طريق الحرية - الجزء الثالث
نص الحلقة
في الرابع من أيلول (سبتمبر) عام 1997، كان كل شيء هادئًا في جنوب لبنان، ولكن شاطئ البحر قرب بلدة أنصارية كان يتهيأ لحدث كبير.
السيّد حسن نصر الله: التقط الإخوة صوَرًا جوية لطائرة الاستطلاع الإسرائيلية، تصوّر من الشاطئ باتجاه الباستين، وتمشي طائرة الاستطلاع خلف طرق معيّنة إلى أن تصل إلى مكان هو طريق زفت يؤدّي إلى بلدة أنصارية. تمّت معرفة المكان الذي تستطلعه طائرات العدو والطرق التي تركّز عليها. افترضنا أنه سيقوم بعملية، وعلى هذا الطريق وصولًا إلى ذلك المكان، فنصبنا عدّة كمائن. وفي ليلةٍ ليلاء مُظلمة في 5 أيلول 1997، جاء كوماندوس إسرائيلي، نزل من البحر – كوماندوس بحري – سار بالطريق الذي كان مُستطلعًا، وصولًا... استمرّ يسير طوال الليل وصولًا إلى المَكْمَن الذي أعدّه الإخوة، وحصلت المواجهة هناك. تمّ تفجير العبوات. يبدو أيضًا أن الإسرائيليين كانوا يحملون عبوات، فقُتِل 12 مباشرة، وأُصيب 2 بجراح، وبقي واحد الذي تحدّث مع مجموعة الإسناد. وتدخّلت المروحيات الإسرائيلية لاستنقاذ مَن بقي وجَمْع الجثث. طبعًا، في ذلك الوقت ليلة مُظلمة، وهم يملكون رؤية ليلية، حتى تمكّنوا من سَحْب الأجساد والجرحى، وبقيت لنا بعض الأشلاء التي فاوضنا عليها لاحقًا.
=وفيق صفا: حدثت العملية، وفيها أشلاء، وفيها جِلدة رأس إسرائيلي الذي صُوّر. فعلاً، الإخوة جمعوا كمية هائلة من الأشلاء، وصار في ترتيب لهم وتنظيم وتنظيف وتبريد كل شيء. لماذا؟ لأنه هؤلاء أيضًا يُستفاد منهم في تحرير إخوة في السجن، واستعادة أجساد شهداء. في المرة الماضية قالوا: أعطيناكم كل أجساد الشهداء، لكن عندما يكون هناك شيء مضغوط فيه، الإسرائيلي يذهب ويبحث.
كلنا احتفلنا وفرحنا بعملية أنصارية، وقيل عنها: إنها مرحلة جديدة للمقاومة الإسلامية في مواجهة العدو الإسرائيلي، لها علاقة بالأدمغة، ولها علاقة بالتقنيات، ولها علاقة بالعمل الفني. ويمكنني أن أقول العمل بعالم المُسيَّرات من تلك المرحلة بدأ.
السيّد حسن نصر الله: أراد المجاهدون – وهذه هي الرسالة التي أريد أن أقولها الآن – أن يفهم الإسرائيلي هذا العدو أن لبنان وجنوب لبنان والبقاع الغربي ليس مَكْسَر عصا، وليس مكانًا لصنع الانتصارات الإسرائيلية، بل هو منذ سنة 1982 وإلى اليوم بشكل عام هو المكان لصُنع الهزائم الإسرائيلية.
نبيه عواضة: بعملية أنصارية تحديدًا، أذكر تلك الليلة لم ننم، بقينا لساعات متقدّمة من الليل ونحن نتابع الخبر العاجل على التلفزيون الإسرائيلي، لأنه لم تكن هناك وسائل أخرى نتابعها – عربية – كان التركيز أكثر على ما الذي تقوله إسرائيل بهذا الخصوص.
مصطفى الديراني: أول إشارة عَلِمناها بالموضوع أن المحامي هو الذي نقل لنا بأن هناك عملية حدثت في بلدة أنصارية، وكما قال لنا فيها قتلى وأسرى، وبقايا جثث. ولم يعطنا تفاصيل، ولكن قال: هذه العملية قد تكون مدخلًا ومؤشّرًا لبداية التفاوض حولنا.
نبيه عواضة: عملية أنصارية بدأت تبني الأمل الحقيقي.
عباس قبلان: في 7 أيلول، كان لا يزال الصليب الأحمر يدخل إلى معتقل الخيام. سمعنا بتفاصيل عملية أنصارية، وأن المقاومة استطاعت أسْر أشلاء من الجنود الإسرائيليين الذين كان عددهم 12.
نبيه عواضة: خاصة مع إعلان المقاومة أنها تريد إرغام العدو الإسرائيلي على الإفراج عن الأسرى من داخل السجون الإسرائيلية.
مصطفى الديراني: لم يُسمح لنا بأن نعلم أي شيء عن الخارج إلا بعد عملية أنصارية، ويظهر أن المقاومة ضغطت على الكيان، أُمّن لنا تلفزيون داخل الزنزانة بمحطات معينة.
لم تمضِ أيام على عملية أنصارية حتى كانت المقاومة تخوض معركة عنيفة ضد الجيش الإسرائيلي في جبل الرفيع في جنوب لبنان، وشارك الجيش اللبناني في التصدّي للاعتداءات الإسرائيلية.
كان من نتائج هذه المعركة استشهاد نجل الأمين العام لحزب الله، هادي السيّد حسن نصر الله، مع رفيقيه هيثم مغنية وعلي محمد كوثراني، والشهيد الرائد جواد عازار مع رفاقه الخمسة من الجيش اللبناني.
وفيق صفا: لكن للأسف، ما قدّر الله كان وما شاء فعل. عملية الجبل الرفيع، الذي استشهد فيها إخوة أعزّاء – ثلاثة – وفيها شيء نوعي، اعتباري، معنوي، أخلاقي، أن من بينهم الشهيد السيّد هادي نصر الله.
بينما شيّع لبنان شهداء الجيش اللبناني الستة وودّعهم رفاق السلاح، كانت أجساد الشهداء المقاومين الثلاثة تقع في الأسر.
وفيق صفا: العدو الإسرائيلي في المرحلة الأولى لم يكن يعرف أن بينهم السيّد هادي، لكن بعد وقت قصير جدًّا عرف، واعتبر أنه وقع على كنز، لأنه كنا نحضّر لتلك العملية وكيف يمكن أن يعمل بها.
عملية أنصارية التي كانت فيها هزيمة النُخبة، وعملية الجبل الرفيع التي كانت أيضًا في أيلول 97 ونفس السنة، أخذتنا إلى تبادُل الـ98.
هذه المرحلة دخل فيها الألمان وعدة أطراف أوروبية، دخلت فيها دول عربية حتى تقوم بدور الوساطة. لكن بالحقيقة، دخل دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري على الخط.
دخل من باب أنه لطالما الشهيد هادي نصر الله لدى العدو الإسرائيلي، فهو يريد القيام بلفتة مميزة لسماحة السيّد. قال: اترك الموضوع عليّ، أنا. طبعًا جاء وعزّى وتحدّث مع سماحة السيّد: أنا أودّ تولّي الموضوع. كيف ستتولاه؟ سماحة السيّد لديه قاعدة ممنوع طرف عربي أن يكون وسيطًا بيننا وبين الإسرائيلي. كيف ستتولاه؟ فقال له: عن طريق الرئيس جاك شيراك. كان صديقه، وجاك شيراك صديق الإسرائيليين أيضًا وقتها.
أنا قدّمت المعطيات الموجودة لدينا، بالحقيقة باعتبار أنه لا توجد أجساد حتى للإسرائيليين، أشلاء، وقتها الرئيس الحريري معتبر أنه عمل أمرًا منيح جدًّا ما هي؟ آتي بالشهيد هادي وسهى بشارة، ومقابل هذين نسلّم الأشلاء.
كانت الفكرة: نأتي بالشهيد هادي ويأخذون الأشلاء، ثم تطوّرت إلى محل سهى بشارة، ثم تطوّرت إلى مكان رفاق الشهيد هادي. استغرقت وقتًا.
عبد الكريم عبيد: عندما حدثت عملية الإنزال في أنصارية، وقعت أشلاء بِيَد المقاومة، حدث تفاوض وحصل تبادُل سنة 98.
نبيه عواضة: كنا بدأنا نعيش =فعليًّا هذا الأمل، ومع وجود قلق خفيف دائمًا بأن الإسرائيلي كيف يُكْسَر، ويجب أن يُكْسَر، كيف سنخرج، كيف سيحصل التبادُل في إمكانية لا توجد إمكانية؟ لكن انتقلنا من الحلم إلى الأمل.
عبد الكريم عبيد: سنة 86، عندما وقعت عملية الأسيرين الصهونيين، حاولوا – وأنا كنت مسؤولًا بالجنوب، كان عملي – أنا كنت التقي الصليب الأحمر والناس، وأنا أعرف – وكان هناك أيضًا أسرى من غير الصهاينة، من جماعة لحد، وفي جثث وغير جثث. فهذه تجربة، لأنني خضتها قبل الأسْر، أعرف أن هذه تستغرق وقتًا.
وفيق صفا: الشهيد هادي ورفاقه، سهى بشارة وآخرون، أجساد شهداء موجودون عند الإسرائيلي، يعرف أين هم، وأسرى في السجون الإسرائيلية – هذا كان واضحًا.
استغرقت وقتًا وجهدًا، إلى أنه في النهاية الرئيس الحريري كعِي، كعِي أن سماحة السيّد لم يقبل، وهذا أكيد من جهة موقف قائد، من جهة موقف أبوّي، وموقف حكيم على كل المستويات يمكن تسميتها.
نبيه عواضة: هناك تأكيدات رسمية باحتمال حصول عملية تبادُل للأسرى. بالمقابل، الإعلام اللبناني كان متقدّمًا أكثر: كنا نسمع من الإعلام اللبناني أن عملية التبادُل سوف تشمل أسرى من داخل السجون الإسرائيلية، بينهم عشرة أسرى.
عباس قبلان: لذلك، الإسرائيليون واللحديون وقتها سرّبوا أن هناك عملية تفاوض.
نبيه عواضة: في اليوم الثاني، جاء خبر – مصدره الإعلام الإسرائيلي – أن عملية التبادُل على نهاياتها.
عباس قبلان: ولكن دائمًا كان الأمل معقودًا. وكلما كنا نرى سيارة الصليب الأحمر، يتجدّد الأمل أيضًا، لأنه هناك عملية تبادُل. هذه الفترة – فترة دقائق أو ساعة، ساعتين – إلى حين جمع كل الأسماء التي ستخرج. وهنا، الباقون طبيعة الأمر تعتبر أنه لا دور له في هذه المرة، على أمل أن تعود الكرّة ويكون له نصيب في المرة القادمة. ولكن دائمًا عندما نرى سيارة الصليب الأحمر، يتجدّد الأمل والثقة بأننا سنخرج يومًا ما.
وفيق صفا: عمليًّا، في تبادُل 98: أجساد شهداء وأحياء بعملية الـ98، ومن بينهم كانت سهى بشارة. محاولة أن يكون لديك دعم.
كانت الحكومة الإسرائيلية بعد صفقة جبريل عام 1985 وما أُثير حولها من جدل داخلي إسرائيلي، قد وضعت شرطًا لعمليات التبادُل وهو عدم الإفراج عن أسراها.
نبيه عواضة: لكن أن تفرضي على الكيان الإسرائيلي أن يفرج عن أسرى محكومين بالمحاكم الإسرائيلية مع طرف لبناني مقاوم بعملية، هذه كانت كل الخبرية. هذا الذي كان يعيشنا – لا نقول إنه كان يعيش الأمل – حتى هذا الأمل على الفلسطيني الموجود في داخل السجون. لدرجة أن هناك بعض الأسرى الفلسطينيين – وخاصة أن خطابات المقاومة، وتحديدًا سماحة السيّد، كانت تركّز كثيرًا على أنه لا يفرّق بين الأسير اللبناني والأسير الفلسطيني.
عباس قبلان: طبعًا لم يُحدّد وقت، ولم يكن هناك مصدر، وحتى التكهّنات لم تكن إلا قبل يومين من عملية التبادُل. حتى الشرطة اللحدية في داخل المعتقل حينها تحدّثوا عن عملية تبادُل ستتمّ في القريب العاجل.
نبيه عواضة: هذا الخبر جاء قبل 24 ساعة من حصول عملية التبادُل.
عباس قبلان: نسمع بها عندما يأتون يقولوا: ضبّوا ثيابكم. ولكن عندما يكون هناك معتقلون مضى عليهم وقت بالمعتقل، وهم من الناس الذين من غير الممكن أن يخرجوا بعملية عادية، نعرف أن هذه عملية تبادُل.
نبيه عواضة: تطوّر الخبر ما بين المعلومات الصحافية لتحديد أسرى من معتقل الخيام وعشرة أسرى من داخل السجون الإسرائيلية، إضافة إلى جثامين شهداء وعدد من الأسرى الفلسطينيين. صرنا ننظر مَن هم العشرة اللبنانيون الذين سيُطلق سراحهم؟ ومَن هم الأسرى الفلسطينيون الذين سيُطلق سراحهم؟ بطبيعة الحال، كنا فرحين جدًّا بسماع أنه لأول مرة بتاريخ هذا الصراع يُذكر الشهداء ويعود الشهداء، ونقول إننا نحرّر شهداءنا أيضًا من الأسْر الإسرائيلي. وحتى الشهيد هم أسروه ونحن نحرّره.
وفيق صفا: طبعًا، هذه 98 كان مقابل تلك الأشلاء، وتمّت العملية برعاية الرئيس رفيق الحريري.
=السيّد حسن نصر الله: سيقوم حزب الله بتسليم الأشلاء الموجودة في حوزته لمندوب عن الجيش اللبناني والصليب الأحمر، وسيتمّ نقل كل الأشلاء إلى مطار بيروت الدولي، ومن هناك إلى فلسطين. وبذلك قد تكون قد بدأت الخطوة التنفيذية الأولى في عملية التبادُل. عملية التبادُل هي تفصيل من تفاصيل هذه المواجهة.
جرى تسليم أشلاء جنود عملية أنصارية إلى الصليب الأحمر الدولي ليجري تسليمها إلى الجانب الإسرائيلي.
وفيق صفا: يتقدّمهم نجل الأمين العام الشهيد هادي حسن نصر الله و60 أسيرًا من سجن الخيام والسجون الإسرائيلية في فلسطين المحتلة.
أُنجزت الترتيبات لعملية التبادُل في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأشرف عليها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله.
يونس عودة: "ما هو شعوركم وأنتم تستقبلون جثة الشهيد هادي نصر الله؟"
السيّد حسن نصر الله: مثل كل عائلة شهيد عندما يعود إليها جسد ولدها، تشعر بالأنس وبالمواساة. أكيد تكون هناك عاطفة خاصة. على كل، نحن نعتزّ ونفتخر بأن المقاومة الإسلامية لا تترك أجساد شهدائها في أيدي أعدائها، وإنما تبذل كل الجهود لاستعادة أجساد الشهداء، كما هو الحال بالنسبة لكل المعتقلين والأسرى.
نبيه عواضة: عندما نسمع صافرة الإنذار في سجن =عسقلان وانتشار كثيف للشرطة وحرس الحدود، دعموا السجن بإجراءات شديدة، للحظات اعتقدنا أن هناك عملية قمع ستحصل لأننا مضربون عن الطعام. فتأتي الشرطة – السجّانون – على باب الزنزانة، كنا موجودين في داخل الغرفة 10 أسرى. يفتحون الباب، يذيع الأسماء بالعبري: 'فلان، فلان، فلان، فلان – جهّزوا أغراضكم للخروج من الغرفة'. يطلب: نبيه عواضة، علي حمدون، كايد بندر، أحمد إسماعيل، خذوا كل أغراضكم وغادروا بسرعة من الغرفة.
عباس قبلان: إلى أن حصلت قبل الإفراج بحوالى 3 أيام، في 23 حزيران، إلى أن جاء الإسرائيلي الذي كان وقتها موجودًا في المعتقل، وبدأوا إذاعة الأسماء الذين سيخرجون.
نبيه عواضة: الإحراج الكبير: كيف تودّع؟ ومَن تودّع؟ مباشرة، وقفنا أمام بعض. أول مَن بادر لِيَلَمْلم ثيابي أنور ياسين. لأنه هناك صداقة شخصية قبل المعتقل، وأنا دخلت بعده المعتقل، وكنت ذاهبًا لعملية أسْر من أجل أن أخرج أنور. خرجت قبله.
أنور ياسين: حياة الأسْر – وهذا الأمر ضروري الناس أن تعرفه – حياة الأسْر تذيب الأنا، تلغي الأنا، تصبح نحن أو الجماعة. أنت عندما تعيش أكثر مما تعيش مع أهلك في هذا المكان، تعيش 24 على 24 ساعة موجودًا مع أشخاص تنتمي معهم لقضية واحدة، لديك همّ مشترك في مواجهة إن كان السجّان أو في مواجهة الاحتلال قبل.
عباس قبلان: بالطريقة التي أعيش أنا والأسير فيها: ننام على فرشة مساحتها 50 سنتم، الغطاء واحد لكل شخص، نخيطه كالكيس ليضمّ إثنين، نأكل من الصحن، نقسم حبّة الزيتون، كنا نتشاركها. الأكل كان قليلًا جدًّا، ونتآسى بالجوع والبرد. وفي جزء من حياتنا سيبقى هناك.
أنور ياسين: هذه كانت فرحتنا أن هناك ناساً معنا بنفس الزنزانة تعيشين معهم عشر سنوات، وهذه اللحظة سيخرجون، تودّعينهم. فرحتك أكبر من فرحتهم. لماذا؟ هم يشعرون بحسرة أنك تاركة وراءك ناساً. لكن أنت تفرح لخروجهم. أنت تشجّعهم أكثر، أنك تحمل رسالة أيضًا: رسالة فرح لأهلنا، هي لأهلكم لكنها أيضًا لأهلنا، أنتم فتحتم الطريق.
نبيه عواضة: كيف ستودّعينهم؟ شباب جلسنا معهم سنوات، تعبنا سويًّا، كنا سنموت سويًّا.
عباس قبلان: ذكريات وحالة عشناها أو جزء من حياتنا، وأيضًا هناك أشخاص. هؤلاء الأشخاص الموجودون مثلما أيضًا مَن سبقنا أيضًا تأثروا بهذا الفارِق، أن هناك أشخاصاً تركناهم داخل المعتقل. أيضًا، نحن هناك أشخاص سنخرج إلى الحرية، ولكن سيبقون في المعتقل. هنا كانت عملية صراع المشاعر ومشاعر مُتعاكسة تمامًا.
نبيه عواضة: لوجستيًّا، في 24 حزيران نُقلنا من سجن عسقلان إلى سجن الجلمة. هذا السجن الأول الذي دخلنا منه. مررنا أولًا بمعتقل دامون قرب حيفا. بسجن الجلمة، بقينا كل النهار. الصليب الأحمر زارنا وصوّرنا وسألنا أسئلة لها علاقة أنه إلى أين نريد أن نذهب؟ وبدأت الإجراءات العملية للتبادُل.
عباس قبلان: عملية التبادُل تمّت على أرض الجنوب والبيئة الجنوبية في تلك الفترة نعرف أنها بيئة المقاومة، حاضِنة المقاومة، أهلنا الذين هم جزء من المقاومة، وهم عانوا أيضًا من الاحتلال الإسرائيلي مع ما عانيناه.
استعاد جيش الاحتلال أشلاء جنوده الذين تركهم في أنصارية، ووضعهم في توابيت خشبية، وأقام لهم مراسمهم الرسمية.
نبيه عواضة: نمنا في تلك الليلة، في وجه الضوء أخذونا، لأول مرة كنت من عشر سنوات أشعر ببرد الليل. نقلنا من سجن الجلمة بسيارة عسكرية، مُعصّبي العيون، إلى أن تسلّمنا الجيش.
نبيه عواضة: جيب للجيش الصهيوني نقلنا على نقطة بالمطلة حتى طلعت الشمس علينا هناك داخل السيارات. كان يصل صحافيون وإعلاميون، يأتي الصليب الأحمر الدولي يأخذ أسماءنا وينزلوننا من السيارة العسكرية إلى سيارة الصليب الأحمر. نقطة التبادُل على الحدود مباشرة، بالمطلة التي تعرّضت فيها للتعذيب الأول والضرب الأول. خروج الأسير من السيارة العسكرية التابعة للجيش الصهيوني إلى سيارة الصليب الأحمر. أول مَن ذهبت للصعود بسيارة الصليب الأحمر، يُنزع القيد من يدي ويُسمح لي بالصعود إلى السيارة.
كنت أول مرة أركب سيارة منذ عشر سنوات، لا يكون في يدي أي شيء، من دون أن يكون كيس على رأسي وعصبة على عيوني. أول أمر فعلته فتحت الشباك ووضعت يدي على الشباك. وعندما صعدنا جميعًا، انطلقت السيارة، وصلنا لمعتقل الخيام.
نبيه عواضة: في الخيام، بقينا لبعض الوقت، لأنه انضمّ لنا حوالى 50 أسيرًا من معتقل الخيام انضمّوا للقافلة.
عباس قبلان: تجمّعنا، تجمّع الجميع بالسجن رقم 2، بعدما فرّغوا السجن رقم 2، وأحضروا كل مَن سيخرج. كنا 40 معتقلًا من الخيام موجودين داخل سجن رقم 2. وعندما تجمّع هذا العدد بهذه النوعية داخل السجن، عرفنا وقتها أن هذه هي بشائر الحرية، وبشائر النصر والحرية.
نبيه عواضة: انطلقنا باتجاه كفر فالوس، وهناك جرت استقبالات الأهالي.
عبد الكريم عبيد: من جملتها وقتها بتبادُل الـ98، بالتحديد الجريح والأسير حسين المقداد.
أنور ياسين: بتبادُل الـ98، نجحوا بإطلاق عشرة من الداخل الفلسطيني، والباقي من سجن الخيام.
وفيق صفا: الأولويات التي كان يضعها حزب الله في موضوع السجناء والأسرى وأجساد الشهداء، على مستوى أجساد الشهداء كان يطلب الكل أي بلا استثناء. على مستوى الأحياء: كان يعطي أولوية للأخوات – أول شيء الأخوات – ولذلك رأينا نحن بالمرحلة السابقة عددًا كبيرًا من الأخوات.
عباس قبلان: في أولويات دائمًا بعمليات التبادُل، الأولويات كانت دائمًا للأسرى المرضى الذين كانوا يعانون من الأمراض، وللأخوات اللواتي قد أمضينا فترة داخل المعتقل، وأيضًا للمعتقلين الذين قضوا فترات طويلة.
لكن الأولويات دائمًا كانت موجودة، لكن ندرك جيّدًا أن الإسرائيلي دائمًا لا يعطي ما نريد، ودائمًا كان يُبقي لديه الأوراق التي يعتبرها أوراق ضغط.
عاد المحرّرون إلى لبنان، واستقبلهم الشعب المقاوم بمختلف الرايات، ومن كفر فالوس إلى شرق صيدا إلى مجدليون.
عباس قبلان: طبعًا، عندما خرجت استغرب كل شيء. حتى عندما أنظر للبناء والطرقات، أمر غريب. حتى الأشخاص نحن لا نرى ناسًا إلا الشرطة. إذا =رأيت شخصًا يرتدي ثياباً مدنية وليس ثياباً عسكرية، استغرب. اليوم رأينا أول مرة كنا نخرج ونرى الخليوي، حملت الهاتف: 'ما هذا؟ هذا الهاتف!' عندما دخلنا للمعتقل، أكثر أمر كان هاتف موجود في المنزل."
نبيه عواضة: بمجدليون، كان الرئيس الحريري وقيادة حزب الله وفصائل وقيادة الأحزاب اللبنانية.
نبيه عواضة: كانوا موجودين باستقبالنا بمجدليون، ببيت الرئيس الحريري.
رفيق الحريري: نحن نقول لإسرائيل انسحبي من الأراضي اللبنانية المحتلّة، ومن الأراضي السورية المحتلّة، ونحن جاهزون للسلام. لبنان جاهز للسلام، وسوريا جاهزة للسلام. أما إذا أرادت إسرائيل أن تهيمن على المنطقة، فلا يمكن أن يعيش أحد في المنطقة بسلام.
محمد رعد: الأجساد الطاهرة للشهداء الأبرار شهداء المقاومة والأسرى والمعتقلين الذين حرّروا من سجون الاحتلال الإسرائيلي، تعود بعض الأحداق إلى عيوننا، وتعود بعض القلوب إلى صدورنا.
ترافق وصول الأسرى المحرّرين إلى المناطق المحرّرة مع وصول قافلة الشهداء، ومن بينها نجل الأمين العام.
تسلّمت فصائل المقاومة جثامين شهدائها، وأقيمت لهم مراسم التشييع في المناطق اللبنانية.
=السيّد حسن نصر الله: عملية التبادل هذه هي عملية إنسانية بحتة، ليس لها أي دلالات سياسية، وليس لها أي معنى سياسي، ونرفض أن يكون لها أي دلالات سياسية وأي معنى سياسي.
مع العدو الإسرائيلي مع الغدّة السرطانية كما كان يقول الإمام الخميني، مع الشر المطلق كما كان يقول الإمام موسى الصدر، مع هذا العدو المتوحش والمحتل، ليس هناك عندنا إلا لغة واحدة: هي لغة الرصاص والدماء والجهاد والشهادة والمقاومة.
أُنجزت عملية التبادُل عام 1998، وهو ما فتح الباب أمام عمليات تبادُل فرعية إضافية، أحد مداخلها المعطيات حول رون أراد.
وفيق صفا: هنا يأخذنا إلى تبادُل مع الألمان: تبادل بالـ98 وتبادُل بالـ99، لكن هذا نسمّيه تبادُلاً فرديًّا أو إفراديًّا.
جرى التمهيد الإسرائيلي لعملية التبادُل عام 99 بقرارات صوَرية صدرت عن المحكمة.
عبد الكريم عبيد: نحن عندما نأتي إلى المحكمة، يأتون لنا بمترجم ليس له علاقة بالأمور التي تعتبر قرارات لمعرفة ظاهرية لا المحقّق ولا القاضي فيها. هم ليسوا أصحاب القرار، هذا كان يعرف.
أنور ياسين: بالمحكمة، هم وضعوا محاميًا من عندهم. منطق أن تضعي محاميًا كأنك تقولين: 'نعم، هناك قضاء ذاهب للتقاضي أمامه'. بالوقت الذي كنت أشعر فيه من البداية كلما يتعلق بهذا العدو، من الجندي ورجل الأمن، المحقّق، للقاضي، للمحامي الذي يعيّن، هؤلاء بالنسبة لي هذا المشروع الاحتلالِي، هذا مشروع غريب عن أرضي، هو جزء من هذه المسرحية وهذا الاحتلال وهذا العدوان.
في 27 من كانون الأول (ديسمبر) العام 1999، جرى إطلاق خمسة معتقلين من داخل فلسطين المحتلّة، واستعادة أجساد شهداء للمقاومة، بوساطة ألمانية، في إطار السعي الألماني للحصول على معلومات عن رون أراد.
نعيم قاسم: رون أراد من المسائل المستعصية، بذلنا جهودًا كبيرة، وسنستمر في بذل الجهود لمعرفة مصيره.
عبد الكريم عبيد: ولاحقًا حدثت عمليات تبادُل بالـ99، ولحقًا علمت بها. كانت هذه ربما بدأت جزءًا من المفاوضات عليها. لكن أعرف تسريب الأخبار: في إخوان خرجوا، إذا في إخوان خرجوا، لماذا خرجوا؟ من جملتهم سنة 99: الشابان اللذان كانا معي أحمد عبيد وهاشم فحص خرجا. خرجا إذاً إما هناك مفاوضات، أو جزء معين هناك تبادُل عليه.
فضلاً عن الأسرى الخمسة الأحياء، استعاد حزب الله في تبادل عام 99 أجساد عدد من شهدائه.
وفيق صفا: هذه التبادُلات.. هنا جئنا لمرحلة الـ2000.
عبد الكريم عبيد: مطلع سنة 2000، سُمِح لنا أو أُعطينا من قبِل المحكمة أو هم أو كذا، سُمِح لنا بتلفزيون وقنوات تلفزيونية.
وضعت المقاومة خلال عمليات التبادُل السابقة شروطًا تتعلّق بوضعية الشيخ عبد الكريم والحاج مصطفى الديراني داخل فلسطين المحتلة، بما فيها زيارات الصليب الأحمر الدولي.
مصطفى الديراني: في سجن أشمورت، كانوا همّ الإسرائيلي بلا شك يتحكّم بموضوع نقل الرسائل وتمديدها والمُمطالة بها. عندما يأخذ منا رسائل أو يأتي بالرسائل من الصليب الأحمر، هو كان إلى حد ما يتحكّم بمسألة المدّة في نقل الرسائل.
عبد الكريم عبيد: حتى نحن رأينا الصليب الأحمر مثلاً، أقول عن شخصي خاصة أنا لم أره قبل سنة 2000. بمبادرة يعتبروها إنسانية، بعد الاعتقال حوالى 11 سنة، يقول: عندما توفيت الوالدة، والله – رسالة من الأهل يخبرونني فيها وفاة الوالدة.
مصطفى الديراني: كنا نعرف بأن هذه الرسائل عليها رقابة، إذا أمر لا يريدون إمراره، لا يمر. نكتب رسائل، ننتظر ردًّا. من وقت لآخر، تبادُل رسائل بيننا وبين الأهل.
عبد الكريم عبيد: أنا يومها أُعطيت هذه الرسالة، قرأتها، لم يعطوني إيّاها لأستطيع أخذها معي. الصليب الأحمر قال لي: 'اقرأها هنا'. قرأتها، أُعطيت أوراقاً، ورددت عليها.
بداية عام 2000، كان 25 معتقلًا في الخيام، بينهم نساء، و2 من سجون فلسطين، ضمن صفقة تبادُل مقابل معلومات إضافية عن رون أراد وجثة الغريق الذي قذفه البحر إلى شاطئ لبنان.
تولّى الصليب الأحمر الدولي نقل معتقلي الخيام من المنطقة المحتلّة عبر معبر كفر تبنيت إلى المناطق المحرّرة.
نبيل قاووق: إسرائيل لا تزال عدوّة، ولا يصدر منها العمل الإنساني، ولا يصدر منها أيّ حُسن نيّة. جهود المقاومة ستستمر، وإننا نعتبر أن الرهان الأكبر في عودة الأسرى والمعتقلين يبقى على عاتق المجاهدين.
السيّد حسن نصر الله: فليسمعني العدو قبل الصديق، كل الأسرى =والمعتقلين، بمن فيهم الشيخ عبد الكريم عبيد وأبو علي الديراني، يجب أن يُطلق سراحهم قبل الانسحاب إلى الحدود الدولية.
في نيسان (أبريل) عام 2000، أي قبل تحرير جنوب لبنان، أفرج الاحتلال الإسرائيلي عن 13 معتقلًا من سجون فلسطين المحتلة.
جرى نقل المعتقلين عبر الحدود اللبنانية، ووصلوا إلى المناطق المحرّرة من خلال معبر كفر تبنيت.
وصل المحرّرون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، وكان في استقبالهم الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله؟
السيّد حسن نصر الله: هؤلاء جميعًا يجب أن يعودوا قبل الانسحاب الإسرائيلي إلى الحدود، ومن حقنا – وهنا أريد أن أعيد وأكرّر – نحن قوم لا نترك أسرانا ومُعتقلينا في السجون، وسنفعل أي شيء من أجل استعادتهم لحرّيتهم، إن شاء الله.
وفيق صفا: مرحلة التحرير سنة 2000 على المستوى العسكري، على المستوى السياسي، على المستوى المعنوي. الإسرائيلي أعلن أنه سيغادر في تموز. كان وقتها خرج وتحدّث رئيس الحكومة إيهود باراك أنهم سيغادرون في تموز. قيادة المقاومة قرّرت أن لا يخرج الإسرائيلي – في حال خروجه – إلا تحت النار.
وفيق صفا: ولذلك بدأ تصعيد العمليات، العمليات الهجومية، القصف، الخ... دفع الإسرائيلي للخروج في أيار، أولًا خرج تحت النار، ثانيًا لم يكن لا هدنة سياسية، ولا هدنة عسكرية، ولا هدنة أمنية. ثالثًا، لم يكن هناك شيء اسمه ترتيبات أمنية، كلها هذه كانت مرفوضة. كلما حصل أن يخرج الإسرائيلي ذليلًا مهزومًا تحت النار، وهذا ما حصل سنة 2000.
الـ25 من أيار (مايو) 2000، كان لبنان على موعد مع التحرير، وكان معتقَلو الخيام على موعد مع الحرية.
وفيق صفا: الأمر الثاني: الخيام، أُفرج عن عدد كبير من المعتقلين بوساطة حزب الله والأهالي من معتقل الخيام، كان لهم ترتيب خاص التقوا سماحة السيّد بالشورى.
عبد الكريم عبيد: الحمد لله والشباب والناس والإخوان في الخارج، خاصة الخبرية الكبيرة أسرى الخيام جميعهم حرّروا.
أنا أذكر في 24 أيار، كان عندنا محكمة. عندما ذهبنا للمحكمة، نظر إليّ المترجم وقال: 'شو جايين تعملوا اليوم؟ الكل خرج!' قلنا له: 'نحن'، هو رأى كل من في الخيام غادر كسرت القيود.
السيّد حسن نصر الله: ملف المنطقة التي احتُلت سنة 1978 انتهى، لكن الأرض اللبنانية لم تُحرّر بالكامل ما زالت هناك مزارع شبعا. معتقل الخيام انتهى، ولكن ونحن ننظر إلى كل هذه الوجوه السعيدة لا يمكننا مع مطلع فجر هذا اليوم أن ننسى إخواننا الأعزّاء والكبار: سماحة الشيخ عبد الكريم عبيد، والأخ المجاهد الأخ الحاج أبو علي الديراني، وكل الإخوة المسجونين المحتجزين في سجون داخل فلسطين المحتلة.
عبد الكريم عبيد: صار التحرير، وكان عندنا تلفاز، أُعطينا مطلع سنة 2000، في 24 و25 أيار صار التحرير، رأينا التحرير والصوَر، من دون مبالغة إذا الواحد يبكي ويقول يا حبّذا لو كنا في الخارج، فرحنا أن لبنان، العمل الذي قام به الأسير، إذا كان مقاوماً، كلفه أسره، هذا العمل أثمر، أن هذا نصر.
وفيق صفا: جاء كوفي أنان، طلب زيارة لبنان، وطلب لقاء سماحة السيّد. وجاء إلى لبنان، والتقى سماحة السيّد. وكان سماحة السيّد باستقباله. كنت أنا أرتّب موضوع اللقاء، وكنت حاضرًا باللقاء. كان كوفي أنان ومعه موظّفان له. بالحقيقة، كانت هناك نقطة أساسية عند كوفي أنان، وكانت هناك نقطة أساسية عند سماحة السيّد.
النقطة الأساسية عند كوفي أنان: أن الإسرائيلي خرج، والجنوب هادئ، ونحن نأمل أن يبقى الوضع هادئًا، ونصل لمكان الأمور تنتهي عند هذا الحد. هذا كل تركيزه عليه.
وقتها سماحة السيّد قال له: معكم شهر. خلال هذا الشهر، إذا لم يُفرَج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، نحن لدينا الحق في أن نقوم بعمليات أسْر. طوينا الصفحة سنة الـ2000.
السيّد حسن نصر الله: أنا سمعت =من بعض الأصدقاء الأوروبيين، ومن في محيط الأصدقاء الأوروبيين، أن حكومة باراك تريد أن لا تبقي حجّة لحزب الله – أية حجّة – لا تريد أن تبقيها. جيّد! أنا أقول: الأسرى والمعتقلون هم حجّة، وأتمنّى أن لا يُبقي هذه الحجّة، وأن يُطلق سراح الأسرى والمعتقلين، وأن لا يحتفظ بأي أسير لبناني، وبأي شبر من الأرض اللبنانية.