، من الصعب جداً أن يواجه مجلس الأمن الدولي هذه المسألة، أو ربما من الصعب الموافقة على إنشاء هذا المجلس، وأيضاً سوف يصعب رفضه أو رفض تأسيسه.

 

كمال خلف: سيد كوغلي، أشرت لنقطة مهمة وهي: وفاة دونالد ترامب أو حتى خسارته الانتخابات، مغادرته أو عزله أو انتهاء ولايته الخ.

يصبح السؤال: من أين سيستمد هذا المجلس قوته؟ لأنه اليوم يستمد المجلس قوته من الرئيس، رئيس أكبر قوة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية.

إذًا، كيف سيستمر هذا المجلس إذا فقد هذا الشخص منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية؟ أي قوة سوف يعتمد بالتالي؟ غياب الرئيس دونالد ترامب، انتهاء ولاية دونالد ترامب، وفاته الخ.

يعني أن هذا المجلس انتهى ولا يمكن أن يستمر. ما رأيك بذلك؟

 

جون كويغلي: نظرياً، مجلس الأمن هذا سوف يحصل على القوة والتأثير لكونه مؤسسة أو ربما وكالة دولية. وبالتالي، هذه الوكالة تضم دولاً. ولكن هذا الأمر لم يتم إدراجه، أو هذه الخاصية أو هذا التفصيل لم يتم إدراجه في القرار 2803 الخاص بالأمم المتحدة. وبالتالي، هذا المجلس، عندما تم تأسيسه — مجلس السلام عندما تم تأسيسه — بطبيعة الحال صُنف نفسه كوكالة دولية تضم دولاً أعضاء ورئيساً. وهذا الرئيس هو الرئيس ترامب، والرئيس ترامب هو قادر على تسمية خلفه حتى إذا ما كان لا يزال هو في السلطة وفي موقع القيادة. وبالتالي، إذا ما أصبح الرئيس ترامب غير قادر على استكمال مهامه، إذا ما خرج من السلطة أو إذا ما توفى، بالتالي إن خلفه سوف يأتي ليحل مكانه ويصبح رئيساً لهذا المجلس. وبالتالي، هذا المجلس سوف يستمر بكونه قائماً وناشطاً على مدى سنوات قادمة.

 

كمال خلف: هذه نقطة سأعود نقاشها والحوار لأنها مهمة جداً عن صفة هذا الهيكل الدولي الذي يحاولون أن يسندوه إلى مجلس الأمن الدولي.

بروفيسور، إذا كان هذا الهيكل الدولي — مجلس السلام العالمي — يستند إلى القرار 2803، والقرار 2803 فيما يخص المجلس تحديداً أنه القرار كله يخص غزة، له علاقة بغزة، صُودق على خطة ترامب المتعلقة بغزة نحن أمام هيكل يتجاوز الآن الولاية الزمنية والمكانية: نهاية 2027 وغزة تحديداً.

إذًا هنا، سقطت المشروعية القانونية، ولا يجوز أن ننسبها إلى القرار 2803. هل هذا صحيح؟

 

جون كويغلي: نعم، هذا صحيح بطريقة أو بأخرى. إن هذا المجلس غير قانوني. وإن محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت قراراً فيما سبق مفاده إن إسرائيل أو إن الوجود الإسرائيلي في غزة غير مشروع، وبالتالي هي مجبرة على الانسحاب من القطاع. وبالتالي، مجلس السلام هذا لا يأخذ هذا القرار بعين الاعتبار. وبالتالي، إن انعدام مشروعية وقانونية هذا المجلس أيضاً ترتبط بكونه قادراً على النشاط في مختلف مناطق العالم، ولكي يسمحوا لأنفسهم بالتدخل في مختلف النزاعات الحاصلة في مختلف مناطق العالم. وبالتالي، هذا الأمر يجعله بديلاً مستحدثاً عن مجلس الأمن.

 

كمال خلف: هنا، في غياب لأربعة أعضاء في مجلس الأمن عن هذا المجلس — أربعة أعضاء مجلس الأمن يعني القوى الأساسية، القوى الخمسة الأساسية في العالم — في غياب أربعة منها عن هذا المجلس، أيضاً غياب دول وازنة ولها تأثير سواء في إقليمها أو على المسرح الدولي. هل هذا، سيد كوغلي، يفقد المجلس صفته العالمية ويجعله أقرب لتحالف أمريكي صرف منه إلى مجلس دولي؟

 

جون كويغلي: نعم، بكل تأكيد. هذه المؤسسة وهذه المنظمة سوف تكون تحت سيطرة وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كامل، بصيغتها الحالية إذا ما صح القول. بالتالي، هذا الأمر ينفي احترام مبدأ السيادة، لاسيما إذا ما تحدثنا عن سياق فلسطين.

 

كمال خلف: هنا، هل برأيك، سيد كوغلي، نجاح هذا المجلس بالنظرة الأمريكية يرتبط شرطاً بإضعاف مجلس الأمن وتهميش مؤسسات الأمم المتحدة؟ أي أننا سنشهد الأمر بشكل متوازٍ: إعلاء وتعزيز هذا المجلس من قبل واشنطن مقابل تهميش وإضعاف لمجلس الأمن وللأمم المتحدة. هل هذا ما سوف يحدث؟

 

جون كويغلي: نعم، بكل تأكيد، هذا سوف يكون الأثر الواضح والواقعي. إذا ما لم يقم مجلس الأمن باتخاذ تدابير واضحة حيال هذا الموضوع، يمكن لمجلس الأمن أن يجتمع وأن يعتمد قراراً يؤكد فيه على صلاحياته وولايته القانونية. وإذا ما قررت الولايات المتحدة الأمريكية اعتماد حق النقض (الفيتو) ضد هذا القرار، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة يمكن لها أن تتدخل هنا بالاعتماد على قرار "الوحدة من أجل السلام" الذي تم اعتماده في العام 1950. وهذا القرار يتفعّل بطلب الجمعية العامة في سياقات يكون فيها مجلس الأمن غير قادر على التدخل وغير قادر على النشاط بسبب استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل أحد الأعضاء الدائمين فيه. وبالتالي، هذا احتمال. وبالتالي، يمكن للجمعية العامة في هذه اللحظة أن تقوم بعقد جلسة طارئة، وباختيار عدد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لإدارة سياق الحرب في غزة أو وقف إطلاق النار في غزة أو في سياقات أخرى قد يتدخل فيها مجلس السلام المستحدث بطريقة غير قانونية أو بطريقة تتناقض مع الآليات، آليات السلام التي تم اعتمادها في العام 1956 من قبل الجمعية العامة، لاسيما أيضاً فيما يتعلق بمهمة حفظ السلام على الحدود ما بين إسرائيل ومصر.

 

كمال خلف: سأنتقل، بروفيسور مشاهدينا، إلى الدائرة الثانية. في الدائرة الثانية — لأنه ختم ضيفي بأمر مهم — يمكن أن نستنتج بأن النظام الدولي العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية أو نظام عام 1945 بدأ يتداعى الآن مقابل نظام عالمي أحادي أو جديد أو غير واضح المعالم.

سأنتقل للدائرة الثانية، عنوانها: "الميثاق كوثيقة انقلاب على قواعد ما بعد عام 1945؟"

في هذه الدائرة، مشاهدينا، سنعرض بنوداً من ميثاق مجلس السلام التي تمثل انقلاباً واضحاً على القواعد الدولية ما بعد عام 1945 — النظام الدولي الحالي. انتقينا بعض البنود منها:

بند المرجعية: المجلس يعمل وفق ميثاقه الخاص ولا يخضع لأي هيئة دولية قائمة. حسب الوثيقة هنا، شرعية بنص خاص. هذا طبعاً انقلاب على مبدأ المرجعية الأممية بعد عام 1945 التي تقول: لا شرعية خارج الأمم المتحدة.

بند القيادة: في الوثيقة، رئيس المجلس يتمتع بصلاحيات حاسمة على القرارات والتنفيذ. أي بالوثيقة، التعددية فقط بالشكل، والقرار فردي لرئيس المجلس. هكذا تقول الوثيقة. وهذا أيضاً انقلاب على القيادة الجماعية لما بعد عام 45. القرار جماعي ومتوازن في النظام الدولي أو في الأمم المتحدة.

بند التفويض: داخل هذا المجلس — مجلس السلام — تُتخذ القرارات بالأغلبية، على أن تبقى خاضعة لموافقة الرئيس. بعد عام 1945، التصويت ملزم، كل دولة لها صوت. بينما بالوثيقة — وثيقة مجلس السلام — التصويت استشاري فقط.

بند النطاق الجغرافي: أيضاً للمجلس ولاية العمل في أي منطقة متأثرة أو مهددة بالنزاع. طبعاً، هذه ولاية مفتوحة من دون سقف. بعد عام 1945، كل ولاية يجب أن تكون محددة بمكان. هذا انقلاب على التحديد الجغرافي للتفويض وفق قرار أممي — لأنه فوّضها القرار الأممي بغزة.

بند تعريف السلام: السلام يُعرّف بهذه الوثيقة بوصفه استقراراً أمنياً وحكماً رشيداً. هكذا جاء في الوثيقة. هنا، تغيير معنى السلام نفسه. بعد عام 1945، السلام يجب أن ينتج من العدالة.

=بند السيادة: للمجلس اقتراح ترتيبات حوكمة وأمن ما بعد النزاعات. طبعاً، بعد عام 1945، الشعوب هي التي تقرر. هذا انتهاك مباشر لمفهوم السيادة، واضح في وثيقة مجلس السلام.

بند العضوية: مشروطة بالمساهمة المالية في الوثيقة، والالتزام بقرارات المجلس. هنا، تتحول الشرعية إلى امتياز مالي. طبعاً، بعد الحرب العالمية الثانية، النظام العالمي الحالي: كل دولة تمثل صوتاً بوصفها دولة، لا مساهماً مالياً.

بند العلاقة مع الأمم المتحدة: ماذا يقول؟ لا يرد في الميثاق أي نص يخضع المجلس للأمم المتحدة أو لقراراتها. هنا، التجاوز صريح. طبعاً، بعد نظام 1945، الأمم المتحدة هي المرجعية الدولية الوحيدة لكل الهيئات الدولية.

بند المحاسبة: لا يتضمن الميثاق آلية مسائلة قانونية دولية مستقلة.

اخترنا طبعاً هذه البنود لنجري مقارنة مع النظام الدولي القائم أو مع نظام الأمم المتحدة أو ما يعرف بنظام ما بعد عام 45.

بروفيسور كويغلي، رأيك بهذه البنود؟ بصراحة، كيف تراها؟ ربما نعلق عليها واحدة واحدة حسب الوقت، لكن بشكل عام، كيف ترى هذه المفارقة، هذا التضارب، بينما ورد في الوثيقة لهيئة تصنف نفسها أممية وترجع نفسها لقرار مجلس الأمن، وكل ما في هذه الهيئة الدولية يخالف أو أكثر البنود تخالف القانون الدولي؟

 

جون كويغلي: نعم، إن ميثاق مجلس السلام يعد ميثاقاً لمنظمة دولية تضم دولاً أعضاء. وبالتالي، هذه المنظمات ستتضمن حق التصويت وحق إبداء الرأي لهذه الدول الأعضاء. ولكن للأسف، في هذا الميثاق يبدو أن رئيس المجلس هو الذي يحظى بهذه القوة وهذه السلطة. واليوم، يمكن للأمم المتحدة أن تعيد تأكيد وتعزيز سلطتها ووليتها القانونية بعيداً عن هذا المجلس.

 

كمال خلف: في بند التصويت أيضاً ملفت للنظر: الدول الأعضاء في هذا المجلس تصوت على قرار معين، لكن حتى لو صوتت هذه الدول بالأغلبية أو بشكل جماعي، يحق لرئيس المجلس أن يرفض القرار. هنا، هل تتحول العضوية أو التصويت إلى دول تابعة؟ ما قيمة التصويت إذا كان الرئيس يستطيع أن يلغي القرار أو ينفذه؟ هنا، الأعضاء شكليون، تابعون أكثر من أنهم أعضاء فاعلون؟

 

جون كويغلي: نعم، بكل تأكيد، هذا صحيح. هذا التحليل صحيح وواضح لبنود هذا الميثاق. نعم، إن القوة المطلقة والسلطة المطلقة تبقى بيد الرئيس. وبالتالي، أن تصويت الدول الأعضاء يبدو غير ملزم في مختلف اللحظات. ولذلك، فإن ميثاق هذا المجلس يتعارض بشكل كبير مع كل ما تم اعتماده من قرارات على المستوى الدولي، وكل السياقات التي فُرضت على المستوى الدولي، لاسيما فيما يتعلق بإدارة الأزمات. إذا ما عدنا إلى عصبة الأمم التي تم إنشاؤها قبل إنشاء الأمم المتحدة، وهي كانت منظمة دولية وكانت لها جمعية عامة، وهذه العصبة — هذه المنظمة الدولية — كانت تتضمن بطبيعة الحال آليات للتصويت. ومن ثم، عندما تم إنشاء الأمم المتحدة في العام 1945، هذه المبادئ مرتبطة بالتصويت ومرتبطة بالرأي الجماعي، وأيضاً بالأغلبية وما إلى هنالك، استمرت. ولكن اليوم، نرى تناقضاً لهذه المبادئ في هذا الميثاق.

 

كمال خلف: أيضاً هناك نقطة خطيرة في الميثاق، بروفيسور، وهي مبدأ السيادة، سيادة الدول. الوثيقة تقول إن هذا المجلس يقترح ترتيبات حوكمة وأمن ما بعد النزاع، أي يدير الدول أو يشرف على إدارة الدول بعد الحروب أو بعد النزاعات.

ألا يخالف ذلك ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على حرية الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها؟ وأيضاً، هذا البند، ألا يلغي دور الأمم المتحدة ومؤسساتها؟ إذا كان المجلس هو من سيرتب الحوكمة والأمن في مناطق النزاع، فما هو دور المؤسسات التابعة للأمم المتحدة؟

 

جون كويغلي: إذا ما لم تقم الأمم المتحدة بالتعامل مع هذه المسألة، وإذا ما لم تقم الأمم المتحدة في التعامل مع تأثيرات نشاط وعمل هذا المجلس الجديد، فإن الولاية القانونية للأمم المتحدة سوف تتأثر بشكل كبير. وأن هذا المجلس سوف يقوم بالسيطرة على المناطق التي تتعرض للنزاع، سوف أيضاً يقوم بانتهاك سيادة مختلف الدول حول العالم، كما يحصل اليوم مع دولة فلسطين.

 

كمال خلف: هذا المجلس سيعتمد في هذا البند على قوة الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية التي سوف تسحبها من الناتو ومن الأمم المتحدة وتجيرها لمجلس السلام. وبالتالي، هل هذا سيعطي زخماً لهذا المجلس؟ القوة العسكرية مقابل أن قد تكون الدول الأخرى غير جاهزة لدعم الأمم المتحدة بقوة عسكرية مماثلة. هذه القوة العسكرية هي ما يراهن عليها دونالد ترامب في هذه اللحظة لإنجاح هذا المجلس؟

 

جون كويغلي: نعم، أن قوة الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية تسمح لها بالتصرف كما يشاء الرئيس ترامب أو ربما بتطبيق السياسات التي يراها ترامب مناسبة. وبالتالي، هذه الهيمنة العسكرية هي التي سوف نشهدها، وهي التي سوف نراها تسيطر على العالم. لست أعتقد أنه يمكن للأمم المتحدة أن تقبل بهذا الواقع. أتوقع أن تقوم الأمم المتحدة باتخاذ تدابير في سبيل مواجهة هذا الأمر. ولكن في سبيل نجاح ذلك، يجب على الأمم المتحدة أن تقوم بخطوات غير مسبوقة، وذلك سوف يؤدي إلى تحدي القوة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

 

كمال خلف: مثل ماذا، بروفيسور؟ خطوات يمكن أن تتخذها الأمم المتحدة؟ أي قرار يُتخذ في الأمم المتحدة، أمريكا يمكن أن تستخدم الفيتو في مجلس الأمن، بالتالي يسقط أي قرار قد يُتخذ يتعلق بشرعية هذا المجلس؟

 

جون كويغلي: نعم، يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تستخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار يُعتمد في الأمم المتحدة. ولكن هنالك أساليب متعددة يمكن للأمم المتحدة أن تعتمدها في سبيل الالتفاف حول هذا القرار. اعتماد حق النقض (الفيتو): اعتمدت الأمم المتحدة فيما سبق آلية يمكن تطبيقها في سبيل مواجهة حق النقض (الفيتو) المعتمد من قبل بعض الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. وبالتالي، يمكن للجمعية العامة في هذه الحال أن تقوم بإنشاء مجلس معين أو ربما لجنة معينة تضم دولاً أعضاء، وتعطي هذه اللجنة صلاحية قانونية معينة للنشاط والعمل في سياقات جغرافية معينة. وهذه الآلية مرتبطة بالقرار 377 المعتمد في العام 1950 في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي كان قد تم اعتماده في سياق الحرب في كوريا، عندما كان الاتحاد السوفياتي يستخدم حق النقض (الفيتو) في سبيل منع الأمم المتحدة من العمل في كوريا وإنهاء الحرب. وبالتالي، هذا القرار 377 تم اعتماده في سبيل إدارة هذه الأزمات المحددة حيث يصعب على مجلس الأمن اعتماد قرار نهائي. وبالتالي، يتم استدعاء الدول الأعضاء إلى الجمعية العامة في سبيل سد هذه الفجوة، وفي سبيل منع الدول الدائمة في مجلس الأمن من منع اعتماد القرارات اللازمة.

 

كمال خلف: بروفيسور، هناك أيضاً بند العضوية من المهم أيضاً أن نعلق عليه، لأن العضوية في المجلس هنا بقدر ما تدفع من الأموال، هناك تسعيرة، من يريد أن يدخل الآن المجلس، مليار دولار. يدفع. الأعضاء الدائمون يجب أن يكونوا ممولين للمجلس ولمشاريع المجلس الخ.

هنا، هل يتحول إدارة العالم، تحولها أمريكا إلى شركة، إلى أشبه بشركة مساهمة، شركة اقتصادية أكثر مما هي أداة دولية لإحلال السلام والاستقرار في العالم؟ وهذا أيضاً يطرح سؤالاً حول الدول غير الثرية.

هل هذا البند يسعى لتقسيم العالم بين أثرياء لهم صوت وكلمة في العالم في المجلس، وبين دول فقيرة سيكون على حسابها كل شيء، ويطبق عليها القانون، ويطبق عليها قانون المجلس طبعاً وليس القانون الدولي؟ وبالتالي، نحن أمام هيكل جديد للعالم فيه مخاطر على الشعوب التي لا تملك المال؟

جون كويغلي: نعم، مجلس السلام هذا سوف يسلب الدول الأقل تأثيراً والأقل قدرة — لاسيما على المستوى المادي — من حقها ربما بتقرير مصيرها أو ربما التأثير على المستوى الدولي. وبالتالي، لا يمكن للأعضاء أن يصبحوا أعضاء دائمين إلا إذا ما قدموا مساهمات تصل إلى مليار دولار. وبالتالي، إن ميثاق هذا المجلس ربما لم يحدد السياق الذي سوف يتم صرف هذه الأموال فيه. الرئيس ترامب هو الذي يقرر كيفية استخدام هذه الميزانية، وربما تقسيمها على أرض الواقع. الرئيس ترامب هو الوحيد القادر على اتخاذ قرار فيما يتعلق بهذه الأموال التي سوف يتم جمعها من قبل الدول الأعضاء. وهذه المبادئ لن تكون مقبولة من قبل العديد من الدول حول العالم. ولكن كما قلتم، إذا ما وُجهت بالقبول وإذا ما فُرضت كأمر واقع، فإن مجلس السلام هذا سوف يصبح فقط مجلساً يضم دولاً غنية وثرية.

 

كمال خلف: أيضاً موضوع المحاسبة، بروفيسور. كيف سيُساءل هذا المجلس قانونياً إذا ارتكب أخطاء أو ارتكب مجازر أو ارتكب إبادة أو ارتكب البنود في الوثيقة؟ أي نص يخضع المجلس للأمم المتحدة أو لقراراتها أو لمؤسساتها؟ المجلس هنا بلا جنائية دولية، لا يعترف بالجنائية الدولية، محكمة العدل الدولية التي تفصل النزاعات القانونية بين الدول — كل هذا ليس له ولاية أو صلاحية على هذا المجلس. إذا، كيف ستكون المسائلة القانونية؟ أم أن المجلس لا يُساءل قانونياً مهما فعل في العالم؟ وإذا هذا هو فعلاً، إذا نحن أمام ماذا بالضبط في الحقيقة؟

 

جون كويغلي: نعم، كما قلتم، إن هذا الميثاق الذي أُسس عليه أو بناءً عليه مجلس السلام لا يتحدث أبداً عن المساءلة. وهو =أيضاً لا يتضمن أي تعليق أو بند مرتبط بالرأي الاستشاري الخاص بمحكمة العدل الدولية التي من الممكن أن تكون بطبيعة الحال أداة مهمة جداً وفعالة في إدارة الأزمات، لاسيما عندما تحصل الانتهاكات. وبالتالي، هذا الميثاق أو هذه الوثيقة =القانونية يمكننا أن نصفها — حتى اللحظة — بكونها تتناقض مع كل الأسس القانونية على المستوى الدولي التي ترتبط بالإدارة الدولية للأزمات.

 

كمال خلف: سنتوقف مع فاصل، بروفيسور كوغلي، ثم نعود مرة أخرى للدائرة الثالثة والأخيرة التي سنطل من خلالها على الأزمات والحروب التي سيشرف عليها أو بدأ يتدخل فيها مجلس السلام العالمي.

فاصل ونعود.

 

كمال خلف: تحية من جديد، مشاهدينا، في دوائر القرار. نناقش مجلس السلام العالمي: من مهمة غزة إلى إنهاء مهام الأمم المتحدة.

أعود وأرحب بضيفي البروفيسور جون كوغلي، أستاذ القانون الدولي في جامعة أوهايو، يطل معنا مباشرة من أوهايو. وننتقل للدائرة الثالثة: "من غزة إلى غرينلاند، ومن فنزويلا إلى أوكرانيا: ولادة عالم القوة العارية".

سنقدم في التقرير التالي نماذج من هذه القوة العارية، وكيف تتعامل مع الدول والأزمات الدولية. نتابع التقرير:

 

تقرير:

في كتب التاريخ، كانت حروب العصور الوسطى تُروى بلغة الدم والدمار. عدد القتلى يُذكر بصفته إنجازاً، والمدن المدمرة تُسجّل غنائم، والتوحش يصير مبعث فخر، وتُغنى بالشجاعة.

في العصر الحديث، وُلد مفهوم القانون الدولي والإدارة العالمية ليضع حداً لهذا. قيل إن البشرية تعلمت، وأن الحرب باتت مقيدة بالقواعد الدولية.

ما جرى في غزة كسر هذا الوهم بشكل فاضح. في غزة، ليست حرباً، بل عملية إبادة مكتملة الأركان. دُمر فيها القانون الدولي الإنساني قبل أن تُدمّر البيوت، وسال دم العدالة الدولية مع دم الأطفال. ثم، كما في أزمنة الانحطاط، جاء التجار فوق الركام.

أُعيدت تسمية الجريمة "مرحلة"، وأُعيد تعريف الإبادة "ملفاً"، وتحول الدم إلى بند تفاوضي في مجلس يُسمّى مفارقة بالسلام.

يقول فريدريك نيتشه: "حين تحدق طويلاً في الهاوية، فإن الهاوية تحدق فيك".

العالم — وهو يبرر ما جرى — لم يكتفِ بالنظر، بل تبنى الهوية نفسها بصفتها أزمة، وُضعت في عهدة الجاني. ومن غزة، خرج النموذج إلى ساحات أخرى.

في فنزويلا، اخترقت السيادة: رئيس دولة يُختطف أمام الكاميرات ويُحاكم أمام بلاده، ثم يُسرق نفط البلاد ويُخطط مستقبلها وحدهم، في احتقار صريح للقانون الدولي، كما لو أن العالم عاد إلى منطق الغلبة: من يملك القوة يملك الرواية ويحدد المصير.

وفي إيران، يطلب رئيس أمريكا علناً إلى المتظاهرين احتلال المؤسسات وإسقاط النظام، ويهدد بالتدخل العسكري، بينما هو ذاته يحاصر الشعب الإيراني ويفرض عليه عقوبات تمس لقمة عيشه.

في أوروبا، تسقط الأقنعة بهدوء. لم تعد القيم المشتركة مع واشنطن مرجعية حاكمة، بل المصالح والربح. حتى الخلافات لم تعد أخلاقية، بل باتت حسابات تكلفة وعائد. يتحول شركاء الأمس إلى عالة تستحق الازدراء والاستهزاء.

في أوكرانيا، الحرب تُدار كما كانت تُدار الحروب القديمة. اللغة فقط فيها من الحداثة: المفاوضات في الغرف المغلقة، وخرائط تتغير بمنطق المقايضة.

وفي الشمال، من غرينلاند إلى الممرات القطبية، تعود الجغرافيا ملكاً للأقوى، كما في زمن الإمبراطوريات، حيث السيادة ليست حقاً بل قدرة.

الخطر الحقيقي ليس بانهيار المؤسسة الدولية، بل في عودة العالم إلى منطق العصور الوسطى: توحش بعباءة الشرعية، وإبادة من دون إدانة، وقانون يستدعى شاهداً لم يرَ حاجة.

باختصار، دخلنا عالماً لا تحكمه القواعد، ولا من يدافع عنها أو يعلن وفاتها لمصلحة قواعد جديدة يرفعها الأقوى، ثم يكسرها متى شاء.

 

كمال خلف: بروفيسور كويغلي، إذا نظرنا إلى بانوراما تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول والأزمات، هل تعتقد فعلاً أننا نعود إلى الوراء، إلى زمن الإمبراطوريات الكلاسيكية وحروب العصور الوسطى التي لا قانون دولي فيها ولا قواعد دولية عالمية يمكن أن تحكمها؟

 

جون كويغلي: نعم، هذا الأداء يعيدنا إلى فترة من التاريخ، فترة سمحت للدول الأقوى والأكثر تأثيراً على القيام بما تشاء القيام به من دون أن ترضخ لقوانين أو ربما حدود. وبالتالي، هذا الأمر خطير جداً، وهو يصبح أكثر خطراً إذا ما سمحت الأمم المتحدة لهذا المجلس أو ما يسمى مجلس السلام بالعمل وبالنشاط حول العالم من دون أي قيود قانونية. لأن ذلك سوف يسمح للرئيس ترامب — بصفته فرداً — إذا يسمح ذلك له باتخاذ قرارات تمس بالعالم أجمع. وبالتالي، هذا هو الأمر الذي حاول النظام العالمي الجديد منذ الحرب العالمية الأولى تفاديه. يجب أن نضمن احترام ربما حق الدول بتقرير مصيرها. وبالتالي، إن مجلس السلام هذا لا يسمح باحترام هذا الحق الأساسي. لهذا المجلس لا يسمح لفلسطين ولا للفلسطينيين بتقرير مصيرهم، وذلك بناءً على ميثاقه وبناءً على ما يقوم به حتى اللحظة في قطاع غزة. وبالتالي، إن حقوق الفلسطينيين محدودة جداً في قطاع غزة، وأن القرارات المصيرية سوف يتم اعتمادها والمصادقة عليها من قبل الرئيس ترامب. وأيضاً، يمكننا أن نلحظ ما قاله جارد كوشنر في داغوس، حيث استشرف بناء فنادق ومنتجعات سياحية على كافة الشواطئ الغزية. وبالتالي، كما تعلمون، جارد كوشنر يعمل في مجال السياحة، وبالتالي هو يرى غزة فرصة تجارية واقتصادية، بطبيعة الحال، تجمع الثروات لعائلة ترامب.

 

كمال خلف: طبعاً، هم يفكرون بهذا الأمر الواقعي التجاري. مجلس السلام يشبه شركة أكثر مما يشبه منظمة دولية.

لكن، سيد كويغلي، عندما نراقب ما جرى في فنزويلا — اختطاف الرئيس — غرينلاند: "نريد هذه الأرض"، حتى يريد كندا. بنما: يريدها له بشكل واضح وصريح، لا يخفي ذلك.

ويتعامل مع إيران: إن على المتظاهرين أن يحتلوا المؤسسات وأن يسقطوا النظام. وإذا لم يتمكنوا، سنتدخل عسكرياً في ذلك وننفذ اغتيالات الخ.

نحن أمام منطق القوة العارية لقوة دولية لديها قوة عسكرية. لكن ما عواقب ذلك أيضاً مع وجود قوى دولية أخرى تراقب المشهد؟ لدينا روسيا، الصين، والآن انضم إليها الاتحاد الأوروبي. من دون مراعاة هذه القوى، يجري تنفيذ سياسة القوة العارية لتحقيق مصالح الولايات المتحدة بعيداً عن أي قانون، وبعيداً عن مصالح الدول التي تتضرر جراء هذه السياسات. بالتالي، كيف ترى العواقب، بروفيسور؟

 

جون كويغلي: نعم، إن ما تحدثتم عنه سوف يؤدي ليس فقط إلى تهميش الأمم المتحدة ووكالاتها وأجهزتها، إنما أيضاً سوف يؤدي ذلك إلى تهميش معظم القوى الكبرى حول العالم. هذا الأمر يفتح مجالاً لهذه القوى الأخرى لكي تعتمد تدابير ربما في سبيل مواجهة هذا الواقع.

الولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من امتلاكها لقوة عسكرية ضخمة جداً، إلا أنها غير قادرة على الهيمنة على العالم أجمع إذا ما واجهت اعتراضاً، وإذا ما صح القول معارضة. وهذه المعارضة يمكن أن تتجلى في حلف شمال الأطلسي، في أمريكا، وربما في الاتحاد الأوروبي، أو أيضاً في نشاطات مختلف القوى الكبرى مثل الصين وروسيا. وبالتالي، هذه أيضاً تعد فرصة يمكن استغلالها في سبيل وضع حدود أو قيود معينة أمام هذا التصلب الذي نراه في أداء الولايات المتحدة الأمريكية. يمكن أيضاً اعتماد تدابير اقتصادية إذا ما كانت التدابير العسكرية صعبة أو معقدة. ولكن هنالك خطوات يمكن اعتمادها، خطوات ملموسة، وسوف تكون ذات أثر كبير في المجال الدبلوماسي والاقتصادي، ويمكن لهذه الخطوات أن تمنع الرئيس ترامب من اعتماده سلوكاً غير مسؤول على المستوى الدولي.

 

كمال خلف: ما هو احتمال، سيد كوغلي، أن تتصرف الدول الكبرى كما تتصرف أمريكا الآن؟ أي بمعنى أن الكل يضع النظام الدولي، القواعد الدولية، جانباً، طالما أن الولايات المتحدة التي تقود النظام الدولي الحالي تخلت عنه؟ وبالتالي، يتخلى عنه الآخرون: الصين تأخذ تايوان، روسيا تأخذ أوكرانيا، دول إقليمية قد تتوسع في محيطها الجغرافي — إسرائيل تريد ذلك، تتحدث عن "إسرائيل الكبرى"، دول إقليمية لديها إيديولوجيا وأحلام توسعية الخ.

هل سيحدث ذلك؟ العودة إلى الزمن القديم؟ وهل هذا سيفرض نوعاً من حروب تأخذ طابعاً جديداً في العالم، وربما نصل إلى ذروته في حرب عالمية ثالثة؟

 

جون كويغلي: نعم، كما تعلمون، إن أداء الولايات المتحدة الأمريكية اليوم سوف يشكل سابقة معينة تسمح لإسرائيل بالتوسع — إن كان في سوريا أو في فلسطين، وأيضاً في لبنان وفي غيرها من أراضي المنطقة. وبالتالي، سوف يصعب على دول المنطقة تفادي هذا الأمر، لأن الرئيس ترامب سوف يسمح لإسرائيل بالقيام بذلك، وسوف يعطيها سابقة قانونية معينة تسمح لها بشرعنة هذه الخطط. ولقد رأينا بداية هذا المسار في غزة، حيث تمنع الحكومة الإسرائيلية الحالية دخول المساعدات الإنسانية، وهي أيضاً تحاول إقصاء الأمم المتحدة، لاسيما الوكالات المختصة بالتعامل مع اللاجئين — أي الأونروا — وتحاول إقصاءها في غزة. وهي أيضاً تتوسع في القطاع. هي تستمر أيضاً في قتل الفلسطينيين، بالرغم مما زُعم بأنه وقف إطلاق النار. وبالتالي، إن حماس توقفت عن إطلاق النار، ولكن إسرائيل لم تتوقف عن القيام بذلك. وهي لا تزال مستمرة في حربها على القطاع. وبالتالي، الرئيس ترامب يسمح بحصول ذلك، ويسمح باستمرار هذا المسار. وبالتالي، إن استمرارية هذا المسار — استمرارية القتل في غزة — ليس سوى نتيجة السياسات التي اعتمدتها إسرائيل بناءً على الشرعية التي منحتها إياها الولايات المتحدة الأمريكية. هذه السياسات التي تهدف إلى إزالة الملامح البشرية عن غزة، تدمير القطاع التربوي والصحي، وأيضاً تدمير البنية التحتية والمناطق السكنية، مما يمنع سكان القطاع من العيش كغيرهم من الأشخاص حول العالم. وبالتالي، اليوم نحن نشهد تداعيات هيمنة ترامب على القوة.

 

كمال خلف: في نهاية الحلقة، سيد كويغلي، وللمشاهدين أيضاً في منطقتنا، المشاهدين العرب، العالم أين يتجه؟ مستقبل النظام الدولي؟ الدول أين تتجه؟ كيف ترى مستقبل العالم في ظل هذه السياسة؟

أنا لاحظت أنك تؤكد أن المسألة لا ترتبط بـدونالد ترامب، أنه إذا رحل أو انتهت ولايته، فإن المسار لا يتوقف، إنما سوف يكمل من بعده هذا النهج. إذا، نحن أمام تحول عالمي لا يرتبط بفرد أو شخص؟

 

جون كويغلي: نعم، من الممكن لهذا المسار أن يكون طويل الأمد. ولكن كما قلت، هنالك دول سوف تعارض ما حصل. لقد رأينا تداعيات سياسات ترامب فيما يتعلق بغرينلاند. أجبر الرئيس ترامب في نهاية المطاف على التراجع عن مطالبه وذلك بسبب الضغوطات التي فُرضت عليه من قبل الدول الأوروبية، دول الاتحاد الأوروبي. الرئيس ترامب اليوم قال بأنه لن يعتمد التدابير العسكرية ولن يلجأ إلى استخدام القوة العسكرية في غرينلاند. وبالتالي، يبدو أنه لن يتمكن من السيطرة على غرينلاند بأي طريقة أخرى بسبب الضغوطات التي فُرضت عليه من الجانب الأوروبي. وبالتالي، أعتقد أننا قد نشهد ضغوطات مماثلة من قبل دول أخرى وجهات أخرى إذا ما اعتمد الرئيس ترامب سياسات وتدابير مماثلة في مناطق أخرى وفي سياقات أخرى، لاسيما إذا ما كانت هذه السياسات مشابهة لتلك التي اعتمدها في غرينلاند.

 

كمال خلف: بروفيسور جون كويغلي، أستاذ القانون الدولي في جامعة أوهايو، شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا، برنامج دوائر القرار، هذه الحلقة انتهت.