"مجلس السلام" أم تكريس الإبادة؟
مئة يوم وأكثر على ما سمّي "اتفاق وقف إطلاق النار في غزة"، والإبادة مستمرة. في غزة، الغارات تقتل، والحصار يقتل، والمرض يقتل، والشتاء يقتل، والأعاصير تقتلع خيم النازحين. منذ البدء بتطبيق "خطة ترامب للسلام" التي فرضت على الفلسطينيين، تجاوز عدد الخروقات ألفاً وثلاثمئة، وحصد العدوان ما يقارب من خمسمئة شهيد. المناطق التي أخليت من أهلها وتحتلها "إسرائيل"، تتجاوز نصف مساحة القطاع. الاحتلال يعوق وصول المساعدات، المنظومة الصحية منهارة، وليست هناك معدات بناء، بل هدم وإخلاء، وغارات جوية وفيضانات. وفي هذه الأجواء الكارثية، وتعثّر المرحلة الثانية من الاتفاق، أعلن الرئيس ترامب تشكيل "مجلس السلام العالمي"، ونصّب نفسه رئيساً له. على أن يكون "منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، والحوكمة الموثوقة، والسلام الدائم". مجلس للسلام فيه ويتكوف وروبيو وكوشنر وطوني بلير؟ ويديره داعمو الإبادة في غزة، وحفنة من المطوّرين العقاريين؟ هل سيكون مجلساً للسلام، أم لتكريس الوصاية والاحتلال والتهجير الصامت؟ مجلس لتقويض دور الأمم المتحدة؟ ودفن الدولة الفلسطينية؟
نص الحلقة
بيار أبي صعب: مساء الخير. مئةٍ يوم وأكثر على ما سمّي اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة والإبادة مستمرة. في غزّة الغارات تقتل والحصار يقتل والمرض يقتل والشتاء يقتل والأعاصير تقتلع خيم النازحين. منذ البدء بتطبيق خطة ترامب للسلام التي فُرضت على الفلسطينيين تجاوز عدد الخروقات ألفاً وثلاثمئة وحصد العدوان ما يقارب من خمسمئة شهيد. المناطق التي أُخليت من أهلها وتحتلّها إسرائيل تتجاوز نصف مساحة القطاع. الاحتلال يعيق وصول المساعدات، المنظومة الصحية منهارة وليس هناك معدات بناء بل هدم وإخلاء وغارات جوية وفيضانات. وفي هذه الأجواء الكارثية وتعثُّر المرحلة الثانية من الاتفاق أعلن الرئيس ترامب تشكيل مجلس السلام العالمي ونصّب نفسه رئيساً له على أن يكون منظمةً دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار والحوكمة الموثوقة والسلام الدائم. مجلس السلام فيه ويتكوف وروبيو وكوشنير وتوني بلير، ويديره داعمو الإبادة في غزّة وحفنة من المطوّرين العقاريين، هل سيكون مجلساً للسلام أم لتكريس الوصاية والاحتلال والتهجير الصامت؟ مجلسٌ لتقويض دور الأمم المتحدة ودفن الدولة الفلسطينية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة معنا في الاستوديو الأستاذ وليد شرارة الكاتب السياسي والباحث في العلاقات الدولية، ومن القاهرة الأستاذ السيّد شبل الباحث في معهد الدراسات المستقبلية، ومن لندن الأكاديمي المتخصّص في العلاقات الدولية والإعلام السياسي الأستاز مكرم خوري مخول، فأهلاً بهم وأهلاً بكم أعزائي المشاهدين على شاشة الميادين في هذه الحلقة الجديدة من "على محمل الجد". أستاذ وليد شرارة أهلاً بك، نبدأ من السؤال العام، إعلان مجلس السلام العالمي، كيف تنظر من غزّة إلى العالم وإلى السلام العالمي وإلى هذا المجلس؟
وليد شرارة: مجلس السلام العالمي جاء لفرض صيغة من صيغ الانتداب الدولي على غزّة، هدفه النهائي هو كهدف الانتداب البريطاني على فلسطين، الناس ينسون أن الانتداب البريطاني على فلسطين هو الذي خلق كل الشروط الملائمة لانتصار المشروع الصهيوني على الشعب الفلسطيني، الانتداب البريطاني هو الذي دمّر الحركة الوطنية الفلسطينية، فترة الاحتلال البريطاني هي الفترة التي تمّ فيها ضرب وتصفية قوى المقاومة وأوساط الشعب الفلسطيني تمهيداً لقيام الكيان الصهيوني. لا تختلف أهداف هذا المشروع عن تلك الأهداف، الهدف الأساسي لهذا المشروع هو تسريع عملية تصفية المقاومة الفلسطينية =وفرض نمط من الإدارة على غزّة من أجل مزيد من إخضاع الشعب الفلسطيني بغضّ النظر عما إذا كان هذا المشروع سينجح أو لا. طبعاً كأي سياسة خارجية يقودها ترامب تتداخل فيها الأبعاد والحسابات السياسية والاستراتيجية مع الأبعاد الشخصية والبُعد الاستعراضي والتهريجي الذي يسود دائماً في سياسات ترامب.
بيار أبي صعب: البُعد الاستعراضي رأيناه اليوم في دافوس، جمع رؤساء الدول الذين وقّعوا الوثيقة.
وليد شرارة: هذه الوثيقة التي لا تنطلي على أحد، الشعب الفلسطيني يدرك مَن الذي قاد حرب الإبادة عليه ومَن يستمر بدعم مشروع التطهير العرقي المتسارع في الضفة الغربية، مثل هذه المسرحيات التافهة لا تنطلي على الشعب الفلسطيني ولا على قوى المقاومة في المنطقة.
بيار أبي صعب: أستاذ السيّد شبل أهلاً بك، كتب أحد المعلّقين "يقتلونك ويحتلّونك ويسرقونك باسم السلام ثم يكرّسون إنجازاتهم بمجلسٍ لرعاية هذا السلام، مجلسٌ للسلام يضمّ نتنياهو مهندس الإبادة، هذا ليس مجرّد جنون علّق الصحافي البريطاني ديفيد هيرست، هذه جريمة، ما رأيك؟
السيّد شبل: بدايةً هو ليس مجلساً للسلام بالتأكيد لأنه برعاية دونالد ترامب الذي دعم إسرائيل خلال ولايته الأولى وخلال عامٍ من حكمه. فبالتأكيد كل مَن يدعم بنيامين نتنياهو ويدعم حرب الإبادة في قطاع غزّة لا يمكن أن يكون راعياً للسلام، يمكن تفهُّم هذا المجلس لو كان برعايةٍ أممية من الأمم المتحدة أو برعاية من جامعة الدول العربية أو من الدول العربية الوازنة لكنه في الحقيقة تحت رعاية رئيس أميركي بلطجي يمارس أقصى درجات الاستبداد عبر مصادرة قرارات الشعوب واختطاف رؤساء وتهديد دول آمنة في منطقة الشرق الأوسط، فبالتالي لا يمكن لدونالد ترامب أن يتحدّث أو يتفوّه بالسلام لأنه مجرّد تاجر ورجل أعمال كبير يحلم بتوسيع شركاته العابرة للقارات ويحلم بإنشاء أميركا العظمى وهي صيغة حديثة من الاستعمار البريطاني والاستعمار القديم في صورته التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. فبالتالي لا يمكن لدونالد ترامب أن يتحدّث بهذه الصفة، ما يجري هو مشروع احتلال مقنّع في الحقيقة وهو مشروع إسرائيلي، إسرائيل تريد مقاولاً أمنياً وإدارياً يتولى شؤون سكان قطاع غزّة في المساحة الباقية لهم وهي لا تتخطّى أربعين في المئة من مساحة قطاع غزّة لأن إسرائيل الآن عبر الخط الأصفر وعبر تمددها في محاور مثل نتساريم وفيلادلفيا فهي تسيطر على ما يقارب خمسين إلى ستين في المئة من قطاع غزّة، فهي تريد أن تحصر الإثني مليون فلسطيني داخل المساحة المتبقّية من قطاع غزّة ثم تبحث عن مقاول أمني وإداري يتولى شؤون هذه المنطقة. ما يجري الآن ينزع الصفة السياسية عن القضية الفلسطينية بشكلٍ كامل ويحوّلها من قضية المواطن الفلسطيني الذي نُهبت أرضه ومن المشروع له أن يمارس المقاومة، تحوّله إلى مستهلك أو عامل لدى شركات عابرة للقارات تأتي من كافة دول العالم فيصبح مشروع المقاومة في المستقبل ليس موجّهاً ضد الاحتلال الإسرائيلي بل موجّهاً ضد الاقتصاد العالمي. ما يجري الآن هو تصفية للقضية الفلسطينية وضرب لآخر بؤرة مقاومة عربية فلسطينية موجودة داخل قطاع غزّة.
بيار أبي صعب: مقاول أمني ومقاول إداري ومقاول بالمعنى الحقيقي، مقاول استثماري بالعقارات وغيرها. أستاذ مكرم خوري مخّول ماذا نسمّي خطة ترامب للسلام التي احتفل بها العالم الحر في شرم الشيخ في أكتوبر الماضي ثم ثبّتها مجلس الأمن بقراره 2803، هل نحن أمام احتلال من نوعٍ جديد، وبين خطة ترامب ومجلس السلام أيُّ شكلٍ سيتّخذه =الصراع لأن فلسطين ما زالت محتلة وبالتالي الصراع مستمر، أيُّ شكلٍ سيتّخذه الصراع بعد الآن؟
مكرم خوري مخّول: أهلاً بكم جميعاً أستاذ بيار، هنا يجب أن ننظر إلى فلسطين التاريخية ونتخّيل الخارطة لنقول إنه على أرض فلسطين هناك ثلاثة مشاريع، المشروع الأول هو الأبارتهايد في غرب فلسطين المحتل في نكبة 48 أي ما يسمّى بالفلسطينيين في عام 48. هناك حكم أبارتهايد ممنهج ومطبّق، أما في قطاع غزّة فرأينا أنه في العامين الماضيين اقترف نتنياهو والإدارة الصهيونية العالمية جريمتين كبيرتين هما الإبادة الجماعية كجريمة معروفة والتطهير العرقي جمعناهما معاً بمصطلح "العرقبادة" لأننا لا نعترف من منطلقٍ أكاديمي أنه يمكن تسمية ما اقترفه نتنياهو في قطاع غزّة بحرب لأن الحركة الصهيونية بذاتها في الحرب العالمية الثانية لم تقبل أن تقول إن حرق اليهود في أوروبا هو حرب وإنما انتشلوا مصطلح الهولوكوست والمحرقة. وعليه ففي قطاع غزّة يتمّ اقتراف هذه العرقبادة وسيستمرون بها، بينما في الضفة الغربية هناك ما يسمّى بعرقبادة ولكن بالتقسيط، ما أسماه المفكرون الماركسيون ب "سلامي ستايل"، يعني أنت تقطع شرائح السلامي الواحدة تلو الأخرى حتى تنتهي أنت من الضفة الغربية وتصبح كل فلسطين محكومة من قِبَل الاحتلال الإسرائيلي. نعم من الممكن أستاذ بيار منذ الآن وسنوسّع لاحقاً يمكن أن نقول إن هذا المجلس المسمّى بمجلس السلام زوراً وبهتاناً ما هو إلا مجلس السطو المسلّح على الاستعمارية القديمة والتي يمكن أن نعود للشرح عنها مستقبلاً. نعم يمكننا القول إن ترامب بلطجي ومجرم ولكن تفكيره ومخططاته مركّبة بشكلٍ أعمق ممّا نظن.
بيار أبي صعب: جاريد كوشنير صديق إسرائيل الصدوق هو أحد أعمدة مجلس السلام العالمي الذي يُفترض أن يرعى السلام والإعمار في القطاع، تُرى كيف ينظر صهر القيصر الصهيوني الانتماء إلى غزّة وأهلها، نشاهد معاً.
أستاذ وليد لولا مأساوية وكارثية الوضع لكان يمكن التعامل بسخرية مع الموضوع والقول بأنها مسرحية عبثية، مجلس للسلام يضم كل هذه الشخصيات.
وليد شرارة: هذا هو المشروع الحقيقي لمجلس السلام كما كان مشروع الانتداب عندكا قرّرت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى أن تعهد لأراضٍ كانت جزءاً من الإمبراطورية الألمانية أو جزءاً من السلطنة العثمانية، أن تعهد لها للانتدابين البريطاني والفرنسي في منطقتنا على الأقل. نظرياً كانت الغاية من الانتداب هي التمهيد لخلق ظروفٍ مؤاتية حتى تتعلّم هذه أن تحكم نفسها بنفسها، هكذا كان تعريف الانتداب آنذاك. في فلسطين كان هدف الانتداب البريطاني التمهيد لقيام الكيان الصهيوني على أنقاض فلسطين. الآن جاريد كوشنر يعبّر عندما يتحدّث هنا عن موقف هذه الشريحة التي تحكم الولايات المتحدة وترامب أحد ممثّليها، الأوليغارشية المالية والتكنو – صناعية، كل الثروات التي تمّ بناؤها في الخمسة وعشرين سنة الأخيرة في سيليكون فالي في مجال الثورة الرقمية. كل هؤلاء ينظرون إلى العالم على أنه فضاء قابل للاستباحة، أحدهم بيتر شيل وهو منظّر قريب من ترامب وأحد رموز هذه الأوليغارشية يقول المطلوب اليوم أن تصبح المناطق الاقتصادية الخاصة حيث من الممكن أن تستثمر الشركات وتفرض قوانينها أي أن تلغي القوانين المرعية في البلاد التي توجد فيها هذه المناطق الاقتصادية الخاصة على أن تصبح بالآلاف. في العام توجد خمسة آلاف منطقة اقتصادية خاصة، هؤلاء ينظرون إلى غزّة من جهة من منظور صهيوني والمطلوب تطهير غزّة عرقياً وثانياً مجال للاستثمار. هذه السياسات هل من الممكن في عالم اليوم أن تنجح؟ كله مرتبط بموازين القوى ومآلات المواجهات في الميدان، ما سيقرر مآل مشاريع ترامب ليس فقط في غزّة، في غزّة وفي الإقليم وفي فنزويلا وفي أميركا اللاتينية هي المواجهات في الميدان، هذه المشاريع ستفشل في الميدان لأن ترامب هو رجل يحاول العودة إلى سياسات الاستعمار القديم، ولكن الاستعمار القديم كان لديه جيوش بمئات الآلاف يرسلها لتحارب وتموت وتحتل وتتكبّد خسائر، هل يستطيع الأميركيون اليوم أن يتكبّدوا خسائر قتلى من الجنود؟ لو أرسل قوة أميركية محدودة العدد إلى أيٍّ من هذه البلدان ويُقتل بضعة عشرات سنرى كيف سيكون المشهد داخل الولايات المتحدة. ترامب في الحقيقة هو رجل يريد العودة إلى الاستعمار في سياقٍ دولي مختلف، هو مهرّج وشخص غير مؤهّل ومخبول بكل معنى الكلمة.
بيار أبي صعب: أذكر من الأعضاء ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، توني بلير والحاخام آرييه لايتستون المسؤول عن قتل ألفي فلسطيني، هو الذي أسّس مؤسّسة غزّة الإنسانية التي كانت تقتل طالبي المساعدات.
وليد شرارة: هذه هي أهداف مجلس السلام وهي التغطية على استكمال حرب الإبادة من خلال تصفية المقاومة ومن خلال خلق الشروط المناسبة لتهجير قسم من أهل غزّة، وربّما أن يصبح قسم آخر من أهل غزّة عبيداً يعملون لدى شركات هذه الشخصيات وشخصيات أخرى من هذه الأوليغارشية التي تريد أن تتحكّم بالعالم على الرغم من أن هذه المهمة مستحلية برأيي لأن الوضع الدولي اليوم وموازين القوى الدولية تغيّرت بعمق.
بيار أبي صعب: أستاذ شبل من =المجلس الأعلى يتفرّع مجلس تنفيذي برئاسة المندوب السامي نيكولاي ملادينوف يضمّ الملياردير الصهيوني مارك روان وقطب العقارات الإسرائيلية ياكير غباي، وتتفرعّ من هذا المجلس أيضاً الهيئة الوطنية لإدارة غزة وهذه تضمّ فلسطينيين ويرأسها علي شعث وتضمّ تكنوقراطاً فلسطينيين اقترحت بعض أسمائهم الفصائل الفلسطينية. ما مخاطر إعطاء الأولوية من جهة للبزنس والاستثمار العقاري كما قال الأستاذ وليد شرارة ومن جهة تكريس الاحتلال؟ هل وجود دول عربية يمكن أن يصحّح المسار؟
السيّد شبل: ببساطة لا أعتقد أن دخول أية دولة عربية في مشروع أميركي إسرائيلي مشترك لإدارة وتفتيت قطاع غزّة لا يمكن أن يصبّ لصالح الفلسطينيين ولا لصالح القضايا العربية بشكلٍ عام. مشروع السلام المقترح برعاية دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو داخل قطاع غزّة هو مشروع تفتيت للقطاع وإعادة احتلال مرة أخرى لقطاع غزّة، والأسماء المطروحة في مجلس السلام وفي اللجنة التنفيذية أعتقد أن مشروعها سيكون في صالح إسرائيل. الإسم الذي ذكرتَه هو حجر الزاوية في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف الذي كانت له إسهامات سيئة للغاية في العراق عندما كان ممثلاً للأمم المتحدة ما بين عامي 2013 و 2015، ولاحقاً ولمدة خمس سنوات كان ممثلاً للأمم المتحدة لشؤون السلام في الشرق الأوسط، كل إسهاماته كانت سلبية سواء في العراق أو في القضايا العربية التي كانت مسرحاً للتدخلات الأميركية. فإذاً إذا كنا نتحدّث عن السياسي ملادينوف أو عن بقيّة الأسماء من رجال الأعمال الأميركيين والإسرائيليين الذين يدخلون إلى إسرائيل باسم التطوير وإعادة الإعمار، جميعهم سيكونون واجهةً للعمليات الإسرائيلية ولإتمام الخطة الإسرائيلية الموجهة لنزع سلاح المقاومة، حتى مشروع الدولة الفلسطينية الذي كانت ترعاه السلطة الفلسطينية أصبح طيّ النسيان وحبراً على ورق وانتهت كل المشاريع الفلسطينية تحت دعوة المشروع الأميركي الإسرائيلي المشترك.
بيار أبي صعب: سنعود للكلام عن مشروع الدولة الفلسطينية أين هو الآن. دكتور مكرم خوري مخّول كيف تنظر من موقعك في بريطانيا لعودة رئيس الوزراء السابق توني بلير إلى الواجهة بعد كل ما ارتكبه بحق العرب من فظائع، من غزو العراق في 2003 إلى دوره في خدمة الاحتلال كمبعوثٍ للجنة الرباعية بين 2017 و2015 ؟
مكرم خوري مخّول: إذا نظرنا إلى تركيبة هذا المجلس وكل هذه المبادرة نرى أن هذا المجلس يضمّ عدة شخصيات منهم مَن هو مجرم، حتى ترامب هو مجرم مدان في نيويورك ومنهم مَن أجرم بحق الشعوب العربية منها الشعب العراقي مثل توني بلير أو نتنياهو الذي يقترف منذ أكثر من عامين جرائم كارثة العرقبادة، ولكن بما أننا نريد أن نربط توني بلير مع نتنياهو يجب أن نعود إلى خطاب دونالد ترامب في 17 سبتمبر 2025 أي فقط قبل عدة أشهر عندما وقف أمام الملك تشارلز ووقف في قلعة وندسور ومدح تاريخ الاستعمار البريطاني مشيراً إلى حسناته. نسمّي دونالد ترامب بالبلطجي والمجرم والكاذب وإلى آخره ولكنه لا يعمل وحده وإنما لديه مجموعة من المستشارين، وبما أننا نتكلم عن الاستعمار يجب أن نعود إلى هذا النموذج الذي اختاره ترامب الآن المسمّى بمجلس السلام. مقارنة تاريخية أستاذ بيار تأخذنا إلى أن هذا النموذج، نموذج مجلس السلام هو تقريباً صورة طبق الأصل عمّا سُمّي في 31/12/1600 أي قبل 425 عاماً وشهراً عندما أقام الاستعمار البريطاني شركة إيست إنديا كومباني، شركة شرق الهند لاحتلال واستعمار الهند، هذه الشركة تحوّلت من إدارة أو ما يسمّى مجلس سلام إلى إدارة المحاكم وعقد المعاهدات الدولية وتشكيل جيش كبير، واستمرّت لأكثر من قرنين من الزمن. إذا ما قارنّا ذلك مع نوعين من الاستعمار الإضافي، الأول هو الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الذي قامت به الحركة الصهيونية في فلسطين منذ نكبة فلسطين أي الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتهجير السكان، وهذه الجرائم التي وصفناها بالعرقبادة إضافةً إلى الدخول الأميركي نرى أن هناك توزيع أدوار ما بين الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الإسرائيلي من جهة وبين الاستعمار التجاري الذي يفرضه الآن دونالد ترامب بواسطة مجلس السلام الذي يُدعى كذلك زوراً وبهتاناً وخداعاً، وعليه يمكننا القول إن كل هذا المشروع هو مشروع شبيه بحلم كان قد قاله أمامي مَن كان مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ديفيد كمحي في أوكسفورد عندما كنتُ طالباً في العام 1990 وشاركتُ في مؤتمر، وقف وقال إن هدفهم هو تحويل غزّة إلى هونغ كونغ وهذا كما يبدو ما نراه الآن، أما وقد قلنا ذلك وسأنهي هنا، تذكيري لا يقول إنني أروّج أو أنني مع بل على العكس أنا ضد ولكن يجب على الطرف العربي أن يفهم كيف يفكّر الطرف المحتل والمستعمِر.
بيار أبي صعب: فاصل قصير ونعود.
أهلاً بكم مجدداً أعزائي المشاهدين في هذه الحلقة من "على محمل الجد"، اسمحوا لي أن أعيد الترحيب بضيوفنا الأستاذ وليد شرارة في بيروت، والأستاذ السيّد شبل في القاهرة، والدكتور مكرم خوري مخّول في لندن. نصل الآن إلى الجزء الثاني من هذه الحلقة مع فقرة "على محمل النقد"، سألنا الكاتب والمحلّل السياسي شرحبيل الغريب رئيس منتدى العلاقات الدولية للحوار والسياسات عن نظرته إلى مستقبل القطاع بعد إعلان مجلس السلام العالمي، هل يكرّس هذا المجلس الاحتلال والوصاية الدولية أم هو فرصة رائعة بين مزدوجين لغزّة بتعبير الرئيس ترامب، نستمع معاً إلى الأستاز شرحبيل الغريب في غزّة.
شرحبيل الغريب: مستقبل غزّة في ظل ما يسمّى بمجلس السلام يبدو مفتوحا على صراع إرادات لا تسويات حقيقية. هذا الطرح لا ينطلق من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بل من إعادة إنتاجه بصورةٍ ناعمة مرة أخرى، وصاية دولية، إدارة فوقية، إقصاء مباشر لإرادة الشعب الفلسطيني وكأنّ المشكلة فلسطينية لا احتلالاً قائماً. هذه المحاولات تصطدم بوقائع تاريخية ثابتة، القضية الفلسطينية لم تصفَّ يوماً بقرارات ودائماً بقيت حيّة بصمود الناس على أرضهم، رغم الدمار ورغم الإبادة ما =زالت غزّة تمثّل عقدة هذا المشروع الإسرائيلي الأميركي لأنها ترفض التحول من ملف سياسي إلى ملف إنساني أمني أو كيان بلا إرادة سياسية، هكذا هي سنن التاريخ. أستطيع القول إن الرئيس ترامب نجح في تعرية النظام الدولي أكثر مما نجح في تصفية القضية الفلسطينية، المعادلة لم تُحسم بعد والاحتلال صحيح أنه يمتلك القوة لكنه يفتقد إلى الشرعية، بينما الشعب الفلسطيني الذي حوصِر ويحاصَر ويُقصى سياسياً حتى هذه اللحظة لم يُهزم. مستقبل قطاع غزّة لن يُرسم في مجالس سلام وهمية، أما على الأرض فالقتل مستمر بل في ميزان صمود الناس وقدرتهم على إعادة بناء مشروع وطني فلسطيني يفرض نفسه رغم كل محاولات التصفية والالتفاف الأميركية والإسرائيلية. قد يقول البعض بأن الرئيس ترامب أطلق مساراً للسلام لكنه مسار لتصفية القضية الفلسطينية. عبر كسر ثوابتها. هذا القول أخطأ في تقدير مهم جداً بأن العامل الحاسم في هذه المشهدية هو أن غزّة ليست جغرافيا فقط بل إرادة سياسية ومجتمع فلسطيني مقاوم متمسّك بحقوقه وبثوابته وبأرضه بل ومتجذّر فيها. قد تُفرض ترتيبات مؤقتة لكن التصفية في تقديري فشلت، القضايا العادلة لا تُنهى بالقرارات الفوقية بل بقدرة أصحابها على الصمود وإعادة إنتاج مشروع سياسي وطني فلسطيني.
بيار أبي صعب: أستاذ وليد من وجهة نظر القانون الدولي ما شرعية المجلس العالمي، نحن نعرف أن الأوروبيين قالوا قبل أيام في دافوس أن هذا يتعدّى غزّة إلى أماكن أخرى في العالم، الطموحات كبيرة، نعرف أن الأوروبيين متراجعون وحذرون جداً من أخذ أي موقف من هذا المجلس أو من قبول دعوات الرئيس ترامب. من ناحية أخرى الكثير من المحلّلين يقولون بأن ما يفعله ترامب هو القضاء على الأمم المتحدة من خلال إزاحة منظومة الشرعية المتعدّدة الأطراف ليفرض شرعية دولية بين مزدوجين جديدة على قياسه.
وليد شرارة: أولاً هذا المجلس يعيد النظر بجملةٍ من المبادئ التأسيسية للقانون الدولي، مبدأ السيادة الوطنية، حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار ممثليها، يفرض من الخارج انتداباً، ارتداد إلى مرحلة عصبة الأمم.
بيار أبي صعب: من دون إشراك القوى الشرعية.
وليد شرارة: ولكن علينا أن نضع الأمور في سياقها، الأمر كله مهزلة لدرجة أنها قد لا تستحق التعليق. يأتي هذا تتمّةً لحرب إبادة كان قسم من الأطراف المشاركين في هذا المجلس شركاء فيها، فشلت حرب الإبادة في تحقيق هدف القضاء على المقاومة فانتقلوا إلى صيغة أكثر تركيباً وتعقيداً لمحاولة تحقيق نفس الأهداف. الأطراف الأوروبية تخاف لأن ترامب اليوم لديه مشاريع على مستوى الكوكب، ترامب يتراجع أمام القوى الدولية ذات الوزن المشابه ويحاول الوصول إلى تسوية مع روسيا حول أوكرانيا بغضّ النظر عن أن هذه التسوية لم تحصل حتى اللحظة. يصعّد في خطابه تجاه الصين ولكن رأينا بالمفاوضات أنه تراجع بالنسبة لمسألة الرسوم الجمركية، يتراجع بصراعه مع القوى الدولية الوازنة المنافِسة للولايات المتحدة بالفعل وبدأ يُبدي إشارات حول القبول بفكرة تقاسم نفوذ ما في مناطق معيّنة، ويتوحّش في جنوب العالم التي كانت مناطق سيطرة حصرية للولايات المتحدة والتي كانت في العقدين الأخيرين ينحسر فيها النفوذ الأميركي لصالح صعود قوى إقليمية متوسّطة ودخول المنافسين الدوليين إلى هذه المناطق.
بيار أبي صعب: بات توحّشاً بلا سقف ومن دون ماء وجه.
وليد شرارة: القانون الدولي لم يكن مطبّقاً في الماضي، طُبّق في المراحل التي كانت فيها موازين قوى دولية مختلفة، حين كان هناك صعود لحركات التحرّر والاتحاد السوفياتي كان يمكن بناء تحالفات وكانت تُفرض أحياناً قواعد وثوابت القانون الدولي، ولكن مع تغيُّر موازين القوى الدولية والتوحّش الأميركي المنفلت من عقاله نتيجة انحدار نفوذ الولايات المتحدة وهنا المفارقة، الولايات المتحدة تتوحّش لأن نفوذها ينحدر وهناك محاولات لدى قادة الإمبراطورية الأميركية اليوم لإعادة بناء مجد الإمبراطورية عبر التوحّش كما حصل في البدء، هكذا تصعد الإمبراطوريات من خلال التوحّش وتحاول الدفاع عن موقعها المهيمن من خلال التوحّش.
بيار أبي صعب: أستاذ السيّد =شبل محاور مثل نتساريم وفيلادلفيا تحوّلت إلى قواعد عسكرية دائمة تقسم القطاع وتسيطر على حركة السكان والإمدادات، عمليات الهدم في بني سهيلا وخان يونس جزء من مخطط جرف مساحاتٍ واسعة لصالح الاجتياح والاحتياجات الأمنية الإسرائيلية على المدى الطويل. المناطق العازلة شرق القطاع وشماله أصبحت واقعاً جغرافياً يمنع عودة النازحين إلى بيوتهم ومناطقهم، يمكننا القول إن إسرائيل تحتفظ بالسيطرة على القطاع في انتظار تشكيل قوة الاستقرار الدولية المزعومة بقيادة جاسبر جيفرز، ما رأيك؟
السيّد شبل: الهدف الإسرائيلي ببساطة هو تقطيع أوصال قطاع غزّة بشكلٍ كامل، في الواقع هو محاولة استنساخ لما جرى في الضفة الغربية على مدار عقود، تقطيع الضفة الغربية وهو امتداد بشكل أو بآخر أو مشابه بشكلٍ أو بآخر للمشروع الأميركي الذي دخل إلى عالمنا منذ عام 2003 ثم اكتسب قوة أكبر مع الربيع العربي في 2011 وهو تفتيت كل دول المنطقة وتحويلها إلى كنتونات معزولة على أسسٍ طائفية وعرقية. ما يجري في قطاع غزّة هو إعادة استنساخ لهذا المشروع مرة أخرى لكنه سيكون برعاية رجال الأعمال الكبار والشركات العابرة للقارات التي ستعمل على تحويل مواطني غزّة إلى مستهلكين وعمال لا أكثر وعزلهم عن فكرة صفة المواطن الفلسطيني. المشروع الأميركي الإسرائيلي خطير جداً وهو يكتسب شرعية أكبر بسبب موقف الدول العربية المتخاذل واتجاههم إلى التطبيع مع العدو الإسرائيلي وعدم رفضهم للمشروع ومنحه التمويل والتغطية السياسية. أعتقد أن الموقف العربي السليم الآن هو رفض هذا المشروع لأنه إعادة احتلال من دون أن تكون إسرائيل متورّطة في الإدارة، إسرائيل تسيطر على المساحة الأكبر من قطاع غزّة. جاسبر جيفرز والجنرالات الأميركيين الذين سيتولّون مهمّة الأمن سينفّذون الحلم الإسرائيلي بالقضاء على المقاومة الفلسطينية داخل قطاع غزّة. إجهاض أية محاولة لمشروع مقاوم مرة ثانية، ثم أن اليمين الإسرائيلي اليوم يدفع نحو الاستيطان، هناك مشروع لإقامة مستوطنات إسرائيلية وراء الخط الأصفر أو في شمال قطاع غزّة، هناك أحلام إسرائيلية عادت إلى الظهور وبدأت في التنفيذ فعلاً في الضفة الغربية. إذاٍ نحن أمام تآكل حقيقي للجغرافيا الفلسطينية برعاية دونالد ترامب مدفوعاً بالمتغيّرات التي حدثت في العالم وسقوط النظام السوري، التهديدات التي تحدث للنظام الإيراني لها انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية. إذاً يجب دعم محور المقاومة خارج فلسطين قبل دعم المقاومة الفلسطينية ومحور المقاومة خارج فلسطين الذي يمتدّ من آسيا إلى أميركا الجنوبية وليس في الوطن العربي فقط.
بيار أبي صعب: أستاذ مكرم خوري مخّول المجلس يُعفي الاحتلال من مسؤوليته تجاه الشعب المحتل ويرميها في ملعب المجتمع الدولي، ورئيس الولايات المتحدة يقرّر وحده مصير شعبٍ كامل من دون أخذ رأيه. هناك تغييب تام للقوى الفلسطينية وللقرار الوطني الفلسطيني، ونحن أمام فصلٍ تام للقطاع عن الضفة، إدارتان مختلفتان تماماً تحت احتلال واحد أما الانتخابات وإعادة تشكيل السلطة فسرابٌ بعيد وعلى الدولة الفلسطينية التي وعدت بها هيئة الأمم السلام، ما رأيك؟
مكرم خوري مخّول: أستاذ بيار لقد تعمّقتُ بكل ديباجة لإقامة مجلس السلام الترامبي فلم أجد كلمة عن حقوق الشعب الفلسطيني أو عن دولة فلسطينية أو أي ترابط ما بين قطاع غزّة والضفة الغربية المحتلة. إذاً نحن نتكلم بالفعل عن قرار من قِبَل ترامب بإنهاء وتصفية القضية الفلسطينية أو محاولتها، وأنا بصراحة آخذ الموضوع على محمل الجد، أعرف الجغرافيا والديموغرافيا ونشأتُ فقط على بُعد أربعين كيلومتراً من قطاع وأصبتُ بعيارٍ ناري في قطاع غزّة وما زلتُ على تواصل يومي مع قطاع غزّة. ولذلك أقول إن الموضوع جدّي جداً لأنني إذا ما قارنتُ بين الضفة الغربية الشاسعة نسبياً مقارنةً بقطاع غزّة فإن يمكن التهام قطاع غزّة بسرعة، وحالياً الاحتلال الإسرائيلي يحتلّ على الأقل 53% من قطاع غزّة. لذلك أقول إن الأمر خطير جداً وبحاجة إلى رد عالمي مهم جداً لأننا الآن نرى ما نراه، ترامب أو رئيس أميركي بأسلوب خاص ومميز به ولكن التقاليد الأميركية موجودة منذ الاستعمار القديم عودةً إلى عام 1600، وما نراه يمكن أن نختصره بمادتين وحضرتك خبير بهما، إذا ما جمعنا كتاب "القاتل الاقتصادي" لبيركنز وفيلم "العرّاب" نرى أن هاتين المادتين تفسّران تماماً تصرف ترامب البلطجي وكيف أنه يقتسم كل مناطق النفوذ. إذًا يجب أن نأخذ الموضوع على محمل الجد وبشكلٍ كبير.
بيار أبي صعب: شكراً، أستاذ السيّد شبل كيف تتعامل القوى الفلسطينية مع محاولات إقصاء القرار الوطني الفلسطيني، فيما إسرائيل تريد الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على القطاع وترفض أية ترتيبات دول لا تضمن نزع السلاح؟ كيف تتصوّر دور المقاومة في المرحلة المقبلة؟
السيّد شبل: المقاومة في موقف حرج في الحقيقة لأن الأنظمة العربية المحيطة بها خاصةً بعد سقوط النظام السوري وحصار المقاومة في لبنان لم يعد لها إسناداً إقليمياً أو عربياً واسعاً. على المقاومة الفلسطينية أن تتشبّث بسلاحها لأنه خيارها الوحيد للبقاء، إذا سلّمت المقاومة الفلسطينية سلاحها تكون قد انتهت عملياً، والقادم من الأيام بوجود قوى دولية بهذا المستوى ووجود جنرالات أميركيين وقوات أميركية وقوات متعددة الجنسيات سيُجهض أية محاولة لإعادة إنتاج مقاومة جديدة في فلسطين. فبالتالي المقاومة الفلسطينية بنسختها الحالية سواء ممثلة بحركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي أو الحركات الفلسطينية الأخرى أياً كان توجهها عليها أن تتشبّث بسلاحها لأن هذا هو خيارها الوحيد، وأن تراهن على الشارع العربي، يجب إيجاد قنوات تواصل. صحيح أن المقاومة الفلسطينية محاصرة حتى إعلامياً محاصرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ربّما لا تجد سبيلاً لعرض منشوراتها لكن عليها أن تجد وسيلة للتواصل مع الشارع العربي وحثّه على التمسّك بخيار المقاومة، وكلما صعّدت المقاومة الفلسطينية في مواجهة إسرائيل أعتقد أن الشعب العربي سيضاعف من خروجه إلى الشوارع والميادين ورفضه للتطبيع مع العدو الإسرائيلي أو رفضه لأية مشاريع إسرائيلية أميركية في قطاع غزّة، لكن حقيقة الأمر هي أن المقاومة الفلسطينية في موقف حرج، وإسرائيل وأميركا لم تكن لديهما القدرة على فعل ذلك لولا التغيّرات الدولية التي حدثت والتغيّرات الإقليمية خلال العامين الأخيرين. فبالتالي المقاومة الفلسطينية أمام اختبار صعب وعليها أن تصمد وعليها أن تجعل عنوانها هو توجيه سلاحها إلى العدو الإسرائيلي وألا تتجاوب مع أية مشاريع، ربما تكون هناك مشاريع مطروحة عبر وسطاء عرب لاسترضاء المقاومة الفلسطينية كما تفضّلتَ حضرتك بوجود أسماء فلسطينية محسوبة على المقاومة الفلسطينية أو رشّحتها المقاومة الفلسطينية للوجود في لجنة التكنوقراط لكن هذه ستكون في النهاية محكومة بالإدارة الدولية وبمجلس السلام الدولي الذي سيكون صاحب القرار الأخير، فبالتالي لا يوجد أي شيء يبشّر بالخير من مجلس سلام دونالد ترامب، وعلى المقاومة الفلسطينية أن تواصل مشروعها المسلّح الموجّه ضد العدو الإسرائيلي.
بيار أبي صعب: دكتورمكرم خوري مخّول خلال توقيع ميثاق مجلس السلام العالمي كما أسموه في دافوس قبل أيام قدمّ جاريد كوشنير رؤيته لما أسماه غزّة الجديدة مصحوباً بعرض صوَر خيالية لمدينة مستقبلية تضمّ ناطحات سحاب ومنتجعات سياحية على الساحل، ووعدنا أنه حتى الفقراء في غزّة سيعيشون حياةً رغيدة، هل أنت متفائل بمستقبل غزّة الجديدة هذه؟
مكرم خوري مخّول: طبعاً للمكان أهمية وأنا أعرف المنتدى الاقتصادي العالمي بشكلٍ شخصي إذ انتخبتُ قبل ثلاثة عقود كواحد من القياديين الشباب حتى مع المدعو بيل غيتس، ولكنني توقفتُ عن المشاركة في هذا المنتدى الصهيوني المزيّف. حينما وقف جاريد كوشنير اليهودي الصهيوني المستعمِر الجديد صهر ترامب لم يقل إلا شيئاً واحداً وهو أنهم يريدون تحويل قطاع غزّة إلى مشروعٍ عقاري، مشروع تجاري، وهو يفّكر هو وعمه ترامب بما بعد ولاية ترامب، هما يفكّران بإمبراطورية ترامب ما بعد ترامب رئيس الولايات المتحدة.
بيار أبي صعب: هذه ريفييرا الشرق الأوسط التي تحدّث عنها ترامب قبل أشهر.
مكرم خوري مخّول: تماماً هو كذلك، إذاً المشروع ليس مشروعاً أميركياً حالياً بمجرّد وجود دونالد ترامب، المشروع هو مشروع للنخبة وأنا سمعتُ في دافوس مراراًعن ال"غلوبال إيليت"، هذه النخبة الاقتصادية العالمية التي تجتمع مع بعضها البعض لكي تنفّذ مشاريع ولكن هذه المرة هذا المشروع هو عبارة عن جريمة كبرى تجاه الشعب الفلسطيني الذي أعتقد وآمل ومن دون شعارات رنّانة، آمل أن يعرف هو وأحرار العالم كيف يتصدّون له.
بيار أبي صعب: الفكرة اليوم أن انطلاق المقاومة أو شعلة المقاومة كي تبقى موجودة لا بدّ من إعادة تصوّر مشروع سياسي حقيقي أليس كذلك؟
مكرم خوري مخّول: بالتأكيد، كنتُ أتكلّم مع صديق من قطاع =غزّة وقلتُ له ما الذي تفكّر به بعد سماعك عن مجلس السلام، قال لي مستعملاً شعر أحمد شوقي "أنا بين اثنتين كلاهما النار"، بين قبوله وهو يريد أن يرفض مجلس السلام ولكن من ناحية أخرى يقول لي نريد أن يتوقف كل هذا القتل وكل هذه العرقبادة والجوع والتشتّت والتشّرد، لذلك أعتقد أنه على النخبة الفلسطينية الفكرية وليس الاقتصادية أن تأتي بمشروعٍ جديد، تلملم كل الشعب الفلسطيني في كل العالم بمشروعٍ استراتيجي جديد يحظى بدعم كل أحرار العالم، هذا ما نتوق إليه ونفكّر به.
بيار أبي صعب: أشكرك دكتور مكرم خوري مخّول. أستاذ وليد شرارة استوقفتني في مقال ديفيد هيرست الأخير جملةً اسمح لي أن أقرأها عليك: "من خلال جمع زمرته الخاصة وتسميتها مجلساً للسلام يحاول ترامب الآن إدارة العالم كما يدير أميركا حالياً، إنه ليس فاشياً بقدر ما هو زعيم مافيا يريد أن يفرض الاحترام والدفع المنتظم. سيرمي الفلسطينيين مجلس السلام في مزبلة التاريخ على أن يكون هذا مصير ترامب نفسه". ما رأيك بوجهة النظر هذه؟ أليس هناك جرعة عالية من التفاؤل في قراءة ديفيد هيست؟
وليد شرارة: أعتقد أن هذا هو التوصيف الأدق لما سيجري، أولاً المقاومة الفلسطينية داخل غزّة ما زالت تحتفظ بسلاحها ولن تسلّمه، وهي تخوض معركة وحتى إذا توقف النزاع المسلح لاعتباراتٍ كثيرة لها علاقة بموازين القوى ووضع الشعب ولكن هذه المقاومة بتقديري تعدّ العدّة لاستئناف المواجهة في مراحل أخرى. ثانياً ما يجري بفلسطين ليس معزولاً عمّا يجري في الإقليم، نحن أمام مرحلة جديدة من المواجهات والحروب في الإقليم، ومصير فلسطين مرتبط بمصير الإقليم، هذا صراع مديد وبتقديري علينا أن نوطّن النفس على فكرة أننا في مواجهة تاريخية. مصير فلسطين ومصير الإقليم مترابطان وبالنهاية سيُهزم ترامب، هذا الإمبراطور الأبله الذي لن يتحمّل أن يُمنى بخسائر لا هو ولا حلفائه. كل هذه المافيات عندما تصطدم بإرادة مقاومة الشعوب ستتكبّد الخسائر وستراجع حساباتها وسترحل عن هذه المنطقة.
بيار أبي صعب: مهرّج أبله ربّما ولكن مَن رأى المشهد في دافوس قبل أيام كيف فرض ترامب على دافوس مرتمراً صحافياً أعلن فيه عن مجلسه الوهمي بميثاق وقّع عليه رؤساء الدول، كانوا إلى جانبه على المسرح ككومبارس، إذاً لديه القدرة.
وليد شرارة: لديه القدرة في هذا الإطار الذي منذ بضع سنوات قالوا إنه أصبح لا يمثّل شيئاً لأن العولمة تفكّكت وانهارت وعدنا إلى مرحلة الصراع بين القوى الكبرى. الخطاب في دافوس أتى كبناء مؤسّساتي مرتبط به، العولمة السعيدة والقرية العالمية وانفتاح الاقتصاد، كل هذا أُعيد النظر به. اليوم هناك واقع دولي جديد تتصاعد فيه الصراعات والحروب بين القوى الكبرى. كل مرحلة دافوس أصبحت من الماضي، جاء ترامب المهرّج الاستعراضي ليعقد هذا الاجتماع وليعلن هذا الميثاق ولكن وقائع الأرض لا علاقة لها بخطاب ترامب ولا بالمخطّطات التي تُرسم على الورق. واقع الميدان هو الذي سيحدّد مصير غزّة ومصير فلسطين ومصير الإقليم، نحن نتّجه نحو مواجهات كبرى أخرى وهذه المواجهات في الميدان هي التي ستقرّر مصير هذه المنطقة وليس عصابة المافيا التي اجتمعت في دافوس ولا مَن قبل بأن يسير في ركابها من قادة الإقليم.
بيار أبي صعب: حين تقول مواجهة في الميدان هل تتحدّث عن انبعاث للمقاومات أو للمقاومة ضد العدو الإسرائيلي؟
وليد شرارة: المقاومة لم تمُت لكي تنعث، اليوم هناك وقف لإطلاق النار ولكن المقاومة لا زالت موجودة في غزّة وفي لبنان. هناك استهداف لإيران وقد نذهب باتجاه حرب كبرى مع إيران، كل هذه المواجهات وغيرها هي التي ستقرّر مآلات هذا الصراع وليس هؤلاء الذين ليس لديهم القدرة على التأثير في وقائع منطقتنا. هم يستطيعون التدمير والتخريب ولكن لا يستطيعون التحكّم بما سيحصل في اليوم التالي. جاءت الولايات المتحدة إلى افغانستان وزعمت أنها ستعيد بناء أمّة، نسوا كل هذا الكلام، بعد 20 عاماً هربت من أفغانستان، الأمر نفسه حصل في العراق، وإذا عدنا إلى تجارب تاريخية أخرى فنحن في مواجهة طبيعتها تاريخية تتعلّق بتحديد مصائر أمم وشعوب. ما يجري في منطقتنا من حيث طبيعة الصراع لا يختلف عن هذه الصراعات، الذي سيقرّر مآل الأمور هو الصراع والمواجهة على الأرض. المقاومة في فلسطين لديها مشروع واضح ولديها أهداف واضحة وهي لم تمت بعد. لن تكون هناك سنغافورة في غزّة ولا هونغ كونغ، ما سيحصل في المستقبل القريب ستقرّره المقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني.
بيار أبي صعب: الختام مع إدوارد سعيد "الاستعمار ليس مجرّد نهب واستيطان بل هو عملية صياغةٍ للعقول وإبادة للوعي، أما التحرّر الحقيقي فيبدأ حين ترفض الضحية تعريف الجلاد لها". ومع غسان كنفاني "إنهم يسرقون رغيفك ثم يعطونك منه كسرة ويأمرونك أن تشكرهم على كرمهم، يا لوقاحتهم". شكراً لضيوفي وليد شرارة، السيّد شبل، مكرم خوري مخول، شكراً على المتابعة وإلى الأسبوع المقبل...