مع مصطفى البرغوثي... عام 2026... علامَ نُقبل؟
2026 تطل على أنقاض عام التحولات، عودة إلى الزخم الجيوسياسي تترافق مع إعادة ترتيب شاملة للأولويات، حيث تترنح التحالفات القديمة وتكتب القواعد من جديد. من إبادة غزة إلى العدوان على إيران، ومن أميركا ترامب إلى إقليم يزداد اضطرابا، تتكشف مشاهد عالم يعيش على وقع هدن هشة، وأزمات مفتعلة، وحروب متنقلة. قمم باهتة تعكس تصدعات عميقة في العلاقات التقليدية، وتطرح أسئلة كبرى حول كيفية تغير المعادلات وإعادة توزيع النفوذ. أي عالم يمكن أن ينبثق من ركام عام الاضطرابات؟ وعلام نقبل؟
نص الحلقة
مايا رزق: إنها البقعة التي تُعرف بالإثنين في المئة، سحرت العالم، قلبته، بدّلته، والأهمّ أيقظته على حقيقة ما حصل ويحصل وقد يحصل.
مايا رزق: ومَن يستطيع أن يُزيح نظره عن غزّة، البقعة التي أعادت تعريف العالم، حتى ترامب نفسه يقول إنه يرى غزّة.
مايا رزق: ولكن ماذا رأى ترامب في غزّة أصلاً؟ ماذا يعرف عن مدرسة الحياة في أقصى جنوب فلسطين؟ وماذا يعرف العالم عن غزّة التي ما عرفت إلا سنوات الحرب والإبادة وسنوات الصبر على الحصار؟
صبر أنبت حياة من تحت الرُكام على مرّ العقود، وحوّل غزّة، رغم الحصار والظروف القاسية، إلى واحة تنبض بالحياة والعمران والطاقات والعِلم والفرح. هذه هي غزّة التي تريد إسرائيل محوها عن الخريطة.
غزّة التي لا نريد اليوم إلا أن نرى فيها كل ما هو جميل.
شكّلت بيتاً لنحو مليونَيْ ومئتي ألف فلسطيني، أكثر من 66 في المئة منهم شَهِدوا النكبة عام 48 وهُجّروا من قراهم ومدنهم التي سرقتها إسرائيل.
هي خزّان بشري فتيّ، لا يزيد عمر 70 في المئة من سكان القطاع عن 30 عاماً: شبان وشابات بعُمر الورد يعشقون الدراسة، محاصرون من كل الجهات، إلا أنهم يحاصرون الجهل. فنسبة الأمّية لا تزيد عن 1 في المئة. ولا نبالغ إذا قلنا إنه لكل عائلة مهندس وطبيب.
المجتمع الشاب يتوزّع في خمس محافظات رئيسية: رفح، وخان يونس، ودير البلح، وغزّة، وشمال غزّة. محافظات نصف مساحاتها تقريباً كان صالحاً للزراعة وللحياة قبل الإبادة الإسرائيلية. هكذا هي غزّة الفتيّة التي ولدت من رحم احتلال جهنمي، شنّ عليها حروباً متتالية وتحت مسمّيات مختلفة، ولكن بهدف واحد.
مايا رزق: هكذا ترى دانييلا فايس وحكومتها وأكثر مجتمعها الاستيطاني مستقبل غزّة. ولكن هل سيقبل الفلسطينيون بذلك؟ هل يرضى صاحب الأرض بما هو أقلّ من حقّه الطبيعي، وهو قدّم ما يفوق الطبيعة ليراه العالم ويرى غزّة أخيراً؟
مايا رزق: على 365 كيلومتراً مربعاً، تصارع الملايين من حول العالم — ليس أمام شاشات التلفزة أو مواقع التواصل الاجتماعي — إنه صراع داخلي مع الذات والمبادئ الإنسانية والقِيَم المزيّفة والسرديات الكاذبة، ليتّضح للعالم — ولو تأخّر الأمر لعقود ولأجيال دُفنت تحت التراب — حقيقة واحدة.
مايا رزق: ففلسطين التي شهدت على مرّ العقود محاولات لإقصائها إقليمياً عن مشاريع المستقبل، ودفن قضية شعبها واعتبارها من الماضي، تعيش اليوم بداية عام جديد ونهاية عوالم عرفناها لا بل لم نعرف سواها.
فمن غزّة وحدها يمكن استشراف الغد وما سيحمله لفلسطين ومنطقة غرب آسيا كلها. وعن الغد، "اذهب أعمق" هذه الليلة مع الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، دكتور مصطفى البرغوثي.
مايا رزق: مسرورة بوجودك معنا، الأمين العام لحركة المبادرة الفلسطينية، دكتور مصطفى البرغوثي. في هذه الحلقة معكم سنحاول كشف واكتشاف الفيلسوف والطبيب الذي في داخل الرجل السياسي الوطني الذي — صراحة — أمضى سنوات حياته دفاعاً عن قضيته الأمّ، وفعلاً خلق فرقاً في الرواية. بداية كل عام، وأنت بألف خير، وأهلاً ومرحباً بك في "اذهب أعمق".
أسألك عن 2025: كم مرة قُتِل فيها الفلسطيني؟
مصطفى البرغوثي: أولاً، تحية لك. وكل عام وأنتم وشعبنا الفلسطيني والشعب اللبناني بخير إن شاء الله، وكل شعوبنا العربية وكل الإنسانية، الإنسانية التي تقف بإخلاص إلى جانب الحق والعدل. سؤالك مهم جداً. في عام 2025، تواصل قتل الفلسطينيين يومياً، ليس فقط في =قطاع غزّة، وليس فقط في الضفة الغربية، بل في كل مكان وُجد فيه الفلسطينيون. لأنه حتى عندما لا يُقتل الإنسان شخصياً، ويرى إخوته وأهله وعائلته يتعرضون لهذا الذبح الإجرامي الذي مارسته إسرائيل في غزة، فهو من الداخل يشعر بالقتل. لذلك نعم.
ولكن أيضاً، إلى جانب هذا الإجرام الذي تعرضنا له — وهذه النقطة لن أملّ من تكرارها — أهل غزّة البواسل صنعوا أسطورة ومعجزة كبيرة بالصمود والبطولة، وأفشلوا الهدف الرئيسي لهذه الهجمة الإجرامية، وهي التطهير العرقي. وهذا ما يفعله الآن الفلسطينيون في باقي أنحاء فلسطين.
مايا رزق: دكتور مصطفى، شهدنا إبادة موثقة على الشاشات، تم استكمالها عام 2025 بلا محاسبة. ولكن انتهى الأمر حتى الآن بوقف للنار بهذه الاتفاقية التي هي بلا عدالة أصلاً. الحقيقة الثانية: إلى أي مدى واقعها سيؤدّي بطبيعة الحال إلى إعادة للحقيقة الأولى، وهي الإبادة؟
مصطفى البرغوثي: بالواقع، إن هناك وقف إطلاق نار، ولكن لا يوجد وقف للحرب. الحرب مستمرة. وأنا أقصد بذلك الحرب الفعلية. ما يجري في غزّة منذ =أعلن وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر حتى الآن، أكثر من 420 فلسطينياً استشهدوا برصاص جيش الاحتلال، وأكثر من 1120 شخصاً — ربما الرقم أكبر حتى الآن — ولم تتوقف الأعمال العسكرية الإسرائيلية. والعدوان حتى على خصوصيات الناس متواصل. الطائرات المُسيّرة الإسرائيلية تحلق فوق رؤوس الناس على مدار الساعة.
لذلك، وقف إطلاق النار أُعلن، ولكن الحرب لم تتوقف. والحرب — أنا أقصد بها الحرب بالمعنى الواسع للكلمة — حرب إسرائيل على الشعب الفلسطيني. وخصوصاً ما يجري الآن، بالإضافة إلى ما يجري في غزّة، طبعاً ما يجري في الضفة الغربية من إرهاب استيطاني ومن عدوان من قِبَل جيش الاحتلال لا يتوقّف على كل المدن والقرى.
أكثر ظاهرة خبيثة رأيناها في عامَيْ 2024 و2025، وخصوصاً في عام 2025، هي ملاحقة إسرائيل لضحايا نكبتها الأولى في عام 1948. كل هذا الحقد على اللاجئين الفلسطينيين الذين يشكلون 70 في المئة من سكان قطاع غزّة. كل هذا الحقد على المخيمات الفلسطينية سواء في غزّة أو في الضفة الغربية، مثل مخيمات جنين وطول كرم ونور شمس. هذا يظهر أن إسرائيل تحاول أن تمحو وجود الضحية حتى لا تُذكّر بجريمتها الأصلية في عام 48.
ومع ذلك، تفشل. أكثر رقم أذهلني، وأنا هنا أحيّي فرقنا الطبية والصحية في قطاع غزّة، صحيح أنه خسرنا 71000 شهيد في هذين العامين، وكل شهيد منهم ستبقى ذكراه حيّة وله قيمة كبيرة، سواء كان طفلاً أو رجلاً أو امرأة.
ولكن خلال هذين العامين، صمدت غزّة وأنجبت 85050 طفلاً جديداً بقوا أحياء بفضل كل هذه الطواقم الطبية التي عملت في أصعب الظروف وأقصى الإمكانيات. وخرجت غزّة — التي دمّرت إسرائيل كل جامعاتها ومعظم مدارسها — 168 طبيباً أخصائياً تدربوا خلال الحرب. هذا دليل على حيوية وإصرار هذا الشعب رغم كل الجرائم المُرتكبة.
مايا رزق: هي معجزة غزّة صراحة من كل المقاييس. وهنا لا نتحدث شعراً، بل واقعاً لا يمكن استيعابه صراحة.
عام 2025، هاجمت إسرائيل سبع دول، أتحدّث عن فلسطين: غزّة والضفة طبعاً، إيران، لبنان، اليمن، قطر، وسوريا. أهي الحقبة الأكثر سواداً، الأكثر ضعفاً، الأكثر خُذلاناً؟ وبالتالي، لما تمهّد؟
مصطفى البرغوثي: الواقع أن =الذي تقوم به إسرائيل، بالاختلاف عن العقود الماضية، لا يقتصر عدوانها على الشعب الفلسطيني — سواء في فلسطين أو في لبنان — أو على الشعب اللبناني. الآن وسّعت دائرة هجماتها لتشمل المنطقة بكاملها. وهذا له معنى كبير، لأن هذا يعكس حقيقة أن إسرائيل تعتبر نفسها تحت قيادة العنصريين والفاشيين من طراز نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، تعتبر نفسها الآن القوة الإمبريالية في الشرق الأوسط.
ولن يتوانى نتنياهو عن أن يقول إنه يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، كأنه يريد أن يخترع سايكس-بيكو جديداً.
ولذلك، هذه الاعتداءات التي نراها في كل مكان، والتحالفات التي تحاول إسرائيل أن تنشئها مع بعض الأطراف في المنطقة — كما فعلوا مع أرض الصومال، كما سمعتم في الفترة الأخيرة — هي محاولات لفرض الهيمنة الإمبريالية على كل المحيط العربي وحتى الإسلامي في المنطقة.
وهذا يطرح على كل الشعوب وعلى كل الحكومات تحدّياً كبيراً. المسألة لم تعد الوقوف في وجه إسرائيل، لم تعد مسألة تضامن مع الشعب الفلسطيني، بل أن تقوم هذه الدول بالدفاع عن نفسها وعن شعوبها نفسها المعرّضة الآن لعدوان إمبريالي إسرائيلي جديد.
طبعاً، هذا يتوافق مع الرؤية الأمريكية الأخيرة التي أُعلنت من قِبَل مجلس الأمن القومي الأمريكي: الرؤية الأمنية الأمريكية التي تريد أن تنقل جزءاً من صلاحيات الولايات المتحدة أو مهام الولايات المتحدة في السيطرة على مصادر وثروات المنطقة إلى إسرائيل أو إلى أطراف أخرى.
إذاً هنا، إسرائيل تتقدّم كقوة تسعى لأن تكون الإمبريالية المهيمنة، وأيضاً تسعى لأن تأخذ جزءاً من مهام السيطرة الاستراتيجية للولايات المتحدة. وهذا مغزى كل هذه الاعتداءات التي رأيتموها.
مايا رزق: سنسأل بعد قليل إذا ما كان هذا الأمر سيكون فقط فعلاً من دون أيّ ردّ فعل وازن بالنسبة للدول التي تتعرّض للاعتداءات.
ودائماً في إطار القراءة، قراءة ما حدث في 2025 علناً نقوم بمحاولة استشراف لما قد يحصل في العام المقبل.
إذاً، عن الدبلوماسيات والصراعات جنباً إلى جنب، هكذا وُصِف عام 2025. فما أبرز الأحداث التي طبعته؟
بداية: اتفاق على وقف إطلاق النار في غزّة — تحدّثنا عنه مع ضيفنا — أوقف أفظع إبادة موثّقة: إبادة قتلت ودمّرت وهجّرت وجوّعت حتى الموت من دون محاسبة. غير أن الانتهاكات الإسرائيلية لم تتوقف. عدد الشهداء منذ الاتفاق زاد عن 414 شهيداً، وعدد الإصابات زاد على 1145 جريحاً.
انتهاكات أيضاً تسجّل في لبنان بقصف متكرّر ومتنقّل يطال القرى الجنوبية، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت التي شهدت عملية اغتيال للشهيد أبو علي الطبطبائي.
وفيما أنهى ترامب هذا العام بلقاء نتنياهو، جدّد لغة التهويل تجاه إيران بعد حرب مفصلية.
ففي حزيران/يونيو من العام الماضي، شنت إسرائيل عدواناً على أهداف داخل إيران شملت اغتيالات لقادة. فكان الرد الإيراني بصليات صواريخ على مدى الأيام الـ12، أوقعت خسائر لدى إسرائيل قُدّرت بنحو 12 مليار دولار، وقد تتجاوز العشرين ملياراً إذا أُضيفت الأضرار غير المباشرة.
أما العدوان الأمريكي، فجاء في الثاني والعشرين من حزيران/يوليو، مستهدفاً منشآت نووية. إيران ردّت بقصف على قاعدة العديد في قطر.
وفي جهة أخرى من الكرة الأرضية، تصعيد آخر، والولايات المتحدة مجدّداً في صلبه. تحرّكات أمريكية في بحر الكاريبي وصفتها فنزويلا بالتصعيد العدواني. فقد عزّزت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة بنقل قوات وطائرات عمليات خاصة ومعدّات كبيرة إلى الكاريبي — في مشهد نراه =للمرة الأولى — ومحاولة تنفيذ تطويق بحري على الناقلات. العمليات شملت استهداف قوارب وسفن تحت عنوان تهريب المخدّرات. فنزويلا اعتبرت هذه الأعمال قرصنة دولية، فيما أكّد مادورو الاستعداد لمواجهة الإمبراطورية الأمريكية.
دائماً في استعراض لأبرز ما جاء في العام الماضي — هذا العام الحافل بالتطوّرات — كل هذا في عام استهلّه ترامب بالحديث عن "عصر ذهبي جديد لأمريكا يبدأ من الآن": عودة صاخبة إلى البيت الأبيض، أعاد فيها رسم أولويات السياسة الأمريكية داخلياً وخارجياً، بما حمله ذلك من تأثير في العلاقات الدولية والاقتصاد والتجارة.
وفي هذا الإطار، حرب تجارية بواسطة الرسوم الجمركية قلبت الاقتصادات والأسواق العالمية.
باختصار، إنه عام الاضطرابات الذي شهد إعادة توتّر في أماكن مختلفة من العالم. نهاية العام شهدت إعادة التوتّر في جنوب اليمن، وأيضاً في السودان الذي يشهد صراعاً متأجّجاً تدخّلت فيه أطراف إقليمية ودولية، وسط أسوأ أزمة إنسانية في السودان. بينما لا تزال مواجهات أخرى مستمرة، وأبرزها:
المواجهة الروسية الأطلسية التي قال ترامب — نذكر جيداً قبل إعادة انتخابه — إنه قادر على حسمها بـ24 ساعة.
أذهب إليك دائماً، دكتور مصطفى: من غزّة إلى إيران إلى أوكرانيا، هل نقول بأنه كان عام تفجّر الصراعات، أم انكشاف لوَهْم الاستقرار الذي عاشه العالم لعقود؟
مصطفى البرغوثي: كلا الأمرين صحيح. ولكن في مسألة أكبر، ربما وهي ذات أهمية كبرى: غزّة كشفت وعرّت النظام العالمي. غزّة كشفت أنه لا وجود للقانون الدولي بالنسبة لعدد كبير من الحكومات الغربية. كشفت أن كل التشدّق بالقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي كان مجرّد كلام. وكشفت كل ذلك النفاق الذي يكمُن وراء مَن جاؤوا ليُعلّمونا الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي.
وعندما بدأت المجازر في غزّة =وحرب الإبادة الرهيبة وجرائم حرب لا مثيل لها في التاريخ الحديث، سكتت كل هذه الحكومات التي تدّعي الحرص على القانون الدولي.
الذي جرى في غزّة أنه كشف انهيار هذه المنظومة، المنظومة التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كان أبرز معالمها نشوء الأمم المتحدة واعتماد القانون الدولي الخ...
بل أكثر من ذلك، أُنشئت محكمة الجنايات الدولية أساساً. عندما أُنشئت محكمة الجنايات الدولية، كان أحد المبرّرات الرئيسية لإنشائها قضية الهولوكوست التي ارتكبت من قِبَل ألمانيا النازية والفاشية ضدّ اليهود.
ولكن عندما وضع الأمر على المحك، وحسبت إسرائيل على جرائم حرب ترتكبها — جرائم حرب لا تقل بشاعة عما فعله النازيون باليهود أنفسهم — هذا جعل العالم الغربي ينكفئ عن هذه المنظومة التي أنشأها.
ووصل الأمر إلى درجة أن الرئيس الأمريكي يتّخذ إجراءات عقابية ضدّ مَن؟ ضدّ حُماة القانون الدولي: ضدّ محكمة الجنايات الدولية وقضاة محكمة العدل الدولية.
أنا برأيي، الذي يجري الآن في العالم، طبعاً ليس فقط في غزّة، بل مثلاً هذا التهديد بالعدوان على فنزويلا، بأيّ حق؟ أو قبل قليل سمعنا تهديدات تتعلّق بالتدخّل في الشؤون الداخلية لإيران. مَن يعطي الولايات المتحدة الحق أن تتصرّف كأنها حاكمة العالم؟ نحن عدنا إلى مفاهيم...
مايا رزق: طالما السؤال سيكون: ليس مَن يعطيها الحق، هل مَن يمنعها من القيام بذلك أو ماذا؟
مصطفى البرغوثي: وهذه هي الفجوة في النظام العالمي الحالي. لأنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، نشأ وضع غريب: وضع أصبح فيه قوّة مهيمنة واحدة في العالم. والآن يَلِد عالم آخر: عالم متعدّد الأقطاب. ولكن لم يصل بعد إلى درجة القدرة على الوقوف في وجه ما يجري من قِبَل الولايات المتحدة.
هذه الفترة فترة صعبة، لأنها فترة نشوء قوى — مخاض جديد لقوى — لم تصل بعد إلى القدرة أو لم تنظّم نفسها حتى الآن لكي تستطيع أن تتصدّى لما يجري.
ربما يكون انشغال الصين بالأزمة بالحصار الاقتصادي الذي تتعرّض له، أو المنافسة بالأحرى الاقتصادية التي =تتعرّض لها وإشغال روسيا أيضاً بما يجري في أوكرانيا، والهجمات التي لا تتوقّف على جنوب إفريقيا وعلى نظام الحُكم التقدمي في البرازيل، كلها عوامل تحاول أن تضعف هذه القوة الوليدة.
ولكن من دون شك، العالم بحاجة إلى تعدّد الأقطاب كي يحمي نفسه ويحمي مستقبله. وإلا، كل مصير البشرية سيكون على المحكّ ومعرّض للخطر.
مايا رزق: بانتظار ذلك، وهذه الولادة بطبيعة الحال، يقول زيغمونت باومان — هذا الفيلسوف البريطاني البولندي — يقول: "إن زمن الأزمات المنفصلة أو المحلية لم يعد موجوداً، بل نحن نتحدّث عن أزمات مُتداخلة دائماً".
إلى أي مدى ما حصل في العام الماضي وأيضاً ما سبقه يثبت لنا بأن الأزمات في منطقتنا هي مُتداخلة لدرجة الالتحاق؟ وبالتالي، إن وُجدت، يجب أن تكون حلولاً شاملة. من أين نبدأ في التشخيص وفي الحل؟
مصطفى البرغوثي: أولاً، درجة عولمة العالم لم تصل إلى هذا المستوى إلا في الفترة الأخيرة، مستوى غير مسبوق على الإطلاق. بمعنى أن العالم، كما يقال أحياناً، أصبح قرية صغيرة. كل العالم مترابط.
التطوّر الأكبر الذي وحّد ما يجري ومعرفة ما يجري في العالم هو التطوّر الهائل في وسائل الاتصال الاجتماعي السوشيال ميديا.
نحن شهدنا على مدار العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية تطوّراً هائلاً في وسائل الاتصال وتطوّراً هائلاً في وسائل الإعلام. ولكن القفزة الكبرى التي جرت مؤخّراً هي القفزة في وسائل الاتصال الاجتماعي، لأنها حرّرت الشعوب من هيمنة وسائل الإعلام المُسيطّر عليها إما من الحكومات أو المُسيطّر عليها من رأس المال الكبير.
وهذا التحرير جعل المعلومات تصل إلى كل الدنيا. وهذا طبعاً أحد أهم أسباب هذا التعاظم العظيم في التضامن مع الشعب الفلسطيني بصورة لم يسبق لها مثيل.
وبالتالي، العالم موحّد، وكل ما يجري فيه يؤثّر على ما يجري في مكان آخر. وبالتالي، التصدّي لما يجري يصبح اليوم مهمة عالمية.
ولذلك، أنا أقول إن النضال الوطني الفلسطيني يعتمد في المرحلة القادمة والمرحلة الفورية على عاملين:
العامل الأول: الصمود البطولي للشعب الفلسطيني وبقاؤه في وطنه رغم كل ما يتعرّض له من تهجير وتنكيل وإجرام سواء في غزّة أو الضفة أو في الداخل الفلسطيني — أراضي الـ48. ولكن هذا وحده لا يكفي.
العمود الثاني الذي يسند النضال الفلسطيني هو هذه الثورة العالمية من التضامن الدولي. وهي ضرورة وملحّة لكي يكون هناك ضغط للشعوب على الحكومات.
مايا رزق: دكتور مصطفى، قبل قليل ذكرت بأن غزّة ساهمت بتعرية النظام الدولي، بكشف الكثير، ليس فقط النوايا، بل الأعمال الإجرامية لدول كبرى والمساهمة في حرب الإبادة، وكل شيء كان مُتلفزاً. ولكن تحدّثت عن أن أحداً لم يحرّك ساكناً نظراً لهذه المصيبة التي حلّت في غزّة.
=تقول مجلة "فورين أفيرز"، نشرت مقالاً أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2025 تحت عنوان "زوال السلام العظيم: هل تقترب المواجهة بين الدول الكبرى؟"
هل علينا أن نستشعر ذلك انطلاقاً مما حصل في غزّة وعدم وجود أي رادع لما حصل في غزّة وما يحصل أصلاً في المنطقة؟
مصطفى البرغوثي: فعلاً، علينا أن نتوقّع تصاعد العدوانية. وأنتم ترون العدوانية لها أشكال مختلفة: من التدخّل في شؤون الشعوب نفسها، إلى التدخّل في انتخابات التي تجرى في بعض البلدان كما جرى مؤخّراً في تشيلي.
مَن كان يتخيّل أن تشيلي التي تحرّرت بعد ديكتاتورية رهيبة واضطهاد رهيب تعرّض له الشعب التشيلي وجرائم رهيبة ارتكبها نظام بينوشيه الديكتاتوري بدعم من الولايات المتحدة في حينها، عندما نُظّم انقلاب على الحكومة الشرعية، مَن كان يتخيّل أن يعود للحُكم فيها فاشيون يناصرون بينوشي ويرفعون صوره؟
هذا طبعاً لم يكن ليحدث لولا ظاهرة عالمية مهمّة يجب أن نذكرها، وهي أنه الآن في اصطفاف في العالم بين قوى التحرّر والقوى الإنسانية والتقدّمية، وبين قوى فاشية.
الفاشية تصعد مرة أخرى: ليس فقط في إسرائيل، ليس فقط تحوّل النظام العنصري الصهيوني الإسرائيلي إلى نظام فاشي، بل أكثر من ذلك، هناك أنظمة وأحزاب فاشية عادت لتظهر في أوروبا، وهناك أنظمة وأحزاب فاشية عادت لتظهر في أمريكا اللاتينية.
وبالتالي، الذي نراه الآن هو تحالف بين الفاشيين يجري على امتداد المعمورة. وهذا يؤكّد ضرورة تحالف كل قوى التحرّر =والتقدّم في العالم للتصدّي لما يجري، والتصدّي للعدوانية الجديدة التي ترفع رأسها.
السبب الوحيد لأنه لم تنشب حتى الآن حرب عالمية ثالثة — السبب الوحيد لعدم نشوبها حتى اللحظة — هو وجود القنابل النووية. لولا هذا التوازن النووي ومعرفة جميع الأطراف أن أية حرب عالمية ثالثة ستؤدّي إلى استخدام الأسلحة النووية، وبالتالي زوال الكرة الأرضية بشكل عام — حيث إن ما تملكه دول من أسلحة نووية الآن يكفي لتدمير الكرة الأرضية 150 مرة — فبالتالي هذا هو السبب الوحيد لماذا نحن لا نرى حرباً عالمية.
ولكن نحن نرى حروباً متعدّدة ومتكرّرة واعتداءات متواصلة. ورأينا ذلك في بداية القرن الحالي عندما جرى العدوان على العراق واحتلاله، وجرى العدوان على أفغانستان وعلى دول أخرى. وكانت هذه البداية.
الآن نحن نشهد اعتداءات من طراز جديد. ولكن احتمال تحوّلها إلى حروب مباشرة أيضاً قائم.
الخطر هو في خطر الفاشية — أنا أسمّيها الفاشية العالمية الآن — التي تحاول أن تجرّ العالم إلى أوضاع في غاية الخطورة، وإلى أوضاع كارثية بالكامل.
مايا رزق: تفضل بالبقاء معنا، دكتور مصطفى البرغوثي. وأيضاً الدعوة لكم، مشاهدينا الكرام. فاصل قصير، ونتابع هذه الحلقة من "اذهب أعمق" مع مصطفى البرغوثي.
مايا رزق: من جديد، أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام. ليس مجرّد امتداد للأحداث الماضية، عام 2026 سيكون محطة تثبيت أو إعادة تشكيل الموازين الدولية، هكذا يرى المحلّلون. فما الذي يجب توقّعه وفق الإعلام العالمي والagenda الدولية؟
جولة واسعة من الانتخابات ستشهدها الأشهر المقبلة، منها في هنغاريا وكولومبيا وروسيا ولبنان وغيرها. أحد أبرزها قد يكون على مستوى الانتخابات النصفية الأمريكية، التي — وفق "ذا إيكونوميست" — ستكشف ما إذا كان هناك خطر فعلي من نظام شبه استبدادي.
استطلاعات الرأي تؤكّد أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي غير شعبيين، ما يضع حزب الرئيس أمام تحدّيات معقّدة.
أما المحطّة الأخرى فهي في انتخابات الكنيست. بعد ثلاثة عقود من سيطرة نتنياهو على المشهد السياسي، هذا عِلماً أن الفشل متوقّع في التصويت على الميزانية في آذار/مارس، قد يفرض انتخابات مُبكّرة.
في منطقة غرب آسيا، ملفات عديدة يترقّب المحلّلون أي مسار قد تتخذه الأمور فيها، على رأسها غزّة: فما بعد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وملف إعادة الإعمار بكل تشعّباته، إضافة إلى الملف الإيراني مع تصاعد التوتّرات، والوضع في سوريا بعد عام مضطرب أمنياً.
كل هذا في ظل التقارير عن إعادة تنشيط خلايا داعش وتحوّل التنظيم إلى عناصر عالية الحركة من دون قيادة مركزية.
أما على نحو عام، فيجمع كثيرون على أن العام المنصرم شهد نهاية نظام عالمي وتشكّل نواة لنظام آخر. الملامح الأولى ستتّضح على مستويات رئيسية عديدة:
أولاً، على الصعيد الجيوسياسي، =حيث ستطوّر النزعة الترامبية إلى مزيج غريب من الاتفاقيات المتقلّبة في آسيا، والتدخّل القوي — خصوصاً في أمريكا اللاتينية — والصفقات الانتهازية، ولاسيما حول سلاسل التوريد الحيوية، في ظلّ استمرار حكم ترامب وفق مبدأ "السوبرانو".
أما المستوى الآخر، ففي الاقتصاد، حيث تأثير حرب الرسوم الجمركية سيصبح ملموساً بدرجة أكبر. أوروبا منشغلة، وهي أمام مجموعة استحقاقات مفصلية في شأن المواجهة الروسية الأطلسية. وافق قادة الاتحاد الأوروبي على 90 مليار يورو لأوكرانيا، بينما التكتّل مهمّش في الجهود الأمريكية للدفع نحو طاولة المفاوضات. هذا وسط مطالبات بتعزيز القدرات الدفاعية والاستقلال الاستراتيجي. أما اقتصادياً، فتوقّعات بتراجع النمو في كل منطقة اليورو.
أجدّد الترحيب بك، ضيفنا الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، دكتور مصطفى البرغوثي.
دكتور مصطفى، حضرتكم طبيب، وعقلية الطبيب عادة مُبَرْمَجة على أن تقوم بالتشخيص أولاً، ومن ثم البحث في العلاج الأمثل أو الأنسب.
كيف يمكن تشخيص ما يحصل اليوم في غزّة؟ هل تؤمِن فعلاً بأن هذه المراحل ستلتزم بها إسرائيل، أو تريدها إسرائيل، أو سيتمّ تطبيقها في ما يخص مراحل اتفاق وقف إطلاق النار؟
مصطفى البرغوثي: لا. إسرائيل لم تتخلَ عن هدفها المركزي، وما زالت تحاول. الهدف المركزي الإسرائيلي لحرب الإبادة التي شُنّت على غزّة كان وما زال التطهير العرقي لسكان غزّة.
أخطر ما قاله الرئيس الأمريكي في لقائه الأخير مع نتنياهو أنه عاد للحديث عن أن أهل غزّة "همّهم يريدوا أن يتركوا غزّة". وإذا توفّرت الظروف وقد تتوفّر الظروف سيرحل. حتى الرئيس الأمريكي عاد يتحدّث عن عملية ترحيل أهالي غزّة.
وهذا يترافق مع ما ذكرتموه قبل قليل، عندما تخرج عنصرية صهيونية مثل دانييلا فايس وتتحدّث عن إعادة الاستيطان إلى غزّة كما أعادوا الآن الاستيطان إلى منطقة جنين.
الهدف المركزي الإسرائيلي للضفة الغربية وغزّة والقدس وكل فلسطين هو التطهير العرقي. لماذا؟ لأن وجود الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية أكبر من الوجود اليهودي الإسرائيلي على هذه الأرض.
رغم أن إسرائيل هجّرت ما يزيد عن 8 ملايين ونصف مليون فلسطيني اليوم يعيشون في الخارج، رغم ذلك نحن عدّنا اليوم أكثر من 7.3 أعشار مليون وهذا أكثر من عدد اليهود الإسرائيليين.
هذا ما يقلق إسرائيل. يقلقها أيضاً — وهذه على فكرة ظاهرة مهمة جداً لا بدّ من أن أذكرها — أنه في خلال العامين الأخيرين لم تكن الأمور مريحة لإسرائيل. إسرائيل خسرت في هذه الحرب ما لا يقل عن 90 مليار دولار من الخسائر. أكثر من 60000 شركة إسرائيلية أغلقت أبوابها. ولكن الأهم: لأول مرة منذ عام 1950، النمو السكاني في إسرائيل سلبي: 0.9 في المئة، بالمقارنة مع 2.6 في المئة في الماضي.
وبالتالي، هم يشعرون بخطر وجودي من مجرّد وجود الشعب الفلسطيني على أرض وطنه. وبالتالي، يحاولون أن يشنّوا حرباً تشمل الإبادة والقتل، وتشمل الحصار الاقتصادي والخنق الاقتصادي، وتشمل محاولة تحييد الديموغرافيا عبر الترحيل للشعب الفلسطيني. لذلك، هذا يجب أن نفهمه جيداً. وصمود الفلسطينيين هو أهمّ أمر تحقّق.
=من ناحية أخرى، لن يتوقّف نتنياهو عن تخريب الاتفاق القائم، ولن يتوقّف عن محاولة.
تصوّري الآن: هم يتحدّثون وسمعنا أن هناك حديثاً مع الجانب الأمريكي (لا أعرف إن كانوا موافقين فعلاً)، ولكن الحديث أن إعادة الإعمار يجب أن تجري في المنطقة التي يسيطر عليها الإسرائيليون، ليس فيها ولا فلسطيني. الفلسطينيون محشورون الآن داخل غزّة، وفي منطقة لا تتجاوز 45 في المئة من مساحة قطاع غزّة، ويتعرضون لظروف قاسية جداً.
الألم الذي يعيشه شعبنا الآن نتيجة الأمطار ونتيجة العواصف ونتيجة انعدام المياه النقية وانتشار أوبئة كل هذا لا يقلقهم، ويتحدّثون الآن عن نماذج خطيرة جداً.
بالتالي، لا. المعركة مستمرة وستتواصل. والمهم أن يبقى الشعب الفلسطيني صامداً على أرض وطنه. برأيي، صمود وبقاء الشعب الفلسطيني هو هزيمة إسرائيل.
ولكن أيضاً يجب أن نلاحظ — ولأنك ذكرت موضوع الانتخابات الإسرائيلية — لا يتوقّعن أحد أن المعارضة الإسرائيلية الحالية تختلف عن نتنياهو. يعالون — هو في قلب المعارضة الإسرائيلية الآن — يلوم نتنياهو على أنه لا يقوم بعمليات عسكرية إضافية الآن وفوراً في قطاع غزّة. هذا من المعارضة!
إذاً، يجب أن نفهم أن لا يوجد حزب صهيوني في إسرائيل يمكن أن يكون راغباً في السلام. والذي نواجهه ليس مجرّد عدوان، وإنما منظومة استعمار استيطاني إحلالي خطيرة يجب مواجهتها بكل الوسائل.
مايا رزق: هذا ما كنت أريد أن أسألك عنه في ما يخص الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة. =هناك مَن يراهن بأنها ستكون مقتلة سياسية بالنسبة لنتنياهو. وهناك مَن يقول: كلا، هي ستكون نوعاً من استفتاء لهذا التوجّه اليميني الدموي المجرم في إسرائيل، وهو بات يعبّر عن المجتمع الاستيطاني؟
مصطفى البرغوثي: نعم، سيكون استفتاء على ذلك. بغضّ النظر لو نجح نتنياهو أو نجحت الأحزاب الأخرى، لأنه ما دام الحديث يدور عن أحزاب صهيونية، كلها ترفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، كلها ترفض فكرة الحل الوسط مع الفلسطينيين، كلها تتحدّث عن تطهير عرقي للشعب الفلسطيني، إذاً لا يوجد فرق.
القضية طبعاً: نتنياهو هو عنوان الجريمة من دون شك، ومطلوب الآن لمحكمة الجنايات الدولية الخ...
ولكن المسألة ليست نتنياهو. المسألة تيار فاشي في إسرائيل، وتيار عنصرية متطرف يريد أن يحسم المعركة مع الشعب الفلسطيني. كيف يحسم؟ بالتطهير العرقي. هكذا يفكرون.
وتسمعين عديدين منهم يتحدثون ويلومون: كيف أن بن غوريون في عام 48 سمح لـ150000 — هو لم يسمح، رغماً عنه — بقوا 150000 فلسطيني أصبحوا اليوم مليونَيْن — 21 في المئة من سكان إسرائيل — يلومونه على أنه لم يقم بتهجيرهم في حينه.
والآن، كما تلاحظين، كل الضغط الإسرائيلي يدور حول موضوع التهجير. وكل نضالنا يدور حول الصمود والبقاء في فلسطين.
مايا رزق: ومن هذا المنطلق، أريد أن أسألك قبل قليل في ما يخص اليوم التالي في غزّة كيف سيكون شكله؟ وهل ستكون غزّة بلا سلاح مقاومة؟ هل ستكون غزّة بلا سيادة سياسية؟
يتم الحديث عن هذه اللجان في غزّة — لم أحفظها، هي كثيرة — واحدة بإدارة ترامب نفسه يتحدث عن "مجلس سلام"، "مجلس تنفيذي" كان توني بلير سيرأسه، ومن ثم تغيّر الإسم، ومجلس محلي من شخصيات فلسطينية تكنوقراط أو مدنية.
هذا اليوم الفلسطيني في غزّة، عندما يفكر بالغد، بماذا يفكر؟ ما الذي يأتي إلى ذهنه؟
مصطفى البرغوثي: شكراً. هناك موضوعان: الموضوع الأول ماذا سيجري في غزّة، والموضوع الثاني موضوع سلاح المقاومة أريد أن أتحدّث عنه.
أولاً، بالنسبة لما يجري في غزّة وما سيجري: هناك صراع بين وجهتين، بين رؤيتين. رؤية فلسطينية يوافق عليها الوسطاء العرب أيضاً ويدعموها وهي تقول ثلاثة أمور:
أولاً، قوّة الاستقرار التي يتحدّث عنها ترامب يجب أن تكون قوّة حفظ سلام وفصل بيننا وبين الإسرائيليين، وأن تدخل إلى المنطقة التي ما زال فيها الجيش الإسرائيلي كي تخرجه منها. وبالتالي، هي قوّة لمراقبة وقف إطلاق النار وضمان وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية. هذه وجهة النظر الفلسطينية والعربية أيضاً.
وجهة النظر الأخرى التي تريدها إسرائيل أن تكون هذه قوّة قمع للشعب الفلسطيني، وأن تقوم بالتنكيل بالفلسطينيين.
مايا رزق: يتباهون في إسرائيل ويقولون بأن هذه القوّة ستكون عربية أيضاً؟
مصطفى البرغوثي: نعم. لكن المشكلة التي يواجهونها لا دولة في العالم تقبل أن تدخل في هذا الدور. حتى الدول المؤيّدة لإسرائيل يخافون من ذلك، يخافون أن يظهروا في صِدام مع الفلسطينيين مباشر، ويخافون ربما من أشياء أخرى ستكون عليها تبعات أمنية لبلدانهم. هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية: هذا المجلس الذي =يتحدّثون عنه مَن يدير غزّة؟ وجهة النظر الفلسطينية والمدعومة عربياً إنه يجب أن تُدار غزّة من أهلها، وفي لجنة فنية تم التوافق عليها مع الجانب المصري والقوى الفلسطينية، وأنا شاركت في ذلك النقاش في القاهرة، اللجنة تقريباً موجودة. لكن الجانب الإسرائيلي والجانب الأمريكي يريد أن تكون السيطرة على غزّة سيطرة خارجية. وهذا أمر نرفضه رفضاً باتاً.
طبعاً، كانوا يطرحون شخصية خطيرة مثل توني بلير. وهذا تمّ إفشاله، أعتقد من الحملة التي قمنا بها ضد مثل هذا التعيين لشخص معروف بدوره التدميري في العراق وأيضاً لفساده الخ...
مايا رزق: إذاً، النشاط العربي هو الذي أوقف هذا الأمر في ما يخصّ تعيين توني بلير على رأس هذه اللجنة؟
مصطفى البرغوثي: ليس فقط العربي، بل أيضاً الموقف الفلسطيني.
مايا رزق: إذاً، الموقف الفلسطيني أساس؟
مصطفى البرغوثي: طبعاً. أنا شخصياً، مع جيرمي كوربن — الزعيم العمالي سابقاً، والذي يقود الآن التيار البريطاني الداعم لفلسطين — كان هناك دور كبير على الصعيد الإعلامي في فضح وتعرية هذا الاحتمال. وطبعاً، هناك دول عربية أيضاً رفضت.
لذلك، السؤال الثاني: مَن سيدير غزّة؟ هل سيديرونها؟ ونحن نرفض أن تكون هناك إدارة أجنبية لقطاع غزّة.
النقطة الثالثة: موضوع معبر رفح. نتنياهو يريد أن يكون معبر رفح مفتوحاً فقط باتجاه مصر للتهجير. والموقف الفلسطيني والعربي معبر رفح يجب أن يكون مفتوحاً في الاتجاهين.
موضوع السلاح: هم يواصلون الحديث عن نزع السلاح، نزع السلاح، نزع السلاح، نزع السلاح. لا أحد يتحدّث عن نزع سلاح إسرائيل. مَن الذي يدمّر في المنطقة؟ مَن يدمّر ويضرب في لبنان وسوريا وضرب في إيران وقطر وضرب في كل مكان؟ إسرائيل.
مع ذلك، لا كلمة عن إسرائيل. حتى ولا كلمة عن نزع سلاح على مسافة 2 كيلومتراً عن الحدود حتى لا يكون هناك تحرك فوري للجانب الإسرائيلي.
ولكن المقصود هنا ليس نزع السلاح من الفلسطينيين. على فكرة، الحملة الجارية هي لنزع حق الفلسطيني في المقاومة والدفاع عن النفس، حق الفلسطيني في أن يقاوم الاحتلال بأي شكل من الأشكال، حتى لو كان بالكلام، حتى لو كان بالمقاومة الشعبية.
ولذلك، لاحظي الضغط على حماس في غزّة لنزع السلاح، والضغط على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية في ثلاثة أمور وهي أمور خطيرة:
أولاً، وقف رواتب الأسرى والشهداء وعائلات الشهداء ووضعهم في وضع خطير، وهذا أمر مرفوض وغير مقبول، وهناك احتجاجات عليه.
وثانياً، الضغط على السلطة الفلسطينية لتغيير المناهج الفلسطينية، لتغيير الرواية الفلسطينية.
وثالثاً، الضغط أنه مَن يشارك في الانتخابات عليها أن يلتزم باتفاقيات، أصلاً مزّقتها إسرائيل ورمت بها في سلّة المهملات.
لذلك، كما تلاحظين، الهجوم هنا على الفلسطينيين — بغض النظر عن غزّة أو الضفة أو أي مكان آخر — هو لتدمير الرواية الفلسطينية وحق الفلسطيني في أن يقاوم ويدافع عن قضيته.
مايا رزق: في ختام هذه الحلقة معكم، دكتور مصطفى البرغوثي، سنتوجّه إلى الشاشة الآن وسنعرض على حضرتكم عدداً من الصوَر. حول كل صورة سيكون هناك سؤال.
سأبدأ مع هذه الصورة لاتفاقيات إبراهام. هذه الاتفاقيات التطبيعية مع إسرائيل: هل كانت هذه الاتفاقيات العرّاب الخفي للصمت العربي والدولي تجاه الحرب في غزّة؟
مصطفى البرغوثي: أكثر من ذلك. لم تكن فقط عرّاباً للصمت والتقصير في دعم النضال الوطني الفلسطيني، وفتح الطريق حتى لتحالفات مع إسرائيل — استراتيجية وعسكرية وسياسية واستخباراتية — لكن الأخطر ما فيها أنها كانت المخطّط لتصفية القضية الفلسطينية.
لأنه: ما معنى تطبيع مع الدول العربية وإعلان سلام بينها وبين إسرائيل وتصفية القضية الفلسطينية في نفس الوقت؟ هذا هو الخطر الجوهري.
وأنا أعتقد أنها نجحت في إنجاز اتفاقيات مع بعض الدول، ولكن فشلت في هدفها الرئيسي.
مايا رزق: نذهب إلى الصورة التالية: هي صورة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. هل تمثل السلطة الفلسطينية اليوم مرحلة يجب إصلاحها أم تجاوزها؟
مصطفى البرغوثي: المسألة ليست السلطة الفلسطينية. المسألة حركة التحرّر الوطني =الفلسطيني. حركة التحرّر الوطني الفلسطيني افتقدت الآن للدور الذي يجب أن تقوم به منظمة التحرير التي قامت بدور قائد النضال الوطني الفلسطيني والممثل للشعب الفلسطيني.
وبالتالي، الحركة الوطنية الفلسطينية بحاجة إلى إصلاح جذري وإلى إعادة بناء. وما نحتاجه نحن كشعب فلسطيني الآن قيادة وطنية موحّدة للنضال الوطني التحرّري، وتجاوز كل ما يمكن أن يعيق ذلك.
مايا رزق: وأهمها الانقسام؟
مصطفى البرغوثي: طبعاً. الانقسام نشأ على أمرين لم يعد لهما وجود:
الأمر الأول: الخلاف البرنامجي، هناك مَن آمن بحل وسط مع الحركة الصهيونية مثل اتفاق أوسلو وغيره. إسرائيل قتلته. لم يعد هناك شيء اسمه حل وسط.
والسبب الثاني: الانقسام على الصراع على السلطة. السلطة الآن كلها تحت الاحتلال في غزّة والضفة. الجيش الإسرائيلي يدخل رام الله والبيرة وطولكرم وجنين، هذه المناطق التي يفترض أن تكون تحت السيطرة الفلسطينية، وطبعاً غزّة تحت الاحتلال.
وبالتالي، لا سبب موضوعياً للانقسام، ولا سبب موضوعياً لكي لا تتوحد كل الطاقات الفلسطينية على هدف النضال الوطني التحرّري، وليس الأوهام بإمكانية حلول وسط مع الحركة الصهيونية.
مايا رزق: الصورة التالية هي لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية التي ترأسها حضرتك. أين الحركة اليوم؟ وما الذي تمثله؟ وماذا حقّقت من أهدافها الأساسية الظاهرة هنا وهي للتغيير وإنهاء الانقسام تحديداً؟
مصطفى البرغوثي: للأسف، هذا الشعار كان مطروحاً في انتخابات لم تُجرَ. ولكن حركة المبادرة — برأيي — أدّت دورها الهام جداً في ثلاث مجالات:
أولاً، بتكريس فكر المقاومة الفلسطينية للشعب الفلسطيني وحقه في أن يناضل ويقاوم.
والأمر الثاني، في تكريس فكرة وضرورة الوحدة الوطنية الفلسطينية.
وثالثاً، في الدور الهائل الذي قامت به في حشد التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
وأخيراً، الدور الذي نطمح أن يتحقّق فعلاً، وهو أن يتم بناء ديمقراطية داخلية فلسطينية، وأن تقوم الوحدة على أساس الشراكة الديمقراطية، وليس على أساس التفرّد من أين كان.
مايا رزق: تبقى دقيقتان. سأذهب إلى هذه الصورة: تيودور هرتزل، عرّاب الصهيونية. في غزّة، تحقيق لحلم هذا الصهيوني الأول إذا يمكن وصفه؟
مصطفى البرغوثي: طبعاً، حقّقوا ما طمح إليه من إنشاء إسرائيل.
ولكن دعيني أقول أمراً قد يعتبره البعض مبالغاً فيه، ولكن هو ليس مبالغة على الإطلاق: هذا الحلم الذي تحقّق لهرتزل يواجه اليوم أكبر أزمة وجودية في تاريخه.
لأن كل المشروع عندما يضطر المشروع الصهيوني أن يتحلّل من ادعاء الديمقراطية والرغبة في السلام الخ... ويرتدي رداء الفاشية هذا دليل ضعف وليس دليل قوة.
مايا رزق: أختم مع هذه الصورة من القدس تحديداً هناك، دكتور. البيت سنوات الطفولة... وماذا عن المستقبل؟
مصطفى البرغوثي: القدس ستكون عاصمة لفلسطين، لا شك لديّ في ذلك. وستُحرّر من هذا الظلم ومن هذا الإجرام ومن هذا الاحتلال.
وإذا كانت لديّ كلمة أريد أن أقولها الآن، فهي: كل التحية والتقدير وكل الاحترام لشعبنا الرائع الصامد في غزّة، وشعبنا الصامد في الضفة الغربية.
ولكن تحية خاصة لأهل القدس الذين يقبضون على الجمر ويحمون المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ويصمدون على أرض القدس رغم كل ما يتعرّضون له من ضغوط لا أول لها ولا آخر.
وأنا أقول إن قصة صمودهم ونضالهم اليومي في كل ساعة وفي كل دقيقة يجب أن تُغطّى بصورة أفضل، لأنه بفضلهم ما زالت إسرائيل فاشلة في تهويد القدس.
مايا رزق: أشكرك جزيل الشكر، دكتور مصطفى البرغوثي.
ولمَن يسأل: لماذا تحدّثنا كثيراً عن فلسطين؟ لأن دكتور مصطفى يؤمن جيداً بأنه لا سلام في المنطقة، ولا يمكن استشراف الغد من دون رؤية ما يحصل في فلسطين والاتّعاظ منه. والسلام يبدأ هناك هكذا يرى ضيفنا.
أشكرك، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، دكتور مصطفى البرغوثي.
وإلى هنا، مشاهدينا الكرام، تكون هذه الحلقة من "اذهب أعمق" قد وصلت إلى خواتيمها.