أميركا بلا أقنعة

تطرح الحلقة رؤية نقدية حادّة لتحوّل السياسة الأميركية في عهد دونالد ترامب نحو خصخصة النظام العالمي وفرض هيمنة أحادية تقوم على القوة العارية بدل القانون الدولي والشراكة متعدّدة الأطراف، معتبرة أنّ ما جرى في فنزويلا يمثّل سابقة خطيرة في تسييس القضاء الأميركي وضرب مفهوم السيادة الوطنية بذريعة "الأمن القومي". وتظهر الحلقة أنّ هذا النهج العدواني نابع من شعور أميركا بتراجع قوتها الاقتصادية ومكانتها العالمية، ما يدفعها إلى استخدام أدوات متعدّدة من الحروب التجارية إلى التفوّق التكنولوجي والتهديد العسكري، مع الالتفاف على الأمم المتحدة ومحاولة استبدالها بصيغ تخدم الهيمنة الأميركية. وتحذّر من أنّ هذا المسار يهدّد العالم وأميركا نفسها، وينعكس بشكل مباشر على منطقتنا العربية في ظلّ تصاعد العدوانية الصهيونية، مؤكّدة في المقابل أنّ التاريخ يثبت فشل الإمبراطوريات المتغطرسة، وأنّ مقاومة الشعوب وتمسّكها بالسيادة والكرامة قادران على إسقاط مشروع الهيمنة وبناء نظام عالمي أكثر عدلاً.

نص الحلقة

 

حمدين صباحي: أمريكا تتعرى أمام الدنيا، تسقط كل ما ادعته طوال تاريخها من قيم أمريكية، تسفر عن وجه بشع: هيمنة بلا ضابط، بطش لا يعبر عن شيء إلا خوف الضعيف، وقدرة على أن تستخدم كل أسلحتها من الجيوش إلى الدولار إلى الإعلام إلى تسييس القضاء إلى التقدم التكنولوجي من أجل هدف وحيد: مزيد من الشراهة الأمريكية، والقدرة على أن تضع يدها عنوة على خيرات الشعوب، تدوس السيادة الوطنية وقيم الكرامة، وتعتدي على نظام عالمي شاركت هي في تأسيسه واستفادت منه، لتبشر — كما يقول ترامب — بسلام عالمي جديد عبر مجلس يرأسه ويهيمن عليه.

ماذا فعلت في فنزويلا؟ وماذا تريد أن تفعل في إيران وفي غرينلاند وفي كل الدنيا؟ وهل تستطيع أمريكا بهذه القوة العارية أن تخصخص النظام العالمي، أم أن شعوب الدنيا ستواجه كما واجهت طوال التاريخ؟ هذا هو سؤال اللحظة. دعونا نتعمق في السؤال ونجتهد في الإجابة. تحية عربية طيبة.

خصخصة النظام العالمي، هذا ما يفعله ترامب. هل هذا خطر على العالم؟

نعم، وهو خطر على أمتنا العربية بكل أقطارها، والحقيقة أيضاً هو خطر على أمريكا نفسها في الأثر الحقيقي الذي ممكن أن ينتجه، لأن ترامب يريد الآن أن ينتزع لنفسه وإدارته حق تقرير مصائر الدنيا بإرادة منفردة، يُضفِي عليها قدراً من المشاركة الشكلية لمن يقبلون مضطرين أو راضين أنهم يسيرون معه في مشروعه لخصخصة النظام العالمي.

طبعاً كلنا متابعون أنه أعلن أن مجلس السلام العالمي سيتسع، أرسل دعوات لـ60 رئيس دولة يدعوهم للانضمام، وقال: "من سيجلس هنا لمدة ثلاث سنوات ويدفع مليار دولار"، أمر مضحك مبكي، وهدد أي ممن دعاهم ما لم يستجب.

وقد رأينا كيف تعامل مع ماكرون رئيس فرنسا بأي طريقة، عندما قال ما معناه إنه لن يستجيب للانضمام للمجلس، فترامب هدده وقال له: "سأفرض عليك ضرائب، وبكل الأحوال أنت مغادر بعد أشهر".

أسلوب تعامل فيه نزق وغطرسة وغرور وإهانة للجميع الذين لا يرضخون لرغبات الرجل الذي يريد أن ينصب نفسه سيداً على الدنيا.

ضد غطرسة القوة واستخدام أدوات متعددة، سنحاول أن نشير لأهمها في هذا اللقاء.

لكن ما نريد أن نتوقف عنده: أن عمل صيغة جديدة باسم "مجلس السلام" الذي عمل فيها ترامب تحايلاً، باعتباره رجل تبع صفقات عقارية، أخذ من مجلس الأمن قراراً بمجلس سلام لغزة، فاستخدم هذا القرار حتى يجعله مجلس سلام للدنيا بأسرها. وهذا ما يفعله حالياً، ويدعي أنه مستند إلى شرعية مجلس الأمن.

الحقيقة ما شرع فيه ليس يخطط له. شرع فيه ترامب بفكرته عن مجلس السلام هو ضرب مباشر في المنظمة المتفق عليها دولياً التي هي الأمم المتحدة، وخروج على ميثاقها، وعدوان على منظماتها وأولها مجلس الأمن.

هنا العالم محتاج لأن يقف ويفكر ويرى آثار هذه الطريقة في إدارة العلاقات الدولية، حتى يظهر لنا جميعاً أن المرحلة القادمة لطريقة إدارة أمريكا لسياستها في العالم هي القوة العارية والتي لا تحترم ولا حتى تغطي أو تجمّل قبحها بأي غطاء أو أي ادعاء.

أمريكا نستطيع أن نقول إنها العامل الرئيسي في تأسيس النظام العالمي الراهن من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من سنة 45 إلى الآن، هي الشريك الرئيسي المؤسس لنظام عالمي قام على فكرة احترام السيادة — التي هي موجودة سابقاً — لكن الأمم المتحدة أكدتها، وعلى منع الحروب والعدوان.

وبالفعل، إذا قسنا الفترة من 45 حتى هذه اللحظة بما قبلها، فهي فترة كانت طبعاً ليست خالية من الحروب ولا من الاعتداء على الإطلاق، لكن أقل قياساً لفترات سابقة في عمر الإنسانية.

أنشأ نظاماً باسم الأمم المتحدة، واختص خمسة — هم الكبار — بحق الفيتو في مجلس الأمن، يعني لا يوجد قرار سيصدر عن هذه المنظمة الدولية إلا إذا كان يلبي أغراض ومصالح ورأي كل واحد من هؤلاء الخمسة على حدة، وإلا أوقفه.

أمريكا أول الخمسة هؤلاء. الآن أمريكا لا تريد حتى شراكة الأربعة الآخرين.

ترامب يبحث عن نظام يكون هو فيه صاحب الفيتو الوحيد فوق الجميع.

ليس "أمريكا أولاً"، لا، أمريكا أولاً وأمريكا فوق الجميع، وباقي دول العالم تحت هيمنة أمريكا. والهيمنة هذه لن تتوسل الكلام عن لا شرعية ولا قانون ولا خلق ولا قيم.

أمريكا كما تسمى "القيم الأمريكية" هي عارية من كل هذا. عندها أمر واحد: المصالح الأمريكية تُفرض بالقوة، وبقية العالم عليه أن يخضع. إذا كانوا أعداء، عليهم أن يخضعوا. وإذا كانوا حلفاء أيضاً، عليهم أن يخضعوا.

هذا كلام الذين يرون الآن العلاقة داخل الناتو بين أمريكا والاتحاد الأوروبي بسبب الصراع على غرينلاند تتخذ أشكالاً جديدة، تكاد تتفكك فيها هذه العلاقة، لأن أمريكا تريد ما تريده فقط.

هنا نحن أمام قوة باطشة عارية وبلا أخلاقيات تريد أن تفرض شكل النظام العالمي القادم، أو تخصخص هذا النظام العالمي ليكون نظاماً أمريكياً. تستخدم أساليب اختبرت من قبل وجربت، لكن أمريكا الآن تجددها وتعتمدها.

عندها القوة العسكرية بالقدرة، وعندها قوة الدولار ودوره في اقتصاد العالم، وعندها قوة الإعلام وقدرته على أن يروج لما شاء من سرديات ويطمس لما شاء من حقائق ويشيطن من شاء من المخالفين في الرأي أو المقاومين للهيمنة الأمريكية، وعندها سلاح أضافته هو تسييس القضاء وهذا سلاح خطير، واستخدامه كان نادراً من قبل.

ترامب الآن يكرس استخدامه كأداة من أدوات الهيمنة الأمريكية. ظهر هذا بوضوح في العدوان على فنزويلا: في اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته من فراشهما إلى سجن في نيويورك. هل ترامب أقدم على هذا في هجومه وعدوانه على فنزويلا بقوة عسكرية ضاربة وغزو؟ لا. هو أقدم على هذا باستخدام تسييس القضاء الأمريكي، وأدخله الآن في ترسانة الهيمنة العارية أيضاً من أي أساس التي تفرضها أمريكا. نحن أمام تحول. وإذا كان القضاء الأمريكي يعطي لنفسه الحق في أن يصدر مذكرة قبض على رئيس دولة، فمعنى هذا أن أمريكا تستطيع في قادم الأيام — لأن هذه سابقة مهمة، ليست أول سابقة، لكن ما حصل مع الرئيس مادورو هي سابقة مؤكدة ستضع قاعدة قانونية تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية كلما احتاجت: مذكرة يصدرها قاضٍ أمريكي، وتكون وزارة الخارجية قائلة: "أنا غير معترفة بشرعية هذا الرئيس"، بمجرد ورقة إدارية من وزارة الخارجية، ثم تتم عملية القبض. لا يوجد احتقار لمفهوم السيادة الوطنية أكثر من ذلك. لا يوجد احتقار أكثر للقانون الدولي واعتداء عليه أكثر من هذا. والحقيقة، هذا أيضاً احتقار لاستقلال القضاء الأمريكي، لأن القضاء الأمريكي الذي يتحرك بموجب مذكرة من وزارة الخارجية معناه أنه غير مستقل عن السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة التي تدعي أنها أصل الحريات في العالم.

قبل ذلك، أمريكا جربت هذه القصة: جربتها سنة 90 في بنما مع نورييغا، وأمسكت به وحاكمته وحكمت عليه. واختبرتها أيضاً مجدداً، لكن ليس مع رئيس في السلطة كنورييغا ومادورو، مع رئيس سابق في هندوراس — ليس منذ زمن — سنة 2024 حاكمته وحكمت عليه بـ40 سنة، ثم أصدر ترامب قراراً بالعفو عنه.

كل هذه الشيطنة التي تتم للرؤساء بمن فيهم رئيس هندوراس الذي حكم أيضاً أمام المحاكم الأمريكية وحكم عليه باعتباره تاجر مخدرات، نفس التهمة لنورييغا، والآن التي يواجهها مادورو، بعدما عمل الإعلام هذا الدور الهائل في أنه يصف الرجل بما يشيطنه أمام الرأي العام ويجرده من أي قيمة أخلاقية ويبرر الحكم عليه، لكن يبرر أهم القبض عليه.

والحقيقة، هندوراس لم يكن مقبوضاً عليه، كان سُلّم تم تسليمه، وليس أُخِذَ عنوة من قبل سلطات بلاده بعدما خرج من الرئاسة. بعدما حكم عليه بـ40 سنة، يُعفى عنه بقرار من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الكلام معناه أن كل الكلام الموجه له لم يكن له أساس من الصحة، أو لو له أساس من الصحة لا يمثل خطرًا، لا يمس الأمن القومي الأمريكي. لأن التعبير هذا يمس الأمن القومي الأمريكي هي الحجة التي يستخدمها رجال القضاء أو وزارة العدل الأمريكية في تبرير كيف أنت تصدر مذكرة اعتقال لمواطن غير أمريكي لم يرتكب جريمة على الأرض الأمريكية، فضلاً عن أنه محمي بحصانة سيادية باعتباره رئيساً شرعياً لدولة مستقلة ذات سيادة. يقول لك: "متهم باتهامات تمس الأمن القومي الأمريكي". معنى ذلك أن أمن أمريكا قضية يحددها صانع القرار الأمريكي. فإذا رأى صانع القرار الأمريكي أن هناك إجراء أو قراراً أو موقفاً، أحبّ أن يصنفه أنه يمس الأمن القومي الأمريكي، يبقى يصدر مذكرة اعتقال على أي مواطن، حتى لو كان رئيساً في أي مكان في العالم، في دولة ذات سيادة.

لو فكرت مثلاً دول الأوبك في أن تعدل أسعار النفط بطريقة تعتبرها أمريكا مساساً بالأمن القومي — طبعاً الطاقة جزء هام جداً في الأمن لأي بلد، ولأمن أمريكا — فممكن أن يصدروا مذكرة اعتقال بحق رؤساء الأوبك لأنهم اتخذوا قراراً يمس الأمن القومي الأمريكي. وهذا مجرد نموذج على الغابة الداخلين عليها في ظل تصورات ترامب التي اتضحت في اختطافه لمادورو من فنزويلا.

ما حصل في فنزويلا ليس موضوعاً يتعلق بعلاقة الولايات المتحدة بواحدة من دول ما تسميها هي "حديقة خلفية" لها — فنزويلا — وحتى ليس مجرد صراع ما بين إرادة هيمنة وما بين مشروع للاستقلال عبر عنه بامتياز تشافيز منذ وصوله للسلطة في فنزويلا وواجه الهيمنة الأمريكية، وخلفه مادورو وحافظ على نفس الخط. ليس مواجهة كهذه لا. هذا موضوع يخص العالم. 

وما تعرض له مادورو، رئيس أي دولة في دولنا العربية أو في العالم ممكن أن يهدد به. وحدود الترخص من قبل أمريكا في توسيع مهام قضائها بحيث يطال أي حد تحت تعبير "يمس الأمن القومي الأمريكي" معناها أننا نواجه خطرًا على الدنيا بأسرها. وهذا يضرب في الصميم فكرة السيادة الوطنية، ويضرب أيضاً فكرة الاختصاص أو الولاية في القانون. هناك أمر اسمه "الولاية القضائية"، عندما تذهب وترفع قضية قد المحكمة تحكم بعدم الاختصاص لأنها غير مختصة بنظر الشكوى التي تقدمت بها. وهذا أمر معروف في القانون، ولا نريد أن نطيل فيه. لكن هو السؤال: هل هناك ولاية قضائية لقضاء الولايات المتحدة الأمريكية على باقي دول العالم؟ الإجابة: أكيد لا. والتخريجة الأمريكية العدوانية المتغطرسة تقول: نعم، بأي حجة بأنه "يمس الأمن القومي". تعبير فضفاض، ويمكن أن يطبق على أي شيء. هذا معناه أننا أمام قضاء غير مستقل في أمريكا، لأنه يتحرك على إيقاع الطبّالة التي سيدقها وزير الخارجية أو الـCIA أو الرئيس الأمريكي في بيته الأبيض.

هذا الخطر على العالم هو واحد من وجوه المخاطر التي تمثلها الإدارة الأمريكية الحالية، والتي تجمعها مع عوامل أخرى في نطاق الرغبة الأمريكية في هدم الأمم المتحدة، وإقامة نظام عالمي جديد، أو بمعنى أدق: خصخصة النظام العالمي ليعبر عن هيمنة عارية بالقوة من أمريكا على كل دول العالم، وتدمير سيادتها الوطنية لصالح الأطماع الأمريكية.

 

دييغو سيكيرا – باحث في مركز بعثة الحقيقة الفنزويلية: كان قد انهار القانون الدولي وكل ما يرتبط بالجوهر من قبل، في غزة... ويعود ذلك جزئيًا إلى الأطراف الذين التزموا الصمت، أو الأسوأ من ذلك، أولئك الذين دافعوا بحيوية عن إبادة جماعية ارتكبتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وما حدث في فنزويلا هو نتيجة ومظهر من مظاهر ذلك الانهيار، إن مستويات الفحش الهمجي والأدلة الدامغة على غياب أي مبرّر لما ارتُكِب كما كانت الحال طيلة سنوات عديدة سابقة وما حصل في فنزويلا، والمصالح الكامنة وراء ما حصل، والحسابات الجيوسياسية والمالية والنفطية التي تُظهر بوضوح استمرارية مسلسل انهيار النظام، النظام الذي كان قائمًا بالفعل، وقد ظهرت أعراضه الأولى في عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والصمت المتواطئ للمنظمات المتعددة الأطراف وصمت الدول نفسها التي شاهدت واحتسبت جدوى مشاهدة إبادة جماعية تُرتكب من دون إدانة فعّالة، أو بالأحرى بدلًا من الإدانة الفعّالة في حال عبّر أحدهم عنها فقد وفّر البعض الحماية للفاعلين المباشرين والفكريين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، والمحرقة. إن فنزويلا امتداد لهذه الظاهرة ولا ينبغي أن يُفاجئنا هذا الاختزال للإنسانية والحياة، هذا التضييق على كل شيء، ليصبح المنطق مجرّد منطق نفعي واقتصادي قائم على المال لأن ذلك هو النتيجة المنطقية لما حدث في غزة بغض النظر عن حجمها، وبالطبع، ما تلاها، بما في ذلك القفز الفوري من فنزويلا إلى إيران الذي ليس سوى تجلٍّ للأمر نفسه وهو قمع الآليات التي من المفترض، نظريًا ومبدئيًا أن تمنع حصول هذا النوع من المغامرات.

 

حمدين صباحي: الضعيف عنيف، والإمبراطوريات في مراحل أفولها، كلما شعرت بضعفها تزايد عنفها.

أحد الأسباب لشعور أمريكا بالضعف: وضعها الاقتصادي. اقتصاد ضخم كبير، لكنه يعاني. وفي هذه المعاناة الاقتصادية لأمريكا ثلاث ظواهر مهمة: تراجع نصيب أمريكا في الإنتاج العالمي، تفاقم الديون الأمريكية التي بلغت قرابة 125 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي أو الناتج القومي الأمريكي، وضعف الدولار. هذا الشعور بتداعي القوة الاقتصادية التي هي رئيسية لدى أمريكا يجعلها أكثر استعداداً لأن تكون شرسة عنيفة في ممارسة دورها في العالم للحفاظ على وضعها.

من المفيد أن يقرأ باهتمام تحليلات الصديق العزيز الدكتور زياد الحافظ حول الأزمة الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية. وهذا أحد أبعادها، وهم قدم تحليلاً يفهمنا لماذا تلجأ أمريكا لكل هذا العنف، لأنها تعبير عن شعورها بهذا الضعف في مواجهة أوضاعها.

أمريكا شنت حرباً — طبعاً ترامب هو الذي قادها — حرباً تجارية واسعة، شنها على العالم كله: 10 في المئة من البداية رسوم جمركية على كل الدنيا، ثم قسمت باقي البلاد، ووصلت مع الصين مثلاً إلى مئة في المئة، وقالت: "من سيجلس يتفاوض معي حتى يعطيني مزيداً من المصالح، سأرى معه الحرب". هذه لا زالت دائرة، يخبو أوارها أو يشتعل بحسب الأحوال. وآخرها ما فرضه على دول الاتحاد الأوروبي حتى يكرههم على التسليم بأن يحصل على غرينلاند لنفسه.

الحرب التجارية سلاح من أسلحة القوة العارية لأمريكا التي تستخدمها في إطار ما أسميه "خصخصة النظام العالمي". وهذه تحتاج تأملاً.

إذا جمعنا هذا السلاح التجاري، وبالمناسبة ليس جديداً في تاريخ أمريكا، لأن أمريكا نفسها خاضت حرباً تجارية شهيرة قبل أن تصبح أمريكا: قبل إعلان الاستقلال الأمريكي الذي حدث =سنة 1776، قبلها بثلاث سنوات هناك حرب شهيرة في التاريخ الأمريكي اسمها "حرب الشاي". حرب الشاي هي التي خاضها سكان أمريكا ضد الرسوم التي فرضتها بريطانيا الإمبراطورية الكبيرة على الشاي الوارد لهم. الآن حرب الشاي تتجدد في أن ترامب يفرض رسوماً جمركية على كل ما يرد إليه.

طبعاً ما يدفع ثمن هذه الرسوم الجمركية هو المستهلك الأمريكي، ونسبة التضخم ارتفعت بسبب ما فرض على الواردات إلى أمريكا من رسوم، رغم أن حصيلة الجمارك تضاعفت نعم، لكن هذا يدفع ثمنه الشعب الأمريكي.

إنما استخدام تسييس القضاء، زائد الحرب التجارية، وبالذات سلاح التعريفات الجمركية، والدفاع المستميت عن هيمنة الدولار رغم ضعفه من حيث القيمة الحقيقية... إذا أضفنا لهم سلاح الإعلام — وهذا لن نتحدث فيه الآن، لكن يحتاج نوعاً من سبر أغواره — الإعلام الأمريكي يلعب دوراً في تهيئة المناخ، "غسل الأدمغة"، في أنه يزيف ويعلي أو يخفض من معلومات أو قيم أو مبادئ حتى يهيئ الجمهور لاستقبال ما ترتكبه أمريكا من فظائع كما لو أنه مبرر أخلاقياً أو مقبولاً.

سنضيف لهذا سلاحاً مهماً تستخدمه أمريكا أيضاً: تفوقها التكنولوجي ومحاولة احتكار هذا التفوق ومنع المنافسين — بالذات الصين — من الوصول إلى نفس الدرجة، لكي تحتكر أمريكا المعلومات.

وإذا عدنا لما جرى في فنزويلا من أسر مادورو من كراكاس وأخذه كما لو كان أسير حرب أو رهينة تحت اسم أنه مجرم يحاكم في الولايات المتحدة، سنكتشف — ونحن لا نريد الدخول جداً في التفاصيل — أنه تمت تعمية أنظمة الدفاع في كل فنزويلا أو في كراكاس تحديداً، وهذا كان بالتكنولوجيا ونظم المعلومات بالتشفير والذكاء الصناعي. لكي ندرك أن أحد أساليب الحرب الأمريكية والقوة وفرض الهيمنة والغطرسة وخصخصة النظام العالمي هو التفوق التكنولوجي. حتى نتذكر دائماً أن الباحثين عن الاستقلال في العالم أو الخروج من أسر الهيمنة الأمريكية أو القدرة على مواجهتها يجب أن يدركوا أن التكنولوجيا سلاح. إذا لم يمتلكوا، إن لم يكن لديك الكود لك والتشفير لك الذي أنت مطوره وطنياً أو بتحالفات إقليمية حقيقية كتحالف عربي أو في الإقليم عندنا، ستكون دائماً قابلاً لأن تخضع بالاختراق التكنولوجي بفضل الهيمنة الأمريكية في هذا المجال.

هذه العوامل يجب أن نضيف إليها نمط ترامب نفسه في الإدارة، وهو نمط مراوغ، كذوب، غير قابل للتوقع. قد يقول تصريحاً الآن وينقضه غداً. قد يناور، لأن بطبيعته كتاجر عقارات اعتاد عبر تاريخه على أنه يخدع الذين يفاوضهم ويستنزفهم حتى آخر درجة.

هل هذه العناصر في القوة الأمريكية هي بديل عن القوة العسكرية؟ لا. القوة العسكرية الأمريكية حاضرة، تتطور. ترامب خصص لميزانية هذا العام أعلى بكثير مما كانت عليه. وأمريكا مدركة أهمية أن العصا الغليظة العسكرية لا زالت جزءاً رئيسياً في فرض الهيمنة، لكن المستحسن أن لا يتم اللجوء إليها. لكن هي موجودة. لاحظوا عندما قال: "أنا تراجعت عن قصف إيران"، كان في نفس الوقت التحشيد الأمريكي العسكري هنا في بلادنا وحولنا وفي منطقتنا وفي هذا الإقليم يتزايد ولا يزال يتزايد يومياً.

القوة العسكرية، الأساطيل تتجه إلينا، مما يعني أن هناك حالة استعداد فعلي لحرب لا تقلل من خطرها تصريحات غير موثوق بها لرجل كذوب قد يقول: "أنا لن أقوم بعملية عسكرية"، في الوقت الذي يخطط أن يفاجئنا بها.

طبعاً، أية حرب سيشنها على إيران أو على أي مكان في العالم لا ينبغي أن تكون مفاجئة، مادامت القاعدة عند أمريكا: "أنا ربكم الأعلى، أنا أهيمن، أنا صاحب النظام العالمي". يعني نتوقع منه أن يستخدم كل أساليبه، بما فيها القوة العسكرية.

هو يدعو حالياً 60 دولة للدخول إلى "مجلس السلام العالمي"، وهو تحايل على القرار الخاص بغزة حتى يوسع صلاحياته وتشمل العالم بأسره. لكن أعتقد أن أي دولة تشعر بأن لها كرامة وسيادة لن تقبل بأن يجلس رئيسها عضواً تحت رئاسة ترامب. لأن الحقيقة في الأمم المتحدة وفي كل أشكال التنظيم الدولي المرتبطة بها لا توجد دولة تترأس في تداول لرئاسة مجلس الأمن، تداول لرئاسة الجمعية العامة، في أمين عام منتخب، وجهاز تتوافق عليه شعوب الأرض أو دولها لإدارة المنظمة الدولية. كون ترامب يريد ابتداع نظام خاص له لإدارة العالم هو رئيسه، فمن رئيس الدولة الذي سيقبل؟ حتى الآن نحن رأينا فقط رفض ماكرون، لأنه معتد بالاستثنائية الفرنسية ومعتد بتاريخ فرنسا ودورها، ولهذا كان  من الطبيعي أن يرفض.

لكن السؤال الذي أود طرحه عليكم للتفكير: ما الذي يحصل لو أن الـ60 دولة هذه أو كل دول العالم قالت لترامب: لا، لن ننضم لمجلسك، ونحن غير مستعدين أن نكون أدوات لتنفيذ أهدافك الأمريكية على حساب العالم، بما فيه شعوبنا؟ هل لو دول العالم قالت "لا"، سيتمكن ترامب من إنجاز هدفه؟ لن يتمكن. في إمكان العالم لو امتلك الحد الأدنى من احترام السيادة والمصالح والكرامة الوطنية أن يقول لترامب: "لا".

 

حمدين صباحي: في الإمكان أن يُقال "لا" لأمريكا، لكن هذه مهمة أوجب على الشعوب قبل الدول، لأن الشعوب هي المدارة.

طبعاً الدول بما فيها رؤساؤها، حتى لو كانوا حلفاء سيدار من تغول القوى العارية الأمريكية. لكن الشعوب هي صاحبة القضية. كما نرى في فنزويلا أن شعبها يطلب بإصرار رد الإهانة وتحرير رئيسه أسير الحرب. الشعوب في الدنيا بأسرها ستكون قادرة على هذه المواجهة.

طبعاً نحن نحتاج تحركات، فضلاً عن الموقف الشعبي ضد هذه السياسة الأمريكية العارية، تعبر عن حقيقة مهمة في تاريخ العالم: أن كلما الإمبراطوريات الكبرى تشتد قبضتها ويتزايد عنفها وغطرستها، كلما تجد بالضرورة مقاومة من الشعوب ومن الدول. هذه طبائع الصراع الدولي عبر التاريخ.

نريد أن نلتفت لأهمية المناورات البحرية المشتركة التي جرت في جنوب إفريقيا والتي شاركت فيها دول البريكس. والبريكس كمنظمة عندما تجري مناورات ذات طابع عسكري — المناورات البحرية هذه التي شاركت فيها إيران والصين — تقول بطريقة واضحة إنها تبحث عن بلورة قطب ليس فقط في الاقتصاد والفعل السياسي والعلاقات الدبلوماسية والبحث عن عملة جديدة، لكن لها أيضاً ذراعاً عسكرية. أمريكا محتاجة أن ترى مقاومة، لا أن ترى خضوعاً من الشعوب ومن الدول. وهي مقاومة مشروعة على مقياس الاستقلال الوطني، السيادة الوطنية، المصالح الوطنية.

إذا كانت أمريكا تفعل كل هذا وتنهب في الدنيا وتطيح من أجل مصلحتها — وهذا ما يقوله ترامب ويردده حتى يبرر حماقاته — فأيضاً دول العالم وشعوبها لديها مصالحها.

إذا كانت أمريكا تريد أن تفتري حتى تكسب المزيد وتقول: "هذه مصلحتي"، فواجب شعوب الأرض ودولها أن تدافع عن مصالحها في مواجهة الأمريكان.

ونحن كعرب بالذات يجب أن نتنبه أن سيادة وتغول هذا المنطق الأمريكي — تبع القوة العارية والبطش وفرض الهيمنة — سيصيبنا أكثر من سوانا. لماذا؟ لأنه في قلب وطننا العربي مزروع كيان صهيوني عدواني.

وإذا كانت أمريكا تطرح نفسها "بلطجي العالم الكبير"، فهذا البلطجي المحلي الإقليمي أمريكا الآن عندما تتقدم بنزق ترامب وتهوره إلا أنها تبقى مكشوفة في تصريحها برغبتها العدوانية واستيلائها على مقدرات الدنيا.

فأيضاً الصهيوني هنا لأنه هو الوكيل المحلي أو الإقليمي سيؤدي نفس الدور، وسيستخدم نفس اللغة، وسيتعامل بنفس الطريقة. هناك تصريحات مهمة صدرت عن سموتريتش تعبر عن هذا المنهج. طبعاً هو بطبعه لأنه أقصى اليمين الديني المتطرف. أنا أعتبره يعبر عن حقيقة البنية الصهيونية في هذه المرحلة من هذه الدولة العدوانية أكثر من أي أصوات أخرى، ولهذا كلامه لا بد أن يؤخذ بجدية. سموتريتش ماذا قال مؤخراً؟

قال: هجوم كاسح على مصر: "مصر هي أكثر بلد تكره إسرائيل، أكثر دولة معادية لإسرائيل".

وطبعاً رغم الاحتقار لسموتريتش، لكن أنا أود أن أقول أنني موافقه تماماً، لأنه ما قاله حقيقي. لأن أكثر شعب في الأمة العربية معادٍ لإسرائيل ويكره إسرائيل هو الشعب المصري. فمعه حق في إثبات هذه الحقيقة. ماذا يريد؟ يريد معبر رفح أن يفتح من طرف واحد، ويريد التهجير الذي رفضته مصر ووقفت ضده. وهناك ضابط مصري في مقر قوة الاستقرار الدولية التي شكلت بناءً على لجنة السلام — مجلس السلام العالمي — لإدارة المرحلة الثانية من الاتفاقية في غزة، واضح يبدو أن هناك ضابطاً مصرياً موجوداً في هذه القوة. سموتريتش رأى الصورة، قال: "لا بد أن يُطرد فوراً". كل هذا الاستعلاء لن يكون قصراً على اليمين المتطرف أو سموتريتش.

كل جهاز الحكم في هذه الدولة العدوانية الآن سيتجه لأن يكون أكثر عدوانية وأكثر عنفاً، لأن سيده في أمريكا أصبح كذلك: أكثر عدوانية وأكثر عنفاً.

هل السياسة الأمريكية هذه  باستخدامها لهذا المنهج، رغبتها في نظام عالمي مخصخص على مقاس الهيمنة الأمريكية والأطماع الأمريكية ممكن أن يعيش؟ لا. ممكن أن يعمل ضربات: ممكن يأخذ مادورو، ممكن أن يوجه ضربة عسكرية لإيران، ممكن أن يأخذ غرينلاند غصباً عن الاتحاد الأوروبي. لكن هذا لا يدوم. وهذه السياسة تعبير عن جهل مطبق بالتاريخ، بما فيه تاريخ أمريكا نفسها.

لهذا، الاستفاقة ضد هذا النهج الأمريكي من غطرسة القوة لا بد أن يكون صوت مرتفع الآن في الوعي الإنساني كله. وإذا كان في صيغة للسلام الأمريكي — صيغة الهيمنة — والتي سترافقها صيغة للسلام الإسرائيلي هنا... إذا كان ترامب يريد نظاماً عالمياً على مقاس المصالح الأمريكية، والكيان الصهيوني هنا سيصنع بالتوازي صيغة لشرق أوسط إسرائيلي — "سلام إسرائيلي، شرق أوسط إسرائيلي" — هذا ليس له حل سوى المواجهة، المقاومة، التصدي له، كشف أهدافه الخبيثة، وحشد الناس بضمائرهم وإمكانياتهم لمواجهته.

داخل أمريكا نفسها هناك أصوات جادة، عاقلة، منتبهة لخطر هذا النهج الترامبي المتوحش — ليس فقط على العالم، لكن على أمريكا نفسها — على التسريع في أن هذه الإمبراطورية التي تنزل عن العرش ببطء يمكن أن تنزل عن العرش بسرعة، أو حتى تفكك داخلي في أمريكا.

لافت نظري حوار غني، وأدعوكم لمتابعته، بين اثنين من قادة الولايات المتحدة الأمريكية: مقدم البرامج الأمريكي الشهير جوني ستيوارت، الذي يقدم برنامج "ذا ديلي شو" — كان قبل ذلك "ذا ديلي شو" — استضاف مؤخراً فريد زكريا. وفي الحوار الثري في ما بينهم، في وعي شديد بمخاطر نهج ترامب في فرض الهيمنة على العالم، من ضمن ما قاله جوني ستيوارت: نحن ذاهبون لضرب إيران؟ لماذا نحن نعيد حلقة مفرغة؟ لأننا نحن ضربنا إيران هذه بنفس الطريقة التي نريد فعلها حالياً سنة 53، عندما تم إقصاء أو القضاء على تجربة مصدق — رئيس الوزراء الوطني العظيم الذي أمّم النفط — وأمريكا أسقطته بالتعاون مع المخابرات البريطانية. لكن من 53 لـ79 كان هناك غضب مكتوم عند الشعب الإيراني وشعور بالمهانة ورغبة في الانتقام هي التي هيأت لقيام الثورة الإسلامية سنة 79. فلو بافتراض أننا — وهو يتحدث كأمريكي — أسقطنا الآن النظام في إيران كما يريد ترامب — وطبعاً إسرائيل معه — نحن الحقيقة نزرع غضباً جديداً في إيران سيرتد علينا بثورة قادمة. 

هذه حلقة مفرغة لا تصنع تاريخاً ولا استقراراً في العالم، ولا نظاماً عالمياً يفيد الدنيا ولا يفيد أمريكا نفسها.

منهج الغطرسة، القوة، إزاحة القانون تحت عجلات الدبابات ورصاص البنادق، أو بتسييس القضاء، أو بتزييف الإعلام، أو بالتفوق التكنولوجي، أو بالحرب عبر الدولار والرسوم الجمركية، هذه الأسلحة قد تمكن أمريكا من انتصارات مؤقتة في بعض الأماكن، لكنها سترتد عليها خسارة فادحة لصورتها أمام العالم، لدورها في العالم، لمكانتها في النظام العالمي، وقدرتها على التماسك حتى داخلياً.

الكلمة الأخيرة لن تكون للقبضة العارية الأمريكية ولا العصا الغليظة الأمريكية.

الحرب صعبة، لكن الكلمة الأخيرة فيها ستكون لأصحاب الأرض، لأصحاب الحق، للشعوب، والباحثين عن حق، عن كرامة وطنية، وسيادة وطنية، واستقلال وطني.

هذا ما ينبغي أن تحتشد وراءه الشعوب والقادرين عن التعبير بصدق عنها، حتى نأمن في هذا العالم أن نكون جميعاً تحت رحمة قوة باطشة أمريكية.

نقيم نظاماً عالمياً جديداً عادلاً، لا أن نخضع لسلام يخصخصه ترامب على مقاس أطماعه وعلى مقياس جشعه ونهمه للاستيلاء على خيرات الشعوب وانتهاك كرامتها. 

 

بشارة مرهج – سياسي لبناني ووزير ونائب سابق: نحن لسنا وحدنا، هناك دول وأحزاب وهيئات وشخصيات في كل أنحاء العالم — كما في أمريكا نفسها — تخشى هذه السياسة العدوانية واستمرارها التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأن هذه السياسة تسمم الأجواء السياسية بين الدول وفي العالم بأسره، كما تهدد السلام العالمي وتشيع الفوضى في الكرة الأرضية. نحن ليس لدينا خيار، وإنما لدينا قرار بمواجهة هذه الظاهرة. نحن ومن يرى ذلك في كل أنحاء العالم، وأعتقد بأن ترامب يضعف يوماً بعد يوم، ويجب ألا نشعر بالرعب تجاه مبادراته التي هي مبادرات عالية السقف جداً، ونراه يتراجع عنها بعد حين. إنه يناور، ويجب أن ندخل المناورة بوجهه، مع علمنا بأنه لديه قوى جبارة يستطيع استخدامها متجاوزاً الكونغرس ومتجاوزاً المؤسسة الأمريكية.

عندما المعارضة التي تنمو يوماً بعد يوم في أمريكا على صعيد الكونغرس، على صعيد الحزب الجمهوري، على صعيد المثقفين، على صعيد السياسيين، على صعيد الطلاب والأساتذة خاصة تنذر بتغيير الموقف في أمريكا. لكنه يسابق الزمن، يريد أن يحصل مكاسب ضخمة قبل أن تتداعى الكثير من المؤسسات التي يمسك بزمامها، خاصة البنية التحتية.

وقد شهدنا منذ يومين كيف أن العاصفة الثلجية كشفت أمريكا، وكشفت القطاع الكهربائي الموجود في أمريكا، وكشفت حالة الجسور والطرق التي تحتاج إلى ترميم.

فإذًا ترامب يسابق الزمن، ونحن نسابق الزمن، وأعتقد أنه بعد تراجعه عن عدوانيته تجاه الصين وتجاه روسيا، سيبدأ بتلمس الطريق الواقعي، ونكون نحن في أثناء ذلك قد قطعنا أشواطاً في طريق الصمود والمواجهة، مما يفتح الطريق أمام الافلات من قبضة ترامب وما يعنيه ترامب.

 

حمدين صباحي: لن يفهم السيد الأبيض الكلمات العتيقة هنا

في النفوس الطليقة بين السماء وبين الشجر

لا يصدق أن البشر سواسية كالهواء

وكلمات خارج مملكة الخارطة

وتنقصكم أيها البيض حكمة الانتصارات

تنقصكم نكسة في الحروب

تنقصكم ساعة للتأمل في أي شيء لتنضج فيكم سماء ضرورية للتراب

إلى أين يا سيد البيض تأخذ شعبي وشعبك؟

إلى أي هاوية يأخذ الأرض هذا الروبوت المدجج بالطائرات وحاملات الطائرات؟

إلى أي هاوية رحبة تصعدون؟