غرينلاند.. ورقة الضغط الجديدة
عند حافة القطب، تُعاد كتابة قواعد التحالف.. هل تتحوّل غرينلاند إلى أداة ابتزاز أميركي للحليف التاريخي؟ وأي خيار يبقى أمام أوروبا في لحظة المفصل؟ تخيّل أن تمتلك مليارًا وسبعمائة مليون دولار… ماذا يمكن أن تشتري بها اليوم؟ شركة نفط؟ ميناءً استراتيجيًا؟ نفوذًا سياسيًا؟ لكن ماذا لو أخبرناك أن هذا المبلغ نفسه كان، قبل عقود، كافيًا لشراء مفتاح نفوذ عالمي؟ منذ عام 1946، حين حاول الرئيس الأميركي هاري ترومان شراء غرينلاند، وصولًا إلى عودة الطموح الأميركي في عهد دونالد ترامب، لم تكن غرينلاند يومًا مجرد جزيرة متجمدة. إنها عقدة جيوسياسية، وورقة ضغط كبرى على أوروبا، ومسرح صراع خفي بين القوى الكبرى. من الفايكينغز إلى البيت الأبيض، نغوص في قصة غرينلاند: لماذا تُعدّ اليوم الاختبار الأصعب لأوروبا؟ وكيف تحوّلت جزيرة نائية إلى قلب الصراع على النفوذ العالمي؟ اذهب أعمق… لتفهم أكثر.
نص الحلقة
مايا رزق: تخيّل معي لو أنك تملك اليوم نحو مليار و70 مليون دولار ماذا كنت ستفعل بها؟ قد تشتري شركة نفط ربما أو ميناءً صغيراً، قد تشتري أسهماً في أهم شركات التكنولوجيا، قد تستثمر في بلدان ناشئة، قد تموّل جهة سياسية أو ربما تتبوّأ بنفسك زعامة تيار معين، لكن هل فكرت يوماً أن ما يساوي هذا المبلغ عام 1946 كان سيشتري لك مفتاح نفوذ عالمي وأكثر؟ وهذا ما حلم به الرئيس الأمريكي هاري ترومان عندما عرض على الدنمارك شراء أكبر جزر العالم غرينلاند.
مايا رزق: وهكذا بُنيت القواعد الأمريكية والرادارات نُصبت والجزيرة دخلت المظلة الأمريكية من دون أن تخرج من السيادة الدنماركية، ولعل أشهر القواعد ما كان يعرف بقاعدة ثول، قاعدة تحولت إلى عين وأذن وإنذار مبكر قبل أن يولد الخطر أصلاً.
مايا رزق: إذاً غرينلاند ليست في هامش الدفاع الأمريكي بل في قلبه، إلا أن الحكاية لم تبدأ مع البنتاغون، بل قبل 1000 عام حين وصل الفايكينغ، لم تكن لديهم رادارات لكنهم فهموا أهمية الموقع حيث أطلق عليه إريك الأحمر "الأرض الخضراء".
لم تكن التسمية وصفاً بل كانت أقرب إلى وعد بجذب الآخرين إلى هذه الأرض، وهذا ما حصل فعلاً، عين العالم شخصت إلى الجزيرة واكتشفت الإمبراطوريات أن الجليد لا يعني الفراغ بل يعني موقعاً وعبوراً وسطوة، وهكذا سال لعاب الأمريكيين على مر العقود لامتلاك الجزيرة، عبثاً حاولوا شراءها لكنهم حرصوا على تثبيت وجودهم العسكري هناك حيث اعتقدت واشنطن أن الثلوج ستطمر أسرارها على الجزيرة.
عام 1968 قرب قاعدة ثول تحطمت طائرة عسكرية أمريكية، لم يكن الحادث عادياً ولم تُعلن تفاصيله فوراً، الطائرة كانت تحمل أسلحة نووية، القنابل لم تنفجر لكنها تحطمت وتناثر البلوتونيوم على الجليد، منذ ذلك اليوم لم تعد غرينلاند مجرد موقع إنذار مبكر بل خط تماس نووي لا بد من السيطرة عليه بشكل تام.
مايا رزق: بشرائه غرينلاند لا يشتري ترامب جزيرة وحسب، =هو يشتري اختصاراً، اختصاراً للطريق نحو القطب الشمالي، اختصاراً للزمن العسكري وربما اختصاراً للمواجهة مع روسيا والصين، ولكن ماذا لو كان الثمن اختصار القاعدة المؤيدة لترامب في داخل الحزب الجمهوري وحركة "ماغا" نفسها.
مايا رزق: والأخطر من ذلك ماذا لو كان الثمن اختصار عقود طويلة من الشراكة والتحالفات.
مايا رزق: فهل يطيح ترامب بحلف الناتو وعلاقات بلاده مع القارة الأوروبية من أجل غرينلاند؟ والأهم هل تستشعر القارة العجوز الخطر؟
مايا رزق: إذاً هو عالم جديد لا يميز فيه ترامب بين عدو أو منافس ولا يعير فيه أية أهمية للقوانين والأعراف الدولية، ليبقى السؤال ما هي حدود هذا العالم الترامبي؟
مايا رزق: كيف ستتعاطى أوروبا مع هذا الجشع إن طال فعلاً أجواءها الجيوسياسية في غرينلاند؟ هل تمتلك ما يكفي من القوة لتحمي مفصلها الشمالي أم أن غرينلاند ستنتزع من الخارطة الأوروبية من دون رصاصة واحدة فيما جيوش القارة العجوز لا تبدو جاهزة لأية مواجهة؟
مايا رزق: من الفايكينغ إلى ترومان فترامب، غرينلاند لم تكن يوماً بعيدة عن الأطماع ولم تكن يوماً مجرد جزيرة، ولعلها اليوم تشكل الاختبار الأصعب بالنسبة لأوروبا، غرينلاند الضغط على المفصل الأوروبي، اذهب أعمق تفهم أكثر؟
مايا رزق: يسرني أن ينضم إلينا من مينيسوتا الأستاذ في علم السياسة والعلاقات الدولية السيّد أندرو لايثام، أهلاً ومرحباً بك، وسينضم إلينا بعد قليل من إسبانيا السيّد فابريس بوتييه وهو خبير سياسي وجيو-استراتيجي والمدير السابق للتخطيط السياسي في حلف الناتو.
أبدأ معك بعد الترحيب بك من جديد سيّد أندرو، من هاري ترومان إلى دونالد ترامب، لماذا غرينلاند ولماذا الآن بالتحديد؟
أندرو لايثام: بالنسبة إلى الرئيس ترامب لا شك أننا نمرّ في ظروف خاصة، لكن الأمر يعود إلى عهد ترومان، تذكّروا أن الدنمارك استُولِي عليها من ألمانيا خلال العهد النازي في الحرب العالمية الثانية وغرينلاند قد استولت عليها الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب أمنية حيث أنها تقبع في منتصف شمال الأطلسي، وقد حضر الأمريكيون في الجزيرة منذ ذلك الحين، توسّع الحضور وانكمش منذ عام 51، وقد تجسّد في معاهدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك، وهذه المنطقة هامة على مستوى أمن الأطلسي وكذلك على مستوى القطب الشمالي تحديداً بالنسبة إلى طرق الوصول إلى الملاحة على المستوى البحري، هي مهمة جداً كنقطة استراتيجية، ولذلك الولايات المتحدة الأمريكية قد فاوضت مع مملكة الدنمارك لتحصل على حقوق نشر قواعد وتتمتّع بكل الحقوق التي تحتاجها لتأمين غرينلاند وبذلك تؤمّن حدودها وكذلك تؤمّن منظمة شمال الأطلسي، وليست بحاجة إلى أكثر من ذلك، لكن يبدو أن الرئيس ترامب يريد أن يفعل الأوروبيون أكثر مما فعلوا في السابق، وهذا يؤدّي إلى تقاسم الأعباء بشكل مختلف، كما حصل على مستوى الناتو، في الولايات المتحدة الأمريكية، تريد أن تنفق مزيداً من المال مثلاً على الرعاية الصحية وليس على العسكر، يريد أن توجد توازناً أفضل لمصلحة أمريكا، ويبدو أنه يحصل على ما يريده حيث أن الأوروبيين يرسلون إلى غرينلاند مزيداً من الجنود ويهتمون أكثر بوضع منطقة الشمال حيث المنطقة باتت تشكل مرتعاً بالنسبة إلى روسيا والصين ما يشغل الأمريكيين وكذلك السويديين والفنلنديين وأبناء آيسلندا، وبالتالي بدأ الأوروبيون يتعاملون مع الوضع على محمل الجد، لكن في نهاية المطاف لا أعتقد فعلاً أن ترامب يريد أن تهضم أمريكا غرينلاند وأن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية، بل يريد بكل بساطة أن يدفع الأوروبيين ليقدّموا المزيد وأن تسمح غرينلاند لأمريكا أن تفعل أكثر من السابق لتأمين أمريكا الشمالية.
مايا رزق: ولكن لماذا تحدّث عن شراء الجزيرة وقال سنحصل عليها بطريقة أو بأخرى؟ هل هي فقط أدوات ضغط عندما يتحدّث الرئيس عن شراء جزيرة، أو على السيطرة على جزيرة ما، عندما يقول بأنه يمكننا أن ندافع عما هو لنا أفضل من أن ندافع عما نقوم باستأجاره ويتحدث عن ملكية خالصة على الجزيرة؟
أندرو لايثام: نعم صحيح، الولايات المتحدة الأمريكية اشترت ألاسكا في السابق من روسيا وعرضت على الدنمارك أن تشتري غرينلاند منها في نهاية أربعينات القرن المنصرم، لكن لم تحصل أية تطورات أخرى من هذا القبيل منذ تلك الفترة، أعتقد أنه بكل بساطة يحاول أن يفرض الضغوط بطريقته الخاصة، توجد بالطبع ديناميكيات أخرى لا بد وأن نأخذها بالاعتبار، أبناء غرينلاند يميلون أكثر إلى المطالبة بمزيد من الاستقلالية الذاتية، يحكمون أنفسهم على المستوى الداخلي، الدنمارك مسؤولة عن السياسة الدفاعية لكن توجد تحركات استقلالية كذلك في داخل غرينلاند، وإذا ما اكتسبت مزيداً من الزخم تماماً مثل آيسلندا التي استقلت بعد الحرب العالمية الثانية، إذا ما اتخذت غرينلاند هذا الاتجاه فقد تريد أن ترتبط بالبلد الذي تختاره، فتوجد أمامنا سابقة قد ترضي أبناء غرينلاند وقد ترضي كذلك مطلب ترامب، وهذا هو الترتيب الذي عقدته أمريكا مع مجموعة من الدول المستقلة في منطقة المحيط الهادئ مثل جزر مارشال وبالاو وغيرها.
هي جزء مما يسمّى بتحالف التجمّع الحر، وهي مستقلة ولديها مقاعد وعضوية في الأمم المتحدة، تتمتع باستقلالية تامة على المستوى الداخلي لكنها تُعهَد بأن تكون أمريكا هي المسؤولة عن السياسات الدفاعية الخاصة بها، مواطنو هذه الدول يحق لهم أن يعيشوا بشكل حر وأن يعملوا كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، بالتالي تبقى هذه دول مستقلة لكنها تتمتّع بكل منافع الارتباط بالولايات المتحدة الأمريكية، في نهاية المطاف برأيي ترتيب كهذا سيرضي ترامب، ربما لا يبقى في الحكم عندما يحصل ذلك، لكن المؤكد أن هكذا ترتيب سيرضي مَن يخلفه، وإذا ما قرّر أبناء غرينلاند أن هذا هو المسار الذي يختارونه في المستقبل أن يكونوا أكثر استقلالاً لكن على مقربة أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية فهذا سيكون خيارهم، أما ما يحاول أن يفعله ترامب بكل بساطة هو أن يستميلهم فيقول لهم مثلاً إذا ما ارتبطتم بنا قد تتجه نحوكم مليارات الدولارات، لا أدرى إن كان ما يحصل هو أشبه برشوة، هو شبيه برشوة بالتأكيد.
مايا رزق: هذا ما أريد أن أسألك عنه تحديداً، أنت تتحدث أنه يستميلهم أو يحاول، عفواً على التعبير، ولكن نحن في عصر ترامب وهذه التعابير باتت متداولة بشدة، هل يحاول شراءهم ونحن نتحدث عن مجموعة سكانية عددها قليل جداً مقارنة بالمساحة الشاسعة للدنمارك؟
=أندرو لايثام: صحيح نتحدث عن 57000 شخص ليس أكثر، ومنطقة شاسعة معظمها غير مأهول وهي مغطاة بملايين الأمتار من الجليد، المواد المعدنية بشكل أساسي لا يمكن الوصول إليها بشكل سهل، بالتالي يُنظر إلى الحكومة الدنماركية التي تدعم أبناء غرينلاند بـ700 مليون دولار أو مبلغ من هذا النوع، ولكن الرقم الذي تحدث عنه مؤخراً 700 مليار دولار هو مرتبط بهذا الرقم لكنه يبدو أنه يتصرف بشكل عشوائي في هذا الصدد، لن يتمكن من شراء أصوات أبناء غرينلاند وهم أساساً غير مهتمين بهذا الأمر، لا بد وأن يتيقّن مَن يحيط به والرئيس بحد ذاته أن غرينلاند ليست للبيع، لكن بالتأكيد نشهد على الكثير من الضغوط المبذولة عبر الإعلام عبر الأصوات المقربة منه بهدف دفع غرينلاند لتبنّي علاقات دفاعية أوثق مع الولايات المتحدة الأمريكية ربما من خلال توسيع القواعد =الأمريكية، ولكن كذلك لدفع الأوروبيين ليقدموا أكثر مما يقدموه في السابق لمنطقة تنتمي إلى أوروبا على المستوى السياسي لكنها جغرافياً أقرب إلى أمريكا، لكنها مستعمرة تابعة للدنمارك، بالتالي الدنمارك وألمانيا وفرنسا دول مدعوة إلى أن تضطلع بدور أكبر بالدفاع عن هذه الجزيرة، هذه المساحة المتصارَع عليها بشكل متزايد تحديداً على مقربة من القطب الشمالي، دول البلطيق غير قادرة على ذلك نظراً لانشغالها بما يحدث مع روسيا ولا يمكنها أن ترسل جنوداً، لكن الفرنسيين والألمان بدأوا بإرسال جنود إلى غرينلاند، بالتالي في نهاية المطاف إذا ما قام ترامب بالتعاطي مع هذه المسألة بطريقة حذرة وحكيمة يمكنه في الواقع أن يحقق كل ما يريد من دون أن يدفع أي مال أو أن يجتاح أي بلد، هل سيتمتع بهذه الميزة الحذرة الحكيمة؟ الأيام ستخبرنا.
مايا رزق: هناك مَن سيقول لك بأنه ليس الأيام ستخبرنا، ربما الأيام التي مضت تقول لنا الكثير في هذا الإطار، بالمناسبة ذكرت موضوع إرسال ألمانيا وفرنسا لعدد من الجنود، ربما هي خطوة رمزية أكثر منها خطوة فعلية وقد تخلق ربما تغييراً في المعادلة العسكرية، نتحدث عن بضع جنود، عشرات لم يصلوا حتى إلى المئات أرسلوا إلى هذه الجزيرة، سنتحدّث عن هذا الموضوع بعد قليل بعد أن ينضم إلينا ضيفنا من مدريد.
ولكن قبل ذلك عندما نتحدث اليوم عن طريقة تفكير الإدارة الأمريكية، الحديث عن غرينلاند لم يأتِ خارج سياق ما طرحه ترامب ويعمّقه في داخل الإدارة الأمريكية، غرينلاند كثر الحديث عنها منذ عودة دونالد ترامب، أي دونالد ترامب 2.0، وأيضاً بعد ما قام به في فنزويلا تحديداً، وهو لا يتحدث عن غرينلاند ويضع نقطة على السطر بل يقول بعد غرينلاند سنذهب ربما إلى كندا، العَلَم الكندي يظهر من خلفك وهذا ما لفت نظري قبل قليل، وعن هذا الموضوع أريد أن أسألك ماذا تغيّر داخل واشنطن نفسها حتى يعود منطق التوسّع الإقليمي إلى الطاولة بعد عقود من الحديث عن القانون الدولي والنظام الدولي القائم على القواعد وإلى ما هنالك؟
أندرو لايثام: أعتقد أنه بالنسبة إلى ترامب النظام الدولي القائم على نظام الصدقات انتهى، العالم الأحادي القطب قد انتهى، نعيش في عصر حيث الاستقطاب كبير، بالتالي يود أن يرى كيف يمكن مثلاً لأمريكا أن توجِد توازناً أفضل مع روسيا والصين وربما قوى عظمى أخرى صاعدة حالياً، لأنه ليس بمقدورنا أن نتعاطى مع العالم كما كان سابقاً، فلسنا في عالم حيث أمريكا تصنع القواعد والجميع يلتزم بها، من الجهة الأخرى لدينا ما يسمّى بعقيدة مونرو في القرن التاسع عشر في مستهل إعلان أمريكا للأوروبيين إلى نصف الكرة الغربي تحديداً أمريكا وأمريكا اللاتينية كلهم أمريكا لا تتخلوا فيها، وتلك كانت منطقة نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، وصل ترامب إلى السلطة وقرّر أن يوسّع نطاق النفوذ هذا نحو الشمال كذلك ليشمل كندا وغرينلاند، بالتالي نشهد على تطبيق عقيدة مونرو 2.0 أو ما يعرف اليوم بعقيدة "ترامبو"، بالرئيس الأمريكي، بالتالي عندما ننظر للأمر على هذا الأساس نرى أنه بالطبع لن يجتاح كندا لكنه يبذل ضغوطاً أكبر عليها لكي تقدّم المزيد على المستوى الدفاعي، والكنديون كذلك ربما مستعدّون للمساهمة في تأمين القطب بشكل أفضل، وينظر إلى غرينلاند على أنها ثغرة أمنية محتملة على مستوى الدرع الحامي لنصف الكرة الشمالي حيث أن الأوروبيين مدعوون إلى بذل المزيد، يحاول كذلك أن يفكّ ارتباط أمريكا عن أوروبا فيرى أن الأوروبيين هم راشدون هم قادرون على الاهتمام بأمنهم، لديهم ثراء ولديهم قدرات عسكرية وأمنية يمكنهم أن يهتموا بأنفسهم، ونحن الولايات المتحدة الأمريكية لا بد وأن نهتم أكثر بمنطقة أمريكا القارة ككل وكذلك منطقة المحيط الهادئ والهندي حيث الصين تسبّب التهديد الأكبر بالنسبة إلينا. بالتالي أنت محقّة فيما تقولين، لا بدّ لأمريكا من أن تتكيف مع الواقع الجديد نهاية النظام العالمي السابق والعالم الأحادي القطب في ظل تنافس كبير، لذلك تريد أمريكا أن ترى كيف تجد لنفسها موقعاً متقدماً في عالم حيث ما عادت هي الزعيم المطلق لهذا العالم، وبالتالي هي قوة من بين قوى عدة ناشطة على الصعيد العالمي.
مايا رزق: وانطلاقاً مما تفضلت به سيّد أندرو، هل تعاملت الولايات المتحدة مع غرينلاند كملف أمني محدّد أم كأول اختبار عملي إذا ما صح التعبير لأسلوب جديد يفضل فرض الوقائع بالقوة على إدارة النفوذ عبر التحالفات عندما نقول بأنها تريد إلى حد ما التخفيف من هذا العبء الأوروبي؟
أندرو لايثام: نعم بالنسبة إلى هذه =المسألة الموضوع هو أن العم سام يهتم بالأمن الأوروبي وقد نجح هذا الترتيب منذ فترة تحديداً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي فلم يعد هناك من تهديد فعلي بالنسبة للأمن الأوروبي، الأوروبيون قاموا بتفكيك جيوشهم إلى حد كبير وأعادوا الاستثمار في برامج الرفاه الاجتماعي على المستوى الداخلي، بالتالي الطرف أنه يجب ألا يكون وحيداً في هذا الصدد، ربما لا يمثل رأياً أكثرياً لكن الرأي بات واضحاً، تقاسم العبء على هذا النحو غير منصف، يحق للأوروبيين أن يفعلوا المزيد، يمكنهم أن يقدموا المزيد ليحرّروا أيادي الولايات المتحدة الأمريكية فيستثمرون في أمنهم وكذلك يلتفتون للتهديد المتنامي بحسب واشنطن، هذا التهديد بالطبع هو جمهورية الصين الشعبية.
إذًا المسعى هو تكييف استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية للأمن القومي مع واقع العالم الحالي، ليس عالم الذي عرفناه في عام 91 أو في عام 45 أو في عام 2015، نتحدث عن عالم جديد حيث يُبنى نظام عالمي جديد، النظام العالمي السابق قد مات، النظام العالمي الحالي لم يولد بعد، ولذلك نحن في أوقات ليست بالأوقات السهلة =والجميع يتوق لإيجاد سبيل للتكيف مع هذا الوضع المستجد، رؤية الرئيس ترامب إذا ما كان أن نصفها على هذا الأساس تفيد بشكل أو بآخر وربما لا أدعم ذلك لكن تفيد بأن تتكيف أمريكا مع هذا الواقع اليوم من دون أن تكون مضطرة إلى أن تنظر بعين الحنين إلى ما حصل عام 45 وأن يكون القطار قد فاتها.
إذًا هو محق عندما يقول أن العالم قد تغير لكنني أعتقد أنه مخطئ بطريقة تكيف أمريكا مع هذا الواقع الجديد.
مايا رزق: يقولها ترامب بطريقة أو بأخرى غرينلاند ستصبح أمريكية، فماذا يعني الرئيس الأمريكي بهذا الأمر؟ سنحاول أن نفهم ذلك.
عمليات توسّع إقليمي عديدة نفذتها الولايات المتحدة على مر العقود بالشراء، ضمت لويزيانا وجزر ماريانا الشمالية وكارولينا ومارشال فانتقلت إلى الإدارة الأمريكية كأقاليم تحت وصاية الأمم المتحدة، فيما اعتمدت آلية الضم بالتشريع المباشر مع جزر هاواي، وللمرة الأولى منذ 127 عاماً مشروع قانون مماثل في الكونغرس ينص على ضم جزيرة غرينلاند ومنحها صفة ولاية أمريكية، ذلك يشترط موافقة لجنة الشؤون الخارجية وتصويت مجلسي النواب والشيوخ وتوقيع الرئيس.
في الأثناء تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على وجودها العسكري في غرينلاند، قاعدة US Thule التي أنشئت في الحرب العالمية الثانية تضم 150 جندياً، وبناءً على اتفاقيات الدفاع مع الدنمارك يمكنها نشر قوات إضافية ضمن إطار حلف شمال الأطلسي وتشغيل وبناء وتطوير المنشآت بموافقة الدنمارك.
في الواقع الجزيرة الأكبر في العالم تتمتع بحكم ذاتي لكن الدنمارك مسؤولة عن قضايا الدفاع، ليس لديها جيش هناك دوريات تتحرك داخلياً وهي خاصة دنماركية تعتمد على زلاّجات الكلاب، وهذا ما تنمّر عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما يخص الضعف الدفاعي لدى غرينلاند، هنا يعود السؤال الأبرز.
لماذا غرينلاند؟ المراقبة والدفاع، انظروا معي إلى هذه الخريطة فهي تقول كل شيء، هذا ما يعنيه الموقع الجغرافي للجزيرة عند مفترق طرق استراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا في القطب الشمالي بما يتيح مراقبة الطرق الجوية والبحرية الشمالية، أقصر الطرق بين أمريكا الشمالية وأوراسيا تمر مباشرة عبر القطب الشمالي ما يعني أن الصواريخ بعيدة المدى في أية مواجهة مباشرة مع روسيا ستعبر فوق غرينلاند أو بالقرب منها كما نرى هنا.
لكن أطماع ترامب الكثيرة كما ذكرنا قبل قليل، سنراها، هذه الخريطة مهمة لدرجة أنها لن تذهب عن الشاشة، لكن أطماع ترامب غير مبنية فقط على الدفاع والأمن، غرينلاند تملك أحد أكبر الاحتياطات من المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في التقنيات المتقدمة والصناعة الدفاعية، يُقدر حجمها بمليون و500 ألف طن، فيها 25 من أصل 34 مادة مصنفة على أنها حيوية، كما قد تحتوي على احتياطات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي والفحم وخام الحديد، يُقال بأن النفط في غرينلاند يساوي حجم الاحتياطي النفطي في الولايات المتحدة الأمريكية.
كذلك فإن السيطرة على غرينلاند تمنح وصولاً أوسع إلى الطرق البحرية، ذوبان الجليد البحري أدى إلى زيادة فرص استخدام الطرق، طرق الشحن الشمالية ما يمكن من توفير ملايين الدولارات عبر سلوك مسارات أقصر بكثير مقارنة بقناة السويس، مثلاً يمكن لطريق بحر الشمال أن يوفر نحو 50 في المئة من التكاليف.
لا أعلم إذا كان قد انضم إلينا الخبير السياسي ضيفنا السيّد فابريس بوتييه، هو ليس معنا الآن، إلى حين أن ينضم إلينا أعود إليك سيّد أندرو ليثم، تاريخياً كل توسع أمريكي كان يُبرر إما بالأمن أو بالاقتصاد، انطلاقاً مما تابعناه خلال هذا العرض تحديداً في حالة غرينلاند، أي دافع أكثر حضوراً داخل الدوائر دوائر القرار في أمريكا؟
أندرو لايثام: إن كانوا يفكرون في المواد المعدنية والمعادن الأرضية النادرة فإنهم يهدرون وقتهم وطاقتهم، نتحدث عن موارد غارقة في بطن الأرض على مسافة بعيدة، هذه الاحتياطيات لا يمكن الوصول إليها على الأقل بأسعار ربحية، وتوجد الكثير من الاحتياطيات الأكثر توفراً على سبيل المثال في كندا، بالتالي إذا ما اعتقد ترامب أن ما يحدث مكسباً اقتصادياً فهو مخطئ. إضافة إلى ذلك يجب أن نتذكر أنه لا يمكن كذلك الوصول إلى هذه المعادن في الولايات المتحدة الأمريكية نظراً لوجود بعض التعقيدات القانونية، في الواقع من الصعب جداً كذلك التعدين لهذه المعادن إلا إذا ما جرى توسيع نطاق تطبيق بعض القوانين، وبالتالي إذا ما جرى تطبيق الأمر نفسه في غرينلاند فلن نتمكن يوماً من الوصول إلى هذه المواد المعدنية النادرة وهذه المواد النفطية، هذا قد لا يكون محفزاً منطقياً أو واقعياً على الرغم مما يقوله الرئيس ترامب.
أما بالنسبة لطرق العبور، لا شك فإننا نتحدث عن الطريق الشمالي القريب من روسيا، ولكن كذلك يوجد طريق غربي شمالي متصارَع عليه بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا حيث ترى كندا أن هذا يشكل جزءاً من المياه الداخلية فيما أمريكا ترى أنه جزء من المياه الدولية، ولكن الطرفان متفقان على الاختلاف، كندا تتيح لأمريكا أن تصل إلى هذه القناة لكن أمريكا تقول لا نقبل بالأسس القانونية التي تنطلق منها لكن لا مشكلة لدينا في استخدام هذه المياه، بالتالي يمكن للحلفاء أن يقدّموا لنا بعض الترتيبات والاتفاقات التي تتيح لهم أن يخدموا مصالحهم وأن يلبوا احتياجاتهم من دون أن يمنعونا من تحقيق مصالحنا، لا حاجة لأمريكا لتحتل كندا أو غرينلاند، ولا وجود لمحفّز اقتصادي حقيقي، الحكومة الدنماركية كذلك مدعوّة إلى دعم غرينلاند، هي لا تجني المال من هذه الجزيرة وأمريكا ستكون كذلك =مدعوّة إلى أن تعطي المال للجزيرة، لا وجود لميزة اقتصادية واضحة أو عسكرية، فلدينا أساساً قواعد ويمكن لنا أن نوسعها أكثر مما يترتب عن المصلحة الأمريكية. إضافة إلى ذلك لا بد وأن نأخذ ما يحصل على محمل الجد تحديداً بالنسبة إلى رأي الشعب في هذه المنطقة. بالتالي إذا ما نظرنا إلى المنظومة السياسية الكاملة والمحفّزات التي تنطلق من هذه الإدارة لا شك في أننا نسيء فَهْم الاحتياجات الأمنية ونسيء فَهْم المقدرات الاقتصادية وكم يمكن الوصول إليها بسهولة، فضلاً عن الأثر الذي سيخلفه ضم كهذا على حلف شمال الأطلسي الذي يشكل في نهاية المطاف ركناً أساسياً للأمن الأمريكي في منطقة القطب الشمالي.
مايا رزق: باختصار سيّد أندرو، برأيك أن ترامب لن يفعلها ولن يضم غرينلاند ولن يشتريها، وأنه فقط يقوم بالضغط على الدنمارك وبطبيعة الحال على الاتحاد الأوروبي لأن يقوموا بالمزيد؟
أندرو لايثام: نعم في نهاية المطاف متوقع حتى لو لم يفكر الرئيس في كل التفاصيل، هذا الأمر أعتقد أن هكذا سيتحرك، هو رجل أعمال في نهاية المطاف وقد ينطلق دوماً من عقلية رجل أعمال، أحياناً عندما يعمل كهذا يسعى إلى الضغط على الطرف الآخر لتغيير محفّزاته، هل فكر ملياً بهذه المسألة؟ لا أعتقد ذلك صراحة مع مراعاة كل ما يترتب عن فعل كهذا، لكن هل يعمل من منطلق رد الفعل المطلق؟ أعتقد ذلك.
مايا رزق: تفضل بالبقاء معنا سيّد أندرو بينما نرحب بالسيّد فابريس بوتييه خبير سياسي وجيو-استراتيجي والمدير السابق للتخطيط السياسي في حلف الناتو، أهلاً ومرحباً بك تنضم إلينا من مدريد سيّد فابريس.
صحيفة لو موند الفرنسية نشرت وعنوَنت "حين يصبح الحليف هو المشكلة"، هل تعكس غرينلاند اليوم لحظة تحول في العلاقة الأوروبية الأمريكية أم أننا أمام أزمة عابرة يمكن تخطيها بصفقة ما؟
فابريس بوتييه: أعتقد في الواقع أنها تعكس تحولاً وهو تحول مستمر منذ فترة وتسارعت وتيرة هذا التحول مع دونالد ترامب، ولكن على الرغم من أن العديد في أوروبا قد اعتادوا على أسلوب ترامب في الإطار الدبلوماسي، أسلوب يعتمد على الصفقات، ولكن بالنسبة لغرينلاند هو يريد أن يستولي عليها ولا مفاوضات كما شاهدنا يوم أمس في واشنطن بين وزراء الخارجية، وزراء خارجية الدنمارك وغرينلاند ووزير الخارجية الأمريكي، وبالتالي هذه ليست عبارة عن دبلوماسية صفقات، ولهذا السبب ليس هناك أي حل لهذا الموضوع.
مايا رزق: سنحاول البحث عن حلول وربما السيناريوهات المرتقبة فيما يخص مصير غرينلاند وبالتالي مصير العلاقات الأمريكية الأوروبية، ولكن بعد هذا الفاصل ابقوا مع "اذهب أعمق".
مايا رزق: "أنتم بمفردكم"، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي بهذه الرسالة إلى حلفائه التاريخيين بل جاء التهديد الصريح بضم غرينلاند، ذلك يطرح سؤالاً ملحاً: هل أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها خارج المظلة الأمريكية وماذا لو قررت المواجهة؟
250 مليار يورو تحتاج أوروبا إلى إنفاقها سنوياً على الاستثمارات الدفاعية لتأمين نفسها من دون دعم أمريكي وفق دراسة لمعهد بروغل للأبحاث وكيل للاقتصاد العالمي، ذلك يعادل 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد ويمكن من حشد نحو 300000 جندي، عدد الجنود الأوروبيين الحاليين بما في ذلك المملكة المتحدة ما يزيد عن مليون و500000 وفق أرقام 2025، والبنية العسكرية موزعة بين عدة دول ما يطرح تحدياً في القدرة على التعاون والتكامل.
أما بالنسبة للتجهيزات وهنا المعضلة الكبرى فستحتاج أوروبا إلى 1400 دبابة قتال جديدة و2000 مركبة قتال مشاة لتكوين 50 لواء إضافياً وهو عدد يتجاوز المخزونات الحالية للقوات البرية الألمانية والفرنسية والإيطالية والبريطانية مجتمعة، أضف إلى ذلك أن القدرة على المواجهة والردع تعتمد أيضاً على نشر القوات بسرعة إلى الدول الأعضاء على خط المواجهة، وذلك يتطلب استثمارات بقيمة 70 مليار يورو لسد النقص في القدرة على التنقل العسكري، وقد حدد الاتحاد الأوروبي 500 مشروع بنية تحتية ذات أولوية تتطلب استثمارات عاجلة.
"الاستعداد 2030" أو الجهوزية، مبادرة لإعادة تسليح أوروبا هدفها حشد 800 مليار يورو للإنفاق الدفاعي بحلول عام 2030، في الأثناء فإن أرقام الإنفاق الدفاعي لا تزال بعيدة عن الهدف، فقد ازدادت في العامين الأخيرين بنسبة 54.3 في المئة لكن قد يستغرق الأمر سنوات لينعكس على الجبهات وخصوصاً لجهة النقص في الجنود والأسلحة.
فرنسا لديها فقط 200000 جندي، واحد من كل أربعة مجندين في الجيش الألماني يتسرب من الخدمة في غضون ستة أشهر، وسط كل ذلك تبقى مسألة الاعتماد على الطرف الأمريكي، عديد الجنود الأمريكيين في أوروبا بلغ 80000 عام 2024 بما يفوق عديد جيوش كل الدول الأوروبية باستثناء ثمانية.
كما للولايات المتحدة 48 قاعدة عسكرية على امتداد القارة، ليس واضحاً ما إذا كان البنتاغون سيحافظ على هذا الانتشار، إدارة ترامب كررت غالباً عزمها على تقوية الوجود العسكري في بحر الصين الجنوبي، فهل يكون ذلك على حساب القارة العجوز؟
أذهب إليك مجدداً بعد الترحيب بك أستاذ فابريس بوتييه، ترامب يقول أن أوروبا تتفكك وقادتها ضعفاء، أهو محق؟
فابريس بوتييه: أعتقد أن ترامب وإدارة ترامب بشكل عام لديهم مشكلة واضحة مع أوروبا، هم يعتبرون أن أوروبا كسولة وكما يسمونها أوروبا تتراجع، وبالتالي لديهم نظرة سلبية جداً، يجب أن نعترف، وعندما ننظر إلى الأرقام التي ذكرتها الآن، أوروبا حققت الكثير من التقدم خلال الأعوام العشرة الماضية، قبل عشرة أعوام كانت بعيدة كل البعد حتى على صعيد الإنفاق بنسبة 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي على الأغراض الدفاعية، ليست كل الدول ولكن الأمور ازدادت سوءاً خلال الأعوام العشر الأخيرة وروسيا أصبحت أكثر عدوانية والجو والبيئة الأمنية عموماً أصبحت أسوأ، وبالتالي على القادة الأوروبيين أن ينفقوا المزيد، وأمامهم مسيرة طويلة، ولكن مع نهاية العقد الحالي كل الدول الأوروبية ولكن خاصة ألمانيا في حال حافظت على نفس هذه الوتيرة على صعيد الإنفاق الدفاعي، ألمانيا على سبيل المثال مع نهاية العقد ستنفق 165 مليار يورو بشكل سنوي على الأغراض الدفاعية، وهذا يساوي ميزانية الاتحاد الأوروبي بضعفين، وإذا كان الوضع كذلك نحن نرى التحول حيث أن هناك موارد أكثر منذ نهاية الحرب الباردة، السؤال لا يتعلق بقدرة الشراء أو عدد الدبابات والمقاتلات وإنما التركيبة والتخطيط والبيانات، كتلة البيانات التي يمكن أن نجمعها من أجل تنفيذ عمليات خاصة، عمليات معقدة من أجل الدفاع عن الأراضي الأوروبية، لا نزال بعيدين عن ذلك، ولهذا السبب يجب الاستفادة من أوكرانيا كاختبار وذلك كي تقوم أوروبا بتطوير هذه الأطراف من أجل الدفاع عن أوروبا، لأن الدفاع الأوروبي حتى الآن لا يساوي الدفاع عن أوروبا، وأعتقد أن أمامنا مسيرة طويلة ولكن نسير بالاتجاه الصحيح.
مايا رزق: بالمنظور الأوروبي كيف ينظرون إلى هذه الرغبة الأمريكية اليوم بالاستيلاء أو شراء أو لا نعلم كيف يمكن أن =نوصفها أو ما يدور في خيال ترامب، كيف يصفون هذه الرغبة الأمريكية؟ برأيهم عما تبحث واشنطن في غرينلاند؟
فابريس بوتييه: أعتقد أن هذا خط أحمر كبير للأوروبيين، في حال قام ترامب بضم غرينلاند، هم يرون أن ضم غرينلاند وكأنه أو بمثابة ضم روسيا غير القانوني لشبه جزيرة القرم، ولذلك السبب شاهدنا تحشيد الدول الأوروبية الأعضاء خلف الدنمارك، لأن المسألة تتعلق فقط بغرينلاند وإنما بما تعنيه غرينلاند، وهي تعني وحدة الأراضي والسيادة والسموّ، السماح لدونالد ترامب بالقيام بذلك هذه ستكون سابقة في غاية الخطورة، وبوتين يفعل ذلك من خلال القوة العسكرية بشكل غير قانوني، ولكن أمر آخر أن يقوم الطرف الضامن للأمن الأوروبي أي الولايات المتحدة يفعل نفس الشيء الذي يفعله بوتين من أجل الاستيلاء على الأراضي، وهذا خط أحمر كبير وأيضاً هناك عواطف في هذا الصدد لدى العديد من الأوروبيين.
مايا رزق: سأسألك كيف ستتعاطى أوروبا مع هذا الخط الأحمر، ولكن دائماً أنت معنا سيّد أندرو لايثام، من المنظور الأمريكي الصرف كما يقال، هل في أمريكا يرون بأن تكلفة تفكيك الثقة مع الحلفاء أقل اليوم من كلفة الحفاظ عليها؟
أندرو لايثام: صراحة أعتقد أن معظم الأمريكيين لا يهتمون بما يكفي بهذه المسألة، وأعتقد أن معظم الأمريكيين صراحة لا يمكنهم أن يتبينوا موقع غرينلاند على الخريطة، لا يتمتعون بهذه النظرة الجيوسياسية الواسعة، الواقع كذلك هو أن بلدنا في حالة من الاستقطاب، البعض يدعم ترامب والبعض الآخر يعترض عليه، وكل يريد أن يرى الصورة من عدسته، لكن ما يعنينا هو أنه بالنسبة لفنزويلا وغرينلاند وحتى ربما إيران، هو أن القاعدة الداعمة لترامب، قاعدة "ماغا" من اليمين في الحزب الجمهوري هي كذلك منقسمة على ذاتها، يرى البعض أن هذا التحرك سيكون هاماً بالنسبة للأمن الأمريكي وحتى بالنسبة إلى الكبرياء الأمريكي، لكن آخرين ينظرون إلى أن هذا الأمر سيؤدي إلى حرب أخرى لا حاجة لها وسيؤدي إلى معاداة أصدقائنا ولماذا نهدر طاقاتنا، نتحدث في هذا الوقت عن خلق عداوة مع الأوروبيين حول غرينلاند، بالتالي لا وجود لموقف أمريكي موحد حول هذه المسألة أساساً، وما يحدث بشكل أساسي سيؤدي إلى تعميق الاستقطاب بين المعسكرات السياسية المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية ليس أكثر، أسوة بالملفات الكثيرة الأخرى، لكن إذا ما أراد البعض أن يرى أن ما يحدث هو من شِيَم ترامب كالعادة فهذا ما سيحصل، ولكن إن أراد آخرون أن يروا أن ما يفعله ترامب هو في مصلحة =أمريكا فلن يعدلوا عن هذه الفكرة، أنا من جهتي أرى الغاية السياسية ولكن أرى ما خلف ذلك أيضاً، فأنا أعرف ما الذي تنطوي عليه معاهدة عام 51 وأعرف أننا نملك سبلاً عدة لتعزيز وتوطيد الاعتبارات الأمنية لأمريكا في غرينلاند من دون الحاجة إلى ضم الجزيرة، وحتى التلميح بذلك سيقوّض مصلحتنا الأمنية صراحة، وربما أتفهم أن الرئيس يقول أنه لا بد من إعادة تقسيم اللعبة على مستوى الناتو فهو غير متوازن منذ البداية وآن الأوان بحسب ترامب أن يرتقي الأوروبيون إلى مستوى التحدي وأن يقوموا بالإنفاق على أمنهم، ربما هم بحاجة إلى هذه الدفعة من ترامب إلى الأمام لكي يرتقوا إلى مستوى هذا التحدي، اجتياح روسيا لأوكرانيا بالطبع قد استرعى انتباه الجميع، لكن الهدف المحدد من 2% قد بلغته دولة واحدة في أوروبا هي بولندا ولم تقترب دولة أخرى من ذلك حتى مع كل ما يقال والطموح المعقود في وثائق سياسية عدة. بالتالي ربما ما نشهده هو محاولة أخرى من إدارة الولايات المتحدة الأمريكية لفرض الضغوط على الحلفاء الأوروبيين لكي يقدّموا المزيد تأميناً لأمنهم الخاص، ومن شأنه أن يحرر أيادي أمريكا لكي تهتم أكثر بمصالحها الأمنية بعيداً عن شمال الأطلسي.
مايا رزق: أذهب إليك سيّد فابريس بوتييه من جديد، تحدثت عن أن ما يحصل حول غرينلاند هو نوع من تخطٍ للخط الأحمر =الأوروبي، كيف ستتعاطى القارة العجوز مع هذا الأمر، علماً وإذا نظرنا إلى العقود الماضية، من الواضح أنه على مدى سبعة عقود نجحت أوروبا اقتصادياً واجتماعياً لكنها فشلت عسكرياً بشكل لافت.
أريد أن أسألك عن الأسباب، قمة هلسنكي عام 99 وعدت بجيش أوروبي قوامه 60000 عنصر ثم تقلص الحلم إلى قوات تدخل سريع ثم إلى مجموعات قتالية خفيفة بلا سلاح ثقيل، لماذا فشل هذا المشروع الدفاعي الأوروبي؟ هل الموضوع أزمة فيما يخص القرار السياسي؟ هل هو بسبب الانقسامات؟ هل هو بسبب عدم وجود القدرة أم فقط الكسل والرضوخ للسيطرة الأمنية الأمريكية؟
فابريس بوتييه: سؤال كبير جداً وهناك عدة نقاط، ولكن أريد أن أعلق على ما قاله الضيف لأني أتفق بشكل عام مع هذا الرأي وهذا التقييم، ولكن أعتقد أن ما نراه، لا أعتقد أن دونالد ترامب وهذه الإدارة الأمريكية بالفعل تريد مشاركة الأعباء في غرينلاند وحول غرينلاند، لأن في الواقع القطب الشمالي وقبل قمة الناتو في لاهاي، فكرة التوصل إلى رزمة أمنية للقطب الشمالي ستكون جزءاً من الترتيبات والتخطيط التي ستستفيد منها السلطات، وأيضاً هناك رزمة أخرى وهي موضوعة على طاولة قدمت من قبل غالبية الحلفاء ولكن الولايات المتحدة حتى الآن لم تجب، هل تريد اتفاقاً أمنياً مع حلف الناتو للقطب الشمالي؟ إذاً لا أعتقد أن هذه الإدارة الأمريكية بالفعل تتصرف بالمصداقية، أعتقد أنها تستفيد من هذه اللغة القوية ويستخدمون العامل النفسي للاستيلاء على غرينلاند حيث يتحدثون عن الأمن والتنمية الاقتصادية، على الرغم من أنه علينا أن نعالج الثغرات في الأمن وفي التنمية التي تعود إلى نهاية الحرب الباردة في غرينلاند، إذاً هذه الطريقة للإجابة على السؤال. أعتقد أن أوروبا وإلى حد ما الولايات المتحدة أعتقد أنهم تساهلوا منذ نهاية الحرب الباردة لأنه نهاية الحرب الباردة استندت على فرضية تقول أن المواجهة الكبيرة انتهت ونحن سنسمح للعولمة بأن تأخذ مسارها، وأوروبا استندت إلى اليد الخفية للعولمة أي التجارة وذلك في إطار العلاقات الدولية، ونجحت هذه المقاربة إلى مرحلة ما، ولكن أعتقد أن هذه المرحلة اقتربت من النهاية مع روسيا والصين وأيضاً مع الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترامب الذي لا يؤمن بالعولمة أو لا يؤمن على الأقل بنموذج العولمة الذي استثمرت فيه أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة، وبالتالي لا أعتقد أن هناك كسلاً وإنما تساهل، ونحن ركزنا على نموذج معين من العولمة وهذا العالم قد تغير ولكن أوروبا حتى الآن لم تتكيف بشكل كامل ووصلنا إلى هذه المرحلة.
مايا رزق: ما هي الأثمان لعدم التكيف بشكل كامل عندما نتحدث عن هذه الوضعية الأوروبية اليوم؟ هل سيكون هناك من أي ردود فعل أم أن ترامب أصلاً لا يتوقع ردود فعل أوروبية في هذه الآونة؟ السؤال لكم أيضاً سيد فابريس؟
فابريس بوتييه: سؤال وجيه، أعتقد أن الثمن هو الذي نراه كل يوم تقريباً على مدار 24 ساعة، بالنسبة لغرينلاند ليس لدينا الكثير من الأوراق، لدينا القانون الدولي، القانون الدولي لصالحنا، وأيضاً هناك تضامن أوروبي ونحن نرسل، بعض الدول الأوروبية تقوم بإرسال بعض القوات كخطوة رمزية، ولكن عدا ذلك بصراحة لن نستطيع أن نوقِف الولايات المتحدة في حال قررت الولايات المتحدة المضيّ بالضمّ، عسكرياً روسيا ببساطة فشلت خلال الأعوام العشرة الماضية، فشلت بالاستيلاء خلال الأعوام الماضية فشلت بالاستيلاء على أوكرانيا، ولكن نحن أيضاً فشلنا في منع المساعي الروسية للتوسع، ولكن في نفس الوقت أوكرانيا هي دولة أوروبية ديمقراطية أوروبية وكل سياسي أوروبي قال أن أوكرانيا جزء من المشروع الأوروبي ولكن ليس لدينا السبل لوقف روسيا إلا في حال قررت الولايات المتحدة تكثيف الضغوط على فلاديمير بوتين، ونفس الأمر ينطبق على الصين، الصين الآن لديها فائض تجاري هائل، أوروبا وعلى الرغم من العديد من الإجراءات التجارية التي قمنا باتخاذها خلال الأعوام العشرة الماضية، الصين لديها اليد العليا على صعيد فرض المنتجات ومنتجات عالية الجودة إلى السوق الأوروبي إلى حد أن المنافسين الأوروبيين والجهات الصناعية في أوروبا يعانون من ضغوط وقد ينقرضون، وبالنسبة للمنطقة لبنان والشرق الأوسط عموماً أوروبا ليس لديها الكثير من الأوراق، والمسألة الآن تتعلق بالدول في الشرق الأوسط الدول بحد ذاتها، الولايات المتحدة ولكن أوروبا عدا أنها طرف يقدّم المنح للعديد من الدول الشرق الأوسط ليس لديها رأي كبير أو لا تشكل ذلك الفارق لقضايا السلم والحرب، وهذا أيضاً ثمن ندفعه بسبب هذا التساهل.
مايا رزق: أذهب إليك سيّد أندرو لايثام ختاماً في هذه الحلقة، تابعنا أكثر من مفكّر أمريكي من بينهم جون بولتون وأيضاً تابعنا جون ميرشايمر تحدث عن أن غرينلاند وهذه الخطة الأمريكية أو هذا السياق الأمريكي قد يؤدي إلى تفكك الناتو، هل في الأمر مبالغة باختصار إذا سمحت؟
أندرو لايثام: نتحدث عن مسؤول كبير في السياسة الخارجية سابقاً وعن مفكر معروف يتحدث عن هذا الموضوع، والإجابة المختصرة هي أنني لا أدرى إن كان ذلك سيؤدي إلى تفكك حلف شمال الأطلسي لكن ذلك بالطبع سيؤدي إلى تصدع كبير بهدف تعطيل البعد العابر للأطلسي لهذا التحالف على الأقل، وقد ينجم عن ذلك في نهاية المطاف تهاوي التحالف، الأمر إن حصل سيعتبر غير مسبوق أن نشهد على احتلال من عضو لأرض عضو آخر لاسيما عندما تقوم أمريكا مثلاً بمهاجمة عضو آخر أضعف وأصغر في التحالف، لا أعرف كيف لذلك أن يعزز مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومصالح أوروبا، ولا شك في أن ذلك سيخدم مصلحة بعض الدول المستفيدة على الخطوط الأخرى مثل روسيا والصين، وهذا بالطبع لن يلقى ترحيباً على الإطلاق في بروكسل أو حتى في أوتاوا.
مايا رزق: شكراً جزيلاً لك سيّد أندرو لايثام أستاذ عِلم السياسة والعلاقات الدولية في كلية ماكاليستر في مينيسوتا، أشكرك جزيل الشكر، وأيضاً أشكرك سيّد فابريس بوتييه خبير سياسي وجيو-استراتيجي والمدير السابق للتخطيط السياسي في حلف الناتو، أشكرك جزيل الشكر كنت معنا من مدريد.
إلى هنا قد نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة.