سوريا… إلى أين؟
تناولت الحلقة مستقبل سوريا في ظل أزمتها العميقة، حيث شدّد حمدين صباحي على مكانة سوريا التاريخية وقيمتها العربية وضرورة الحفاظ على وحدتها ومناهضة أي مشروع للتطبيع أو التفتيت. ناقش الضيفان طارق الأحمد وجمال واكيم أسباب الانهيار الداخلي، من تصاعد الهويات الطائفية إلى غياب الحل السياسي، إضافة إلى الأخطاء الاستراتيجية للنظامين السابق والحالي، وتدخّل القوى الإقليمية والدولية. أكّد الضيفان أن الحل يكمن في مشروع وطني جامع قائم على دولة مدنية ديمقراطية وتمثيل سياسي لا طائفي، مع ضرورة دور عربي—خصوصاً مصري—لقيادة مسار إنقاذ حقيقي، باعتبار أن استقرار سوريا ضرورة للأمن القومي العربي كله. كما رأوا أن مقاومة المشروع الصهيوني ستظل جزءاً بنيوياً في صراع الهوية والمصير، وأن تعافي سوريا يبقى ممكناً إذا توفرت الإرادة الوطنية والرعاية العربية الجادّة.
نص الحلقة
حمدين صباحي: تحية عربية طيّبة.
سوريا الحبيبة، لا أقول سوريا إلا بأن أضيف إليها هذه الصفة اللصيقة: الحبيبة. أنا من جيل ولِدَ في الخمسينات، وفي طفولتي كانت مصر وسوريا دولة واحدة في التجربة الوحيدة للوحدة العربية.
غنّيت من المسكي لسوق الحميدية، أنا عارفة السكّة لوحدي كالملايين في مصر وسوريا والوطن العربي. وفي شبابي شاهدت جيش مصر وجيش سوريا يكسرون الاحتلال الصهيوني في حرب أكتوبر العظيمة 73. محبّة سوريا لا أقول في قلب كل مصري، في قلب كل عربي.
وهي قلب العروبة، استحقّت بتاريخ طويل هذه الصفة بحُكم دورها في تاريخنا العربي. وهذا القلب العربي الحبيب عانى كثيراً من الأحزان والجِراح. هذه اللحظة هي لكل مُحبّ لسوريا، ويُفْتَرض لكل عربي أن يكون مُحبّاً لسوريا. عليه أن يقف مع سوريا أولاً مع المقاصِد التي ينبغي أن نستمسك بها: وحدة سوريا أرضاً وشعباً وسلطة، عروبة سوريا، حقّ الشعب السوري في أن يعيش حياة كريمة بعد كثير من المُعاناة، حقّ الشعب السوري في أن يُقيم تجربة لوحدة وطنية وتلاحُم وطني على أساس ديمقراطي وعلى قاعدة لا إقصاء ولا هيمنة. أن نرى سوريا ديمقراطية كما حَلِم بها شعبنا في سوريا، وحقّنا أن نرى سوريا في مكانها اللائق بها في قلب أمّتها وتعبير عن أمّتها وسَنَد لأمّتها، تتعالى على محاولات استدراجها للتطبيع مع العدو الصهيوني أو أن ترضخ لإرادة أجنبية. ويمكن هذا، بُشّرْنا به من أيام قليلة بوقفة أهل بيت جن الذين بإرادة شعبية تصدّوا لمحاولات صهيونية اقتحمت بلدهم، فتصدّى لها نموذج يعبّر عن كل الشعب السوري في فاتحة تبشّر بأن سوريا هي سوريا ستبقى قلب العروبة، مقاومة للصهيونية، حريصة على استقلالها.
سوريا بكل هذه المحبّة التي تستحقّها أيضاً مُحتاجة حَرْصاً منا جميعاً عليها، يدفع سوريا للأمام، يجعلها تُطبّب جراحها، يجعلها تتصالح مع نفسها ومع دورها ومع شخصيّتها ومع تاريخها وتصنع مستقبلها.
لكن الوضع في سوريا بالغ الصعوبة، بالغ الصعوبة، بقَدْر ما تحملت من قسوةٍ ودفعت من =ثمنٍ، وبقَدْر ما يُحيط بها من نوايا مُضْمَرة أو مُعلنة تريد لسوريا أن تكون تابعاً أو أن تتقاسم فيها المصالح على حساب شعبها. يكثُر اللاعبون على سوريا، لكننا نريد أن يكون اللاعب الرئيسي هو الشعب السوري، وبحسب إرادته ومصالحه يتحدّد دور باقي اللاعبين.
لا نريد لسوريا، كما سمعت من صديقٍ عزيزِ عالِمٍ ببواطِن الأمور، أن مشكلة سوريا أنها لم تعد لاعباً كما كانت دائماً، بل أصبحت ملعباً لكثيرٍ من اللاعبين من خارجها.
نحن بكل المحبّة التي تستحقّها سوريا وبكل الحرص عليها نستمع لإثنين من أكثر المُحبّين لسوريا أيضاً والخبراء في شأنها في هذا اللقاء الذي أعتقد أنه سيكون فاتحة لقاءات عديدة عن سوريا الحبيبة.
أستاذ طارق الأحمد، وهو عميد الخارجية في الحزب السوري القومي الاجتماعي وعضو الكتلة الوطنية في سوريا، والدكتور جمال واكيم، أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، كمُحبّين لسوريا وحريصين عليها، وأكيد تشاركونني أنه في الإمكان أن تتعافى سوريا، وفي الإمكان أن تؤدّي دورها.
أريد أن أستمع إليكم. نبدأ بالأستاذ طارق، تفضّل.
طارق الأحمد: أولاً، أحيّيك بتحية الحياة لك ولضيفك العزيز دكتور جمال، ومن خلالك لكل الجمهور المُحبّ لسوريا. تحيا سوريا.
أنا أشكرك على هذه المقدّمة، وأعتقد بأنه حقيقة، سوريا إذا وعت لحقيقتها وحقيقة دورها، ووعى الشعب لحقيقته وحقيقة دوره، فهو سيلعب هذا الدور. وأنت وصفت التوصيف الصحيح، وقلت بأن سوريا حقيقة إما أن تكون لاعباً حقيقياً إقليمياً ودولياً، أو أن تكون ملعباً. للأسف الشديد، الآن سوريا في حالٍ سيّئة، في حال تشرذُم، في حالٍ نَمَت الهويّات الفرعية فيها: الهويّات الطائفية والإثنية والعِرقية، وهذا على حساب دورها الوطني وعلى حساب دورها الجامِع. وهذا، بصراحة، هو الشيء الذي يجب أن تتنطّح له النُخَب السياسية والفكرية السورية من جهة، وأيضاً الحاضِنة لها العربية التي لها دور كبير الآن لأنها كلها مُسْتَهْدَفة، من أجل توحيد الكلمة في سوريا، ومن أجل أن يكون الصوت وطنياً وجامِعاً. الهويّات الفرعية هويّات ما قبل الدولة التي تتحرّك الآن، سواء التي أعلنتها سلطة الأمر الواقع حالياً أو التي جاءت لتردّ عليها أيضاً بردود تحت عنوان أقلّيات ومُصطلحات، ولكنها كلها، بصراحة، الآن تتصارَع على حالٍ تشبه بعضها بعضاً. وأعتقد أن المؤامرة الكبيرة أرادت دفع السوريين، المؤامرة الصهيونية الكبيرة أرادت دفع السوريين ليتقاتلوا بعضهم ببعض على أساس تلك المُكوّنات، وعلى أساس أن تصبح، بدلاً من أن تكون القضية قضية السوريين وقضية سوريا كلها وقضية سوريا الطبيعية، تصبح قضايا فرعية: قضية طائفة معيّنة، قضية منطقة معيّنة. وبالتالي تصبح الاستعانة بالعدو أمراً مبرّراً، ويصبح الاقتتال مع أبناء الوطن الواحد أمراً واضحاً ومشروعاً، ويَعتقد كلاً بأنه قادِر على أن يستفزّ الشارع، ويصبح شارعاً مقابل شارع. وهذا ما رأيناه، ما رأيناه في الأيام الأخيرة. طبعاً، إشارتك حاضِرة جداً، بأن ما حصل في بيت جن هو أيقونة طبيعية ظهرت، قد تكون بشكلٍ عفوي، ولكنها وحّدت الكلمة وأظهرت بأن هذا هو المسار الصحيح.
ما خطّطت له إسرائيل وعملت عليه ونظّمت قوى ودولاً أيضاً أخرى معها من أجل أن تسيطر وتُهيمن على سوريا، وعملت أيضاً على الدخول إلى الداخل السوري بهذه الطريقة، وهي الآن محتلّة لسوريا، محتلّة للجنوب السوري، ووصلت إلى مشارِف دمشق. الآن هذا الأمر على الشعب السوري أن يردّ على هذا الأمر كله من خلال التصدّي ومن خلال وعي حقيقته الأساسية. نحن كحزبٍ سوري قومي اجتماعي خطّنا وسِمَتُنا واضحة، وأيضاً في الكتلة الوطنية السورية خطّنا وسِمَتُنا واضحة، ونقول بأن الأمر يتمّ من خلال الحوار السوري-السوري، وحدة الشعب السوري، وطرح الحلّ السياسي على أساس بناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة، وفيها لا مركزية إدارية. هذا هو خطّنا وسعينا، ونقدّمه لكل شعبنا.
حمدين صباحي: دكتور جمال، ربما يفيد لو أنك أصّلت. نحن نريد أن ننظر للحظة والمستقبل، لكننا الآن في ذكرى 8 ديسمبر، يوم سقوط نظام وبداية نظام جديد.
فيا ليت، فيما تقوله، لو تطلّعت على دلالة هذا السقوط: كيف تم بهذه السرعة وعلى هذا النحو؟ هذا من الأسئلة التي لا زالت مُعلّقة؟
جمال واكيم: أولاً، شكراً على الاستضافة، وتحية لك وللضيف الكريم وللجمهور.
بتقديري، أن هذا السقوط له أبعاد. مَن فَهِمَه: أنت ذكرت سقوط نظام وقيام نظام آخر. أعتقد أننا في مرحلة لم يقم فيها نظام آخر؟
حمدين صباحي: سقوط نظام، وفي انتظار نظام؟
جمال واكيم: في انتظار بديل. ولكن للصراحة، وربما إذا حلّلنا المسائل، قد نعود إلى 5 سنوات خلت، وقد يكون هنالك من صاحب القرار في ذلك الوقت بعض الخطوات التي، بتقديري، هنا ليس للإدانة، ولكن لفَهْم ما حصل.
صاحب القرار أو متّخذ القرار قد يكون أخطأ ببعض المسائل الاستراتيجية التي هي أولاً: كان بحُكم الضرورة الجيوسياسية تحالفه قائم مع إيران ومع روسيا، فتوجّه لتقليص هذه العلاقة مع إيران من جهة، وربما لم يُلبّ، فلنقل، راهَن على الطرف الروسي، بالوقت الذي كان فيه الروس متورطين بمعركتهم الكبرى ضدّ كل الغرب، الغرب الجماعي، في أوكرانيا.
هذه، تُفهم الظروف هنا، توجّه صاحب القرار إلى تقليص العلاقة مع إيران ومحاولة استبدالها بعلاقة مع السعودية والإمارات، بالوقت الذي هو الخطر الأكبر عليه وعلى سوريا وعلينا جميعاً هو إسرائيل. أعتقد كان هذا أحد أكبر الأخطاء في الحساب.
=ولكن أيضاً، في جزء آخر، أن الحرب التي شُنّت على سوريا بدءاً من العام 2011، للأسف، أن معظم الأنظمة العربية كانت متورّطة فيها. فعندما نقول "سوريا قلب العروبة النابِض"، فماذا فعلت الأنظمة بقلبنا؟
هذه الحرب التي أنهكت الجيش العربي السوري، أنهكت مؤسّسات الدولة، وأنهكت المواطِن السوري.
حمدين صباحي: طبعاً، المواطِن السوري نال القَدْر الأكبر من الكلفة؟
جمال واكيم: وهنالك بعد أبعد من ذلك: أن ما رأيناه من انهيار هو عملياً نهاية مرحلة، ربما عُمرها مئة عام. يمكن أن نؤرّخ لتاريخ العرب المعاصِر بدءاً من ميسلون، أو فلنقل مملكة فيصل، وبعد ذلك معركة ميسلون كبداية، وبالسقوط الذي حصل في 8 ديسمبر على أنه نهاية لهذه المرحلة.
لأنه بتبعاته، نحن خرجنا من حُكمٍ عثماني لمدة 4 قرون، ربما كانت له حسنات، ولكن يجب أن نعترف بحقيقة أن دورنا كعربٍ في ظلّ الدولة العثمانية كان ثانوياً.
بدأت النهضة العربية، طبعاً، كان في بدايات ضعف الدولة وترهّلها العثمانية من القرن الثامن عشر، فمحاولات النهضة العربية بدأت ببدايات القرن التاسع عشر: تجربة محمد علي، تجربة النهضة في بلاد الشام بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتُوّجت في تجربة، ربما عرجاء، ربما لها ما لها وعليها ما عليها، وهي مملكة فيصل الأول. وهذه حدّدت ليس فقط هويّة سوريا، ولكن أيضاً دورها كحاضِنٍ للنهضة العربية.
طارق الأحمد: حاضِن ومُحفّز؟
جمال واكيم: بالضبط. من هنا، خروج مصر إلى دورها التاريخي الذي حرّر كل الأمّة العربية بمرحلة الخمسينات والستينات، كانت بوابته سوريا: الوحدة، عبد الناصر، الوحدة. ونذكر نحن كيف تغيّرت خريطة الوطن العربي من محتلّ ومُسْتَعْمَر بنسبة 99%، ربما، إلى مُتحرّر بنسبة، فلنقل 80% بالمئة مع وفاة جمال عبد الناصر، واستُكْمِل تحرير باقي الأقطار في وقتٍ لاحق.
بالتالي، هنا الأمر الذي نراه أن ما جرى هو أيضاً نتيجة خَلَل بنيوي في مشاريع التحرّر العربية التي وُجّهت لها ضربة بالـ67، قاومت ورفضت الهزيمة، حاولت أن تقاوِم، ولكن بعد ذلك، في مُجمَل المُعطيات، نحن دخلنا بمسارٍ انحداري، فلنقل بدءاً من النصف الثاني من السبعينات، عبر محاولة التسوية مع مشروع لا يريد التسوية معنا، وهو المشروع الصهيوني.
وإذا نذكر أولاً اتفاقية كامب ديفيد، ورِهان الرئيس المصري الأسبق أنور السادات على أن السلام سيفتح أبواب التنمية وما إلى ذلك، هذا لم يفتح هذا الباب، بل إنه رغم توقيعه الاتفاقية، إذا عدنا لمذكّرات موشي ديان والمسؤولين الآخرين، كيف كان عندهم مشروع ليس فقط لتقسيم منطقة المشرق العربي على أساس كيانات طائفية — وهو ما يطمحون إليه الآن بعد انهيار سوريا — ولكن أيضاً الانطلاق لانتزاع سيناء من حضن مصر، ونعود إلى أول مشروع لذلك سنة 69، وأفشلّه عبد الناصر، والآن يتجدّد مع المشروع الذي يطرحه علناً نتنياهو بترحيل الشعب الفلسطيني أو تهجيره من أرضه وإقامة وطن بديل في سيناء، وبعد ذلك فصل سيناء عن مصر وإحداث فتنة طائفية وتقسيم مصر.
هنا نعود لورقة أوديد ينون التي كتبها سنة 82، ومنذ 40 سنة يطبّقون بها.
حضرتك أشرت، والأستاذ طارق أشار إلى معركة بيت جن. في التوازي، بين ما حصل في الـ82 وما يحصل اليوم، وهنالك تلازُم دائماً بين لبنان وسوريا: في الـ82 إسرائيل وصلت إلى بيروت، ولكن الجبهة ثبتت في سوريا، وكانت هنالك مقاومة انطلقت في ظلّ غياب الدولة أو في ظلّ الفوضى والاقتتال الداخلي في لبنان، وكأن من شأنها أن حرّرت في سنين قليلة، خلال سنتين، انقلب المشهد السياسي في لبنان من مشهد تغلب عليه إسرائيل إلى مشهد انحسر فيه المشروع الإسرائيلي.
الآن، إسرائيل ثبتت الجبهة في جنوب لبنان، على الرغم من التضحيات الجِسام، ولكن لم يستطيعوا التقدّم خطوة في الجنوب. ولكن الاختراق كان بأن وصلت، للأسف، قوات الاحتلال الصهيوني إلى مشارف دمشق. وإذا بمقاومة تنطلق في ظلّ الفوضى الحالية في سوريا في بيت جن.
أنا أقدّر أن هذا يُحاكي المشهد اللبناني.
حمدين صباحي: هذا درس تاريخي استيعابه واستلهامه أيضاً مهمّ جداً.
الأخ طارق، الحال الداخلية بين القوى داخل سوريا، لأي مدى يسمح لها بأن تقف على أرضية مشروع وطني جامِع يستجيب لتطلّعات شعبنا في سوريا؟
طارق الأحمد: مع الأسف، الحال الداخلية سيّئة جداً، لأنه كما أسلفت منذ قليل، هناك استقطاب كبير جداً باتجاه المشروع الطائفي. هناك سلطة أمر واقع قامت بالتعاطي مع شعبها — وأنا الآن أتحدّث بالمعلومات — ليس على أساس المواطِنة، وإنما على أساس الطوائف. خاطبت الشعب على أساس الطوائف. بتنا نشاهد تصريحاً رسمياً من السلطة الحالية تخاطِب شعبها وفق مكوّنه الطائفي: تقول "الإخوان الدروز"، حتى لو تحدّثت بلغة لطيفة — "الإخوان الدروز"، "الإخوان العلويين"، هكذا. هذه لغة لم نتعوّدها في سوريا.
حمدين صباحي: نحن نحتاج حكومات تقول: "يا أيها المواطنون" بالمواطِنة؟
طارق الأحمد: تماماً. أصبح حتى الإعلام الرسمي السوري — وأنا أيضاً أنقل معلومات — يتحدّث. شاهدنا على الشاشة يقول: "الناشط المسيحي فلان الفلاني". منذ متى كان هذا الأمر؟ وأنا لا أتحدّث عن نقل بسيط أو شكلي، لا، هذا يتدخّل بعُمق ما هو موجود في سوريا.
بمعنى أن تركيبة الجيش السوري وقوى الأمن السورية الحالية هي تركيبة من مذهب، من لونٍ واحد. وبالتالي، ما وجدته من مجازر حدثت سواء في الساحل، تنقّلت إلى السويداء، إلى آخر حدث في حمص منذ أيام قليلة، سببه بأن هناك لوناً واحداً موجوداً: لون طائفي لديه السلاح، ولون آخر ليس لديه أية قطعة سلاح.
وحتى عندما تمّ تجريد السلاح على أساس أن يُعتبروا من أتباع النظام السابق، كما قالوا، أو من مَن كان يخدم النظام السابق، جُرّدت على أساس طائفي من طوائف معيّنة، ومن طوائف أخرى، بالعكس، تمّ إعطاء السلاح.
هذه وصفة للتدمير. إذا أردت أن تدمّر جيشاً وشعباً ودولة، فافعل ذلك.
ما الذي حصل بنتيجة هذا الأمر؟ هو هذا المشهد الذي حضرتك تسألني عنه الآن: مشهد شارع مقابل شارع.
نحن غير مسرورين على فكرة لا للشارع الأول ولا للشارع الثاني. بمعنى: أنا لا أقول للشارع يجد نفسه مظلوماً أو مكلوماً "لا تنتفض"، بالعكس، أجدها ظاهرة إيجابية أن الناس تخرج وتتحدّث بهمومها.
ولكن أن تكون هناك لغة طائفية في الشارع — مهما كانت الطائفة — هناك ربما 20 طائفة في سوريا، أية لغة لا تحمل الصبغة الوطنية، نحن لسنا معها.
نحن مع كل مَن ينزل إلى الشارع أن يحمل الهمّ الوطني وأن يتحدّث الحديث الوطني.
وبالتالي، إذا أردت أن نشرح الحال السورية الآن: الحال السورية إذا بقيت بهذا الشكل، فهي ذاهبة إلى اقتتالٍ داخلي، مع الأسف الشديد. سبق وأن تحدّثنا بهذا الأمر.
حمدين صباحي: أعتقد أن هذا الاقتتال خطر، ينبغي لكل عاقل ومحبّ لسوريا، سوريّاً أو عربياً أو في أي مكان، أن يقول: لا نريد مزيداً من الدم السوري؟
طارق الأحمد: من الدم السوري. وحقيقة، هذا الاستقطاب لا يمكن، كما ذكر الدكتور جمال قبل قليل، شبّه أو استعار من الذاكرة السيّئة للحرب الأهلية اللبنانية: كيف كان شارع مقابل شارع وهوية طائفية مقسّمة.
نحن لا نتّعظ من التاريخ من عِبَره. الآن ما يحدث هو نفس الأمر بشكلٍ أفظع بكثير، وهذا ينذر حقيقة بتفجّر الوضع في سوريا.
الحلّ الحقيقي هو، وأنا أستطيع أن أخبرك بأنه منذ أشهر، وقبل أن تكون هناك مجازر في الساحل، أصدرنا نحن بياناً في الحزب السوري القومي الاجتماعي: الدعوة إلى إرسال قوات عربية، قوات عربية من جميع الدول العربية، لتكون موجودة وتقوم بحماية الأمن.
بمعنى: هذه القوات — وأنا أعلم بأن القوات المصرية هي مقبولة في الساحل، ومقبولة في الجنوب، ومقبولة في الشمال — لأنها ستتعامل هذا جندي نظامي، وهو تعلّم في المدرسة العسكرية، وهو لا يُعطى بشكل مذهبي، مهما كان مذهبه. وأنا أشرح الأمر كما هو: هو سيتعامل، إذا دخل إلى اللاذقية ورأى امرأة، سيّدة صاحبة منزل، سيعتبرها هذه المرأة أمّاً له، سيتعامل بهذا الشكل، لن يتعامل معها على أساس هويّتها أو مذهبها.
بينما — ومع الأسف، أنا أقول: أشرح الحدث، ولا أريد أن أؤلّب المواجِع — أنا أقول: إن الحدث هو أن الناس ذهبت إلى قصّ لحى وقصّ شوارب، وتعامل مع كبار السنّ وصغار السنّ بطريقة وحشية وغير مقبولة.
هذا ولّد مجموعة.
لكن ما الخطأ الذي حصل؟ الخطأ الذي حصل الآن هو أن الضخّ الإعلامي جعل الناس تتكتّل وفق طوائفها ووفق مذاهبها، وهناك رعاية.
هذا هو الأخطر: هناك رعاية عالمية، بمعنى غربية بالدرجة الأولى — أكيد ليس الهند والصين ولا البرازيل — أنت تعرف مَن الدول المُتدخّلة.
حمدين صباحي: المشكلة أن الانقسام الطائفي دائماً يستجلب رُعاة أجانب، والرُعاة الأجانب لا يحلّون مشاكل أية طائفة، يورّطوها أكثر؟
طارق الأحمد: إذا ذهبت بهوية طائفية، من أسهل ما يكون أن تتنقّل في الدول الغربية، من أسهل ما يكون تفتح لك المنابر، من أسهل ما يكون تظهر على الشاشات. أما في الهوية الوطنية، فأنت مُحاصَر.
فلذلك، نحن نعوّل على الدول العربية التي تعرف بأن هذا الحريق سيمتدّ إلى المحيط إذا ما حصل في سوريا إلى محيطها: بصراحة، إلى تركيا، إلى العراق، إلى لبنان، إلى كل المنطقة، وأيضاً إلى الخليج وإلى مصر — لا سمح الله.
حمدين صباحي: دعني أتوقّف عند هذه الفكرة الهامّة التي عنوانها "الدور العربي". نتوقّف قليلاً، ثم نطرح هذا السؤال على الدكتور جمال؟
حمدين صباحي: أيّ دور عربي مُنْتَظر في سوريا، وما أهميته وإمكانياته، يا دكتور جمال؟
جمال واكيم: هنا لن أكون دبلوماسياً. هنالك دور عربي وحيد يمكن أن يكون إيجابياً في سوريا: وهو دور مصري.
حمدين صباحي: دور مصري؟
جمال واكيم: نعم. لأن مصر، نحن نلاحظ على مدى أكثر من 30 سنة الماضية، ضُرِبت عواصم عربية تمتلك قُدرات كامِنة للعب دور مستقلّ — ليس دوراً موكلاً لها من قوى غربية: العراق، طبعاً مصر محاصرة، الجزائر كان في محاولة لإسقاطها في التسعينات، والآن هنالك شيء يُحضّر لها. هذه ثلاث عواصم رئيسية، تُضاف إليها سوريا واليمن الذي هو أصل حضارتنا.
هل هي مُصادفة ضرب الحواضِر العربية أو مراكز الحضارة العربية، ومَن نشأ على أنقاض هذه الحواضِر البوادي؟
فبالتالي، هل يمكن الرهان على قوى أو دول هي بالأساس تشكّل جزءاً أو قواعد أجنبية، وأيضاً تشكّل مُنطلقاً لسياسات خِيْضَت ضدّ استقلال المنطقة وما تحقّق من إنجازات الخمسينات والستينات خصوصاً لجهة الاستقلال الوطني عن الدوائر الغربية؟
هل يمكن الرِهان على هذه القوى أن تكون رافِعة لسوريا، وهي التي كانت للأسف مولّت هذه الحرب على سوريا؟
فمصر هي جزائر الآن، ولكنها بعيدة. يتمّ تحضير مخطّط لها، مخطّط ضرب.
ولكن الخطر الأكبر الآن هو على مصر. من مصلحة مصر الوطنية — قبل الحديث عن القومية — ومن منطلق جيوسياسي أن تلتفت لما يجري في سوريا وتُفْشَل ما يُحضّر لسوريا من تقسيم.
وبالتالي، هنا الرهان: الناس بالنهاية لا حول لها ولا قوّة. في عصر اليوم، لا يمكن الحديث عن مشروع وطني داخل الحدود من دون أبعاد لدول يكون لها مصلحة.
لأن ما جرى في سوريا لم يكن شأناً داخلياً بالدرجة الأولى، بمقدار ما كان حرباً خارجية لأغراضٍ سياسية.
سقوط سوريا الآن يستكمل حزام النار الذي يطوّق مصر: نبدأ بليبيا، السودان، القرن الإفريقي، البحر الأحمر، سوريا.
هنا، ربما البعض يقول: هذا الخطاب ناصري؟ لا، ليس خطاباً ناصرياً. هذا، عندما نتحدّث عنه، نتحدّث عن مصر التي حدّدت مقوّمات أمنها القومي: تحوتمس الثالث، ومن بعده الإمبراطورة حتشبسوت. والذي يحبّ أن يقرأ، يعود لجمال حمدان. هذا ليس خطاباً أيديولوجياً، هذا خطاب جيوسياسي بامتياز.
الآن مصر مُطوّقة بحزامٍ من نار، وفي قوى تصنّف نفسها على أنها بين مزدوجين: إسلام سياسي مرتبط بتركيا، وتركيا هي بأقصى حدّ يمكن أن تلعبه، يمكن أن تلعب على الهامش الذي يعطها إيّاه الغرب.
من هنا، نعود لكتاب أحمد داود أوغلو "العُمق الاستراتيجي"، حين يلوم الاتحاديين بدخولهم بمواجهة مع الغرب، ويشيد بحكمة السلطان عبد الحميد الذي لعب على الهامش الذي أعطاه إيّاه الغرب.
فبالتالي، هنا نفهم لماذا بن غوريون، عندما حدّد الدول التي تطوّق العالم العربي، تحدّث عن تركيا، إثيوبيا... كان على هذا الغرب أن يعزّز الصيغة بعد تمرّد إيران، فخرجت إيران من تحالف الأطراف. ولكن الآن هنالك نفوذ تركي في ليبيا، نفوذ تركي في سوريا، نفوذ تركي في السودان، في القرن الإفريقي. متى يتمّ الضرب في القلب، ونرى أنفسنا أمام معركة ريدانية ثانية في قلب مصر؟ هذا السؤال.
فإذا لم تتحرّك مصر لترى ما الذي يجري في سوريا، فأخشى أن يكون آخر خط دفاع أو آخر أمل لنا بمصر أن تلتفت لما يخطّط لها.
لأننا نعود لورقة أوديد ينون، عندما يُحكى عن تهجير الشعب الفلسطيني وانتزاع سيناء.
حمدين صباحي: أنت ترى هذا الدور العربي المرشّح الرئيسي أو الوحيد بكلامك هو مصر؟
جمال واكيم: مصر، وممكن أن تسندها الجزائر إذا تحرّكت مصر.
حمدين صباحي: على اعتبار أن =هذه مصلحة للأمن المصري بقَدْر ما هي مصلحة لأمن سوريا، مصلحة للأمن القومي العربي. أكمل يا سيّدي رؤيتك للداخل السوري: كيف نتحرّك الآن، وإلى أين؟ ماذا في الإمكان لصالح سوريا الحبيبة؟
طارق الأحمد: في الإمكان، حقيقة، تكامُل مع فكرة الدكتور جمال. أنا واقعي، بصراحة. نحن، مع كل ما تحدّث عن موقفه السياسي من النظام الحالي، وأنا أقول لك موقف حزبنا، الذي هو حزب سوري قومي اجتماعي، ونحن حزب يقول بالعالم العربي وليس بالوطن العربي، ولدينا تعريفنا للأمّة التي نتحدّث عنها: الأمّة السورية.
ولكننا درسنا الوضع الجيوسياسي علمياً، كما يقول الزعيم سعاده كان يتحدّث عن "العروبة العلمية الواقعية"، وليس "العروبة الوهمية" التي تحدّث عنها بشكلٍ انفلاشي، أنها "مُنفشلة" وغير علمية.
أيضاً، نحن من دراسة الواقع الجيوسياسي قلنا: إن هناك دوراً لمصر، وهناك دور للدول العربية.
بمعنى: وضعنا، بعد أن حلّلنا الموقف السياسي، وجدنا بأنه هناك — وسأعطيك من الواقع — مجموعات مكلومة ومتألّمة تبحث عن حماية دولية. نحن قلنا: لا، لا، لا دولة أجنبية تبحث عن الانفصال. قلنا: لا. وأنا أتحدّث عن المتألّمين، لا أتحّدث عن مَن بيدهم السلطة. أنا أتحدّث عن الضحايا وممثّلي الضحايا. مع ذلك، قلنا: لا.
السياسي عليه ألا يقف خلف الشارع. يجب أن يكون متقدّماً على الشارع، هو الذي يجب أن يقود الشارع ويقود الحِراك، وليس أن يركض وراء همّ الشارع، أو بمعنى: أين يركض الشارع؟
لذلك، من الدراسة الجيوسياسية للواقع، نحن قلنا: إن الدور العربي هو الذي يمكن أن يُنقذ سوريا، وبالدرجة الأولى الدور المصري. صحيح، وأنا مع الدكتور جمال في ما قاله.
بمعنى: أنت لديك يا عزيزي وصفة جاهزة: هناك القرار 2254، صدر في العام 2015 بالإجماع في مجلس الأمن الدولي. بمعنى أن هناك توافقاً، وإشارات الأمم المتحدة كلها تشير إلى هذا القرار. وهذا القرار يتحدّث عن تشكيل جسم حُكم انتقالي.
حتى أنا أعطيك أكثر من ذلك: حتى إن آخر اجتماع لجامعة الدول العربية عاد وأكّد على هذا القرار، وأيضاً أكّد على بيان جنيف عام 2012، حزيران 2012، الذي تحدّث عن تشكيل جسم حُكم انتقالي — وليس حكومة انتقالية. هناك فرق. يسمّونه "حُكم انتقالي"، كل هيكلية الدولة.
بمعنى أن هذه السلطة الآن هي سلطة أمر واقع، مُؤلّفة من فصائل. فصائل قامت بمُبايعة أحمد الشرع، وأصبح رئيساً للجمهورية على أساس أن الفصائل قد بايَعته. وهذه ليست شرعية.
والبديل عن ذلك هو أن هناك مكتباً للأمم المتحدة والجامعة العربية والدول العربية، وبالأخصّ مصر، تستطيع أن تمارس دوراً، ولا تترك للولايات المتحدة الأمريكية أن تقرّر لوحدها في مجلس الأمن.
وتكون هناك جلسة لمجلس الأمن، ثم يستقيل المبعوث الدولي غير بيدرسون، ولا يُعيّن بدلاً منه، ولا يكون هناك أي دور لا عربي ولا غير عربي.
أنا أقول لك، أستاذ حمدين: سوريا متروكة الآن، متروكة، والشعب السوري متروك لمصيره. وكتبت مقالة مرة شبّهتها برواية غابرييل غارثيا ماركيز "قصة موت مُعلن".
في هذه الرواية يتحدّث عن سانتياغو نصار، الذي هو من أصل لبناني، يقول إن كل القرية تعرف أنه كان ذاهباً للذبح — حتى أمّه كانت تعرف أنه ذاهب للذبح. والله، سوريا تُذْبَح! تُذْبَح سوريا كوطن، كدولة، كمؤسّسات! كل شيء! لا تكفي لا حلقة ولا عشرات الحلقات إذا أردنا أن نفصّل ما الذي جرى ويجري في سوريا. من الغرابة — وكنت لأقول لك — إنها مجموعة من الطلاسِم ومجموعة من الألغاز التي إذا أردت أن تدخل فيها، ستتوه فعلاً فيها. لكن ما نريده هو الحلّ: السياسي. الدعوة إلى دولة ديمقراطية مدنية تضمّ الجميع وعلى قَدَمِ المساواة. ولكن مَن الذي يشترك فيها؟ يشترك فيها المكوّنات السياسية وليس الطائفية. وهذه مسألة مهمّة جداً.
كل الوقت أنظر إلى الشاشات، وأنظر إلى حديث الساسة، وخاصة الأمريكان والإنكليز والفرنسيين... يجب إشراك، وسأقول الأمور كما هي ومن دون دبلوماسية: يجب إشراك العلويين والسنّة والدروز؟ يا عم! كيف بدّك تشركهم؟ هل أنا آتي بالمشايخ والخوارنة وأجلسهم مع بعض و"حلّوا لنا المشكلة" أو "صيرّوا أنتم وزراء"، أو "أضع خوري مثلاً وزيراً للدفاع، وشيخاً وزير اقتصاد"؟ لا. كل الدول الديمقراطية والدول المدنية تقوم على أساس الأحزاب والتكتّلات السياسية.
يجب الدراسة التشريحية للواقع السياسي السوري لنرى مَن هي الأحزاب والكتل السياسية التي تمثل جميع الشرائح من دون بُعد مذهبي وطائفي، وتجتمع هي في حلّ سياسي وتخرج جسم حُكم انتقالي.
حمدين صباحي: هذا الطرح أفقه. ماذا فعلياً الآن؟
لأن هذا طرح عاقل يتّفق عليه، وفي قرارات أممية لصالحه. ما مدى إمكانية الاقتراب منه؟
نحن تعلّمنا من درس نظام بشّار الأسد أن أحد أسباب ما آل إليه من سقوط هو تعنّته في رفض مُصالحة وطنية دُعي إليها، كان في قرارات أممية، وكل الذين يحبّون سوريا دعوا لهذه المُصالحة، وهو تعنّت حتى سقط.
الآن، أين موقع السلطة — سلطة الأمر الواقع الآن — من دعوات مثل هذه؟ وألم تعتبِر هي مما جرى من قبل؟
طارق الأحمد: لم تعتبِر. تهرّب بشّار الأسد 14 عاماً من مصالحة وطنية وحل سياسي، ثم تهرّب أحمد الشرع على مدى عام.
وفي هذا العام، دُمّرت سوريا ومؤسّساتها أكثر من الـ14 عاماً =التي دُمّرت أيام بشّار الأسد.
وأنا أتحدّث بالأرقام، وأستطيع أن أبرهن. بمعنى: 14 عاماً من التدمير بسبب الهروب من الحل السياسي، وعام أحمد الشرع من التدمير أيضاً الذي فاق التدمير الأساسي لمؤسّسات الدولة.
حمدين صباحي: وتهرّب أيضاً من حلٍ وطني جامِع؟
طارق الأحمد: وتهرّب أيضاً من الحل الوطني الجامع. وأنا أقول بأن المسألة هي فعلاً بيد العُقلاء، الحُكماء، والعُقلاء من الدول. وهذه دعوة لمصر الحبيبة أن تأخذ هذا الأمر بيد الجامعة العربية.
وقلت لك: نحن نستطيع أن نقبل بقوات عربية، بقوات مساندة عربية. أنا لا أقول قوات تحلّ، ولكن ليس بحماية دولية.
نحن لا نثق، بصراحة، بدول العالم الأجنبية، لكننا نثق بإخواننا من الدول العربية.
حمدين صباحي: على أية حال، سوريا محبّتها وأهميّتها وخطر تركها لمثل هذه المصائر التي تلوح في الأفق والتي تقطّع القلب، فعلاً هي قلب العروبة، وهو مقطع ويقطع قلوب العرب أن تكون سوريا معرّضة في هذه المحنة التي تدوم، وبعيدة عن حل. أعتقد في واجب عربي على الجميع.
مصر، كما كل دولة عربية، وأكثر منها معنية بهذا الحلّ لسوريا، ولمصر ليس تبرّعاً ولا تطوّعاً أخلاقياً فقط، بل ضرورة أمن قومي ودور يزن هذه الأمّة بدل تركها لللاعبين الأجانب، وخصوصاً أن إسرائيل لاعب رئيسي في ما يجري داخل سوريا الآن.
هذا يجعلني أحاول أن أصل في جزء... نحن نحتاج الحديث كثيراً عن سوريا، وهي تحتاج وتستحقّ.
لكن على ضوء ما تمّ في بيت جن، هل المخاوف عند كل عربي يحب سوريا من أن تُجرّ إلى طريق التطبيع؟ ونحن دائماً نقول: سوريا كل قيمتها ودورها وبُنيانها وشخصيّتها لم تذهب إلى هذا المصير البائس.
هل هناك عوامل موضوعية تدعنا نطمئّن أن هذا لن يُفرَض على سوريا؟
جمال واكيم: بتقديري، أنا بالأساس دراستي كانت عن سوريا تحديداً مفاوضات السلام، وكانت الفرضية التي قام عليها البحث أنه لن يكون هنالك سلام بين سوريا والكيان الصهيوني.
حمدين صباحي: وقد ثبت هذا فعلياً؟
جمال واكيم: لماذا؟ لأن مصر تملك كانت رفاهية أن تحيّد نفسها عن الصراع لأنه لديها مقاومات مختلفة.
سوريا أو الجمهورية العربية السورية هي — ولماذا تحدّثت عن مملكة فيصل؟ إذا عدنا إلى تلك المرحلة — كانت سوريا مشروعاً هو الذي ينطلق من كيليكيا شمالاً — جزء من جنوب تركيا — إلى سيناء جنوباً. ومن هنا، نشأ مشروعان فلنقل مُتناقضين.
بالكيانات التي تقاسمت في سوريا، لدينا الجمهورية العربية السورية: مجموعة هويّات جزئية، ولكن في الهوية الوطنية غالبة عليها، وتطمح — هي ما دون قومية فشل المشروع القومي، ولكنها ما فوق الطائفية والجهوية.
الكيان الصهيوني قام على جزء من هذه سوريا — جنوب سوريا (فلسطين) — ليطرح مشروعاً هو أن تكون الهوية الطائفية هي الأساس.
فهذا تناقض مشروعين بمفهوم الهوية، والإثنان يقتتلان على نفس المجال الحيوي أو مدار التأثير: وهو سوريا الكبرى.
من هنا، بتقديري أنا، لا يمكن أن تكون هناك تسوية. الصِدام حتمي وأبدي: إما أن تزول إسرائيل أو تزول سوريا.
حمدين صباحي: سوريا باقية، لا تزول إن شاء الله.
جمال واكيم: والدليل من هنا، ربما أهمّ سبب أطاح ببشّار الأسد هو أنه رفض التسوية لآخر لحظة، وبقي على موقفه الداعم للمقاومة، رغم أن البعض كان ينتظر منه أن يدخل للميدان، ولكن أيضاً...
حمدين صباحي: هو رفض التسوية مع العدو الصهيوني، وهذا يستحقّ عليه التحية.
ولكن أيضاً رفض التسوية مع فرقاء الوطن المختلفين معه، وهذا كان خطأ؟
جمال واكيم: هذا شأن آخر.
حمدين صباحي: صحيح. الحقيقة الإثنين أدّيا لنفس النتيجة في الصُلب.
جمال واكيم: بالضبط. ولكن بتقديري، أن ما نشهده في بيت جن، حتى أن المشاريع التقسيمية الآن في سوريا والتي للأسف نتحدّث عن بشّار الأسد أنه أخطأ أو أصاب، ولكن هذا رجل كان يمتلك قراره. مَن هم في السلطة الآن في سوريا، التي يسمّيها الأستاذ طارق "سلطة الأمر الواقع"؟ هل يمتلكون قرارهم؟ هذا السؤال.
حمدين صباحي: على أية حال، لأن وقتنا يحتاج لتمديده في لقاءات أخرى، نستطيع أن نقول: إن سوريا تحتاج إرادة وطنية موحّدة على أرضيّة المواطِنة وليس على أرضيّة الطائفة.
تحتاج نظاماً ديمقراطياً، وتحتاج لحفظ وحدتها أرضاً وشعباً وسلطة واحدة، تحفظ عروبتها وموقفها المستقلّ. نحن هذا ما نرجوه لسوريا.
هناك دور عربي مطلوب: مصري وأوسع. ونحن نأمل أن شعبنا في سوريا، تاريخه يجعلنا نطمئّن إليه، رغم ما تحمله من قسوة وما قدّمه من تضحيات عظيمة.
لكننا نأمل ونتمنّى أن يجتاز هذه المحنة الصعبة، وأن تعود سوريا إلى نفسها. معناها أن العروبة تستردّ قلباً نابضاً حياً يستطيع أن يحمل أحلامها بأن نكون أفضل، بإذن الله. أعتقد أننا مؤمنون بأعماقنا أن تعافي سوريا في الإمكان. الله يبارك فيكم، ويُعيننا ويُعين شعبنا في سوريا. وسُعدنا ونشكركم على هذا الحوار القيّم.
طارق الأحمد: شكراً جزيلاً.
جمال واكيم: شكراً.