خصخصة النظام العالمي

نقد لقرارات الإدارة الأميركية - الدولية للصراعات، ترى في "السلام" المطروح وصاية وهيمنة تتجاهل حقوق الشعوب وتكرّس منطق القوة والمصالح... ما الخطر المحدق بدولنا العربية؟ وما تأثير قرارات إدارة ترامب على المنطقة وخاصة فلسطين؟ وعن أي سلام يتحدث ترامب؟ العالم إلى صراعات تتصاعد وتتجدد... هل نشهد حرباً عالمية ثالثة؟ وأي دور للدول العربية؟ وما المواقف من المتغيرات في المنطقة؟

نص الحلقة

 

حمدين صباحي: في غزّة هل يمكن لمجلس السلام العالمي الذي يدير المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ للتو أن يحقّق للشعب الفلسطيني ما يستحق؟ هل يقتصر على إدارة الحياة اليومية أم يقدّم إجابة على السؤال الفلسطيني عبر تاريخ هذا النضال: الحق في تحرير فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؟ 

في سوريا، هل الاتفاق الأمني مع إسرائيل هو مجرد ترتيبات أمنية أم أنه يمس بالسيادة ويجرّ سوريا نحو التطبيع؟

وهل ما شاهدناه أول أمس من اتفاق مع الأكراد يحقق وحدة وطنية ندعو إليها ونرحّب بها بإقرار حقوق المكونات السورية في إطار دولة وطنية ديمقراطية، أم هو تعبير عن تمدد نفوذ تركي في الشمال يقابل النفوذ الصهيوني في الجنوب؟

وفي العالم على امتداده، هل ما أقدم عليه ترامب من اختطاف رئيس فنزويلا والدعوة العلنية لإسقاط النظام في إيران والإقدام على الإنذار باحتلال غرين لاند، فيما يمكن أن يهدد وحدة تحالفه مع أوروبا، هل كل هذا تعبير عن نظام عالمي جديد؟ وفي هذا العالم كله، هل ما يفعله ترامب من اختطاف رئيس دولة في فنزويلا والتهديد العلني والدعوة لإسقاط نظام في إيران والتلويح باحتلال غرين لاند يبشر بنظام عالمي جديد؟

هل نحن أمام أفول للإمبراطورية الأمريكية يدعوها إلى ممارسة هذه القوة العالية من أي قانون في العالم؟ أم أننا أمام خصخصة النظام الدولي على يد ترامب؟

أسئلة سنجتهد في لقاء الليلة أن نبحث لها عن إجابة. تحية عربية طيبة.

 

حمدين صباحي: التحية مجدّداً ودائماً لأهلنا في غزّة، تاج الصبر العظيم. مع بداية العام دخل اتفاق وقف إطلاق النار مرحلته الثانية بإعلان ترامب عن تشكيل مجلس السلام العالمي الذي يرأسه. المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار تحتاج أن ننظر إلى ما تقدمه أو يمكن أن تقدمه لشعبنا الفلسطيني في غزّة، وهل ما تقدمه يكافئ ما أعطاه شعبنا من تضحيات؟

نحن أمام مجلس له تشكيل وأهداف. إذا تأملنا ماذا يريد هذا المجلس أن ينجز بحسب وثائقه وتصريحات ترامب، سنلاحظ أمراً رئيسياً: لا توجد على الإطلاق في مهام مجلس السلام العالمي أية رؤية ذات طابع سياسي لشعب له حق تاريخي ناضل من أجله قرابة قرن وقدم كل هؤلاء الشهداء وتحمل إبادة جماعية من أجله. لماذا الفلسطينيون قدموا هذه التضحيات المهولة حتى يستعيدوا حقهم ويقرروا مصيرهم ويقيموا دولتهم المستقلة، يعبروا عن هويتهم الوطنية في إطار أمّتهم العربية وعالمهم؟ هل هذا الهدف الغالي الرئيسي، أن يتمتع الشعب الفلسطيني كما كل شعوب الأرض بحق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، هل هذا وارد على خطة أو أهداف مجلس السلام العالمي؟

الإجابة القاطعة: لا، هذا غير موجود. إذاً نحن أمام مجلس لم يأتِ لحل أساس الصراع ما بين أصحاب الحق الشعب الفلسطيني والمغتصب الصهيوني. هذا مجلس يريد أن يدير الأزمة وليس حل الأزمة. هذا مجلس لم يأتِ حتى يرى طريقة عادلة لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني بطرق سلمية بعد وقف سيل الدم وما تعرض له. هذا مجلس جاء حتى يدير استمرار هيمنة العدو الصهيوني من دون تكلفة الهيمنة. لماذا؟ لأن إسرائيل لا تريد احتلال غزّة ولا تريد الجلاء عن غزّة، تريد أن تسيطر على غزّة باحتلال منخفض التكاليف وتؤديه بأدوار وساطة ليس بالغير، لكن يقبض العدو الصهيوني على القرار الجوهري الرئيسي، ثم يتم تنفيذه على الأرض بما يحقق مصالح للعدو الصهيوني ويمنع أهداف الشعب الفلسطيني بأدوات دولية وإقليمية ومحلية. هذا جوهر مشروع ما يسمى الآن مجلس السلام العالمي. 

تعالوا ننظر كيف شُكّل هذا المجلس: مستويات متعددة. فوق ترامب، باعتبار أن ترامب هو رسول السلام إلى العالم، وطبعاً هو مصرّ أن ينال نوبل، وغزّة هذه جزء من أوراق اعتماده. تحته مجلس: مجلس السلام العالمي، تحت ترامب، يرأسه ترامب أو مع ترامب. لكن الحقيقة لا تنفع كلمة "مع"، هذه ترامب لا تسير معه كلمة "مع"، لكن تنفع معه كلمة "تحته". هو الرئيس وتحته مجلس من سبعة أعضاء. أول أمر سيلاحظه أي شخص وهو يقرأ أسماء تشكيل هذا المجلس هو من 7، أن 6 منهم أمريكيون، بمن فيهم روبيو وزير خارجيته ونسيبه وصهره جارد كوشنر ومبعوثه واتكوف للشرق الأوسط. حتى عندما جاؤوا بشخص هندي، تبين أنه هندي الأصل رئيس البنك الدولي ومعه الجنسية الأمريكية. وعندما جاؤوا بشخص غير أمريكي، جاؤوا ببريطاني، وأي بريطاني؟ الذي نال في لحظة ما لقب "ذيل الكلب الأمريكي" وهو توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق. 7 هؤلاء وفوقهم ترامب هم مجلس السلام العالمي. تحت هذا المستوى، في حد يسمونه "المندوب السامي". مندوب سامي في غزّة، طبعاً هذا بلغاري، بلادينوف، رجل عمل في منظمات دولية، راضٍ عنه ترامب. لكن تأملوا حتى اللقب: "المندوب السامي". طبعاً نحن كعرب عندنا تاريخ مازال محفوراً داخلنا من العلاقة هذه: المندوب السامي البريطاني والفرنسي الذي كان تعبيراً عن نفوذ المستعمر الذي هو فوق إرادة شعوب أمّتنا في كل أقطارها.

فكان المندوب السامي البريطاني في مصر أيام الاحتلال الإنكليزي، هذا كان يستطيع فرض كلمته على الملك في مصر (طبعاً قبل ثورة 23 يوليو 52) وعلى الحكومة المنتخبة، وكانت إرادة المندوب السامي البريطاني تسمح له أن ينذر ملك مصر أنه ما لم يشكل في التاريخ الفلاني حكومة برئاسة فلان (طبعاً أنا أشير لواقعة شهيرة في التاريخ المصري لما أرادت إنكلترا أن تشكل حكومة برئاسة النحاس وأكرهت الملك في مصر على هذا).

المندوب السامي البريطاني كان في القدس، هذا من العوامل الرئيسية لتسهيل تحقيق وعد بلفور واغتصاب فلسطين. المندوب السامي الذي كان موجوداً في سوريا ولبنان كان فرنسياً، له في التاريخ وقائع مريرة.

الخلاصة: كلمة "مندوب سامي" أو "ممثل سامي"، حتى في اختيارها كعنوان، هي استعادة لتواريخ مُرة عشناها كأمّة ودفعنا فيها أثمانًا فادحة وتخلصنا منها بعد تضحيات عظيمة. حالياً، ترامب يعيد تذكيرنا نحن العرب بزمن الاستعمار القديم ويدخل مندوب سامي تحت مجلس السلام حتى يبقى المندوب السامي في غزّة.

لدينا مستوى آخر أيضاً اسمه "المجلس التنفيذي لغزّة". وهذا بالإضافة لمجلس السلام فيه حتى الآن 4 مطروحين، منهم وزير خارجية تركيا ووزيرة من الإمارات ومسؤول سياسي كبير من قطر بالإضافة إلى مدير المخابرات العامة المصرية. ومن المقترح أن يُضاف له شخصيات أخرى. هذه مهمته أن يكون حلقة وسيطة ما بين مجلس السلام وما بين المستوى الثالث الذي هو "مجلس إدارة وطنية لقطاع غزّة". هذا الذي شُكّل وعلى رأسه الدكتور علي شعث ومعه عدد من الشخصيات الفلسطينية، فيها قدر من التنوع، غير محسوبة مباشرة على فصائل بعينها وتم التوافق عليها. هذه ستمثل الإدارة المحلية اليومية لقضايا غزّة كسكان: الصحة، والتعليم والمرافق والخدمات وإدارة الحياة داخل غزّة. نستطيع أن نقول إنها أقرب لسلطات مجلس محلي تخضع للتوجيه الاستراتيجي. وهذه مهمة مجلس السلام العالمي برئاسة ترامب. ماذا سيدير هذا المجلس من التكنوقراط الفلسطينيين أو هذه لجنة الإدارة المحلية الفلسطينية من حيث المضمون؟ ستدير 46% من قطاع غزّة من ناحية مساحة الأرض، لأن 54% من مساحة القطاع لا زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى الخط الأصفر وتعدّيات جيش الاحتلال بعد الخط الأصفر.

عندما قلنا أن التشكيل مهم والأهداف مهمة حتى نستطيع نقول لأي مدى سيقرب وليس سيحقق الشعب الفلسطيني من أهدافه، أنا أعتقد أن وجود مجلس سلام كل قيادته الرئيسية ليس فيها فلسطيني واحد ولا عربي واحد، وبعض العرب في المستوى الثاني وهو المجلس التنفيذي لغزّة، وثم أهل غزّة موجودون في سلطة الإدارة المحلية وهي المستوى الثالث.

إذا غاب الفلسطيني عن القرار، إذا غاب العرب جميعاً عن القرار الاستراتيجي، فلا ينبغي أن نتوقّع من مجلس السلام أنه هو يقترب من الهدف الفلسطيني والعربي المتعلق بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. حتى الانسحاب من غزّة لا يوجد كلام واضح عليه. غزّة أكثر من نصفها تحت الاحتلال، وليس على خريطة مجلس السلام العالمي أية خطة بتوقيت محدد لإتمام هذا الانسحاب. هذا مؤجل حتى يروا إلى أي مدى سيستطيعون أن يهيمنوا على الحياة في غزّة وينزعوا سلاح المقاومة بكل فصائلها وبالذات حماس ويطوّعوا البيئة الغزّاوية المستعصية على الخضوع لأغراضهم وتأمين إسرائيل. وبعد ذلك تبقى تنظر في قضية الانسحاب عندما تريد. نحن أمام مرحلة في صراعنا العربي الصهيوني في محطة مهمة من هذا الصراع، يعاد فيها فرض الوصاية على غزّة من خلال مجلس السلام، في غياب فلسطين من قمة القرار في هذا المجلس، في غياب عربي، وفي مشاركة تنفيذية لا تقرر السياسات وإنما تنفذ ما يقرره مجلس السلام.

ما أنا متأكد منه ولعلكم جميعاً متأكدون أن مجلساً بقيادة ترامب وبمثل هذا التشكيل لن يعبر عن أي إنصاف أو حياد، لأن أمريكا لم تكن في يوم من الأيام طرفاً =محايداً، ولم يكن في مقدور ولا في إرادة الإدارة الأمريكية في أي لحظة أن تكون منصفة مع حقوق مشروعة واضحة للشعب الفلسطيني. كانت مع دولة الاحتلال وستبقى معها. لهذا، مجلس السلام العالمي الذي الآن عملوا له ضجة احتفالية كبرى، نحن لا نستبشر به حتى يرضى الاحتلال عنه بأنه مطمئن لأوضاع غزّة وسينفذ انسحابه من الـ54% التي لا زال يحتلها من القطاع. مَن سيدير الأمن في القطاع الفلسطيني؟ الفلسطيني سيكون قوة شرطية تحفظ حدود الأمن، لكن القرار الأمني في الجزء غير الخاضع للاحتلال الإسرائيلي المباشر سيكون في يد ما يسمّى – وهذا من ضمن هيئة مجلس السلام العالمي – "قوّة الاستقرار". قوّة الاستقرار هذه سيكون على رأسها أيضاً أمريكي، الجنرال غاسبر غريفير، وهذا من الذين لهم تاريخ في العمليات الخاصة ومقاومة الإرهاب في الجيش الأمريكي. فأنت أمام قوة استقرار دولية تحفظ السلام في غزّة بقيادة أمريكية، وهذه لن تخضع للسلطة المحلية من اللجنة الوطنية الفلسطينية التكنوقراط، بل ستخضع لقرار ترامب. إذاً، في وصاية سياسية تعطي ترامب من خلال مجلسه سلطة القرار الاستراتيجي، وفي هيمنة أمنية تعطي أيضاً لقوات بقيادة أمريكية. طبعاً، أمريكا لا تريد أن ترسل جنوداً أمريكيين وترسلهم إلى غزّة. ستكون هناك قوة فيها مشاركة بها من أطراف، لكن قرارها أمريكي حتى يتم هذا. نحن أمام استدامة لاحتلال باسم الوصاية، عودة لزمن المندوب السامي. الفكرة هذه كلها في تصميمها وأهدافها وتشكيلها وطريقة إدارتها تثير الغضب عند أي إنسان حر، لأنها تتجاهل حقائق الأرض، تتجاهل الحقوق المشروعة الفلسطينية، تتجاهل سيل الدم العظيم الشريف الذي نزف من أجل حرية مستحقة لفلسطين، تتجاهل أي درس في صنع السلام. السلام لا يقوم على الغصب، السلام يقوم على العدل. وسلام غير عادل هو بناء هشّ على ركام أو رماد أو رمال.

الذين غير قادرين في مجلس السلام أو غيره أن يقدّروا قيمة النضال الفلسطيني عبر التاريخ، لا يفهمون بالإنسانية ولا في التاريخ ولا في الحلول ولا في معنى السلام. أنا تذكّرت أمراً قد يثير في محل الحزن قدراً من الضحك، وهي "حرب الإيمو". لو أحد تذكّر من حضراتكم "حرب الإيمو العظمى" كما تسمى، هذه في تاريخ أستراليا شهيرة في ثلاثينات القرن الماضي. الإيمو هذا طائر بري مسالم، وبالرغم من أنه طائر فهو لا يطير، هو كالنعام، وله قدر من الذكاء. تعرضت أستراليا لجفاف حرَم الإيمو هذا من القدرة أنه في موطنه في أستراليا لا يستطيع أن يعيش، فبدأت تحصل مناوشات ما بين الإيمو وبين الفلاحين، ويذهب الإيمو إلى المزارع والحقول حتى يأكل أو يأخذ من الفلاحين محاصيلهم أو حبوبهم، وحصلت اشتباكات. قامت أستراليا، قررت أن تواجه الإيمو بالجيش. نزل الجيش في "حرب الإيمو العظمى"، الجيش يحارب هذا الطائر المسالم الذي يبحث عن حقه في أن يبقى في موطنه وله أسباب للحياة.

طبعاً، أستراليا أنفقت مبالغ هائلة في حرب الإيمو ولم تنتصر، لأن الإيمو ذكي وبدأ بالقيام بتشكيلات ويسير في جماعات أو أسراب محددة ويتفرق عندما يجد عساكر أستراليين بأدواتهم وعتادهم العسكري وبندقياتهم. حتى وصل الناس في أستراليا إلى أن الحل لن يحمي الفلاحين في أستراليا من الإيمو إلا أن نضمن للإيمو حقه في موطنه الأصلي الذي يعمره ويمد بالمياه وأسباب الحياة. فانتقلوا إلى هذه الطريقة في الحل، لأن الجيش هُزم أمام الإيمو.

إذا كان التاريخ في تجارب، بالإضافة للبيئة، ما أكثر التجارب الإنسانية في التاريخ الإنساني: أن الإنسان لا يمكن أن يفرط في أرضه ولا أن يرضى بالمهانة، وإذا أُكره عليها لا يستمر بالخضوع لها. فالإنسان، الذي يفكّرون في سلام حقيقي، الشعب الفلسطيني لن يكون أقل من الإيمو. لا يصلح أن يُنزَع من موطنه أو يُحرم من العيش فيه، ولن يقبل أن يُدجَّن كطائر مسالم تُرمى إليه بعض الحبوب وتُقدم له مشاريع اقتصادية جديدة في غزّة. والكلام عن الإعمار وكلام عن التنمية مع نزع الحق الأصيل في الحرية في تقرير المصير، سلام لن يؤدّي إلى حق الشعب الفلسطيني في الحرية، هو هدنة زائفة ولن تدوم.

فاصل:

حمدين صباحي: يقولون – وهذا صحيح – "شرّ البلية ما يضحك". الواحد شعر برغبة في الضحك والبكاء على البلوة الجديدة التي ترامب يبشر بها، وهي في دماغه ولا يعرف إلى أين سيذهب بالعالم بهذه البلوة. يريد إنشاء مجلس السلام العالمي الذي هو طبعاً مقصود به كان يدير غزّة في مرحلة انتقالية، وبناءً على خطته من عشرين بنداً التي تم التوافق عليها تحت ضغوط الهيمنة الأمريكية والتي ذهبت لمجلس الأمن فأصدر قراراً أعطى قدراً من الشرعية لمجلس السلام بشأن غزّة الذي سيرأسه ترامب. ترامب في دماغه أن يوسّع مجلس السلام هذا بحيث لا يكون معنياً فقط بغزّة – التي من أجلها وفي ظلها ومن أجل خطته لإقرار السلام تسمّى هكذا في غزّة – خرج هذا القرار من مجلس الأمن، طبعاً بموافقة إجماعية مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، أخذ هذه الشرعية لهذا المجلس الانتقالي للسلام في غزة، ويريد تحويلها إلى شرعية دائمة وينتحل صفة أن مجلس السلام هذا مؤسّسة دولية دائمة مهمتها إقرار السلام على الطريقة الترامبية، طبعاً في العالم. يقول: ماذا؟ ترامب حالياً، مجلس السلام هذا، أنا سأدعو رؤساء الدول للانضمام إليه. ومن يريد الجلوس في مجلس السلام العالمي يدفع مليار دولار. الدولة التي ستدفع مليار دولار نقداً ستكون عضواً في مجلس السلام. كيف سيُشكّل مجلس السلام؟ من ترامب رئيسه، هذا أمر مفروغ منه لأنه هو فوق مستوى البشر كما يرى نفسه. الآن يتألّه في ظل سكوت الآخرين. ولاحقاً، الدول التي ستكون أعضاء ستجلس لمدة ثلاث سنوات، إلا مَن سيدفع مبلغ أكبر من المليار أو ما يزيد، قد يفتح فترة عضويته في مجلس السلام العالمي. مجلس سيُشكّل بالمال: مَن يود أن يشتري مقعداً يدفع. ترامب هو صاحب المجلس، أتاوة المليار، ويكون عضواً في مجلس السلام العالمي. ما هي مهمته؟ هو =سيحفظ الأمن في العالم. كيف سيأخذ قراره؟ كل دولة لها صوت – وهذا كلام جيد جداً – وكل دولة لها صوت، والقرارات بالأغلبية، ديمقراطي محترم، بشرط أن يوافق عليها الرئيس الذي هو ترامب. "شر البلية ما يضحك". هذا تصوّر مطروح من أكبر رئيس دولة في العالم وأقوى دولة في العالم الآن، ويُسمع وتتم مناقشته. فيما يعني أننا نحن أمام مرحلة يريد ترامب فيها، باختصار، خصخصة النظام العالمي. نظام عالمي جديد: الشعوب منذ سنين تطالب بنظام عالمي جديد أكثر إنسانية وعدلاً وتمكيناً لشعوب الجنوب العالمي التي استُضعفت كثيراً أن تتمتع بخيراتها وتنمو وتحصل على ما يليق بها من حياة في مواجهة النظام العالمي القائم الذي أمريكا أيضاً أساس فيه. فإذا بترامب يقفز إلى الجهة الأخرى المغايرة تماماً، يريد نظاماً عالمياً جديداً على مقاسه، باطماعه، بنزواته، بتكوينه الشخصي، بالمصالح الأمريكية الضيقة على حساب الشعوب، ويريد أن يقيم لها مجلساً: الاشتراك فيه بمليار دولار، والقرار فيها محكوم بفيتو وحيد هو ترامب نفسه.

أليس هذا كلاماً يُضحك ويُبكي أيضاً؟ هذا الذي نحن نواجهه في العالم الآن. وهذا ممكن نتكشف دوافعه عن الإدارة الأمريكية وترامب. وأريد أن أقول إن ترامب يبدو نزقاً، شخصياً غير قابل للتوقع، تاجر شجع، مقاول، تبع صفقات، سمسار. لذلك يريد إقامة نظام عالمي أقرب لأنه نظام مؤسّس بمفهوم وفلسفة المقاولات: تجمّع للمقاولين لإقامة نظام عالمي، قطاع خاص. لكن هذا الكلام ليس منفصلاً عن الإدارة الأمريكية، لأن ترامب لا يعمل بمعزل عن دولة عميقة لها مطامع ولها مصالح ولديها مخاوف. عندما يدعو ترامب لمثل هكذا مجلس، لسلوكه وآخره، ما يفعله أو فعله أو سيفعله في 3 نقاط مهمة من العالم: في فنزويلا، في إيران، وفي غرين لاند.

في هذه الثلاث نقاط يتكشف إلى أي مدى أمريكا تفكر بطريقة طماعة وطريقة تحتقر وتعتدي على القانون الدولي، وقادرة بقدر كبير من السفور الفجّ أن يكون وجهها مكشوفاً – كما نقول – وتطلب. بعدما خطفت رئيساً شرعياً هو مادورو وعرضته للمحاكمة في عدوان على كل مفاهيم القانون الدولي، أن تصرّح علناً: "أنا ذاهبة إلى فنزويلا من أجل النفط". سرقة دولية تحت الأضواء. وقائع موت معلن – على رأي عنوان الرواية الشهيرة – هذه وقائع سرقة دولية معلنة لنفط فنزويلا ومواردها واختطاف خارج القانون لرئيسها وإعلان حرب عليها فعلية وأخذ مادورو أسير حرب بدعوة أنها ستحاكمه على تجارة المخدرات. ما كل هذا الإسفاف؟ ما كل هذا الاحتقار لأية قيمة قانونية؟ هذه لكن ترامب فعلها.

في إيران، ترامب يجاهر بأنه يريد إسقاط نظام الحكم في إيران. لماذا؟ لأن إيران شكلت منذ 79، عندما بدأت الثورة الإسلامية وأقامت نظامها في الجمهورية الإسلامية في إيران، شكلت عقبة كؤود ضد الأطماع الأمريكية في هذه المنطقة من العالم. لأنه بعدما آل الشاهنشاهية كانت خادماً مطيعاً للمصالح الأمريكية وشرطيّاً غليظاً على الخليج العربي وغيره من الدول المجاورة لصالح أمريكا ومصالحها وتدفق النفط إليها، أصبحت بعدما الثورة أطاحت بالشاه مؤيدة لفلسطين، للعدالة، لحق الشعوب في التحرر، للتنمية المستقلة، وضد الأطماع الأمريكية. هنا نجد أن ترامب يأخذ خطاً واضحاً يريد إسقاط النظام في إيران، وإسرائيل تريد نفس الهدف.

إلى أي مدى يعطي هذا العالم فرصة لترامب أن يسرق فنزويلا وكل مواردها ويختطف أو يأسر رئيسها، يطالب جهراً بإسقاط النظام في إيران، ثم يريد ضم غرين لاند ضد إرادة الدنمارك التي تتبعها، ضد إرادة أهل غرين لاند أنفسهم، وضد حلفائه في الناتو وهم الاتحاد الأوروبي؟ ترامب يفكك تحالفاته الرئيسية. الناتو أمام معضلة حقيقية لأنه دولة عضو فيه أو راعية له – وأكثر من أنها عضو هي أمريكا – الآن تهدد بالقوة باحتلال جزء من أراضي دولة في نفس الناتو. الناتو يتفكك، هو على وشك التفكك. إيران تقاوم، فنزويلا تقاوم، غرين لاند تقاوم. هذا في إطار دنيا واسعة لا تريد الخضوع للولايات المتحدة الأمريكية.

عندما نحن نكون أمام – كما يقول تشومسكي، المفكر الأمريكي العميق المحترم – يقول أن هذا النزوع للتغول خارج الحدود، وعندما يترافق النزوع له قهر الأصوات المعارضة للإدارة المحلية – كما تم مع شباب أمريكي الذي وقف مع فلسطين ضد الإبادة في غزّة وضدّ الإدارة الأمريكية – وتزايد القمع الداخلي في أمريكا والتعسف والعدوان الخارجي على العالم من قِبَل الإدارة الأمريكية، يقول لك هذا تعبير عن أزمة الإمبراطورية التي تأخذ طريقها للأفول. أمريكا إمبراطورية عجوز، وطريقها للأفول، للاضمحلال، لتضعف القوى داخلياً وفي نطاق هيمنتها على العالم يضعف ضعفاً شديداً. يريد أن يقاومه ترامب بطريقة مؤسفة أو مضحكة، فيعيّن نفسه خارج الأمم المتحدة رغم أنه مسيطر عليها مع 4 آخرين – خمسة لهم حق الفيتو. لا، هو يريد أن يخرج الآن من المنظمة =الدولية أو يمهد له، بعد ما خرج من أكثر من 60 منظمة دولية. من شهر أعلن أن الولايات المتحدة ليست عضواً. لماذا؟ لا يريد أن يتحمل مسؤولية تضامنية مع بقية دول العالم تجاه نظام عالمي فيه تشارك في تحمل المسؤوليات. يريد فقط تحقيق مطامعه بأقل كلفة وأعلى قدرة على النهب. لذلك يفاجئنا الآن بخصخصة النظام الدولي بالعنوان العجيب المريب المبكي المضحك: مجلس السلام العالمي.

 

مضر الشيخ إبراهيم - مختص في الشأن السياسي الإقليمي: الاتفاق الذي جرى بين السلطة المؤقتة في دمشق والعدو الإسرائيلي هو اتفاق تم بطلب لا يُرفض أمريكي وبمحاباة لإسرائيل وبتجنٍّ إضافي ومظلمة إضافية للحقوق السورية في الجنوب السوري، حيث أن الإسرائيلي لن يكلّ أو يملّ بالبحث عن قضم، أكبر قطعة من الأراضي والمساحة الجغرافية السورية لحمايته بالمعنى الأمني، وصولاً إلى كل ما يستطيع إليه سبيلاً من اقتصادي، والخلاص إلى موضوع التطبيع بين العدو الإسرائيلي والسلطة الجديدة في سوريا. لذلك هو اتفاق يشبه اتفاق الضفة الغربية بين السلطة الفلسطينية – سلطة أوسلو – والعدو الإسرائيلي. لا يختلف إلا بالعناوين العريضة، أما في المضمون فهو في الجوهر واحد.

فيما يخص السويداء، لنتفق أن اليوم عندما وصلت السلطة المؤقتة الحالية في هذا الظرف الدراماتيكي إلى سدّة الحكم في سوريا وحظيت كما شاهدنا بهذا الاحتضان من واشنطن وسواها، فاليوم الاختلاف في سوريا أصبح على السردية الوطنية الجامعة. بمعنى: عندما يتم الجهد الكبير والمتواصل لإلغاء وتزوير دور إخوتنا الأهل في السويداء في جبل العرب بالقيام بأي شيء في الثورة السورية الكبرى، وصولاً إلى حتى تناول رمزهم الأكبر وهو القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، عندما يتم تزوير الحقائق ونفي الأدوار البطولية لهؤلاء القوم في كل المحطات التاريخية لسوريا، وأيضاً كلما يعكس ما كان يقوم به أهلنا في الجولان العربي السوري المحتل عندما يأتي الشباب للتعلّم في جامعات دمشق رغم المشقة والصعوبة وقتها، وأيضاً بعدم قبولهم بالتجنيد في جيش العدو الإسرائيلي، كل تلك المحطات التاريخية عندما يتم نسفها من خلال تناولهم وتناول رموزهم وتناول وجودهم الحيوي والتاريخي في سوريا، نرى اليوم بأن ما تم في هذا الواقع يؤدي إلى جعل السويداء على مشروعيّة لصالح الدعاية الإسرائيلية ولصالح الزيف في التاريخ، وصولاً لما نشاهده من بعض الأصوات التي تؤمن – مع الأسف – بالخلاص الفردي لبعض أطياف المجتمع السوري. لأن في هذا الوقت اليوم نشاهد فقط أن الخلاص الفردي لبعض أطياف المجتمع السوري هو الأولوية، بينما عندما تعود الأمور إلى رشدها – وستعود إن شاء الله – سيكون الخلاص الجماعي للوطن هو الحل الأمثل لهذه البلاد، ليس الخلاص الفردي للطيف الفلاني والطيف الآخر. لأن الإسرائيلي لم يكن ولم يكن في تاريخه حامياً لأطياف المجتمع السوري، إنما سيكون فقط هو ينظر إلى الآخر نظرة العبد ونظرة الأجير ونظرة العبد في المشاريع الكبرى. لذلك، الموضوع في السويداء هو موضوع طارئ الآن، لديه أزمة حقيقية مع السلطة في دمشق التي تتعاطى معهم وفق كل هذا زيف الادعاء من تاريخ مشرق ومن بطولات مستمرة في التاريخ السوري. فهذا بسبب ذلك وليس العكس.

 

حمدين صباحي: سوريا الحبيبة، التطوران كبيران. نحن في باريس وجدنا إسرائيل جالسة مع سوريا برعاية أمريكية في عاصمة أوروبية، وتمخّض عن ذلك اتفاق أمني. قبل الأمس وجدنا أحمد الشرع ومظلوم عبدي يوقعان اتفاقاً يتعلق بالمناطق التي تشمل الرقة ودير الزور والحسكة في سوريا. وهذا نتاج اجتماع في أربيل، كما اجتماع باريس شاهده طوم باراك مع مظلوم عبدي والبرزاني. التطوران كبيران ومهمان ولهم علاقة بالتحولات التي تجري في سوريا وصراع النفوذ على سوريا.

في البداية، الاتفاق الأمني مع إسرائيل لم يكن مجرد تسوية لخطوط اشتباك كما قُدّم لاتفاق أمني يضمن مصالح الطرفين. الحقيقة هو كان أبعد من ذلك.

أولاً، هو يعطي لقوة الاحتلال الإسرائيلي هدية شبه مجانية بأن لن يأتي على ذكر الجولان السوري على الإطلاق. الجولان تم تغييبه عمداً أو تواطؤاً لكي =يكون تحت احتلال ممتد من دون نقاش من قِبَل السلطة في سوريا لحقها في استعادته. جبل الشيخ تقريباً ضُمّ للجولان، أصبح منطقة – في إقرار بموجب نصوص هذا الاتفاق – أنها ستبقى تحت هيمنة مباشرة من إسرائيل. أيضاً، هذا الاتفاق أعطى لإسرائيل ضمانات في تفريغ الجنوب السوري من أي قوة عسكرية معبرة عن السيادة السورية: مناطق حماية وعزل وضمان لأمن إسرائيل يمنع فيها التواجد السوري العسكري إلا في حدود ما ترضى عنه سلطة دولة الاحتلال. لكنه أيضاً عبر باتجاه التطبيع خارج حدود الاتفاقات الأمنية، حتى يتحدث عن مناطق اقتصادية مشتركة إسرائيلية سورية أمريكية، فيها كلام عن مشاريع إنتاجية وإنتاج طاقة من قوة الرياح، ووصل الأمر لإنشاء منطقة تزلّج – تزلّج على الجليد – من قمة جبل الشيخ. الرعاية الأمريكية لهذه الاتفاقات لا تنسى المصالح ولا تنسى أن تعطي أموراً تضمن زحلقة لكل ما لا يريده ترامب أو إسرائيل.

نحن أمام متغير ليس فقط هناك ترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل. نحن أمام متغير يحجم ويقلص سوريا كدولة ويأخذ من سيادتها وينتزع منها أدواراً كانت تلعبها من قبل.

في المقابل، اجتماع أربيل أفضى إلى اتفاق الشرع-عبدي، ودخل الجيش العربي السوري مناطق كانت تهيمن عليها قوات قسد. تراجعت قسد، ومن الواضح أن الأمريكان – المتغطي بهم عريان – لم يحموا حليفهم في شمال سوريا من الأكراد وتركوه وبلغوه فيما يبدو بأنهم سيتركونه، مما اضطره إلى أن يتقهقر تماماً من غرب الفرات، وشرقه سيكون محل تفاوض في المرحلة القادمة.

بخصوص هذا الاتفاق، لا بد من أن نقول بوضوح أننا مع كل ما يحقن الدم السوري. هذا الاتفاق يحقن الدم. نحن مع كل ما يؤكد وحدة التراب السوري ووحدة الدولة السورية ووحدة الشعب السوري. وهذا الاتفاق هو خطوة في هذا الاتجاه. لذلك يجب أن ننظر له بطريقة إيجابية من زاوية قدرته على أن يقدم حلاً سلمياً دون إراقة دماء يحفظ حقوق لكل مكونات الشعب السوري. إعلان الذي أصدره الرئيس المؤقت الشرع بخصوص أن الجنسية تعود لمن كانوا مكتومين أو ممنوعين من إحصاء 62 من الكرد، أن اللغة تُدرّس، أن النيروز عيد قومي، أن يكون في شراكة بساحات معتبرة من مراكز السلطة الوطنية في سوريا، كل هذه إجراءات نحن نراها إيجابية على الطريق الصحيح لوحدة سوريا التي لن تستقر إلا بنظام ديمقراطي حقيقي يحفظ للمكونات السورية حقوقها ويحفظ لسوريا وحدتها أرضاً وشعباً وسلطة. لكن ما نودّ أن نتنبه له أن كما أن النفوذ الصهيوني تمدد في الجنوب السوري بالاتفاق الأمني الذي عُقد في باريس، فالنفوذ التركي أيضاً أخذ نصيبه في شمال سوريا بهذه الاتفاقيات الجديدة، لتبقى سوريا الحبيبة منطقة تقاسم نفوذ: صهيوني في الجنوب، تركي في الشمال، أمريكي في الوسط.

 

حمدين صباحي: لا تقتل العشب، أكثر للعشب روح. يدافع فينا عن الروح في الأرض. يا سيد الخيل، علّم حصانك أن يعتذر لروح الطبيعة عما صنعت بأشجارنا. آه يا أخت الشجرة، لقد عذّبوك كما عذّبوني، فلا تطلبي المغفرة لحطاب أمّي وأمّك.